الكاتب: importuser

  • ‎ النووي الإيراني مستقبلٌ غير واضح

    لم تنقشع غمامة الغارات على المنشآت النووية الإيرانية بعد، ومع ذلك يتردد سؤال ملحّ في العواصم الغربية ومكاتب الوكالات الدولية: هل للبرنامج النووي الإيراني مستقبل؟ الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل مؤخرًا، والتي وُصفت بأنها غير مسبوقة في حجمها وجرأتها، كانت تهدف إلى شل قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي. لكن تضارب المعلومات الاستخبارية، وردود الأفعال الحذرة، واستراتيجية الإخفاء التي انتهجتها طهران، جعلت المشهد أكثر غموضًا.

    أفاد مسؤولون مطّلعون أن الولايات المتحدة لم تزود حلفاءها الأوروبيين بمعلومات استخبارية حاسمة حول القدرات النووية المتبقية لإيران بعد الضربات، كما أنها لم تضع استراتيجية واضحة بشأن التعامل المستقبلي مع طهران، مما دفع السياسة الأوروبية نحو إيران إلى حالة “الانتظار”، في انتظار مبادرة أمريكية جديدة.

    قبل اندلاع الحرب، كانت إدارة ترامب تجري مفاوضات غير مباشرة مع طهران بهدف تقليص أنشطتها النووية، لكن تصريحات الرئيس ترامب بعد الضربات أوحت بإمكانية الاستغناء عن أي اتفاق دبلوماسي، مشيرًا إلى أن نجاح الضربات قد يكون كافيًا لتحقيق الهدف.

    ورغم ذلك، فإن التقييمات الأولية المقدّمة للحكومات الأوروبية تشير إلى أن المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بنسبة تقترب من مستوى الاستخدام العسكري، والذي يبلغ نحو 408 كيلوغرامات، لا يزال سليمًا إلى حدّ كبير. ووفقًا للتقارير، فإن هذا المخزون لم يكن متمركزًا في منشأة فوردو عند وقوع الهجوم، بل تم توزيعه على مواقع متعددة مسبقًا، ما يثير الشكوك حول تصريحات ترامب بأن البرنامج “دُمّر بالكامل”.

    وفي منشور له، أشار ترامب إلى فوردو قائلاً: “لم يُنقل شيء من المنشأة. الأمر معقد وخطير وثقيل جدًا”. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية بعد القصف انسداد مداخل الأنفاق، وظهور فوهات ناتجة عن قنابل خارقة للتحصينات بوزن 30,000 باوند (بحدود ١٤ طن). وقد لحقت أضرار واضحة بالطرق المؤدية للموقع

    الضربات شملت قصف منشأتي فوردو ونطنز، بالإضافة إلى إطلاق صواريخ كروز على موقع أصفهان المستخدم في دورة تحويل الوقود والتخزين. وأكدت طهران أنها كانت قد اتخذت “إجراءات خاصة” لحماية معداتها النووية، بحسب رسالة وجهها وزير خارجيتها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 13 يونيو.

    الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي لم يُسمح لمفتشيها بزيارة المواقع منذ بداية الضربات، أكدت على لسان مديرها رافائيل غروسي أن البرنامج الإيراني “تعرّض لأضرار جسيمة”، لكنه حذّر من المبالغة في تصوير الدمار كليًا. وقد شدد على أهمية السماح للمفتشين بالعودة للتحقق من المخزونات، وخصوصًا تلك التي تبلغ 408 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.

    في المقابل، أعلنت هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية أن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة “أخّرت قدرة إيران على تطوير السلاح النووي لعدة سنوات”، غير أن خبراء حذروا من أن امتلاك طهران لمخزونها المخصب، مع احتمال تشغيل أجهزة طرد مركزي متقدمة في مواقع سرية، قد يمكنها من إنتاج مادة انشطارية في وقت قصير.

    ويُذكر أن إجمالي المخزون الإيراني من اليورانيوم يزيد عن 8,400 كغم، لكن الجزء الأكبر منه منخفض التخصيب، وهو ما يجعل المخزون عالي التخصيب العنصر الأهم في تقييم الخطر.

    مستقبل البرنامج النووي الإيراني بات مرهونًا بثلاثة عوامل متشابكة:

    دقة المعلومات الاستخبارية بعد الضربات،

    قدرة طهران على الإخفاء،

    وإمكانية إحياء المسار الدبلوماسي وسط أجواء من انعدام الثقة والتصعيد.

    النسار الذي ستسلكه هذه الأزمة لن يحدد فقط مصير طموحات إيران النووية، بل سيعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط

  • ايران على مفترق الطريق

    الجمهورية الإسلامية على مفترق الطريق: ما بعد حرب الطائرات والصواريخ . لم تكن الطائرات التي ملأت سماء طهران ونيران الصواريخ التي اصابت معاقل الحرس الثوري مجرد أدوات حرب تقليدية، بل كانت أيضًا رسائل مدوية كتبت على جدران الجمهورية الإسلامية عبارات النهاية والبداية معًا.

    ففي اللحظة التي بدأ فيها وقف إطلاق النار الهشّ بين إيران وإسرائيل، سارعت طهران إلى إعلان “النصر” في حرب لم تنتصر فيها عسكريًا، بقدر ما نجحت – حسب روايتها – في تفادي الانهيار التام، والاستمرار في الرد رغم الخسائر الفادحة وهنا نفس إعلان النصر و الشعار الذي رفعه نظام صدام حسين بعد حرب الخليج الثانية ١٩٩١ .

    لكن السؤال الحقيقي لم يكن: هل نجت إيران؟ بل: أي إيران هي التي خرجت من تحت الركام؟

    الصمود كمعيار للنصر

    خلال اثني عشر يومًا من القصف الإسرائيلي المكثف، دُمّرت منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، وقُتل عدد من كبار قادة الحرس الثوري، وبلغت التهديدات العلنية باغتيال المرشد الأعلى نفسه ذروتها. ورغم ذلك، لم تتهاوَ الدولة، ولم تُجبَر على توقيع اتفاقية استسلام، ولم تنفجر حرب شاملة مع واشنطن.

    هذا “البقاء على قيد الحياة” اعتُبر نصرًا استراتيجيًا، و”انتصارًا للردع” في قاموس الأنظمة التي ترى في الاستمرارية غاية بحد ذاتها، لا وسيلة للإصلاح أو التغيير.

    الشروخ البنيوية العميقة

    لكن تحت هذا الصمود الظاهري، ظهرت تصدّعات خطيرة في بنية النظام:

    • فشل استخباراتي مؤلم نتيجة اختراقات واسعة.

    • تآكلٌ في صورة الحرس الثوري الذي كان يُقدَّم بوصفه الحارس الأمين للنظام.

    • انكشاف لافت لقدرة إسرائيل على الوصول إلى العمق الإيراني دون ردع فعال.

