الكاتب: importuser

  • الحرب الإسرائيلية–الإيرانية: هل هي تنفيذ متأخر لخطة “القطيعة النظيفة”؟

    في خضم التصعيد العسكري العنيف الذي نشهده اليوم بين إسرائيل وإيران، تتكشف خيوط استراتيجية عابرة للزمن، صِيغت قبل ما يقارب ثلاثة عقود، لكنها ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل المنطقة. إنها ما تُعرف بـ**“خطة القطيعة النظيفة”** (A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm)، الوثيقة التي وضعت ملامح إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أسس الهيمنة الإسرائيلية والقوة العسكرية، وها هي اليوم تُنفذ بأقسى صورها في قلب الصراع مع إيران.

    أصل الخطة: من الورق إلى الميدان

    وضِعت خطة “القطيعة النظيفة” عام 1996 من قبل مجموعة من المحافظين الجدد الأمريكيين لمصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي العائد حينها، بنيامين نتنياهو، وكان الهدف الرئيسي منها هو القطيعة مع سياسة التسوية والسلام، واستبدالها باستراتيجية هجومية تُعيد تشكيل البيئة الإقليمية لإسرائيل عبر “إسقاط الأنظمة المعادية” و”ضرب الدوائر الداعمة للمقاومة”.

    وحددت الخطة ثلاثة أهداف مركزية:

    1. إسقاط نظام صدام حسين في العراق (وقد نُفذ هذا الهدف عام 2003).

    2. إضعاف سوريا ولبنان عبر تقويض حزب الله وضرب النفوذ الإيراني فيهما وقد تم تغيير النظام السوري وازيل خطر حزب الله   اخيرا .

    3. محاصرة إيران وإسقاط نظامها لاحقًا باعتباره عدوًا استراتيجيًا لإسرائيل .

    ما نراه اليوم من استهداف مباشر للداخل الإيراني، ضربات نوعية للمراكز العسكرية والعلمية، وتصريحات أمريكية–إسرائيلية متطابقة، يعكس أن المرحلة الثالثة من الخطة قد دخلت طور التنفيذ العلني.

    الحرب الحالية: “القطيعة” تتحول إلى حرب شاملة

    الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي طالت العمق الإيراني، بما في ذلك اغتيالات وتفجيرات باستخدام طائرات مسيّرة يقال إنها زُرعت منذ سنوات، ليست مجرد ردود فعل آنية، بل تعبير عن تحوّل عقيدة إسرائيل الأمنية نحو “الهجوم الاستباقي الكامل”، بدعم وتخطيط استخباراتي مشترك مع أجهزة مثل CIA وMossad وSBU الأوكراني كما يقول البروفسور Jeffry Sache.*

    هذه ليست فقط مواجهة بين إسرائيل وإيران، بل صدام ضمن تحالف أمني–عسكري أمريكي–إسرائيلي–غربي، يُعيد بعث مشروع “الشرق الأوسط الجديد” بالقوة المسلحة، لا بالخطاب السياسي.

    انهيار الدبلوماسية: “تفاوض أو نقتلك”

    ما يثير القلق في هذه اللحظة التاريخية هو انهيار مفهوم التفاوض الدولي، واستبداله بمنطق القتل والترهيب. كما صرّح الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب بوضوح: “إما أن توافق إيران، أو سنقضي عليكم”. هذه ليست سياسة، بل قوة مفرطة محدثة تحت عباءة الدبلوماسية النووية، تُذكّرنا بلحظات مفصلية في التاريخ، سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية.

    الرسالة الحقيقية: تفكيك إيران من الداخل

    رغم الخطاب الإسرائيلي الرسمي عن “الردع والدفاع”، فإن الواقع يشير إلى هدف أعمق: إسقاط النظام الإيراني من الداخل، عبر:

    • ضرب القيادة العسكرية الإيرانية.

    • توجيه رسائل نفسية مدمّرة للشعب الإيراني.

    • دفع البلاد إلى الفوضى الداخلية والانهيار الاقتصادي.

    خاتمة: حرب بلا قاع… واستراتيجية بلا نهاية

    الحرب الحالية بين إسرائيل وإيران ليست مجرد لحظة طارئة في صراع طويل، بل هي الحلقة الأخيرة من سلسلة تمتد منذ 1996، حين قررت إسرائيل أن أمنها لن يتحقق عبر التفاهم، بل من خلال تفكيك كل من يعارضها.

    وفي غياب إرادة دولية للردع أو التهدئة، وفي ظل تحالف  غير معلن يضم قوى المال والسلاح والإعلام، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة غير مسبوقة من الدمار والانفجار، قد لا تخرج منها أي دولة، بمن فيها إسرائيل، دون خسائر جسيمة.

    *Sachs is director of the Center for Sustainable Development at Columbia University

  • إيران وإسرائيل: حين تتقاطع التكنولوجيا النووية مع احتمالات الحرب

    في ذروة التصعيد الجاري بين إسرائيل وإيران، تتعالى الأصوات الدولية محذرة من انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة تتجاوز حدود القصف المتبادل نحو صدام نووي محتمل. ومع كل غارة إسرائيلية تستهدف مواقع في إيران، يبرز السؤال المخيف: هل يمكن فعلاً القضاء على البرنامج النووي الإيراني بضربة عسكرية؟ وهل اقتربت طهران من تجاوز الخط الأحمر في صناعة القنبلة؟

    الجواب المختصر من خبراء مطّلعين هو: لا. فالضربات الجوية وحدها، حتى إن نفذتها طائرات الشبح الأمريكية من طراز B-2 أو المقاتلات الإسرائيلية المتطورة، لا يمكنها إنهاء المشروع النووي الإيراني. إذ تمتلك إيران، حسب مصادر دقيقة، برامج نووية موازية مدفونة في أعماق الجبال، في منشآت لا يعرف العالم عنها شيئًا. هذه المرافق لا تُستخدم فقط كخطة بديلة، بل كجزء من استراتيجية “الضربة الثانية” التي تضمن استمرارية البرنامج تحت أي ظرف.

