الكاتب: importuser

  • في قلب البلقان …حيث تتنفس المدن ذاكرة وحكايات

    في قلب البلقان …حيث تتنفس المدن ذاكرة وحكايات

    انطلقتُ رحلتي من سراييفو، تلك المدينة التي تحتضن جراح الماضي بين طيات جسورها العتيقة، وتُطلِق أنفاس الأمل من بين أنقاضها. هناك، حيث يتهادى نهر ميلياتسكا كشاهدٍ على القرون، بدأت خيوط رحلتي تتشابك كسجادة بلقانية مطرزة بالأسرار.

    والآن، تتجه خطواتي نحو الجبل الأسود – أو مونتينيغرو – تلك الجوهرة المختبئة بين صخور البلقان، حيث تلامس قمم الجبال الشماء زرقة الأدرياتيك، وتهمس القرى القديمة بحكايات بيزنطية وعثمانية ويوغوسلافية. إنها دولة فتية العمر، عميقة الجذور، تسير بثقةٍ بين الماضي والمستقبل، كسفينةٍ صغيرةٍ تحمل تراثاً ثقيلاً بأشرعةٍ

    بعد مغادرة سراييفو، انعطف بنا الطريق عبر متاهات من الوديان الخضراء والجبال التي تبدو كحراسٍ أبديين. السيارة تقودها يدُ الصديق إحسان، بينما تقودني الأسئلة إلى عمق التاريخ. مائة وثلاثون كيلومتراً من المنعطفات، كل منها يروي فصلاً من حكاية هذه الأرض.

    و صلنا نيكشيتش Niksicكالغرباء الحذرين، لكن المدينة استقبلتنا كصديقٍ قديم. ليست صاخبةً كغيرها، بل هي ككتابٍ مفتوح، صفحاته شوارع نظيفة، وكلماته نوافذُ تطل على الزمن البائد.

    تقع نيكشيتش** (Nikšić) في غرب الجبل الأسود**على بُعد نحو 50 كم من العاصمة**بودغوريتسا**. تُعد ثاني أكبر مدن البلاد، وتتميز بموقعها بين الجبال الخضراء مما يمنحهاطبيعةً خلابة

    في قلبها، وقف تمثال الملك نيكولا الأول شامخاً على حصانه، كحارسٍ للذاكرة.

    اجبر الملك نيكولا بعد الحرب العالمية الأولى،  على التنازل عن العرش بعد ضم الجبل الأسودإلى مملكة الصرب والكروات والسلوفينيين ( يوغوسلافيا لاحقا .

    لحظة توقفت فيها أنفاسي: التمثال ما زال قائماً! لم يُهدم كما يُهدم التاريخ في أماكن أخرى حين تتغير الأنظمة. هنا، في نيكشيتش، لا يُحاكم الماضي بالعواطف، بل يُترك كمرآةٍ للأجيال. التمثال ليس مجرد نحتٍ من البرونز، بل هو سؤالٌ معلق في الهواء: *من هذا الرجل؟ ولماذا بقي؟ وكيف تغير العالم من حوله؟*

    هذه المدينة تعرف فنَّ التعايش مع تاريخها دون خجلٍ أو تبجيلٍ مفرط. إنها تقدّم ماضيها كما هو: حكايةٌ لا تحتاج إلى تزيين.

    البلقان… لوحةٌ من الفسيفساء والتناقضات

    سأمضي قدماً في رحلتي عبر هذه المنطقة التي تشبه قصيدةً مكتوبةً بعدة لغات. هنا، تتعانق المآذنُ مع أجراس الكنائس, وتتلاقى القرى الألبانية مع المدن الصربية في رقصةٍ قديمة من التعايش والصراع. إنها أرضٌ لا تفهمها إلا إذا أصغيتَ إلى همساتِ تاريخها الطويل.

    لقد كانت يوغوسلافيا يوماً كياناً واحداً، ثم انفجرت كزجاجة عطرٍ في يد طفل، تاركةً عطرها يُعبق في سبع دول: **البوسنة، الجبل الأسود، مقدونيا، صربيا، كوسوفو، سلوفينيا، وكرواتيا**. كلٌّ منها يحمل جرحاً، وكلٌّ منها يحمل حلماً.

    متعتي في السفر تتيح لي بصفتي مهندساً وخبيراً في التخطيط الحضري، ان أرى المدن كائنات حيةٍ تنبض . أقرأ شوارعها كأسطرٍ من مذكراتها، وألمس تاريخها في وجوه أهلها. وأنا هنا برفقة صديقَيّ العزيزين شاكر وإحسان ، نبحث عن الروح الخفية لهذه الأماكن.

    هذه الرحلة ليست إلا فصلاً جديداً من كتابي الذي لم يُكتب بعد، (مدن وذكريات ) والذي آمل أن يرى النور مع الربيع القادم. كتابٌ يجمع بين حكايات السفر واسرار المدن و زيارة سريعة للتاريخ يجمع ، بين بهجة الاكتشاف وعمق التأمل.

    فالمدن التي تصادفنا في حياتنا ليست مجرد مكان… إنها فصل في رحلة حياة

  • سراييفو: حين يروي الحجر ذاكرة التاريخ وتوشوش الأزقة بأسرار الزمن

    جئنا إلى سراييفو، نحن الثلاثة، من كندا… أنا، وصديقيّ العزيزين شاكر وإحسان، في رحلة قصيرة لكنها مشحونة بالدهشة والانبهار. كنا قد قررنا أن نترك خلفنا صخب الحياة اليومية ونمنح أنفسنا فسحة لاكتشاف دول البلقان وبدأناها من سراييفو مدينة تقف على تقاطع التاريخ، الدين، والجمال الطبيعي. ولم يخيب ظنّنا. فهذه المدينة، رغم ما شهدته من مآسٍ، ما تزال تحتفظ بهدوءها الجليل، وبطاقة لا تنضب من الحكايات.