    ما كان خافيًا أصبح مكشوفًا، وما كان مؤجّلًا أصبح ملحًّا: إيران ما بعد الحرب ليست هي إيران ما قبلها.

    التحول المحتوم: من دولة إيديولوجية إلى دولة وطنية؟

    منذ عقود، قاومت القيادة الإيرانية كل دعوات الإصلاح، وقابلت الانتفاضات الشعبية بالقوة ، وتمسّكت بمنظومة فقهية وسياسية معادية لأي تحديث حقيقي.

    لكن الحرب الأخيرة أحدثت “هزة وطنية” قلبت المعادلة: فقد اجتمع حتى خصوم النظام الداخليين على وحدة الجبهة ضد الخارج، غير أن هذا الالتفاف لم يكن إيمانًا بالإيديولوجيا، بل شعورًا غريزيًا بالدفاع عن الكيان الوطني.

    من هنا، يقول بعض المراقبين إن اللحظة الراهنة تشبه ما حدث في الصين بعد ماو: استمرار في الاسم، لكن تغيرٌ في الجوهر. فالجمهورية الإسلامية قد تبقى على الورق، لكنها تتجه نحو واقع مختلف تحكمه اعتبارات الأمن القومي، والشرعية الداخلية، والضغط الشعبي المتراكم.

    خلافة خامنئي: السيناريو المؤجَّل يتقدَّم

    قبل اندلاع الحرب، كانت الساحة السياسية في طهران مشغولة بسؤال واحد: من سيخلف المرشد الأعلى البالغ من العمر 86 عامًا؟

    الآن، يبدو أن الحرب اختصرت الزمن وقرّبت ساعة الحسم. وفي ظل غياب إعلان رسمي، يتردد اسم نجله مجتبى خامنئي، .

    المفاجأة الكبرى أن القصف الإسرائيلي أطاح بقادة كبار، من بينهم الجنرال محمد باقري، رئيس الأركان، واستُبدل بشخصية من الجيش النظامي لا من الحرس الثوري، وهو ما رآه كثيرون مؤشرًا على رغبة في التهدئة الداخلية، وربما “تلطيف” صورة القيادة القادمة.

    لكن السيناريو الأخطر – وربما الأكثر ترجيحًا على المدى المتوسط – هو أن يتقدم أحد ضباط الحرس الثوري الشباب من جيل ما بعد الحرب العراقية، ويطرح نفسه زعيمًا براغماتيًا قادرًا على:

    • قبول القيود النووية،

    • إصدار عفو سياسي عام،

    • تشكيل حكومة ائتلافية وطنية،

    بحجة “مصلحة الجمهورية” وباسم “الإنقاذ الوطني”.

    مستقبل بلا معارضة.. وإرث من التدخلات الخارجية

    رغم تصاعد السخط الشعبي، لا توجد حتى الآن معارضة داخلية منظمة يمكن أن تملأ أي فراغ محتمل. كما أن ذكريات التدخلات الأجنبية (الاحتلال السوفيتي-البريطاني في 1941، والانقلاب ضد مصدق في 1953) ما تزال حية، وتؤجّج الحذر الشعبي من أي “تحرير قسري” يأتي من الخارج.

    لذا، فإن أي تحوّل جذري يُفرض من تل أبيب أو واشنطن قد يُنتج فوضى شبيهة بما حصل في كابول وبغداد، لا انتقالًا نحو الديمقراطية.

    الخاتمة: لحظة فارقة… والساعة لم تُحسم بعد

    الحرب الأخيرة لم تسقط النظام الإيراني، لكنها أسقطت الوهم بأن النظام محصّن من التغيير. لقد فجّرت صراعًا داخليًا حول المستقبل، وربما أطلقت موجة تحوّلات تاريخية ما تزال تتبلور.

    قد يتأخر الانفجار الكبير، لكن نذر التحوّل قد بدأت تتكثف:

    • شروخ في الداخل،

    • انكشاف في الدفاع،

    • وقلق عميق من لحظة ما بعد خامنئي.

    إيران ما بعد الحرب قد تبقى “جمهورية إسلامية”، لكنها قد لا تشبه نفسها كثيرًا.

  • بين الغارة والتغريدة :ترامب يعلن نهاية “حرب الإثني عشر يوما”

    في عالمٍ تحكمه اللحظة ويتراجع فيه المنطق أمام المسرح السياسي، لا يبدو مفاجئًا أن تشتعل حربٌ خلال عطلة نهاية الأسبوع، ثم يُعلن وقفها بعبارة احتفالية على منصة تواصل اجتماعي.

    هذا بالضبط ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما أعلن، في الساعة السابعة بتوقيت الشرق الأوسط، سيتم وقف كامل وشامل لإطلاق النار بين إسرائيل وإيران، واضعًا حدًا لما سمّاه هو بـ”حرب الاثني عشر يومًا”.

    لكن خلف هذا الإعلان الصاخب، تتصاعد تساؤلات مشروعة:

    _ هل هي مسرحية معدة سابقا؟

    – هل فعلاً انتهت المواجهة؟

    – وما الذي وافق عليه الطرفان، سرًّا أو علنًا، ليصلوا إلى هذه التهدئة المفاجئة؟

    – وهل نحن أمام هدنة مؤقتة، أم بداية صفحة جديدة ستُكتب بأحرف سياسية لا عسكرية؟

    من التصعيد إلى الهدوء المفاجئ

    في ظرف 48 ساعة، انتقلت الولايات المتحدة – بقيادة ترامب – من قصف المنشآت النووية الإيرانية بقنابل خارقة للتحصينات، إلى التلويح بتغيير النظام في طهران، ثم فجأة، إلى إعلان السلام وكأن شيئًا لم يكن.

    التصعيد بدأ يوم السبت، حين أُرسلت قاذفات B-2 الأمريكية لتنفيذ ضربات مركّزة على البنية النووية الإيرانية، ضمن عملية وُصفت بأنها أول تدخل أمريكي مباشر في الحرب بين إسرائيل وإيران.

    وفي يوم الأحد، لوّح ترامب بفكرة “تغيير النظام”، ما أغضب حلفاءه من التيار الانعزالي وأرضى صقور الجمهوريين.

    ثم، فجأة، صباح الاثنين، أعلن ترامب أن إيران وإسرائيل قد توصّلتا إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وصفه بـ”النصر الدبلوماسي”، مضيفًا:

    “مبروك للجميع!”

    لكن ماذا حدث فعلاً بين الأحد والاثنين؟

    الرد الإيراني… وإشارات التهدئة

    يبدو أن طهران اختارت أن تردّ على الضربة الأمريكية بطريقة محسوبة: أطلقت صواريخ على قاعدة أمريكية كبيرة في قطر، لكن بعد إبلاغ مبكر لقطر و لواشنطن، كما صرّح ترامب نفسه، وهو ما فُسِّر على أنه إشارة لخفض التصعيد وليس تصعيدًا جديدًا.

