الكاتب: importuser

  • بغداد: مدينة السراب بين العمارة الموعودة والتخطيط الحضري المؤجَّل

    في منتصف القرن العشرين، تحوّلت بغداد إلى مختبر عالمي للحداثة المعمارية والتخطيط الحضري. ما بين 1952 و1982، استُدعيت أسماء كبرى مثل فرانك لويد رايت، لو كوربوزييه، والتر غروبيوس، جيو بونتي، وألفار ألتو، لتقديم رؤى طموحة لمدينة كانت تطمح أن تكون عاصمة الشرق الأوسط الثقافية والاقتصادية. لكن هذه الطموحات سرعان ما تحوّلت إلى “سراب” بفعل الاضطراب السياسي، فلم يبقَ من تلك الأحلام سوى قلة من المباني التي تناثرت بين أمواج من الصراع.

    التصاميم الكبرى: من الحداثة إلى الطوباويج

    فرانك لويد رايت: “بغداد الكبرى”

    عام 1957، قدّم رايت خطته الطوباوية تحت عنوان Plan for Greater Baghdad. تخيّل جزيرة وسط دجلة تحمل اسم إيدينا، أشبه بحديقة جنّة معاصرة، تضم:

    • دار أوبرا ضخمة تتسع لآلاف المتفرجين.

    • مكتبة ومتحفًا ودارًا للعلوم.

    • جامعة حديثة تعكس انفتاح العراق على المعرفة.

    • تمثالًا أسطورياً يمزج بين رموز “علاء الدين” و”التنين”، كعلامة على الحلم الشرقي في قراءة غربية.

    هذا المشروع لم يتجاوز المخططات، لكنه يكشف كيف نظر الغرب إلى بغداد باعتبارها “مسرحًا” يمكن أن يجسّد فيه الطموح العمراني العالمي.

    لو كوربوزييه: المجمع الرياضي

    قدّم لو كوربوزييه تصورًا لمجمع رياضي متكامل ضمن خطة لاستضافة الأولمبياد. ضمّ ملاعب داخلية وخارجية وصالات متعددة الوظائف. لم ينفّذ المشروع كاملاً، لكن قاعة الألعاب الرياضية (افتُتحت 1980) بقيت شاهداً وحيداً على تلك الرؤية الحداثيّة

    والتر غروبيوس وآخرون: التخطيط الأكاديمي والثقافي

    • غروبيوس، أحد روّاد “الباوهاوس”، رسم مخططات لمدينة جامعية حديثة.

    • جيو بونتي وألفار ألتو وغيرهم صمّموا متاحفًا ومراكز ثقافية ومبانٍ إدارية.

      لكن تلك المشاريع بقيت حبيسة الأدراج، تتأرجح بين الطموح الدولي والواقع السياسي العراقي المتقلّب.

    التخطيط الحضري: الرؤية والقيود

    هذه المشاريع لم تكن معزولة عن محاولات لوضع مخطط عمراني شامل لبغداد. فقد عمل خبراء أجانب مثل كونستنتين دوكسياديس على وضع خطط هيكلية للمدينة، تضم تقسيمات للأحياء، شوارع واسعة، ومناطق خضراء. كان الهدف تحويل بغداد إلى مدينة عصرية متوازنة، تربط بين التراث العربي الإسلامي وضرورات الحياة الحديثة.

    لكن تلك الخطط اصطدمت بعقبتين أساسيتين:

    التغيّر السياسي المتكرر (من الملكية إلى الجمهوريات والانقلابات).

    غياب استمرارية مؤسسية تجعل التخطيط العمراني جزءًا من سياسة وطنية طويلة الأمد.

    بالمقارنة، فإن مدنًا مثل الرياض استفادت من الاستقرار السياسي والثروة النفطية لتطبيق مخططات دوكسياديس وأقرانه، بينما بقيت بغداد تعيش بين “التصميم على الورق” و”الارتجال على الأرض”.