    بين ظلال المآذن… زيارة إلى جامع الغازي خسرو بك

    كانت محطتنا الأولى هي جامع الغازي خسرو بك، أحد أروع معالم البوسنة الإسلامية. وقفنا أمام أبوابه الخشبية الثقيلة، نشعر بخشوعٍ لا مصدر له سوى عبق التاريخ. هذا المسجد، الذي بُني في القرن السادس عشر، لم يكن فقط تحفة معمارية، بل شاهدًا حيًا على حقبة من التسامح الحضاري والازدهار الثقافي الذي عرفته سراييفو.

    تأملنا مئذنته العالية التي تعانق السماء، واستمعنا إلى صوت الأذان وهو يخترق الفضاء برهافة كأنّه ينسج صلاة من الضوء والصوت. زُرنا أيضًا المتحف المرافق والتُربتين حيث يرقد الغازي خسرو بك ومعلمه محمد حدى، فشعرنا كأننا نُصافح الذاكرة ونسير برفق داخل سجل مفتوح من المجد العثماني في قلب أوروبا.

    ولم يكتمل جمال المشهد إلا بوجود كنيسة مهيبة تقف بتواضع مقابل المسجد، كرمز حيللتعايش الديني الذي تتنفسه المدينة، حيث يمتزج صوت الأجراس مع نداء المؤذن في لوحةإنسانية رائعة تروي قصة التسامح عبر العصور.

    الاغتيال الذي أشعل حربًا… بتقنية الواقع الافتراضي

    في اليوم التالي، قصدنا متحفًا من نوع مختلف: VRX Sarajevo – المتحف التفاعلي للواقع الافتراضي. هناك جلسنا على مقاعد صغيرة، لنشاهد فلم قصير لننتقل مباشرة إلى صباح يوم 28 حزيران 1914.

    كنا فجأة في شوارع سراييفو القديمة، نشهد لحظة زيارة الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وزوجته صوفي تشوتيك. رأينا الموكب يمر بين الحشود، وسمعنا الطلقات التي دوّت في الذاكرة البشرية إيذانًا باندلاع الحرب العالمية الأولى.

    رافق العرض القصير، جمع بين التوثيق والسرد، وأضاء على التوتر السياسي في البلقان آنذاك. خرجنا من المتحف ونحن نهمس لبعضنا: من كان يتخيل أن رصاصة في زاوية شارع، يمكن أن تغيّر وجه العالم؟

    بشارشيا… حين تصير الذاكرة ملموسة

    وقبل أن نغادر سراييفو، كان لا بد من أن نمشي في أزقتها الضيقة المرصوفة بالحجر، وتحديدًا في سوق بشارشيا العثماني العتيق. هنا، حيث تختلط أصوات الباعة بروائح القهوة والبهارات والنحاسيات، شعرنا أننا لسنا سياحًا بل أبناء المدينة.

    وقفنا أمام سبيل الماء “Sebilj” وتذوّقنا القهوة البوسنية الأصيلة. مررنا على محلات الصفارين، التي ذكرتنا بسوق الصفافير في بغداد وعلى برج الساعة الذي لا يزال يعمل وفق التقويم القمري، وعلى واجهات تعرض المطرزات والسجاد وكأنها صفحات من تاريخ حيّ.

    ورغم بساطة المكان، كان قلب المدينة يخفق تحت أقدامنا… مدينة يلتقي فيها المسجد والكنيسة والكنيس في مربع واحد، بلا صراع، بل بنبض مشترك.

    بعد الضهر قصدنا المتحف الوطني للبوسنة والهرسك، وهو واحد من أعرق المؤسسات الثقافية في المنطقة. خلف جدرانه الكلاسيكية الصفراء، تنفتح أبواب الذاكرة على ماضٍ طويل يمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الحقب العثمانية والنمساوية.

    تجولنا بين أروقة المتحف، حيث استوقفتنا مخطوطة سراييفو هاغادا، واحدة من أقدم مخطوطات التوراة المصورة في العالم، وقد حُفظت هنا بقدسية واحترام. شاهدنا قطعًا أثرية تعود لآلاف السنين، بقايا معابد وأدوات وأوانٍ فخارية، وسجادًا تقليديًا يعكس تنوع الحرف اليدوية في البلاد ومعدات نحاسية علق عليها صديقي احسان انها تشبه كثيرا اواني النحاس العراقية !

    كان المتحف ليس فقط نافذة على التاريخ، بل على روح الشعب البوسني المتعدد، الذي حمل عبر القرون ثقافاتٍ متداخلة وصاغ منها هوية فريدة، تستحق الاحترام والفهم.

    رحلة إلى الأعلى… حيث تلتقي سراييفو بالسماء

    في آخر النهار، قررنا أن نختم جولتنا بطريقة مختلفة… بالصعود نحو القمة. توجهنا إلى محطة التلفريك القديمة، حيث أخذتنا العربات الهوائية (Cable Train) بهدوء نحو أعالي الجبل المطلّ على سراييفو.

    كانت الرحلة قصيرة زمنًا، لكنها عميقة أثرًا. كنا نعلو ببطء، والمدينة تتقلص تحتنا، كأنها مجسّم صغير من الذاكرة. رأينا مآذن المساجد وقباب الكنائس تتناثر بين الأبنية، كأنها تنشد معًا نشيدًا واحدًا بلغة التعايش.

    وعندما وصلنا القمة، كان المشهد ساحرًا. وقفنا على منصة المشاهدة، ونحن نلتقط الصور ونلتقط أنفاسنا أيضًا. هناك، بين الغيم والأفق، شعرنا أن سراييفو ليست مجرد مدينة… بل حكاية ترتفع بك كلما اقتربت منها

    رفقة السفر… دفء الذكريات

    ما جعل الرحلة أجمل وأعمق، هو أنني لم أكن وحدي. كان شاكر بروحه المرحة و حساباته الدقيقة، وإحسان بعمقه الإنساني وتفاؤله الهادئ، رفيقين في هذه الجولة التي ستبقى في الذاكرة. تحدثنا كثيرًا، وتأملنا أكثر، واكتشفنا أن المدن لا تكشف أسرارها إلا لمن يسير فيها بقلب مفتوح.

    الوداع… على وعد بالعودة

    في صباح اليوم التالي، غادرنا سراييفو، وكل منا يحمل في داخله مشهدًا خاصًا، وذكرى لم تُلتقطها الكاميرا، بل القلب.