    الأهم، بحسب ترامب، أن الضربة الإيرانية لم تُسفر عن أي إصابات أو خسائر في الأرواح، بعكس ما وصفه بأنه “تدمير كامل” للمواقع النووية الإيرانية.

    هذا الرد المحدود فسّره البعض على أنه “مخرج مشرّف” للجميع:

    – إيران تُظهر أنها ردّت.

    – أمريكا تُعلن أنها انتصرت.

    – إسرائيل تُظهر قدرتها، وتتراجع خطوة إلى الوراء.

    – والعالم يتنفس، ولو مؤقتًا.

    تساؤلات مشروعة: هل هناك بنود خفية؟

    لكن يبقى السؤال الذي لم يُجَب عليه حتى اللحظة:

    ما الذي اتُّفق عليه فعليًا؟

    • هل وافقت إيران ضمنيًا على التراجع عن بعض أنشطتها النووية؟

    • هل حصلت إسرائيل على ضمانات أمنية أمريكية أكبر؟

    • هل قدّمت واشنطن وعودًا بتخفيف العقوبات مستقبلًا؟

    • وهل هذا “الهدوء” هو مقدمة لاتفاق أشمل، ربما يُعلن لاحقًا بطريقة مشابهة لما عُرف باتفاقيات أبراهام أو الاتفاق النووي السابق؟

    الهدنة التي أُعلنت اليوم في السابعة صباحًا قد تكون بداية لمسار تفاوضي جديد، أو مجرّد استراحة محارب. خاصة أن الإدارة الأمريكية أرسلت رسائل متضاربة: فبينما نفى كبار المسؤولين نية واشنطن لتغيير النظام الإيراني، كان ترامب يلمّح صراحة إلى ضرورة ظهور قيادة جديدة في طهران.

    في الختام: بين الحقيقة والاستعراض

    التحركات الأخيرة تؤكد مرة أخرى أن سياسة ترامب في الشرق الأوسط لا تُبنى على ثوابت استراتيجية بقدر ما تُدار بلحظة التأثير، وخطاب الجمهور، وسرعة الإنجاز الإعلامي.

    لكن في الصراعات الإقليمية المعقّدة، لا تكفي التغريدات لإطفاء الجمر. وقف إطلاق النار خطوة مرحّب بها، نعم، لكنها لا تزال هشة، وتحتاج إلى ما هو أعمق من إعلان احتفالي: تحتاج إلى اتفاق واضح، ومتابعة دقيقة، وإرادة صادقة من الأطراف المعنية لتجنّب الانزلاق مجددًا نحو الهاوية.

    ويبقى السؤال معلقًا:

    هل نعيش حقًا نهاية “حرب الاثني عشر يومًا”، أم بداية فصل جديد من لعبة النفوذ والمساومات؟

  • الضربة الخاطفة على المنشآت النووية الإيرانية: بين استعراض القوة وحافة الانفجار

    في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تصعيدًا غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. إنها لحظة حرجة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الرسائل الاستراتيجية، وتتلاشى فيها الحدود بين الحقيقة والدعاية. يطرح مقالي  قراءة أولية متأنية لأبعاد الضربة العسكرية الأميركية–الإسرائيلية التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، متسائلًا: هل نحن أمام عملية حاسمة… أم شرارة حرب طويلة؟

    في عملية عسكرية معقدة ومباغتة، نفّذت الولايات المتحدة، بمشاركة مباشرة من إسرائيل، ضربة جوية استهدفت ثلاث منشآت نووية تحت الأرض في إيران: فوردو، نطنز، وأصفهان. شكّلت هذه الضربة، بحسب الخبراء العسكريين، واحدة من أكبر عمليات القاذفات الشبحية B2 في التاريخ، واستخدمت فيها قنابل خارقة للتحصينات من طراز GBU-57، تزن الواحدة منها أكثر من 13 طنًا، مصمّمة لاختراق الأرض حتى عمق 60 مترًا قبل أن تنفجر.

    مفاجأة استراتيجية بغطاء إعلامي ثقيل

    نجحت العملية في الحفاظ على عنصر المباغتة التامة، إذ لم ترصدها الرادارات الإيرانية، ولم تقلع الطائرات الإيرانية اعتراضًا، وهو ما فسّره بعض المحللين بأن إسرائيل، على مدار أسبوع سابق، كانت قد دمّرت كامل منظومة الدفاع الجوي الإيرانية، ما فتح الأجواء أمام القاذفات الأميركية للعمل بحرية مطلقة.

    ورغم الضربة الواسعة، فإن السؤال الأهم بقي دون جواب: هل نجحت القنابل فعلاً في تدمير المنشآت الحساسة في أعماق الجبال؟ إذ تشير صور الأقمار الصناعية إلى آثار للضربات على الجبال، لكن لا توجد معلومات مؤكدة حول إصابة الكهوف التي تضم أجهزة الطرد المركزي.

    بين الواقع والمعلومات النفسية

    في الوقت الذي أعلنت فيه واشنطن أنها “دمّرت قلب البرنامج النووي الإيراني”، ردّت طهران بالقول إن الضربة ألحقت أضرارًا، لكنها لن تعيق استمرار البرنامج الذي وصفه المتحدث الإيراني بأنه “راسخ الجذور ولا يمكن اقتلاعه”. وأضافت أن معرفة إيران العلمية والكوادر البشرية، التي تضم آلاف المهندسين والعلماء، هي ما يُصعب تدميره بالضربات الجوية.

    هل كان الهدف فعلاً البرنامج النووي؟

    بقناعتي أن ما دفع واشنطن وتل أبيب إلى اتخاذ هذا القرار المفاجئ، لم يكن الخوف من القنبلة النووية، بل تصاعد البرنامج البالستي الإيراني، وسعي طهران إلى امتلاك آلاف الصواريخ القادرة على ضرب أهداف استراتيجية في المنطقة.

    و يرى بعض الخبراء أن هذه العملية لم تكن موجهة فقط لإيران، بل حملت أيضًا رسالة واضحة إلى الصين. فالقاذفة B2 القادرة على حمل السلاح النووي، أثبتت قدرتها على تنفيذ ضربة بعيدة المدى دون أن تُرصد، وهو ما يُعد عرضًا للقوة الأميركية في ظل المنافسة الجيوسياسية العالمية.

    الرد الإيراني والمخاوف من التصعيد

    لم تتأخر طهران في الرد، حيث أطلقت أكثر من ثلاثين صاروخًا باتجاه أهداف داخل إسرائيل، أصابت أحياء سكنية ومرافق مدنية، وأوقعت عشرات القتلى، في مشهد يُنذر بأن التصعيد مرشّح للاستمرار، وسط مخاوف من خروج الأوضاع عن السيطرة في المنطقة.