    لقد تعلمت إيران من تجربة العراق عام 1981، حين قصفت إسرائيل مفاعل تموز ودمرته في ساعات. أما اليوم، فالوضع مختلف تمامًا: المواقع معقدة، منتشرة، محصنة، والأهم من ذلك، أن إيران قد أصبحت نوويًا فعلًا، إن لم يكن بقنبلة، فبالمواد الانشطارية الجاهزة.

    نحو العتبة النووية… وربما ما بعدها

    في تشرين الثاني الماضي، أعلنت إيران رسميًا أنها امتلكت 25 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%—نسبة تُعد، وفقًا للمختصين، كافية لصنع قنبلة على غرار قنبلة هيروشيما. ولدى إيران اليوم نحو 70 كغم من هذا النوع من اليورانيوم، بالإضافة إلى 400 طن من اليورانيوم المخصب بنسبة 20%، وهو ما يمكن رفعه بسهولة إلى مستويات عسكرية باستخدام أجهزة الطرد المركزي المتطورة التي طورتها في السنوات الأخيرة.

    الانتقال من تخصيب 60% إلى 93%—وهي النسبة اللازمة لقنبلة من نوع “الانفجار الداخلي” (implosion)—لم يعد يحتاج شهورًا، بل أيامًا أو أسابيع فقط، بفضل ما تمتلكه طهران من آلاف أجهزة الطرد المركزي من أجيال متقدمة، أبرزها IR-6 وIR-8، التي تفوق كفاءة الجيل الأول بعشرة أضعاف.

    قوة الردع الصاروخي

    ليس السلاح النووي وحده ما يثير المخاوف، بل وسيلة إيصاله. فالصواريخ الباليستية الإيرانية مثل “شهاب-3”، والتي تم تعديلها لتحمل حتى طن من المتفجرات، ما يدل على قدرتها على حمل رأس نووي إن استدعى الأمر. ورغم رفض إيران أن تشمل الاتفاقيات الدولية برامجها الصاروخية، فإن العالم يدرك أن الخط الفاصل بين الرادع التقليدي والرادع النووي أصبح هشًا.

    برنامج موازٍ… واستراتيجية لامركزية

    في حال استهدفت الضربات الجوية منشآت مثل نطنز أو قم، فإن إيران ستُفعّل ما يسمى بـ”البرنامج الموازي”، المخفي في أعماق الجبال. هذا البرنامج، وفق مصادر إيرانية، مصمم ليعمل تلقائيًا في حال انهيار البنية النووية العلنية. وفي تصريح لافت، قال أحد المسؤولين الإيرانيين: “حين يتم ضرب منشآتنا، سيستيقظ البرنامج غير المرئي ليستكمل المهمة”. والأسوأ أن طهران – وفق نفس التصريحات – لا تكتفي بما داخل حدودها، بل تمتلك بنى نووية منتشرة “في أنحاء مختلفة من العالم”، في إشارة إلى طموح عابر للحدود.

    ما بعد الضربة… هل يتكرر سيناريو كوريا الشمالية؟

    من المتوقع ان طهران قد تنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي، معلنةً نهاية مرحلة الضبابية والدخول العلني في نادي الدول النووية. وهو سيناريو مشابه لما فعلته كوريا الشمالية، حين انسحبت من المعاهدة في 2003 ثم صنعت قنبلتها لاحقًا.

    خاتمة: زمن الحساب الصعب

    ما يجري اليوم بين إيران وإسرائيل ليس مجرد نزاع إقليمي، بل مواجهة بين رؤيتين لمستقبل المنطقة: الأولى تعتمد على الردع النووي واستقلال القرار، والثانية تراهن على منع الانتشار بكل الوسائل، بما في ذلك الحرب. ومع تصاعد الغارات والاغتيالات والتهديدات، يبقى العالم أمام سؤال مصيري: هل ستنتهي هذه المواجهة بضربة توقف التخصيب؟ أم ستكون الشرارة التي تشعل حربًا لا يمكن احتواؤها؟

    العالم يراقب، والمنطقة تختنق بترقب الانفجار الكبير.

    *لمن يرغب في التوسع، فإن هذه المعلومات مستمدة من مقابلة تلفزيونية حديثة مع الدكتور يسري أبو شادي، كبير خبراء الطاقة النووية السابق في الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

  • التوترات الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية: بين التضليل الاستراتيجي وقرع طبول الحرب

    التوترات الأمريكية – الإسرائيلية – الإيرانية: بين التضليل الاستراتيجي وقرع طبول الحرب

    في ظل تصاعد الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط، تزداد المؤشرات على دخول المنطقة مرحلة جديدة من التوتر بين الولايات المتحدة، إسرائيل، وإيران، حيث تتداخل الأهداف العسكرية بالرهانات السياسية، ويصبح خطر الانفجار الإقليمي أكثر حضورًا من أي وقت مضى.

    أولًا: اتهامات بالتضليل والتنسيق السري

    كشفت تقارير إعلامية – أبرزها من تايمز أوف إسرائيل – عن تنسيق مزعوم بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتضليل القيادة الإيرانية بشأن هجوم عسكري وشيك. فبينما كانت المفاوضات النووية مع إيران جارية، يُقال إن ترامب كان على علم بالخطة الإسرائيلية، لكنه تظاهر بالجهل لدعم مسار التفاوض، في خطوة وصفها محللون كـ”سكوت ريتر” بأنها تقوض الثقة في الدبلوماسية الأمريكية.

    ثانيًا: الضربات الإسرائيلية وغياب الأثر الحاسم

    الهجمات الإسرائيلية الأخيرة استهدفت مواقع عسكرية حساسة في ضواحي طهران، وأسفرت عن مقتل عدد من الجنرالات الإيرانيين وعلماء بارزين في مجال الطاقة النووية. لكن، ورغم صدمة الضربة، لم تحقق هدفها الاستراتيجي المتمثل في شلّ القدرات النووية الإيرانية. فإيران لا تزال تملك القدرة على الرد، وهي على الأرجح ستسعى للانتقام عبر أدواتها المباشرة أو من خلال وكلائها في الإقليم.