    لكن الرحلة لم تنتهِ بعد… فقد قررنا أن نستكشف بقية دول البلقان في الأيام القادمة، حيث نتابع المسير إلى مدن جديدة، وجبال أخرى، وحكايات لم تُروَ بعد.

    وسأرويها لكم قريبًا.

  • طرابزون في اربعة ايام :حكاية مدينة

    بين “المائدة” والحرير: فاتحة الحكاية

    قبل أكثر من ٢٦ قرنًا، اختار تجار يونانيون هضبةً تُشبه المائدة — “Trapizu” باليونانية — وشقّوا على قمّتها مدينةً ستصبح عقدةً رئيسة على طريق الحرير. هكذا وُلدت طرابزون، ملتقى القوافل بين أوروبا وآسيا، وحاضنة تاريخ لا يزال ينبض في حجارتها حتّى اليوم.

    مهندسًا ومخطّطًا حضريًّا، أحمل معي إلى أي مدينة أزورها أسئلةً عن كفاءتها في خدمة سكّانها، ومرونتها في وجه الكوارث والنمو، وقدرتها على صون هويتها. في طرابزون وجدتُ إجاباتٍ تتوالد مع كل منعطف، فأضحت رحلتي أكثر من سياحة؛ أصبحت درسًا حيًّا في كيفيّة موازنة الذاكرة بالحاضر والمستقبل.

    اليوم الأوّل | توقيع البحر والجبال

    مع أول نفحة هواء رطبة من البحر الأسود، بدت لي طرابزون لوحةً من فيروز وأخضر. الميناء القديم يتمسّح بأقدام الجبال، والحدائق المحاذية ترقّص ظلالها على الماء. بعد الظهيرة صعدتُ إلى قصر أتاتورك: مبنى أبيض يعانق السماء منذ مطلع القرن العشرين، بزخارف كلاسيكية جديدة وحدائق يانعة. هنا حاولت النخبة التركية آنذاك أن تُعلن انفتاحها على الحداثة الأوروبية، وأن تخلُق لنفسها هويةً جديدة دون قطع جذورها العثمانية.

    اليوم الثاني | إلى ديرٍ معلّق بين الغمام

    فجرًا، انطلقتُ مع أصدقائي عبر غابةٍ تهمس بصوت الجداول نحو دير سوميلا المحفور في صخر شاهق. كلّما ارتفع الطريق، بدا وكأنّ الجبل يلتهمنا ليُخفينا عن العالم. وعندما لاح المبنى الحجريّ في حضن الجرف، أحسستُ أنّني أقف على عتبة أسطورة معلّقة في الهواء منذ القرن الرابع الميلادي. هنا تلتقي الروحانية الأرثوذكسية بخشونة الطبيعة لتُبرهن أنّ الإنسان يستطيع تحويل الوعر إلى ملاذٍ سماوي. ليس غريبًا إذن أن يصبح آب/أغسطس موسمَ حجٍّ للمسيحيين الأرثوذكس إلى هذا المكان.

    اليوم الثالث | قلب المدينة القديم… وتلك الأصداء

    عدتُ إلى حضن طرابزون القديمة، حيث البازار ما زال يزقزق كعصفورٍ عجوز يعرف أسرار التجّار. بين الأزقّة، قادني أذان العصر إلى مسجد جولبهار خاتون: مثالٌ على كيف كانت العثمانيةُ توفّق بين العبادة والحياة اليومية، فالمسجد لا ينفصل عن السوق ولا المدرسة ولا البيت. ثمّ تابعتُ إلى آيا صوفيا طرابزون — الكنيسة البيزنطية التي صارت مسجدًا ثمّ متحفًا — فقرأتُ على جدرانها المخطوطات الجدارية وكأنّها حوارٌ صامت بين فنَّين: بيزنطيٍّ ينسج الفسيفساء، وعثمانيٍّ ينقش الأقبية.

    اليوم الرابع | طرابزون الحديثة ترسم وجهها

    أردتُ أن أختبر نبض الحاضر، فذهبتُ إلى أحياء بيليتلي ويومرا وبوزتبه. شوارع واسعة، مباني متوسطة الارتفاع، ممرات مشاة ودراجات، ومراكز تجارية تتربّع بثقة. ما شدّ انتباهي هو الامتداد الطولي للمدينة بين البحر والجبال: توسُّع يقرأ تضاريسه قبل أن يخطّط، فيحافظ على التهوية الطبيعية ولا يبتلع الساحل. الكورنيش الجديد يُعيد ربط الناس بمياههم: حدائق، مقاهٍ مفتوحة، وممشى يشرّع الزرقة للجميع لا لمستثمرٍ يضع حاجزًا أسمنتيًّا بين المدينة وبحرها.

    في المقابل، ما تزال نواة أورطه حصار التاريخية تنبض بأزقتها المتعرّجة وبيوتها العثمانية المتلاصقة، تخضع لترميمٍ يُبقي على روح الخشب والحجر ويضيف بنية تحتية تناسب القرن الحادي والعشرين. هكذا يتجسّد مبدأ المدينة المستدامة: الحفاظ على الماضي، وامتصاص حاضرٍ سريع التحوّل، والتأهب لمستقبلٍ يطرق الأبواب.

    خلاصة المسافر والمخطِّط

    طرابزون ليست مزارًا عابرًا على شاطئ البحر الأسود. إنّها مختبرٌ حضريّ يبرهن أنّ التوازن بين الذاكرة والتنمية ممكن إذا احترمنا الجغرافيا وأصغينا إلى تاريخ المكان. في أربعة أيّامٍ فقط، انتقلتُ بين معابد معلّقة، وأسواقٍ تنبض، وأحياءٍ حديثةٍ تنحت مكانًا بين جبلٍ وبحر. رأيتُ مدينةً تُجيد سرد قصّتها بلا كلمات؛ يكفي أن تلمس حجارتها، أو تتبع نداء الموج، لتفهم حكايتها.