    هل الحرب أصبحت إعلامية أيضًا؟

    أثار ظهور صور لشاحنات إيرانية قبيل الضربة تساؤلات حول ما إذا كانت طهران قد أخفت بعض المعدات النووية مسبقًا، أم أنها كانت تقوم بمناورات إعلامية للتشويش. وفي كلتا الحالتين، أكّد المتابعون أن الصراع اليوم لم يعد فقط عسكريًا، بل دخل أيضًا مجال “الحرب الإعلامية والمعلوماتية”، حيث لكل صورة وبيان وزنه في تشكيل الرأي العام الدولي.

    خاتمة:

    الضربة الأميركية–الإسرائيلية ضد البرنامج النووي الإيراني، رغم نجاحها العسكري الظاهر، تفتح الباب أمام سلسلة من التساؤلات الأخطر: هل ستوقف فعلاً مسار إيران النووي والبالستي؟ أم أنها مجرّد فصل في صراع طويل، تسعى فيه كل الأطراف لتثبيت معادلات ردع جديدة؟ في ظل غياب أفق سياسي واضح، تبقى المنطقة رهينة لمعادلات القوة، وحدودها الهشة بين الإنذار… والانفجار.

  • العمر ان مضى

    ها أنا ذا، تجاوزت السبعين سنتين اليوم . لا احتفالَ يُزمِّرُ، ولا أضواءَ تُلمعُ، بل وقفةٌ صامتةٌ كتوقُّفِ المسافرِ في منتصفِ الطريقِ، يلتقطُ أنفاسَه، يُقلِّبُ نظرَه خلفَ ظهرِه، ثم يتأملُ المسافةَ المتبقيةَ. اليومُ، مرَّ كفيلمٍ صامتٍ يُعرضُ على شاشةِ الذاكرة: شوارعُ بغدادَ التي رَسمت طفولتي، دفاترُ الدراسةِ في ثانويةِ الكرخِ، خطواتي الأولى بكليةِ الهندسةِ في نهايةِ الستينياتِ. ثمَّ كانت المغادرةُ في بدايةِ الثمانينياتِ للدراسةِ العليا،

    خرجتُ من العراقِ يومَها، حقيبتي ثقيلةً بأوراقٍ تختزلُ هويةً، وقلبي أثقلُ بما عجزتُ عن قولِه. كانت باريسُ – مدينةَ الضوءِ – مرفأً أولَ، فتحتْ لي أبوابَ المعرفةِ والشتاتِ معاً. في قاعاتِ جامعاتِها، كتبتُ أطروحتي، وشرعتُ أرسمُ ملامحَ رجلٍ قررَ ألا يستسلمَ للغيابِ. إن لم تكنْ ثمّةَ أرضٌ تثبُتُ فيها القدمُ، فلتُزرعِ الجذورُ في الكتبِ. كانت مقاومةً بالمعرفةِ.

    ثم العودةُ منتصفَ الثمانينات لِأعملَ في “العراق الحبيبِ” عقداً كاملاً، قبل أن يأتيَ القرارُ الأثقلُ: الهجرةُ. ذلك الجرحُ النازفُ الذي لم تندملْهُ كلُّ المدنِ التي منحتني أسماءً مؤقتةً، كأنما تُخاطبُ غريباً.

    ثم جاءت العودةُ المؤقتةُ، امتحاناً للضميرِ لا منصباً: أميناً للعاصمةِ الجريحةِ، بغدادَ. سعيتُ بين ركامِها، أبحثُ عن بصيصِ نظامٍ في قلبِ الفوضى، وعن معنى في زمنٍ أضاعَ معناه. تعلّمتُ أن الألغامَ لا تُزرعُ تحتَ الطرقِ وحدَها، بل وتُختبئُ تحتَ كلِّ فكرةٍ نبيلةٍ. مشيتُ على حافةِ الهاويةِ، حاملاً أملَ إعادةِ البناءِ في مدينةٍ تتنازعُها النيرانُ.

    ثم كانت الهجرةُ الأخيرةُ إلى كندا، الأرضِ التي تمنحُكَ حقَّ البدءِ من جديدٍ، دونَ أن تسألَكَ: “مَن كنتَ؟”. عدتُ إلى حُبِّي الأولِ: القاعاتِ الدراسيةِ والاستشارة الهندسية . أستاذاً جامعياً بين تورونتو والإماراتِ وباريسَ نفسِها، أنقلُ ما تعلّمتهُ لأجيالٍ من المهندسينَ. ألمحُ في عيونِهم شررَ طموحي القديمِ، فأضعُ بين أيديهم أدواتَ الحلمِ والتفكيرِ الحرِّ، كما وضعَها أساتذتي بين يديَّ ذاتَ يومٍ. دورةُ الحياةِ تكتملُ: من التلمذةِ إلى التعليمِ.

    واليومَ، في هدوءِ هذا الصباحِ وأنا أخطو خطواتي في العقدِ السابعِ، لا يملؤني ندمٌ على ما فاتَ، ولا رغبةٌ في التفاخرِ بما أنجزتُ. يملؤني شيءٌ أعمقُ: **الرضا**. أدركتُ أن العمرَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بعددِ السنواتِ، بل **بكثافةِ التجربةِ وصدقِ المعنى** الذي نعيشُ من أجلهِ. لقد عشتُ بصدقٍ.

    فيا زماني، كُنْ هادئاً فيما تبقى من رحلتِنا معاً. لم أعدْ أسعى وراءَ مجدٍ يتبخّرُ، بل أبتغي **وضوحاً** يثبُتُ. لا أريدُ طريقاً طويلاً يتعثّرُ فيه السائرُ، بل أريدُ طريقاً واحداً: **طريقاً يُشبهني**.

    العقد السابع: توقُّفُ المسافِرِ واستشرافُ الوُضوحِ**

    ها أنا ذا، تجاوزت السبعين. لا احتفالَ يُزمِّرُ، ولا أضواءَ تُلمعُ، بل وقفةٌ صامتةٌ كتوقُّفِ المسافرِ في منتصفِ الطريقِ، يلتقطُ أنفاسَه، يُقلِّبُ نظرَه خلفَ ظهرِه، ثم يتأملُ المسافةَ المتبقيةَ. اليومُ، مرَّ كفيلمٍ صامتٍ يُعرضُ على شاشةِ الذاكرة: شوارعُ بغدادَ التي رَسمت طفولتي، دفاترُ الدراسةِ في ثانويةِ الكرخِ، خطواتي الأولى بكليةِ الهندسةِ في نهايةِ الستينياتِ. ثمَّ كانت المغادرةُ في بدايةِ الثمانينياتِ للدراسةِ العليا،

    خرجتُ من العراقِ يومَها، حقيبتي ثقيلةً بأوراقٍ تختزلُ هويةً، وقلبي أثقلُ بما عجزتُ عن قولِه. كانت باريسُ – مدينةَ الضوءِ – مرفأً أولَ، فتحتْ لي أبوابَ المعرفةِ والشتاتِ معاً. في قاعاتِ جامعاتِها، كتبتُ أطروحتي، وشرعتُ أرسمُ ملامحَ رجلٍ قررَ ألا يستسلمَ للغيابِ. إن لم تكنْ ثمّةَ أرضٌ تثبُتُ فيها القدمُ، فلتُزرعِ الجذورُ في الكتبِ. كانت مقاومةً بالمعرفةِ.