    ثالثًا: انهيار الثقة في واشنطن

    ترى أطراف متعددة، من خصوم وحلفاء على حد سواء، أن الثقة في الولايات المتحدة باتت موضع شك. فالسياسات الأمريكية توصف بأنها ازدواجية، تسعى للتهدئة كلاميًا بينما تغض الطرف عن عمليات تصعيدية حليفة. ومما يعزز هذا الشعور، تصريحات واشنطن التي تنفي ضلوعها في الهجوم، رغم وضوح الدعم الاستخباري والعسكري الذي تتلقاه إسرائيل منذ سنوات.

    رابعًا: خطر التصعيد الشامل

    الأحداث الأخيرة تنذر بتصعيد قد يتطور إلى حرب إقليمية واسعة. فمع تمركز أكثر من 90,000 جندي أمريكي في المنطقة، وأمام تعهّد واشنطن بالدفاع عن إسرائيل، فإن أي رد إيراني قد يؤدي إلى سقوط قتلى أمريكيين، وهو ما قد يدفع واشنطن نحو مواجهة مفتوحة. وهنا يُستحضر “سيناريو خليج الخنازير”، حيث يُعتقد أن إسرائيل قد تتعمّد دفع أمريكا نحو مستنقع الصراع عبر خلق واقع يصعب التراجع عنه.

    خامسًا: البُعد الاقتصادي… النفط كرهينة

    أحد أبرز تداعيات الصراع المحتمل هو تأثيره على سوق النفط العالمي. ففي حال استهدفت إيران منشآت نفطية في الخليج أو العراق أو السعودية، قد ترتفع أسعار النفط بشكل صاروخي، ليصل سعر الغالون في الولايات المتحدة إلى 10 دولارات. وهو سيناريو كفيل بزعزعة الاقتصاد العالمي، ورفع منسوب القلق الشعبي في الدول الغربية.

    سادسًا: ازدواجية المعايير والأسئلة المعلق

    يثير المشهد الراهن أسئلة أخلاقية واستراتيجية عميقة: لماذا يُسمح لإسرائيل بامتلاك قدرات نووية متقدمة بينما يُمنع ذلك على إيران؟ هل يسعى الغرب حقًا لمنع الانتشار النووي، أم لتكريس ميزان قوى مختل في الشرق الأوسط؟ وما الهدف الحقيقي من استمرار الضغوط على طهران في ظل استحالة تحقيق “تغيير النظام” واقعيًا؟

    سابعًا: الداخل الأمريكي بين الواقعية والمحافظين الجدد

    القرار السياسي في واشنطن يبدو رهينًا لتأثير قوى الضغط المؤيدة لإسرائيل، في ظل شبه إجماع في الكونغرس على دعمها دون شروط. وبينما يحذر تيار الواقعيين من عواقب التصعيد، يبدو أن “المحافظين الجدد” لا يزالون يهيمنون على صناعة القرار، ويدفعون باتجاه التصعيد، حتى وإن كلف ذلك الولايات المتحدة مزيدًا من الدماء والموارد.

    خاتمة: لحظة مفصلية في التاريخ الحديث

    ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف إقليمي، بل هو اختبار للنظام الدولي برمّته، ولقدرة العالم على الاختيار بين مسارين: السلام القائم على التوازن والعدالة، أو الحرب التي تفرضها حسابات المصالح والأوهام الاستراتيجية.

    بين خيار الحرب وخيار السلام، بين الحقيقة والخداع، يقف العالم أمام مفترق طرق… فإما احتواء الأزمة، أو الانزلاق إلى فوضى قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط وتغير توازن القوى العالمي لعقود قادمة.

  • كل عيد… ونحن نرتقي بالحب والعدل

    كل عيد… ونحن نرتقي بالحب والعدل

    كل عيد وأنتم بخير…

    لكنها ليست مجرد عبارة نُرددها في طقوس المواسم، بل أمنية نُطلقها من أعماق القلب، علّها تلامس أرواحًا أثقلها التعب، وتُنعش فينا ذلك الإيمان العميق بأن الخير ممكن… دائمًا.

    كل عام والإنسانية تضيء ما بيننا مثل قنديل لا ينطفئ، تُقرّب المسافات وتذيب الجدران التي شيّدتها الكراهية والخوف.

    كل عام والأديان لا تقف متقابلة كخصوم، بل تسير جنبًا إلى جنب كأصدقاء يختلفون في الطريق، ويتّحدون في الغاية: الرحمة، السلام، والحق.

    كل عام وأشعة الشمس لا تكتفي بإضاءة الطرقات، بل تمتدّ لتدفئ القلوب الباردة، وتزرع السكينة في الأرواح المنهكة التي تبحث عن مأوى في هذا العالم المضطرب.

    كل عام والشفاء يزور المرضى كضيفٍ كريم، يهمس في أذن الألم: آن لك أن ترتحل.

    كل عام والشهداء ينامون في حضن الوطن بسلام، والموتى تحفّهم دعوات الأحبة، وتُزين قبورهم ورود الرضا والذكرى الطيبة.

    كل عام، والمظلوم قد نال حقه، لا عن طريق الصدفة، بل لأن العدل انتصر، وإن تأخر.

    كل عام والنجاح لا يكون حكرًا على أحد، بل شريكًا لنا جميعًا، يزور من يجتهد، ويصافح من لم يستسلم.

    كل عام والعدل ليس شعارًا نُعلّقه، بل خُلُقًا نحيا به، ونقاتل لأجله.

    كل عام والأمل ينمو فينا بصمت، كزهرة برية تنبت في شقوق الإسفلت، متحديًا القسوة والخذلان.