    طرابزون، باختصار، ميناءٌ قديم تحوّل إلى مدينةٍ ديناميكية، تحاول معالجة تحدّيات الإدارة البيئية والنمو السكاني دون أن تتخلّى عن هويةٍ صاغتْها الحضارتان البيزنطية والعثمانية معًا. وهي تقدّم درسًا ثمينًا لكل مدينةٍ تتطلّع إلى المستقبل: لا تنمو على حساب ذاكرتك، ولا تتجمّد تحت وطأة تاريخك.

  • حين يحفر الايمان مسكنه في الجبل

    حين يحفر الايمان مسكنه في الجبل

    حوالي الساعة العاشرة صباحا ، انطلقنا – أنا والدكتور ناصر، ومع الأصدقاء الأعزاء شاكر وفريد، برفقة السائق التركي ذو الوجه الباسم سليمان – في باص مريح نحو واحدة من أعاجيب تركيا المخفية: دير سوميلا.

    ارتدينا أحذية مريحة ومعاطف خفيفة استعدادًا للمشي تحت المطر والصعود الشاق، للاستمتاع بالمناظر الخلابة للوادي والغابات المحيطة.

    دير سوميلا، أحد أشهر المعالم التاريخية والدينية في تركيا، يقع على سفح جبل شديد الانحدار في منطقة ماكا، قرب طرابزون على ارتفاع حوالي 1200 متر فوق مستوى سطح البحر، محاطًا بغابات كثيفة.

    عند سفح الجبل كان الدير يبدو كأنه معلّق بين الأرض والسماء، يطل على وادٍ أخضر يعانق الضباب ويعود تاريخه لأكثر من 1600 عام. تأسس في القرن الرابع الميلادي، عندما ظهرت السيدة العذراء في حلم لراهبين يونانيين، أمرتهما ببناء كنيسة في هذا المكان. منذ ذلك الحين، أصبح الدير ملاذًا روحيًا ومزارًا للرهبان والمحبين للعزلة.

    خلال عصر إمبراطورية طرابزون، ازدهر الدير كمركز ديني مهم للمسيحيين الأرثوذكس، وكان الوصول إليه يتطلب تسلق ممرات صخرية ودرجات منحوتة في الجبل. لم يكن هناك طرق معبدة بالمعنى الحديث، بل كانت المسارات الطبيعية والسلالم الحجرية البسيطة هي الوسيلة الوحيدة للوصول.

    بعد فتح العثمانيين لطرابزون عام 1461، سمح السلطان محمد الفاتح للدير بالاستمرار في نشاطه الديني.

    توقفت السيارة بعد ان ابتعدنا حوالي ٥٠ كيلومتر من مدينة ترابزون حيث غادرناها وبدأنا مسار الصعود الصعب، الذي قد يبدو قصيرًا، لكنه كان شاقًا، حيث صعدنا حوالي 400 متر.

    ما إن بدأنا التسلق عبر المسارات الحجرية، حتى شعرت وكأننا نرتقي نحو طبقات أخرى من الزمن. كانت الطرق ملتوية، تحفّها أشجار شاهقة وصوت المياه المنحدرة من الجبال. ومع كل خطوة، كانت الرهبة تتعاظم، حتى بدت واجهة الدير كأنها نبتت من الصخر نفسه، كنقش أبدي لا يمكن محوه.

    يتكون الدير من كنيسة كهفية مزينة بجداريات فريسكو مذهلة تُصور مشاهد من حياة السيد المسيح والعذراء، تحيط بها غرف الرهبان ومكتبة ومطبخ. كان الدخول أشبه برحلة إلى قلب الصمت، حيث يتحدث الحجر وتهمس الظلال، ويشبه الضوء المتسلل من نوافذ صغيرة الصلاة.

    تخيل نفسك مكان أحد رهبان دير سوميلا قبل مئات السنين…

    الصعود إلى الدير كان رحلة شاقة بلا طرق معبدة أو سلالم مريحة. كنتَ تحمل مؤونتك على ظهرك، تتسلق الصخور بيدين مرتعشتين، بينما الرياح تضرب جسدك النحيل. في الشتاء، كان البرد القارس يتسلل إلى عظامك، وفي الصيف، تذوب تحت أشعة الشمس الحارقة.

    لكنك مع ذلك تصعد، لأن إيمانك أقوى من الخوف.

    للراهب الدير ليس مجرد مبنى، بل هو ملجأ الروح. بين تلك الجدران الصخرية، تشعر أنك أقرب إلى السماء.

    اليوم، الزوار يأتون بسهولة بالسيارات والمسارات الممهدة، لكن ذكرى أولئك الرهبان ما زالت عالقة في كل حجر من أحجار الدير… تذكير بأن الإيمان الحقيقي يحتاج إلى صبر وتضحيات.

    عدنا إلى طرابزون مع حلول الساعة الثالثة عصرًا، فتوجهنا مباشرة إلى زيارة جامع آيا صوفيا، الذي كان سابقًا كنيسة بيزنطية، ثم تحول إلى مسجد بعد سيطرة العثمانين، ثم إلى متحف، ليعود الآن جامعًا تتقاطع فيه الروايات وتتصافح فيه الحضارات.

    جامع آيا صوفيا في طرابزون هو مبنى يعكس طبقات التاريخ تحت قبة واحدة، حيث يتداخل فيه عبق الزمان وجمال العمارة. في باحته الهادئة، تداخلت أصوات الطيور مع أصداء المصلين. تأملت الزخارف القديمة والفريسكات التي لا تزال تحتفظ ببعض من بريقها، رغم مرور القرون.

    بينما كانت الشمس تميل نحو المغيب، وبعد يوم حافل تناولنا غذائنا في المطعم المطل على البحر، نستعيد تفاصيل الرحلة، وكأنها تختتم فصلاً من فصول التأمل في التاريخ والدين والإنسان.

  • البيت الذي لم يغادره صاحبه… حين تصير الذاكرة واجبًا وطنياً

    غادرت باتومي في الصباح ، متجهًا نحو الحدود الجورجية-التركية، التي لا تبعد أكثر من عشرين كيلومترًا. على الجانب التركي، كانت السيارة بانتظاري—تنسيق رتبه بعناية أخي وصديق العمر، الدكتور ناصر المنصوري، الذي اعتاد قضاء عطلته الصيفية في مدينة طرابزون، المدينة التي طالما سحرت الزائرين بجمالها الهادئ وتضاريسها الخضراء المطلة على البحر الأسود.