    ثم العودةُ منتصفَ الثمانينات لِأعملَ في “العراق الحبيبِ” عقداً كاملاً، قبل أن يأتيَ القرارُ الأثقلُ: الهجرةُ. ذلك الجرحُ النازفُ الذي لم تندملْهُ كلُّ المدنِ التي منحتني أسماءً مؤقتةً، كأنما تُخاطبُ غريباً.

    ثم جاءت العودةُ المؤقتةُ، امتحاناً للضميرِ لا منصباً: أميناً للعاصمةِ الجريحةِ، بغدادَ. سعيتُ بين ركامِها، أبحثُ عن بصيصِ نظامٍ في قلبِ الفوضى، وعن معنى في زمنٍ أضاعَ معناه. تعلّمتُ أن الألغامَ لا تُزرعُ تحتَ الطرقِ وحدَها، بل وتُختبئُ تحتَ كلِّ فكرةٍ نبيلةٍ. مشيتُ على حافةِ الهاويةِ، حاملاً أملَ إعادةِ البناءِ في مدينةٍ تتنازعُها النيرانُ.

    ثم كانت الهجرةُ الأخيرةُ إلى كندا، الأرضِ التي تمنحُكَ حقَّ البدءِ من جديدٍ، دونَ أن تسألَكَ: “مَن كنتَ؟”. عدتُ إلى حُبِّي الأولِ: القاعاتِ الدراسيةِ. أستاذاً جامعياً بين تورونتو والإماراتِ وباريسَ نفسِها، أنقلُ ما تعلّمتهُ لأجيالٍ من المهندسينَ. ألمحُ في عيونِهم شررَ طموحي القديمِ، فأضعُ بين أيديهم أدواتَ الحلمِ والتفكيرِ الحرِّ، كما وضعَها أساتذتي بين يديَّ ذاتَ يومٍ. دورةُ الحياةِ تكتملُ: من التلمذةِ إلى التعليمِ.

    واليومَ، في هدوءِ هذا الصباحِ وأنا أخطو خطواتي في العقدِ السابعِ، لا يملؤني ندمٌ على ما فاتَ، ولا رغبةٌ في التفاخرِ بما أنجزتُ. يملؤني شيءٌ أعمقُ: **الرضا**. أدركتُ أن العمرَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بعددِ السنواتِ، بل **بكثافةِ التجربةِ وصدقِ المعنى** الذي نعيشُ من أجلهِ. لقد عشتُ بصدقٍ.

    فيا زماني، كُنْ هادئاً فيما تبقى من رحلتِنا معاً. لم أعدْ أسعى وراءَ مجدٍ يتبخّرُ، بل أبتغي **وضوحاً** يثبُتُ. لا أريدُ طريقاً طويلاً يتعثّرُ فيه السائرُ، بل أريدُ طريقاً واحداً: **طريقاً يُشبهني**.

    نشرت على مدونتي الشخصية

  • حرب ايران واسرائيل

    هل تكفي القوة الجوية أو الصاروخية لتحقيق النصر؟

    إسرائيل وإيران ترسمان حدود المعادلة الجديدة

    مع تصاعد المواجهة بين إسرائيل وإيران إلى مستويات غير مسبوقة، وتبادل الضربات الصاروخية والجوية بكثافة في عمق كل من الدولتين، تعود التساؤلات الكبرى إلى الواجهة: هل تستطيع القوة الجوية وحدها حسم الحروب؟ وهل بوسع الصواريخ الدقيقة قلب موازين الردع التقليدية؟

    حرب السماء… بين الأسطورة والواقع

    منذ اندلاع الجولة الحالية من القتال، نفذت إسرائيل عشرات الغارات على منشآت إيرانية نووية وعسكرية في طهران، أصفهان، نطنز، فوردو، وغيرها. وترافقت هذه الهجمات مع استخدام واسع للطائرات بدون طيار وصواريخ طويلة المدى. وعلى الرغم من هشاشة الدفاعات الجوية الإيرانية—التي لا تزال تعتمد في جزء منها على منظومات تعود إلى عهد الشاه—فقد أظهرت إيران قدرة مفاجئة على الصمود والرد.

    لكن التجربة التاريخية تثبت محدودية هذه الاستراتيجية. فغارة تموز 1981 على مفاعل العراق، والهجوم على منشأة سورية في 2007، لم يمنعا استئناف البرامج النووية لاحقًا. واليوم، قد تكون إيران مستعدة أكثر من أي وقت مضى لإعادة بناء قدراتها، وربما في أماكن غير مكشوفة.

    إيران ترد بصواريخ تتحدى “القبة الحديدية”

    المفاجأة الأكبر جاءت من قدرة إيران على شنّ هجمات صاروخية دقيقة ومكثفة، وصلت إلى عمق إسرائيل، بما في ذلك تل أبيب ومحيطها. فشلت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بما فيها “القبة الحديدية” و”مقلاع داوود”، في اعتراض عشرات الصواريخ، ما أجبر ملايين الإسرائيليين على المكوث في الملاجئ، وشلّ أجزاء من الحياة المدنية والاقتصاد.

    وهنا فرضت إيران معادلة جديدة: الردع بالصواريخ، لا مجرد الدفاع عنها.

    لا غزو بري… ولا انتفاضة داخلية

    رغم كل التهديدات الإسرائيلية، لا تلوح في الأفق عملية برية داخل إيران، لا من حيث الإمكانات، ولا من حيث الشرعية الدولية. في المقابل، لم تظهر حتى الآن أي حركة معارضة داخلية فعالة يمكن أن تستثمر الهجمات لتقويض النظام. الإيرانيون، حتى المعارضون منهم—كما أسمع من أصدقاء لي هنا في كندا—يستنكرون العدوان الإسرائيلي ويضعونه في خانة استهداف الوطن، لا النظام.

    أهداف غامضة… ونتائج مفتوحة

    ما يزال الغموض يلف الأهداف الإسرائيلية: هل تريد تدمير البرنامج النووي؟ إضعاف الحرس الثوري؟ إسقاط النظام؟ أم فرض اتفاق سياسي بالقوة؟ هذا الغموض يضعف القدرة على تقييم النجاح أو الفشل، ويُبقي باب التصعيد مفتوحًا على مصراعيه.

    حرب بلا نصر… بل موازين ردع

    الشرق الأوسط يقف اليوم على عتبة معادلة جديدة: لا حسم من الجو، ولا إذعان من الأرض. وما بين طائرات F-35 الإسرائيلية وصواريخ شهاب وخيبر الإيرانية، يعاد رسم مشهد القوة في المنطقة. لم تعد الحرب تقاس بعدد الغارات بل بقدرة الردع المتبادل، وبمدى استعداد كل طرف للذهاب إلى النهاية.