    كل عام وأهلنا حولنا، يسندوننا بالكلمة، والضحكة، والذكرى.

    كل عام، والأخوّة لا تهتزّ مهما اختلفنا، والمحبة لا تذبل مهما مرّت عليها رياح الغياب.

    كل عام… ونحن بخير، لا لأن الحياة سهلة، بل لأننا ما زلنا نُؤمن، ونُحب، ونسعى لنكون أفضل.

    مع خالص المحبة والتمنيات لكم بعيد أضحى يليق بإنسانيّتكم،

    د. علاء التميمي

    مدونة altamimialaablog.com

  • هارفاد …وأمريكا التي تتراجع عن ذاتها

    ذات صباحٍ من شتاء بوسطن، كنت أسير بين جدران الزمن في مكتبة جامعة هارفارد، يجاورني صمتُ الكتب ووهجُ العقول التي مرّت من هنا. كنت قد زرت هذه المدينة مراتٍ عدة، وفي كل زيارةٍ لي كنت أحرص على المرور بممرات هارفارد ومعهد MIT، وكأنني أبحث عن برهان حيّ على أن العقل البشري قادر على تجاوز المأساة نحو الأمل.

    في عامَي 2005 و2012، حاصرتني الأسئلة في ندوتين عُقدتا في كلية التخطيط الحضري في جامعة هارفارد، حين كنت مشاركًا في مؤتمرات حول مستقبل بغداد. كنت أرى في هذه المؤسسة، وفي عقولها النابضة، مجتمعًا علميًا هو الأشدّ توهجًا منذ أن عرفت معنى البحث والسؤال.

    لكن أميركا تغيّرت.

    في الأسبوع الماضي، جاءت الضربة من حيث لم يكن يُنتظر: أمرت إدارة الرئيس ترامب، في تصعيد غير مسبوق، بمنع جامعة هارفارد من تسجيل الطلاب الدوليين فورًا، بحجّة فشلها في محاربة معاداة السامية وترويج ما يسمونه “أيديولوجية اليقظة”. وقالت وزيرة الأمن الداخلي: “ليكن هذا تحذيرًا لكل الجامعات في البلاد.”

    تحذير لِمَ؟ للركوع؟ للتنازل عن القيم مقابل إرضاء النزوات السياسية؟ كما في بلدان العالم الثالث التي كنّا نظن أن أميركا تختلف عنها.

    ورفضت المحاكم هذا القرار، مؤقتًا على الأقل. لكن الخطر الحقيقيّ لا يكمن في قرارٍ إداري، بل في الرسالة التي يحملها: أن أميركا لم تعد كما كانت، وأن فكرتها الكبرى عن الحرية قد بدأت في الانكماش.

    أن تترك بلدك شابًا، لتسافر نحو أرضٍ جديدة، ليس مجرد مغامرة أكاديمية؛ إنه قرار وجودي. تصبح مزيجًا من ثقافتين، تنتمي إلى مكان وُلدت فيه، ومكان اخترته بقلبك وعقلك معًا. تكون، ببساطة، إنسانًا أكثر اتساعًا.

    تلك العلاقة المتبادلة التي تنشأ بين الطالب الأجنبي وأميركا ليست من طرفٍ واحد. صحيحٌ أن كثيرين يعودون إلى أوطانهم، لكن الأميركيين الذين درسوهم، وصادقوهم، وشاركوهم الطموحات، لا ينسون. يبقى أثر التنوّع محفورًا في الذاكرة، دليلاً على أن الأفكار لا تعرف الحدود، وأن الآخر ليس تهديدًا، بل نافذة.

    في جامعة هارفارد وحدها، يشكّل الطلاب الدوليون 27% من مجموع الطلبة. وفي الجامعات الأميركية الأخرى، تتجاوز النسبة ذلك بكثير. أكثر من 1.1 مليون طالب أجنبي درسوا في الولايات المتحدة خلال عام 2023-2024، وكل واحد منهم كان يحمل، إلى جانب أمتعته، حلمًا.

    نعم، قد تتحدث الإدارة عن الرسوم والتمويل، لكن هؤلاء الطلاب لا يدفعون فقط مقابل المعرفة، بل يضخّون في الاقتصاد، ويُضيفون إلى الثقافة، ويبنون علاقات تمتد لعقود. بعضهم يبقى، وبعضهم يرحل، لكن أميركا كانت دومًا المستفيدة.

    والآن؟ ها هم يضعون خططًا بديلة. فرنسا فتحت أبوابها، ورئيسها ماكرون دعا الباحثين إلى الهجرة إليها. وكندا تسير على النهج ذاته. العالم لا ينتظر أحدًا.

    الحرية الأكاديمية، ذلك الشعاع الذي أضاء تاريخ أميركا، بدأ يخفت. لأن الأفكار لا تُولد في فراغ، بل تحتاج بيئة تسمح لها بالتجوال والاكتشاف والتلاقي. كيف يمكن للابتكار أن يزدهر حين يُنظر إلى العقول القادمة من الخارج كتهديد؟ كيف سيُبنى المستقبل إذا أغلقنا الباب أمام المختلفين عنا؟

    المعركة القضائية بشأن هارفارد ما زالت مستمرة. لكنها ليست مجرد معركة قانونية، بل صراع رمزيّ حول روح بلدٍ ظلّ لعقود قبلة الطامحين من كل بقاع الأرض.

    أتذكّر أصدقائي، قبل خمسين عامًا. لم نكن نملك إلا أحلامنا الصغيرة بالسفر والتعلّم. اجتمعنا ذات يومٍ تحت سماء بغداد، وتفرّقنا بعدها، كلٌ إلى جهة. أكملوا دراساتهم، ثم عادوا، ثم غادروا من جديد. الآن تجدهم في كل بلاد العالم من نيوزيلندا، وأستراليا والخليج واوربا وأمريكا وكندا، وأماكن أخرى، لكن شيئًا واحدًا يجمعنا رغم كل هذا الشتات: كان هناك زمنٌ، حين ظننا أن العالم يتسع لنا جميعًا.