    امتد الطريق بين الحدود وطرابزون لمسافة تقارب 180 كيلومترًا، وعلى جانبيه تنوعت المشاهد بين البحر من الغرب، حيث الموج يلامس الصخور، وسلاسل جبلية خضراء تتصاعد شرقًا، تتخللها شلالات صغيرة وقرى متناثرة كأنها حكايات تنتظر من يرويها.

    كان الدكتور ناصر، وهو خبير في تخطيط الطرق والمدن، رافقته في محطة مهمة من حياتي المهنية حيث كان وكيلا لدائرة التخطيط ( وزارة التخطيط في إمارة ابو ظبي )في دولة الإمارات في تسعينيات القرن الماضي. كان يعلم جيدًا شغفي بتاريخ المدن وذاكرة الأماكن، فاقترح علي التوقف في مدينة أرزينجان (أو كما يسميها البعض “أرزي”)، حيث يوجد منزل منسوب لمصطفى كمال أتاتورك.

    محطة عابرة… لكنها لا تُنسى

    في أحد أحياء أرزينجان الهادئة، وعلى سفح منخفض لا يكاد يُرى من الطريق السريع، وقف بيت أتاتورك هناك، متواضعًا من الخارج، لكنه مشبع بالرمزية. المبنى عبارة عن منزل من طابقين، بني بالحجر والخشب، بواجهات بيضاء ونوافذ واسعة تطل على الحقول المحيطة.

    ما إن ولجتُ إلى الداخل، حتى شعرت أنني أدخل زمناً مختلفاً. الغرف بسيطة، خالية من البهرجة، لكنها تحتفظ بأثاث أصلي، ولوحات فوتوغرافية نادرة تُظهر أتاتورك في زياراته إلى شرق الأناضول. في إحدى الزوايا، رُصّت كتب باللغة العثمانية، وإلى جانبها خريطة قديمة لتركيا ما بعد الجمهورية. هناك أيضًا آلة كاتبة ومكتب خشبي، قيل لي إن أتاتورك استخدمه خلال إحدى زياراته الرسمية للمنطقة.

    كانت الزيارة قصيرة، لكنها مكثّفة بالمشاعر. فحتى في بيت متواضع كهذا، تشعر بأن الرجل الذي غيّر وجه تركيا ترك أثره في كل زاوية وكل تفصيلة.

    إلى طرابزون… حيث الذاكرة الكبرى

    بعد تلك الوقفة القصيرة، أكملت رحلتي نحو طرابزون. وبعد الضهر ، وصلت إلى المدينة، وتوجهت إلى بيت أتاتورك الواقع في منطقة بوزتيبي، حيث يقف شامخًا على تلة خضراء مطلّة على البحر الأسود، وكأنما يحرس الذاكرة الحديثة للجمهورية التركية .

    بُني هذا القصر عام 1890 على يد المواطن العثماني كونستانتين كباياندي، ليكون منزلاً صيفيًا لعائلته من أصول يونانية أو أرمنية. غير أن كل شيء تغيّر بعد اتفاقية لوزان عام 1923، حين تم تنفيذ اتفاق تبادل السكان بين تركيا واليونان، فغادر مئات الآلاف من المسيحيين الأرثوذكس البلاد، واستُبدلوا بمسلمين من أصول أناضولية عاشوا طويلاً في اليونان. وهكذا، تحوّلت ملكية القصر إلى الدولة التركية، كما تحوّلت مصائر كثيرة، وبقيت الجدران صامتة، تحفظ الحكايات في طياتها.

    في 15 أيلول/سبتمبر 1924، زار مصطفى كمال أتاتورك القصر للمرة الأولى، وكان قد أسّس الجمهورية التركية قبل أقل من عام. ربما شعر بأن هذا المكان يعكس ما كان يصبو إليه: أن يكون لتركيا وجهٌ جديد، عصريٌ وأصيلٌ في آنٍ معًا. في زيارته الثانية عام 1930، اتخذ قرارًا رمزيًا بأن يترك ممتلكاته للدولة التركية، في لفتة تجسّد مفهوم الدولة الوطنية الذي أراد ترسيخه.

    وبعد وفاته، قامت بلدية طرابزون في 6 نيسان/أبريل 1943، وزيّنته، وافتتحته متحفًا يحمل اسمه. ومنذ ذلك الحين، صار “بيت أتاتورك” مقصدًا لمن أراد أن يتلمّس لحظة من التاريخ لا تُروى في الكتب وحدها.

    حين يتكلم الحجر

    ما إن تخطو داخل القصر، حتى يغلفك شعور بالهيبة والسكينة. الجدران مزيّنة بزخارف ناعمة من طراز كلاسيكي، والسقف العالي تتدلّى منه ثريات كريستالية تلمع رغم العقود. الأرضيات من الخشب العتيق، تتناغم مع سجاد شرقي يذكّر بزمن كانت فيه الفخامة مرادفًا للبساطة المدروسة.

    الغرف مصمّمة بدقة، تحتفظ بعبق الماضي: مقاعد خشبية بمساند منحوتة، طاولات رخامية، مرايا مذهبة، وساعات حائط لا تزال تدقّ بصبر، كما لو أنها ترفض الاعتراف بمضيّ الزمن. وفي زاوية هادئة، مكتب صغير يُقال إن أتاتورك جلس عليه، وخطّ فيه أفكارًا تشكّلت لاحقًا في سياسات ومواقف.

    القصر مكوّن من ثلاث طوابق، لكل طابق روحه: في الأعلى، غرفة نومه البسيطة. لا بذخ فيها، بل صفاء وسكون. كأنها لم تكن مكانًا للراحة فقط، بل موضعًا للتأمل في مصير وطن وعبء القيادة.