    كلمة أخيرة

    في النهاية، النصر ليس مجرد غارة ناجحة أو صاروخ مصيب. هو نتاج منظومة مركبة من القوة العسكرية، والديناميكية السياسية، والموقف الشعبي، والتوقيت. ما يجري اليوم بين إيران وإسرائيل هو اختبار حيّ لفكرة أن الحروب قد تُربح من السماء. لكن التاريخ والواقع يؤكدان: من لا يملك الأرض… لا يملك النصر.

  • على حافة النار

    منذ أكثر من ربع قرن، شكّل “التهديد النووي الإيراني” حجر الزاوية في خطاب بنيامين نتنياهو السياسي، حيث اعتاد التحذير من أن إيران على بعد “أشهر قليلة” من امتلاك قنبلة نووية.

    • 1996 – أمام الكونغرس الأميركي: قال إن إيران قد تمتلك القنبلة بحلول 2000–2001.

    • 2002 – أعاد التحذير خلال غزو العراق.

    • 2009 – كرر أن إيران على بعد أشهر من القنبلة.

    • 2012 – خطاب الأمم المتحدة: رسم “خطًا أحمر”.

    • 2015 – قال إن الاتفاق النووي يؤخر القنبلة لعام فقط.

    • 2018 – عرض ملفات حول مشروع إيراني سري.

    • 2023 – حذر من تخصيب بنسبة 84%.

    • 2024–2025 – زعم أن إيران على بعد أسابيع من القنبلة.

    ورغم تكرار هذه التحذيرات، لم تؤكد أي وكالة استخبارات غربية اتخاذ إيران قرارًا بإنتاج قنبلة، ما يثير تساؤلات حول توظيف هذا الخطاب سياسيا و بينما تتصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل حاليا ، تُعاد مساءلة الأسس الاستراتيجية والأخلاقية للسياسة الخارجية الأمريكية. فقد تكبّدت كل من طهران وتل أبيب أضرارًا جسيمة لكنها قابلة للإصلاح، لكن العواقب المحتملة لتصعيد إضافي تهدد اليوم بابتلاع المنطقة بأسرها، وربما جَرّ قوى عالمية إلى أتونها.

    الان و تحت تأثير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تجاهل الرئيس ترامب تقارير أجهزته الاستخباراتية، إلى جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أكدتا بعدم قيام ايران ببناء القنبلة النووية.

    هذا النمط يكرر نماذج تاريخية سابقة ، مثل قرار الرئيس روزفلت عام 1941 بالإبقاء على الأسطول الأميركي في بيرل هاربر رغم التحذيرات، وهو القرار الذي أدى إلى واحدة من أكثر الهجمات تدميرًا في تاريخ الولايات المتحدة.

    وينبه منتقدو السياسة الخارجية الأمريكية إلى أن البلاد على وشك تكرار أخطائها السابقة، كما حدث في العراق وافغانستان وفي ظل وجود ألاف الجنود الأمريكان في الشرق الأوسط، فإنهم جميعًا عرضة لهجمات الصواريخ الإيرانية أو الجماعات الموالية لإيران.

    كذلك تراقب كل من روسيا والصين وباكستان هذه المواجهة عن كثب. وعلى الرغم من أن تدخلهم المباشر يبدو مستبعدًا إلا إذا تم استفزازهم، فقد أشارت باكستان إلى إمكانية تزويد إيران برؤوس نووية إذا واجهت هذه الدولة تهديدًا وجوديًا.

    المنطقة تنتظر قرار ترامب لاتخاذ قرار الانخراط في حرب استباقية مع إيران خلال أسبوعين مما يدخل المنطقة بجحيم جديد ليس فقط لقدرات طهران، بل لتعقيدات المنطقة وحدود القوة الأميركية ذاتها. فهذه الحرب، إن تصاعدت، لن تشبه تدخلات الماضي المحدودة، بل قد تزعزع استقرار أسواق النفط، وتؤجج نيرانًا إقليمية، وتستدرج قوى كبرى إلى ساحة المواجهة.

    وبدلاً من التعلم من دروس الماضي، يبدو أن واشنطن تسير تحت راية سردية تُصاغ في تل أبيب وتُغذى بأوهام السيطرة. وفي لحظة نحن أحوج ما نكون فيها إلى الحكمة، تتحرك آلة الحرب بلا رادع.

    إنها ليست مجرد مواجهة بين دولتين. بل لحظة مفصلية في مستقبل العالم والمنطقة المهددة بالانفجار.

    وفي المقابل، فإن على إيران أيضًا أن تتحمل مسؤوليتها كدولة إقليمية كبرى، من خلال طمأنة العالم وجيرانها بشأن برنامجها النووي، والتعهد العلني بعدم السعي نحو امتلاك سلاح نووي. كما أن تقليص تدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول الجوار، واعتماد مبدأ الاحترام المتبادل، هو السبيل الأجدى لضمان الأمن الإقليمي وبناء الثقة المتبادلة بعيدًا عن لغة الحرب والاستقطاب.

  • الخطر الصامت

    في لحظةٍ تعجّ فيها المنطقة بالتوترات والصراعات، يبرز خطرٌ داهم لا صوت له: الاحتمال الكارثي لتسرب إشعاعي نتيجة قصف منشآت نووية إيرانية في سياق الحرب المتصاعدة بين ايران واسرائيل . هذا السيناريو لا يهدد إيران وحدها، بل يضع دول المنطقة أمام مستقبل ملبّد بغيوم مشعة ومخاطر صحية وبيئية واقتصادية عابرة للحدود.

    سحب مشعة… ورياح لا تعترف بالسيادة

    المفاعل النووي في نطنز، وموقع فوردو المحصن في قلب الجبال، هما من أبرز الأهداف المحتملة للضربات الإسرائيلية. أي هجوم عليهما قد يؤدي إلى إطلاق سحب مشعة تحمل نظائر خطرة مثل اليود-131 والسيزيوم-137 والسترونشيوم-90.

    وتشير النماذج المناخية إلى أن الرياح السائدة خلال الربيع والصيف تتحرك غالبًا نحو الغرب والجنوب، ما يضع الجنوب العراقي (البصرة، ميسان، ذي قار) ومناطق الكويت والمنطقة الشرقية في السعودية في قلب نطاق الخطر خلال الساعات الأولى من التسرب.

    تشير تقديرات المركز الدولي لأبحاث الطاقة الذرية (IAEA) إلى أن الغبار المشع الناتج عن تسرب نووي يمكن أن يصل إلى أكثر من 1,000 كيلومتر خلال أقل من 72 ساعة بفعل التيارات الهوائية. وهذا يعني أن مدنًا مثل الدمام، الخبر، الكويت، البحرين، وحتى الدوحة ليست بمنأى عن التأثر.