  • “مثقفو النقل والنقر: حين تُختزل الثقافة في النسخ واللصق”

    “مثقفو النقل والنقر: حين تُختزل الثقافة في النسخ واللصق”

    في عالم طغت فيه السرعة على التأمل، والكمّ على النوع، أصبح من السهل أن يدّعي أحدهم الثقافة بنقرة، أو أن يُقدَّم بصفة مفكر لمجرد اقتباس عابر. اليوم، أتناول ظاهرتين متفشيتين في المشهد المعرفي العربي المعاصر: مثقف الذي يكتفي بتكرار أفكار الآخرين دون فحص أو موقف، ومثقف النقر الذي يحوّل التفاعل السطحي إلى ادّعاء بالوعي.

    هذا المقال دعوة للتوقف، للتأمل، ولطرح سؤال بسيط وعميق:؟

    في زمن كان المثقف يُعتبر ضمير الأمة ووعيها الناقد وداعمها الفكري، ظهر نموذج آخر مشوه وهجين، يشبهه في المظهر ويختلف عنه في الجوهر: مثقف النقل، وتلاه مع ظهور التكنولوجيا والوسائط الرقمية مثقف النقر.

    مثقف النقل هو الشخص الذي يحفظ النصوص ويستظهر الأقوال، ويتفاخر بما جمعه من مقولات وأفكار الآخرين دون أن يبذل جهدًا في فهمها أو نقدها. يقرأ ليقتبس وليس ليحلل، وينقل ليبهر وليس ليفكك. يعرض النصوص كما هي، مما قد يضلل السامع أو القارئ، ويقنع نفسه بأنه أصبح من “النخبة” لمجرد أنه قرأ أو سمع أو شارك في مجلس ثقافي.

    ثم حل عصر النقر، حيث باتت ضغطة زر، أو نسخ رابط، أو نشر اقتباس مزخرف على وسائل التواصل، كافية لتمنح البعض إحساسًا زائفًا بالمعرفة. ما كان يحتاج إلى وقت للتأمل والتحليل، أصبح يُختصر في نقرة، دون سياق، دون عمق، ودون مسؤولية فكرية.

    إنّ المشكلة ليست في النقل ذاته، فالعلم والتراكم المعرفي بُنيا على النقل والفهم، بل في العقلية التي لا تفرّق بين النقل والتقليد، و النقر والتفكير. في مثقف يعيد إنتاج أفكار الآخرين، لا ليبني عليها أو يختلف معها، بل ليؤكد ما قيل، كما قيل، دون اجتهاد أو مساءلة أو موقف

    نحن نعيش اليوم في عصرٍ تداخلت فيه الأصوات مع الضوضاء، وأصبح فيه كثرة النشر تتفوق على عمق التفكير، حتى ازدحمت الساحة الثقافية بأشخاص “يتظاهرون بالمعرفة دون أن يمتلكوها فعليًا”. فليس كل من نقل نصًا أصبح واعيًا بمحتواه، ولا كل من ضغط على رابط صار جزءًا من معناه.

    الثقافة ليست ترفًا بل هي شكل من أشكال المقاومة. إنها مقاومة للسطحية، والادعاء، والتقليد الأعمى. وتبدأ هذه المقاومة بلحظة شجاعة يتوقف فيها الإنسان عن التكرار ويسأل: هل أؤمن بما أنقله؟ هل يعبر ما أشاركه عني فعلًا؟

    في الختام، المثقف الحقيقي هو الذي يسلط الضوء على الزوايا المظلمة، حتى وإن كانت بكلمة واحدة، وليس من يملأ الفراغات.

    فتجنب أن تكون فقط ناقلًا… أو ناقرًا.

    كن صوتًا، لا صدى

  • الخليج واحد لكن لكل شاطئ روايته

    الخليج واحد لكن لكل شاطئ روايته

    بين حنايا التاريخ وصراعات الحاضر، تتنازع الخليج الأسماء كما تتنازعه الأمم. فهو عند العرب “الخليج العربي”، وعند الإيرانيين “الخليج الفارسي”، لكنه في جوفه يظل شاهِدًا على تحولات الزمن وصراعات القوة.

    بمساحة تبلغ 251,000 كم²، وعمق متوسط 50 مترًا، يمتد هذا الذراع البحري من شط العرب شمالًا إلى بحر العرب جنوبًا، حاملًا في طياته ثرواتٍ جعلته “قلب الطاقة العالمي”. وتحيط به ايران وسبع دول عربية لكل منها تاريخ وحقوق ومصالح.

    سماه السومريون اسم “بحر أرض الإله”، ثم “بحر الشروق الكبير”، قبل أن يُطلِق عليه الإسكندر الأكبر “بحر فارس” في القرن الرابع ق.م. و عند العرب سُمي “خليج البصرة” و”خليج عُمان”، بل واستخدم الجغرافيون المسلمون كالحموي والذهبي التسميتين معًا في مؤلفاتهم. و في الغرب، تبنت الخرائط الأوروبية التسمية الفارسية، بينما أشار إليه الرومان قديمًا بـ”الخليج العربي”.

    الرواية الإيرانية ترى أن “الخليج الفارسي” هو الاسم الوحيد المعترف به دوليًا، وتُحيله إلى هوية قومية، حتى أنهم يحتفلون سنويًا بـ”اليوم الوطني للخليج الفارسي”.

    الرواية العربية تؤكد أن التسمية العربية قديمة، وتعكس واقعًا ديموغرافيًا وجغرافيًا، حيث القبائل العربية تمتد على طرفيه حتى السواحل الإيرانية.