    الحديقة… فصل من الجمال الخالص

    خارج القصر، تمتد حديقة غنّاء تشبه لوحة انطباعية نُسجت بريشة فنان. أشجار شامخة، زهور متنوّعة الألوان، ومسارات حجرية تتلوى بين العشب كأنها تدعو الزائر إلى السير ببطء، لا ليستكشف فقط، بل ليستشعر. في أحد أطراف الحديقة، مقعد خشبي يطل على البحر والمدينة. جلست عليه لحظات، وتخيلت كمال أتاتورك في يوم صيفي، ينظر إلى الأفق، يتأمل ما تحقق من حلمه الكبير… وما لم يتحقق بعد.

    ما يميّز القصر ليس فقط تاريخه، بل معماره الأوروبي، المبني بالحجر والطوب، الذي يعكس أثر الحضور الغربي في شرقٍ كان يتغيّر بسرعة. إنه بيت يحكي حكاية تركيا المتأرجحة بين الشرق والغرب، بين الأمس والغد، بين الإمبراطورية والجمهورية.

    وحين غادرت المكان، كان في ذهني صدى الفكرة التي تراودني كلما زرت موقعًا تاريخيًا حقيقيًا: أن التاريخ لا يُكتب فقط بالحبر، بل يُكتب أيضًا بالحجر، والخشب، والضوء المتسلل من نافذةٍ قديمة.

  • خاطرة الجمعة :السفر … مرآة للروح وجسر بين الشعوب

    من نيوزلندا البعيدة إلى جبال الأنديز، ومن أزقة مراكش إلى شارع محمد بورقيبة ومن مدن أوروبا الكلاسيكية إلى سواحل أمريكا اللاتينية النابضة بالحياة… عبرتُ مع العائلة أو رفقة الأصدقاء أكثر من ستين بلداً، باحثاً لا عن مجرد مشاهد طبيعية أو صور تُعلق على جدار، بل عن فهمٍ أعمق للإنسان.

    في كل رحلة، كنت أعود بحقيبة مليئة بما هو أثمن من الهدايا: دهشة طفلٍ أمام حضارة جديدة، وطمأنينة رجلٍ التقى بوجهٍ يشبهه في البسمة وإن اختلف في اللغة والملامح.

    لقد علّمني السفر أن الإنسان في جوهره واحد. في كل بقعة على هذه الأرض، هناك من يفرح بقدومك، من يعرض عليك المساعدة دون انتظار مقابل، من يدعوك إلى مائدته فقط لأنك غريب. كرم الضيافة لا جنسية له، وحب الخير لا دين له.

    في الأسواق الشعبية، على مقاعد القطارات، في المطارات، على الطاولات الخشبية في المقاهي القديمة… وجدتُ قصصاً، واستمعت لحكايات، وراقبت كيف تتعدد أشكال الحياة لكن تتوحد المشاعر.

    في كل مرة كنت أكتشف شيئاً جديداً عن الآخر… وشيئاً أعمق عن نفسي.

    إن السفر ليس مجرد انتقال في الجغرافيا، بل هو ارتحال في الزمن والتجربة والإدراك. هو مدرسة تفتح نوافذها على ثقافات متعددة، وتعلّمك التواضع، والانفتاح، والتسامح.

    ولأنني أؤمن أن لكل إنسان رحلة في داخله قبل أن تكون في خارجه، أقول لكل من يتابعني:

    سافروا متى استطعتم… لا لتبتعدوا عن أوطانكم، بل لتقتربوا أكثر من إنسانيتكم.

    فالعالم ليس كبيراً كما يبدو على الخريطة… بل هو صغير بقدر اتساع قلبك.

  • الذاكرة الحضرية: بين التماثيل الخالدة والهويات الهشة

    الذاكرة الحضرية: بين التماثيل الخالدة والهويات الهشة

    في لحظةٍ من صخب الحياة على كورنيش باتومي الساحر على البحر الأسود ، حيث يمتزج همس البحر بضجيج المدينة، وقفتُ مبهوراً أمام تمثال “إيليا تشافتشافادزه”. ذلك الرمز الجورجي الذي حوّل قلمه إلى جسرٍ بين الماضي والمستقبل، فصار اسمه محفوراً في ذاكرة المدينة كما هو محفورٌ على قاعدة الغرانيت. هنا، حيث تتنفس المدن تاريخها، تساءلتُ: لماذا تتحول مدننا إلى ضحايا النسيان بينما تصنع غيرها من التماثيل سفراءَ خالدين للهوية؟

    في المدن التي تعرف قيمة تراثها، لا يُنصب التمثال للزينة، بل ليصبح شاهداً حياً على حوار الأجيال. فـ”تشافتشافادزه” في جورجيا، مثل “شكسبير” في لندن و”طاغور” في الهند، ليسوا مجرد أسماء في الكتب، بل جزءٌ من النبض اليومي للمدينة. بينما نجد في مدننا الأسماء تتبدل بتبدل الحاكم :

    – جسر الملك فيصل الثاني، تلك التحفة المعمارية، يبحث عن هويته بين أسماء “14 تموز” و”الجمهورية”.

    – تمثال المنصور، مؤسس بغداد، الذي يتعرض للتشويه كلما تغيرت البوصلة السياسية.

    – اسماء مدن وأحياء التي تتبدل هويتها كجلدٍ ينسلخ مع كل نظام.

    وتماثيل تزال في لحظات غضب او انعدام الوعي بينما لا تزال تماثيل قياصرة روسيا وملوك فرنسا جاثمة تزين شوارع موسكو وباريس بالرغم من الثورة البلشفية والفرنسية التي ازالت هذه الأنظمة.