    هناك تأثيرات طويلة الأمد… ستستمر فترة طويلة منها

    • المياه المحلاة، التي يعتمد عليها الخليج بنسبة تفوق 70% من احتياجاته المائية، ستكون عرضة لتلوث لا يمكن اكتشافه سريعًا.

    • الاستيراد الغذائي سيزداد اعتمادًا وغلاءً، إذا ما تضررت مصادر الإنتاج المحلي.

    • أما الأثر النفسي المجتمعي، فهو لا يقل خطورة: هلع جماعي، وانعدام ثقة بالمؤسسات، وطلب هائل للخروج من المناطق الملوثة.

    إنّ ما يجري اليوم ليس مجرد نزاع تقليدي، بل هو تقاطع خطير بين الأمن النووي والأمن الإقليمي. وعلى الدول العربية، خصوصًا العراق ودول مجلس التعاون، أن:

    • تطالب بتحييد المنشآت النووية عن أي ضربات عسكرية.

    • تشكل لجنة طوارئ علمية وبيئية للتعامل مع السيناريوهات الإشعاعية المحتملة.

    • تعيد تعريف مفهوم الحياد من موقف سلبي إلى حياد فاعل يحمي الشعوب من الدمار الصامت.

    في الختام: كارثة بلا دخان

    النووي ليس مجرد سلاح، بل لعنة حين ينفلت من عقاله. وقد لا تُرى آثاره بالعين المجردة، لكنه يقتل ببطء ويدمّر لعقود. لهذا، فإن أخطر ما في الحرب الحالية ليس صواريخها، بل رمادها المشع الذي قد يلفّنا جميعًا بصمت ودموع لا تجد من يراها.

  • العرب امام أبواب الهيمنة الجديدة

    مع اشتداد وتيرة الصراع بين إسرائيل وإيران، يجد المواطن العربي نفسه مجددًا في مفترق طرق حاد بين الانحياز، والصمت، او الحياد . وفي وقت تضج به الاصطفافات الطائفية و تُختلط فيه المواقف بالمصالح، وتضيع فيه المبادئ بين الضجيج والدم،

    لا شك أن الدعوة إلى التهدئة، وتغليب المساعي الدبلوماسية، والتحذير من توسّع رقعة الحرب، هي مواقف متزنة، لا تورّط صاحبها في الدم، ولا تفرّط في السيادة. لكن في منطقة تموج بالمفاجآت، ليست تداعيات الحرب أقل خطورة من نارها.

    فإذا ما انتهت المواجهة بانتصار واضح لاسرائيل، فستُعاد كتابة خرائط النفوذ، وتُفرض توازنات جديدة قد لا يكون للعرب فيها دور يُذكر سوى التكيّف أو التبعية.

    الشارع العربي، ومعه النخبة السياسية والإعلامية، لم يتعامل مع الحرب الجارية بمنظور موحّد، بل عبّر عن انقسام عميق يمكن تلخيصه في أربعة اتجاهات

    1. المؤيد لإيران

    يعتبر أن إيران، رغم تحفظات كثيرة، تواجه عدوانًا من قوة احتلال توسعية، وأن دعمها واجب استراتيجي وديني، خاصة في ظل عجز العالم عن كبح السياسات الإسرائيلية.

    2. المنحاز ضد إيران

    يرى أن إيران مسؤولة عن التدخل في عواصم عربية كثيرة، وتغذية النزاعات الطائفية، وبالتالي لا يجب أن يُبذل جهدٌ لحمايتها أو منع استهدافها، حتى وإن تم ذلك على يد خصم أكبر خطرًا.

    3. الحياد “الفرِح”

    تيار يُراقب الحرب من بعيد، ويتمنى أن يتكفّل الطرفان بإضعاف بعضهما البعض، دون أن ينخرط العالم العربي، بل يربط مصلحته بضعف القوى الإقليمية الكبرى جميعها.

    4. الحياد الإيجابي القلق

    خيار لا يؤيد الحرب، وضرورة منع الانزلاق إلى فوضى إقليمية شاملة. وهو حياد لا يكتفي بالمراقبة، بل يدعو إلى موقف جاد يمنع تصعيدًا أكبر قد يطال الأمن العربي والاقتصاد الإقليمي.

    ما الذي قد يعنيه انتصار إسرائيل الواضح؟

    بغض النظر عن الموقف الأخلاقي أو السياسي من الحرب، فإن نتائجها المحتملة يجب أن تكون محل حساب دقيق، أبرزها:

    1. هيمنة إسرائيلية سياسية وعسكرية

    إذا خرجت إسرائيل منتصرة بوضوح، فقد تفرض أجندتها الأمنية في المنطقة، وتستثمر قوتها في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

    2. إحياء مشاريع الهيمنة الرمزية

    فكرة “من النيل إلى الفرات”، حتى إن لم تُترجم جغرافيًا، قد تعود في شكل تدخلات استخباراتية، أمنية، واقتصادية توسعية على حساب السيادة العربية.

    3. تصفية القضية الفلسطينية عبر فرض القوة

    مع اختلال ميزان الردع، قد تُفرض تسويات مجحفة بحق الفلسطينيين، ويُختصر السلام في مفاهيم أمنية تلغي الحقّ والتاريخ.

    4. توسيع التطبيع تحت منطق القوة لا الشراكة

    قد يُستخدم هذا الانتصار لفرض مزيد من التطبيع العربي، لا كشراكة متكافئة، بل كإملاء من مركز قوّة على محيط خائف ومجزّأ.

    هل يكفي الحياد؟

    الحياد، في ذاته، ليس عيبًا ولا خيانة. لكنه إن لم يُبْنَ على وعي استراتيجي، ورؤية متكاملة، فقد يتحول إلى غفلة سياسية.

    في الختام

    بين نيران الحرب وسُمّ التبعية، يقف العرب اليوم أمام اختبار صعب.

    قد لا يكون الانحياز لأي طرف خيارًا حكيمًا، لكن اللاقرار أيضًا يحمل كلفة عالية.

    في هذا المشهد الملتبس، يبقى الحياد الواعي، الإيجابي، المتحفّز، خيارًا قد يوازن بين الضرورة والمبدأ، وبين الواقع والحلم.

    لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا:

    هل يملك العرب اليوم الإرادة الجماعية لبناء هذا الخيار… قبل أن يُفرَض عليهم واقع لا يملكون فيه حتى حقّ الحياد.

  • خيارات ترامب في المواجهة مع ايران

    في خضم التصعيد المتواصل بين إسرائيل وإيران، تبقى الولايات المتحدة، تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب، اللاعب الأقوى والأكثر تأثيرًا. لكن انحياز واشنطن الواضح لتل أبيب لا يعني بالضرورة اندفاعها نحو حرب شاملة. فما هي الخيارات الحقيقية المتاحة أمام إدارة ترامب في هذه الأزمة؟ هذا التحليل يستعرض بقناعاتي السيناريوهات المطروحة على طاولة البيت الأبيض، بعيدًا عن الشعارات السياسية.