    وفي خضم هذا التوتر، اطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب مصطلح “الخليج العربي” رسميًا، في خطوةٍ لا تخلو من دلالات سياسية وبذرة جديدة للخلاف بين دول المنطقة وايران، و في عالم تتصارع فيه الجغرافيا السياسية، تبقى التسميات أداةً للهيمنة. لكن التاريخ يُذكِّرنا أن البحار لا تُملَك، بل تُشارَك. فالبحر الذي سماه الفرس “فارسيًا” والعرب “عربيًا”، هو نفسه الذي شهد تعايشًا تجاريًا وثقافيًا لآلاف السنين.

    بل إنّ تعدد التسميات لذات الممرات المائية ليس ظاهرةً استثنائية؛ فبحر المانش (La Manche) الذي يفصل بين فرنسا وبريطانيا يُعرف باسم القناة الإنكليزية في بريطانيا “English Channel”، ويتكرر الأمر على بحر اليابان الذي تطلق عليه روسيا اسم “بحر الشرق”، وتطلق كوريا عليه “بحر كوريا الشرقي”. هذه الأمثلة تذكّرنا أن الاسم أحيانًا يعكس منظورًا، لا حقيقةً مطلقة، وأن الاعتراف المتبادل لا يُبنى على الكلمات بل على التفاهمات.

    كما حملت البحور المختلفة عبر العصور أسماء متعددة — من “القلزم” إلى “البحر الأحمر”، ومن “قزوين” إلى “بحر الخزر” — فإن الخليج بنظر العقلاء سيظل رمزًا للتواصل لا للانقسام. فبدلًا من تحويله إلى ساحة صراع، يجدر بالدول المطلة على الخليج أن تستلهم من تاريخه المشترك سبيلًا للتعاون، لأن الثروات لا تُحمى بالخطاب، بل بالحكمة.

  • بغداد: ذاكرة مدينة

    بغداد: ذاكرة مدينة

    بغداد – نشيد الخلود من عباءة التاريخ

    في قلب الجغرافيا، حيث ترقد الأساطير تحت تراب دجلة وتهمس الأزقة القديمة بأسرار العصور، نشأت مدينة ليست كغيرها. لم تظهر بغداد من العدم، بل بُنيت على أنقاض حضارات سابقة، وكأنها النسخة المصقولة من ذاكرة الرافدين.

    قبل أن يفكر أبو جعفر المنصور في تأسيسها، كانت الأرض تنبض بذكريات المدائن، عاصمة الساسانيين، وزقورة عقرقوف التي تطل على السماء منذ آلاف السنين، وإيوان كسرى الذي لا يزال شاهداً على زمن يتشبث بالخلود.

    بغداد… مدينة من نور وتخطيط

    عندما قرر الخليفة أبو جعفر المنصور إنشاء عاصمته الجديدة، اختار موقعًا مرتفعًا على الضفة الغربية لنهر دجلة. لم يكن هذا القرار عشوائيًا؛ فالمنطقة كانت محاطة بقرى زراعية خصبة تُروى من جداول تتفرع من نهر الفرات ونهر دُجيل الذي يأخذ مياهه من دجلة شمالًا. كانت هذه الأراضي تنتج غلالًا وفيرة وتحيط بها المزارع من كل جانب، حتى الجهة الشرقية من دجلة كانت مزدهرة بمياه الأنهار والترع التي تروي أراضيها.

    هكذا وُلدت بغداد، مدينة ليست كباقي المدن. لم تكن مجرد عاصمة جديدة، بل مشروع حضاري متكامل. أرادها المنصور أن تكون مركزًا للدولة الإسلامية، وعنوانًا للقوة والتنظيم والرقي.

    ورثت بغداد منذ نشأتها روح التاريخ، وشهدت مراحل عمرانية متعددة، لكل منها بصمتها. ومنذ أن وضع المنصور أسسها، حملت المدينة ملامح حضارية وإنسانية نادرة؛ فهي لم تكن فقط دارًا للخلافة، بل مهدًا للعلم، ومركزًا للترجمة، وملتقى للفكر والحياة.

    في ذروة مجدها، وخاصة في عهد الخليفة هارون الرشيد، كانت بغداد تُذكر في حكايات “ألف ليلة وليلة”، وتُعرف بعلمائها وفلاسفتها وشعرائها، وبأسواقها ودفء مجالسها. لم تكن المدينة فقط عاصمة سياسية، بل مركز إشعاع للعالم الإسلامي كله.

    وما ميّز بغداد منذ نشأتها هو تصميمها الاستثنائي. فقد اختار المنصور أن تكون مدينته مدوّرة الشكل، وهي فكرة فريدة نادرًا ما نجد لها نظيرًا في تاريخ بناء المدن. ورغم أن بعض المدن القديمة في وادي الرافدين بُنيت بدوائر دفاعية كالحضر والمدائن، فإن ما فعله المنصور هنا كان مزيجًا بين الجمال والتخطيط المحكم.

    رُسم شكل المدينة بدايةً بخطوط من الرماد، ثم أُشعلت كرات من القطن المبللة بالنفط على امتداد السور، في طقس رمزي يعلن بدء البناء. بعد ذلك، بدأ المهندسون والعمال بحفر الأساسات، واستخدموا في البناء الطوب المشوي في الشمس أو النار، إذ لم تكن الحجارة متوفرة في تلك المنطقة.

    بقيادة المنصور ومجموعة من المهندسين، رُسمت المدينة كدوائر متداخلة، تبدأ من الخندق الدفاعي، ثم السورين العظيمين، وصولًا إلى الرحبة الكبرى في قلب المدينة. وفي مركزها شُيّد قصر ضخم مربع الشكل، طول ضلعه 240 مترًا، يضم إيوانًا فخمًا تعلوه قبة خضراء شاهقة تُرى من بعيد.

    كان ذلك القصر مقرًّا للخلافة، ومركزًا للإدارة، وزُيّن من الداخل بأخشاب نادرة ونقوش ذهبية خلّابة، حتى عُرف بـ”قصر الذهب”.

    ولم يُغفل المنصور أبواب المدينة، فجعل لها أربعة أبواب كبرى، سُميت بحسب الجهات التي تُفضي إليها: باب الشام، باب الكوفة، باب البصرة، وباب خراسان. وفوق كل باب قبة، وكل مدخل محصن ببوابة ضخمة من الحديد، تُغلق بإحكام.