    الأمم العظيمة تبني هويتها على التنوع لا المحو. فلماذا لا نرى:

    – تمثال الجاحظ في شارع المتنبي، حيث كان يصوغ أفكاره التي غيرت العالم؟

    – اسم لمستشفى السيدة ماري شمعون، تكريماً لأول طبيبة عراقية كسرت قيود التقاليد؟

    – ساحة جواد سليم، حيث يمكن للفن أن يحاور نصب الحرية؟

    – حديقة ليلى قاسم في قلب السليمانية، تروي قصة الشهادة الكردية؟

    – شارع الخوارزمي في الرصافة،

    – جسر الرازي في الكرخ،

    – ساحة الوردي في الكاظمية… وآخرين

    -كذلك أبطالٌ نسيهم الوطن ولم ينسهم التاريخ، ففي وسط زحام النسيان، يقف أبطال ثورة العشرين شامخين لابد من تكريمهم أمثال :

    السيد محمد الصدر (1882-1956) قائد ديني وسياسي بارز في ثورة العشرين و أحد مؤسسي **الحكومة العراقية المؤقتة** بعد الثورة

    حيث قاد التحركات السياسية والدينية ضد البريطانيين

    عبد الوهاب النعيمي الذي حوّل معركة الرارنجية إلى ملحمة وطنية،

    حسين أبو غضيب المدافع عن النجف الذي اختار الشهادة على الاستسلام،

    سليمان الفيصل الذي سقى تراب كربلاء بدمائه،

    عبد الكريم الجريان الذي حوّل الديوانية إلى معقل للمقاومة

    الشيخ ضاري المحمود (1858-1927)زعيم عشيرة زوبع وأشهر مواقفه عندما قتل الكولونيل **جيرالد ليجمن ممثل الحاكم البريطاني

    اقترح إنشاء متحف التماثيل الوطني ليضم وجوه العراق خلال تاريخه الطويل، من حمورابي إلى رابعة العدوية إلى نزيهة الدليمي.

    فالتمثال ليس حجراً، بل عهدٌ بين الماضي والمستقبل. حين تزيل أمة تماثيلها، فهي تمحو تاريخها. فلنصنع من مدننا سجلاً حياً يروي قصة كل من ساهم في بناء هذه الأرض: شعراءً، وعلماء، وثواراً، ومفكرين، ورجالاً ونساءً من كل المكونات.

    إن الشعوب التي تحترم ماضيها، وحدها تستحق مستقبلاً يليق بتضحيات الأجداد.

  • تبليسي حيث يلتقي الماضي بالحاضر

    وصلت مطار تبليسي مع صديق عمري فريد الذي التقيته في اسطنبول حيث قدم من بغداد للقائنا السنوي كل صيف . وصلنا قُبيل الفجر على متن الخطوط التركيّة. بدت صالة الوصول شبه خالية كأنّ طائرتنا أولُ من يوقظ المدينة من سباتها الصيفي. خارج المطار اخترقنا طرقًا فسيحة ثم غصنا في المدينة القديمة، حيث تنحسر الشوارع وتتشبّث البيوت الخشبيّة بشرفاتها المعلّقة كعناقيد عنبٍ فوق الدروب. هناك التقيت صديقي شاكر القادم من كندا، ومعه انطلقنا حيث اتّسع الفجر لنا جميعًا.

    إيقاعٌ تاريخي تحت قلاع ناريكالا

    تحت ظلال قلعة ناريكالا، الحارسة الصامتة منذ القرن الرابع الميلادي، سرنا بين بيوتٍ ملوّنة تعكس تمازجًا فارسيًّا وعثمانيًّا وأوروبيًّا. في أبانوتوباني علت رائحة الكبريت الدافئ من الحمّامات التي منحَتْ تبليسي اسمها («تبليس» بالجورجيّة = الدفء). وعلى جسر السلام الزجاجيّ، بدت المدينة وكأنّها تجرّب مرآةً حديثة تُقابل وجهها العتيق.

    المسجد الوحيد في تبليسي… تناغم الأرواح

    وفي قلب الأحياء المرصوفة، ولجنا المسجد الوحيد في تبليسي الذي يرتاده المسلمين من السنة والشيعة سوية في وحدة إسلامية مبهجة والمسجد على تواضع حجمه، يفرض حضوره الروحي داخل فسيفساء المدينة؛ مئذنته تعانق أجراس الكنائس القريبة، والأزقة الضيقة من حوله تنضح بحكايات تعايشٍ عمره قرون. من هذا الموقع تبدأ رحلة فهمٍ أعمق لهويّة تبليسي المتسامحة، حيث يلتقي الأذان ورنين الأجراس في نغمٍ لا تجيده إلا المدن الحكيمة.

    شارع روستافيلي… أوبرا من الحجر

    في الحافلة السياحيّة مررنا بـ شارع روستافيلي، صفٌّ أنيق من المباني النيو-كلاسيكيّة: دار الأوبرا، البرلمان القديم، مسرح روستافيلي. الجورجيّون يتجوّلون بهدوء ومعهم فنجان قهوة كورتشي يختصر دفءَ القوقاز.

    كاتدرائية الثالوث المقدّس… عودةُ الهوية

    يحجب نهر متكفاري ضجيج المدينة، لكنّ كاتدرائيّة Sameba ذات القباب الذهبيّة تلمع على ربوة شاهقة، رُمزًا لنهضةٍ روحيّة بعد الاستقلال.

    فسيفساء الناس والمذاقات وليل الموسيقى

    في حيّ سولولاكي، ذقنا طعم جورجيا الحقيقي. تناولنا طبق الخينكالي، وهو رزمات عجين محشوّة باللحم والتوابل تُغلى وتُؤكل باليد، يبدأ أكلها بشرب مرقتها الساخنة، ثم الاستمتاع بحشوتها. وجربنا أيضًا الخاتشابوري، الخبز التقليدي المحشوّ بجبنٍ محليّ، وقد يُضاف إليه صفار البيض في نسخة “أجارولي” المميزة على شكل قارب

    ّ الجورجيين… حين تنظر تبليسي من علٍ

    بعد الظهر، صعدنا بالتلفريك إلى إحدى أعلى نقاط المدينة، حيث الهواء أقل ضجيجًا والمدينة تبدو كلوحة زيتية من بعيد. هناك، وقفت شامخة أمّ الجورجيين (Kartlis Deda)، التمثال الضخم الذي بات رمزًا تبليسيًّا لا يُخطئه زائر.

    كانت المرأة المصنوعة من الألمنيوم تطلّ على المدينة من علٍ، بيدٍ تحمل سيفًا لمن تسوّل له إيذاءها، وبالأخرى كأس نبيذ ترحّب بمن يأتيها صديقًا. في هذه الرمزية تكمن روحية الجورجيين: الكرامة والضيافة، القوة والمودة في آنٍ معًا.