    1. الدعم العسكري “الذكي” لإسرائيل (الخيار الأكثر ترجيحًا):

    تفضل واشنطن أن تقاتل إسرائيل نيابة عنها. لذا، تركز على:

    الدعم الاستخباراتي والتقني الفائق

    تزويد إسرائيل ببيانات الأقمار الصناعية الدقيقة، وتحذيرات مبكرة عن أي هجمات إيرانية، ومشاركة المعلومات اللحظية. (مثلما حدث قبل الهجمات الأخيرة بأسابيع).

    تعزيز الدفاعات كنشر أنظمة دفاع صاروخي متطورة توضع في الخدمة لاول مرة تتجاوز قدرة المنظومات الحالية (مثل باتريوت وثاد) لحماية القواعد الأمريكية *و* إسرائيل من ردود إيران.

    الرد المباشر المشروط

    التدخل العسكري الأمريكي سيكون حكرًا فقط على حالات استهداف المصالح الأمريكية بشكل مباشر أو في سيناريو التصعيد الكارثي. وزير الدفاع الأمريكي صرح بوضوح: قواتنا في “وضعية دفاعية”.

    2. الضغط والمفاوضات

    سلاح ترامب المفضل (لكن بشروط)

    رهان على “صفقة جديدة” رغم القصف والتهديدات، لم يتخل ترامب عن هدفه الأساسي: إجبار إيران على اتفاق نووي جديد “أفضل” على طريقته. تصريحاته المتكررة بأن “إيران تريد التفاوض” وضرورة الإسراع قبل “فوات الأوان” تؤكد هذا المسار.

    وساطات.. لكن على مقاس واشنطن

    إشارة ترامب لاستعداده لقبول الوساطة الروسية (بوتين) تعكس مرونة تكتيكية، لكنها تبقى وساطة تحت السيطرة الأمريكية وليس حلًا مستقلاً.

    وقف إطلاق نار.. أم نهاية الصراع؟

    رفض ترامب التوقيع على بيان “مجموعة السبع” الداعي للتهدئة، مفضلاً البحث عن “نهاية فعلية” – وهي صيغة غامضة تخدم بالأساس الرؤية الإسرائيلية والأمريكية للقضاء على “التهديد الإيراني”.

    3. الردع والتهديد: إبقاء إيران تحت التخويف:

    حماية الحلفاء (المختارين) و تعزيز الوجود الدفاعي الأمريكي في الخليج لحماية حلفاء واشنطن الأساسيين هناك.

    الحرب النفسية

    التصريحات الصادمة، مثل دعوة سكان طهران “لإخلاء المدينة” (حتى لو كانت رمزية)، تهدف إلى زعزعة استقرار النظام الإيراني وإشاعة الخوف.

    4. القيود الداخلية

    شبح الانتخابات وكابوس التضخم

    انقسام في المعسكر الجمهوري

    شعار “أمريكا أولاً” يتعارض مع الدعم اللامحدود لإسرائيل. شخصيات يمينية مؤثرة تهاجم ترامب وتحذره من جر البلاد لحرب جديدة تخدم المصالح الإسرائيلية على حساب الدم والاقتصاد الأمريكي.

    سيف التضخم المسلط

    أي إجراء يؤدي لتعطيل إمدادات النفط أو ارتفاع أسعاره هو كابوس للإدارة الأمريكية في سنة انتخابية. الاقتصاد الأمريكي المتعثر يحجم خيارات التصعيد العسكري الواسع.

    5. العزلة الدولية

    رفض التنسيق مع الحلفاء و مغادرة ترامب لقمة السبع مبكرًا ورفضه التوقيع على بيان التهدئة يعكس نهجه الفردي. حتى حلفاء أمريكا التقليديون في أوروبا يشعرون بالإحباط.

    انتقادات دولية

    اتهمت الصين ترامب صراحة بـ”صب الزيت على النار”، مما يعكس توتر العلاقات وعدم وجود غطاء دولي لأي تصعيد أمريكي.

    6. سيناريوهات الطوارئ: متى تطلق واشنطن يدها؟

    الخط الأحمر الأمريكي

    أي هجوم إيراني مباشر على القوات أو المصالح الأمريكية في المنطقة سيفتح الباب على مصراعيه لرد عسكري أمريكي مباشر وقوي.

    الخيار النووي إذا اعتقدت واشنطن أن إيران على وشك امتلاك سلاح نووي، قد تضرب بشكل استباقي. تصريح ترامب بأن إيران “لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا أبدًا” هو تحذير واضح. **وهنا تكمن المفارقة: فمحاولة إيران “إنقاذ” نفسها عبر إعلان امتلاك القنبلة الذرية – و إجراء تفجير نووي تجريبي لإثبات جاهزيتها – سيكون مغامرة استراتيجية ربما تحجم ترامب من الهجوم . فمجرد إجراء التجربة سيُمكّن خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تحليل ذبذبات الانفجار وتأكيد طبيعته البشرية بشكل قاطع، مما يمنح واشنطن الذريعة المثالية لتنفيذ تهديداتها الوقائية تحت سقف “الخط الأحمر” الذي رسمه ترامب نفسه او التفاوض مع ايران التي ستدخلها ايران من موقع قوة

    الخلاصة: المعادلة الصعبة لإدارة ترامب*

    تسير استراتيجية ترامب على حبل مشدود

    1. الانحياز المطلق و تفوق إسرائيل العسكري والأمني بكل الوسائل غير المباشرة (استخبارات، دفاع، دعم سياسي).

    2. احتواء النيران منع التصعيد من الانفجار إلى حرب إقليمية شاملة تلتهم المصالح الأمريكية وتغرق ترامب في مستنقع انتخابي.

    3. استغلال الأزمة تحويل التهديد الإيراني إلى ورقة ضغط لإجبار طهران على طاولة مفاوضات نووية جديدة بشروط أمريكية-إسرائيلية.

    التحدي الأكبر

    إدارة التناقض بين شعارات “أمريكا أولاً” وواقع الانغماس في صراعات الشرق الأوسط دفاعًا عن إسرائيل. القرار النهائي قد يُفرض على ترامب إذا تجاوزت إيران الخطوط الحمراء الأمريكية، أو إذا قرر هو أن “الصفقة الكبرى” تحتاج إلى ضربة عسكرية محدودة لكنها مؤلمة لإيران.

    في الأمد القريب، تبقى **المفاوضات (المشروطة) والدعم العسكري غير المباشر لإسرائيل** هما الخياران الأكثر واقعية. لكن شرارة واحدة – مثل هجوم ناجح لإيران على مصالح أمريكية حيوية – قد تُشعل المنطقة بأسرها.