    الشوارع داخل المدينة انطلقت مستقيمة من كل باب نحو مركزها، وكأنها شرايين تنبض في قلب بغداد، متصلة بجسدها الدائري بتناغم رائع بين الفكرة والتنفيذ.

    عندما خطّ المنصور مدينته عام 145هـ (762م)، لم يكن يؤسس لعاصمة عابرة، بل كان يخلق عالماً. عالمًا مدوّرًا، له مركز كنقطة البداية، ودوائر كأنها موجات حجر سقط في بحيرة ساكنة.

    مدينة لم تُبْنَ بالحجارة فقط، بل بالخيال. بالتصميم المرهف الذي جمع بين الحصافة العسكرية وجماليات الهندسة. قصر في قلبها، وقبة خضراء تعلوه كنجمةٍ دائمة، وأسواق تتشابك كمقطوعة موسيقية بين باب الشام وباب البصرة، بين الكوفة وخراسان.

    لكن بغداد، كما الأنثى المهيبة، لم تكتفِ بما مُنِحَتْ. فقد امتدّت، وتوسّعت، وولّدت الرصافة. هناك، على الضفة الأخرى من دجلة، أقام المهدي مدينته الثانية، كأن بغداد أخذت تحدّق في نفسها من الجهة المقابلة، وتبتسم لصورتها في النهر.

    الكرخ أيضًا، تلك الضاحية التي كانت يومًا هامشًا، صارت قلبًا آخر للمدينة. نُقلت إليها الأسواق، وتسرّبت الحياة في أزقتها، حتى صارت مركزًا تجاريًا يعجّ بالعلماء والتجار والفقهاء.

    وفي عهد الرشيد، ارتفعت بغداد كقصيدة؛ مزهوة بحكايات ألف ليلة وليلة، تضج بعطر المجالس، ودفء المدونات، وأصداء الشعراء. كانت لا تنام، إلا لتصحو أجمل.

    لكن المجد هش. فحين غاب الرشيد، وقعت المدينة في فخّ الصراع بين ابنيه، الأمين والمأمون. حصار المدينة المدورة، وضربها بالمنجنيق، لم يكن حربًا فقط، بل إعلانًا عن بداية الشروخ في درع بغداد الذهبي.

    ومع المأمون، انتقل نبض المدينة إلى الرصافة، حيث أصبحت الخلافة هناك، ومعها المجالس، والفقه، والجدل، والكتب، وبيت الحكمة. كانت بغداد كلها تكتب، وتترجم، وتناقش… مدينة لا تمشي على الأرض، بل تحلق على رفوف مكتباتها.

    لكن ذلك الضوء الكبير لم يصمد أمام العتمة المغولية. حين اجتاح هولاكو المدينة عام 1258، كان دجلة يفيض، لا بالماء فقط، بل بالحبر والدم. الأسود والأحمر تلاحقا في موج واحد، لتُمحى مكتبات، وتُقتل عقول، وتتحول بغداد إلى أنين لا يسمعه إلا من عرفها من قبل.

    ولسبعة قرون بعدها، بقيت بغداد تنام وتصحو تحت وطأة الغزاة: تيمورلنك، الفرس، العثمانيون… لكن لا أحد منهم استطاع أن يطفئ جذوتها تمامًا. كانت مدينة تنكمش، لكنها لا تموت. تتراجع، لكنها لا تُمحى.

    وفي نهايات العهد العثماني، جاءت أقلام الرحالة الأوروبيين لتوثّق ما تبقى. نيبور، فليكس جونس، وغيرهم، رسموا خارطتها، وعدّوا محلاتها، وسجّلوا أزقتها. رأوها مُسقفة الأسواق، ضيقة الشوارع، لكنها لا تزال تنبض بروحٍ خفية، كشعلة لا تنطفئ مهما تكدّس عليها الغبار.

    ثم جاء الوالي مدحت باشا، ونفخ في المدينة بعضًا من هواء الإصلاح. أنشأ بلدية، وجريدة، ومدارس، وترامواي. لكنه أيضًا، مزّق ثوبها القديم حين أمر بهدم أجزاء من سورها ، وكأن المدينة بدأت تخلع جلدها بيدٍ، وتتشبث به بالأخرى.

    حتى جاء عام 1917. حين انفجرت بغداد من الداخل، ببارودٍ عثماني نسف “باب الطلسم” — آخر ما تبقى من أبواب الذاكرة العباسية. لم يكن مجرد باب. كان تعويذة معمارية، نقش عليها رجلٌ وتنين، وتدثرت بظلها حكايات الأشقياء والشعراء.

    وكانت تلك هي اللحظة التي دخل فيها الجنرال مود بغداد، حاملاً بيد علمًا، وبالأخرى صفحة جديدة من التاريخ… فصلًا يُكتب لا بالذهب، بل بالاحتلال.

    *هذا النص هو جزء من سلسلة مقالات متتابعة أقدمها بشكل دوري، وهي مستوحاة من فصول كتابي المعنون «بغداد: ذاكرة مدينة»، الذي يستعرض تحولات العاصمة العراقية منذ نشأتها العباسية وصولًا إلى فترة التحولات الكبرى في القرن العشرين.

    أهدف من خلال هذه السلسلة إلى إحياء معالمها التي طواها النسيان، وإعادة تشكيل صورتها النابضة بالحياة كما وثقتها النصوص وحفظتها الذاكرة.

    من يرغب في معرفة المزيد من التفاصيل أو الحصول على نسخة إلكترونية من الكتاب الكامل، يُسعدني التواصل معه مباشرة لإرسالها بكل تقدير.