    وقفنا أمام التمثال نلتقط الصور، لكن الأهم أننا تأملنا المدينة من الأعلى؛ أسطح المنازل المتراكبة، مآذن وكنائس، نهر متكفاري يشق قلب المدينة، ومزيج لا يُترجم إلا بكلمة واحدة: تبليسي.

    تحدّيات مدينة أحببناها

    ازدحام مفاجئ، بيوت خشبيّة مهدّدة، وبنية تحتيّة متعبة… ومع ذلك تُقاوم المدينة بتلفريك يعلو، ومشروعات ترميم واجهات، وحدائق على ضفاف النهر.

    ختام

    تبليسي ليست بندولًا بين الماضي والحاضر، بل نهرٌ يجمع ضفّتَين ويواصل الانسياب. أغادرها إلى باتومي عروس البحر الأسود وأنا أعلم أنّ شرفاتها ستظل تهمس بقصصٍ جديدة تنتظر عودتنا.

    نشرت على مدونتي الشخصية

  • زيارتي إلى مدينة غوري في جورجيا : في ضل ستالين

    زيارتي إلى مدينة غوري في جورجيا : في ضل ستالين

    لطالما كانت رحلاتي السياحية فرصة لاكتشاف الأماكن بما تحمله من جمال طبيعي، لكنها في الوقت نفسه بوابة للغوص في عمق التاريخ. لدي عادة راسخة، لا تكاد تغيب عن أي من جولاتي زيارة المعالم التاريخية التي تحمل ذاكرة الشعوب، من متاحف ومدن قديمة وبيوت شخصيات صنعت الأحداث. فالتاريخ، برأيي، لا يُقرأ فقط في الكتب، بل يُلمس في الجدران، ويُشمّ في تفاصيل الأمكنة، ويُستشعر في صمت الأزقة

    ومن هذا الدافع، قررت أثناء زيارتي القصيرة إلى العاصمة الجورجية تبليسي أن أخصص يومًا لزيارة مدينة غوري، مسقط رأس جوزيف ستالين. فمهما اختلفت الآراء حول هذه الشخصية المثيرة للجدل، تبقى سيرة ستالين جزءًا محوريًا من تاريخ القرن العشرين لا يمكن تجاوزه

    غادرت العاصمة الجورجية تبليسي مع رفيق سفرتي صديقي وقريبي شاكر التميمي متجهين غربا بسيارة مؤجرة نحو مدينة غوري، مسقط رأس جوزيف ستالين، الرجل الذي غيّر وجه القرن العشرين. كانت المسافة قصيرة نسبيًا، لا تتجاوز 90 كيلومترًا، لكن الرحلة بدت لي أشبه برحلة في الزمن، تعيدني إلى بدايات القرن الماضي، إلى المكان الذي انطلقت منه حكاية من أكثر الحكايات السياسية والإنسانية جدلًا.

    وصلت إلى غوري بعد قرابة ساعة ونصف من القيادة وسط طبيعة خضراء وتلال ناعمة، وكانت المدينة هادئة، بسيطة، لا توحي للوهلة الأولى أنها أنجبت شخصية بحجم ستالين. سرعان ما بدأت ملامح الذاكرة التاريخية تتضح حين اقتربت من متحف ستالين، المبنى الذي يقف شامخًا وسط المدينة كأنّه لا يزال يحتفظ برهبة الماضي.

    بدأت جولتي في المتحف من البيت الخشبي الصغير الذي وُلد فيه ستالين عام 1878 – بيت متواضع مؤلف من غرفة واحدة وسقف من القرميد، محاط الآن بجناح رخامي يحميه من تقلبات الزمن. تأملت تفاصيله البسيطة وتساءلت كيف لطفل ولد في هذا المكان أن يصبح لاحقًا أحد أقوى حكام العالم.

    ثم انتقلت إلى مبنى المتحف الرئيسي، وهو بناء ستاليني الطراز بواجهته الضخمة وأعمدته الثقيلة. يضم المتحف صورًا ووثائق وأغراضًا شخصية لستالين، من بزاته العسكرية إلى غليونات التدخين التي كان يستخدمها، مرورًا بصور نادرة من شبابه، وخريطة لحملاته العسكرية، وأفلام دعائية تعكس صورة الزعيم كما أرادت السلطة أن تقدمه.

    ما أثار اهتمامي بشكل خاص هو العربة الخضراء التي استخدمها ستالين في تنقلاته أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي تقف في حديقة المتحف كأنها لا تزال تنتظر رحيله الأخير. دخلت العربة وتأملت مقصورتها البسيطة، فتخيلت كم من القرارات المصيرية ربما اتُخذت داخلها.

    زيارة غوري لم تكن مجرد رحلة سياحية، بل كانت مواجهة صامتة مع التاريخ. تاريخ يحمل في طياته الكثير من الأسئلة، عن السلطة، وعن العدالة، وعن الثمن الذي تدفعه الشعوب حين تُختزل السلطة في شخص.

    خرجت من المتحف وقد ثقل رأسي بالتفكير، وسرت قليلًا في شوارع غوري الهادئة قبل أن أعود أدراجي إلى تبليسي. كنت أعلم أنني زرت مكانًا لا يمكن النظر إليه بعين واحدة؛ مكان يثير الإعجاب والخوف، ويجبرك على التأمل في معاني القوة والمصير.

  • اعتذار

    أصدقائي ومتابعي الأعزاء،

    أعتذر منكم هذا الأسبوع عن الغياب الطارئ لـ”فكرة الجمعة”، التي اعتدنا أن نتبادل من خلالها التأمل والكلمة الصادقة.

    لقد حال عذر صحي مفاجئ دون قدرتي على الكتابة والتواصل كعادتي، لكنكم كنتم وما زلتم في البال، وفي القلب.

    أرجو أن ألتقيكم في الأسبوع القادم بخاطرة جديدة تحمل شيئًا من الضوء والأمل، كما عهدتموني دائمًا.

    دمتم بصحة وود،