  • كندا ليست للبيع… كارني وذكاء المواجهة مع ترامب

    كندا ليست للبيع… كارني وذكاء المواجهة مع ترامب

    خلال اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس الوزراء الكندي مارك كارني في القصر الأبيض، عاد ترامب ليكرر طرحه المثير للجدل حول فكرة إلحاق كندا بالولايات المتحدة، مبررًا ذلك بأنه يرى كندا فرصة ذهبية من منظور المطوّر العقاري . ترامب، كعادته، صاغ كلامه بأسلوب ساخر يجمع بين الجد والدعابة، لكنه حمل في طياته رسائل لا يمكن تجاهلها، خاصة عندما تأتي من رئيس دولة بحجم الولايات المتحدة.ما كان لافتًا في هذا المشهد ليس فقط مضمون الطرح، بل الطريقة التي اختار بها كارني الرد. فبدل الانفعال أو مقاطعة ترامب، فضّل كارني أن يصغي حتى النهاية، محافظًا على لغة جسد هادئة تعبر عن عدم الارتياح والرفض، دون أن يقطع حديث ترامب أو يظهر أي توتر. هذا الموقف وحده كان رسالة بحد ذاتها، توحي بأن كندا ليست مستعدة حتى لمناقشة مثل هذه الطروحات العبثية.

    ثم، بابتسامة مقتضبة ونبرة هادئة لكنها حاسمة، قال كارني:

    “كندا ليست للبيع. وحتى في عالم التطوير العقاري، هناك أشياء ليست للبيع… خذ هذا المكان الذي نحن فيه الآن – البيت الأبيض – مثالًا.”

    بهذه العبارة المزدوجة المعنى، استطاع كارني أن يعيد الأمور إلى نصابها، مستخدمًا نفس لغة ترامب – لغة السوق والعقارات – ليعيد الكرة إلى ملعبه، ويوجه له درسًا في السيادة والكرامة الوطنية. الرد لم يكن فقط ذكيًا في مضمونه، بل محكمًا في توقيته أيضًا، حيث باغت ترامب الذي اكتفى بخفض رأسه مبتسمًا في اعتراف ضمني بالهزيمة الكلامية أمام هذا الرد الموجز والبليغ.

    هذه الحادثة تلخص ببلاغة كيف يمكن للدبلوماسية الهادئة والحنكة السياسية أن تنتصر على استعراض القوة. ففي حين كان ترامب يسعى لفرض نغمة الهيمنة من موقعه، واجهه كارني بأسلوب جعل الجميع يدرك أن كندا، رغم علاقاتها القوية مع جارتها الكبرى، لا تضع سيادتها على طاولة المفاوضات.

  • الفخر بلغة الديمقراطية

    الفخر بلغة الديمقراطية

    في ليلة إعلان نتائج الانتخابات الكندية الأخيرة، تابعت المشهد أمام الشاشة بعيون مترقبة. أعلن المسؤولون النتائج النهائية بسرعة ودقة، وأكدوا أن الحزب الليبرالي قد حصل على أكبر عدد من مقاعد البرلمان، مؤكدًا استمرار الليبراليين في السلطة. ما شدّني في تلك اللحظات لم يكن فقط النتيجة، بل طريقة تقبّلها.رأيت زعماء الأحزاب المنافسة، الذين لم يمضِ على وقوفهم في مناظرات حادة سوى أيام، يخرجون للتهنئة بلغة مهذبة، خطاب هادئ ومسؤول، خالٍ من الشتائم والتخوين، مملوء بالوعود بمواصلة العمل من موقع المعارضة من أجل خدمة المواطنين. هنا، شعرتُ ككندي بالفخر: هذا هو وجه الديمقراطية الحقيقي. ليس الفوز وحده ما يصنع العظمة، بل قَبُول الخسارة بكرامة، والاعتراف بإرادة الشعب دون التشكيك بشرعية الانتخابات أو نزاهة المنظومة.

    ثم انتقل ذهني للمقارنة مع ما نشهده في الولايات المتحدة الأمريكية التي دستورها كان شعلة الديمقراطية منذ تأسيسها عام 1766، حيث نلاحظ الآن مع الأسف اللغة المتدنية، وموجات التشكيك في نتائج الانتخابات، بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة. هناك، تشوهت صورة الديمقراطية أمام أنظار العالم، وتحولت الحملات الانتخابية إلى معارك شخصية، مليئة بالاتهامات والعداء، مما زعزع ثقة المواطن الأمريكي بنفسه بمؤسساته وأوحت بصورة مشوشة للعالم عن الديمقراطية الأمريكية.

    أما الأدهى، فهو حين نلتفت إلى دول عالمنا الثالث، حيث اللغة السياسية المنحدرة ليست ظاهرة عابرة، بل ثقافة راسخة. هناك، يخون السياسي خصمه لاختلاف رأيه، ويتهمه بالعمالة، ويجعل من خصومته معارضات وجودية لا تنافسًا مشروعًا. تفتقر الكثير من أنظمتنا السياسية إلى نضج القبول بالهزيمة، وكأن الخسارة تعني الإقصاء، لا التعلم.

    رسالتي اليوم، للمجتمعات التي ما زالت تتلمس طريقها في بناء ديمقراطيات حقيقية:ليست الديمقراطية صناديق اقتراع فقط، ولا أرقامًا تُعلَن على الشاشات، بل هي ثقافة احترام. احترام المنافس، احترام الرأي الآخر، احترام إرادة الناخب، احترام المؤسسات.

    إذا كنا نطمح لديمقراطيات راسخة، فعلينا أن نغيّر أولًا لغتنا السياسية. لا يمكن أن تنهض مجتمعاتنا إن ظلت الأحزاب ترى في خصومها السياسيين أعداء وجوديين. ولن تحترم الشعوب نتائج الانتخابات، إذا ظل قادتها يزرعون فيها الشك قبل كل عملية انتخابية.

    دعونا نتعلم من هذه المشاهد

    ونفكر: كيف نزرع في مجتمعاتنا ثقافة الاعتراف بالآخر؟ كيف نجعل من الانتخابات فرصة لبناء جسور، لا لحفر الخنادق؟