    ما نُفّذ: الرمزية أكثر من الحداثو

    بينما تعثرت مشاريع الثقافة والعلم، تقدمت مشاريع الرمزية الوطنية، خاصة بعد حرب العراق–إيران:

    • نصب الجندي المجهول (1982): تصميم خالد الرحّال ومارسيلو دوليفو، كتعبير عن التضحية.

    • نصب الشهيد (1983): قبة زرقاء تنشطر لتحتضن الشعلة الأبدية.

    • فندق بابل (1982): تجسيد للزقورة البابلية بروح حديثة.

    هذه المشاريع عززت حضور “العراق المقاتل” أكثر من “العراق المثقف”، وهو ما يعكس تحوّل الدولة من مشروع حداثي مدني إلى مشروع تعبوي عسكري.

    أما المعماري العراقي رفعت الجادرجي، فقد كان علامة فارقة في نقل الحداثة إلى السياق المحلي، عبر مبانٍ مثل مبنى العبّود (1955) ومشاريع حكومية عديدة، ليحفر اسمه كأبرز من حاول المزج بين الطابع المحلي والحداثة الدولية

    مقارنة نقدية مع العواصم الأخرى

    • القاهرة: حاولت عبر “مدينة نصر” ومشاريع عبد الناصر أن تترجم الحداثة العمرانية، لكنها غُلبت على أمرها أمام النمو السكاني العشوائي.

    • الرياض: اعتمدت على المخططات الدولية ونفّذتها تدريجيًا، فبرزت أحياء منظمة وبنية تحتية متسقة، رغم الطابع المحافظ ثقافيًا.

    • الدوحة وأبوظبي (لاحقًا): سخّرت الثروة النفطية لاستقطاب أسماء معمارية عالمية، فنجحت في تنفيذ ما عجزت بغداد عن تحقيقه في الخمسينيات.

    هذا يعكس معادلة حاسمة: الحداثة العمرانية تحتاج إلى استقرار سياسي ورؤية وطنية مستدامة، لا إلى وعود معمارية فقط.

    خاتمة تأملية

    أقف اليوم أمام تلك المخططات التي لم تُنفّذ، فأشعر أنها ليست مجرد أوراق مهملة في أرشيف معماري، بل شظايا من أحلام مدينة وُلدت لتكون عظيمة ثم أُعطبت في منتصف الطريق. كأن بغداد، في نصف قرن مضى، كانت تُمدّ يدها إلى المستقبل، لكن يدًا أخرى كانت تشدّها إلى صراعات الحاضر.

    أفكّر أحيانًا: لو تحققت جزيرة إيدينا التي رسمها رايت، أو لو قامت الجامعة الحديثة التي حلم بها غروبيوس، هل كان شباب بغداد سيكبرون وهم يرون مدينتهم تضاهي باريس أو طوكيو في فضاءاتها الثقافية والعلمية؟

    لكن بغداد، بطبيعتها، مدينة لا تموت. هي التي التهمت الحروب وأعادت صياغة نفسها مرات لا تُحصى. وربما تكون تلك المشاريع المؤجّلة، بكل ما فيها من سراب، قد منحتها شيئًا أثمن: القدرة على أن تبقى فضاءً مفتوحًا للخيال، مدينةً تُعلّمنا أن العمران ليس جدرانًا فقط، بل وعدٌ مؤجَّل ينتظر لحظة صدق ليتحوّل إلى واقع.

    ومن بين هذا الركام، أجد نفسي مؤمنًا أن بغداد ستظل تلهم العالم، كما ألهمت رايت وكوربوزييه، وأن ساعة البناء الحقيقي ستأتي يومًا، عندما تتصالح المدينة مع ذاتها وتعيد اكتشاف معنى اسمها القديم: مدينة السلام.

  • حجر ميشو… حين يختبئ التاريخ في تفاصيل صغيرة

    حجر ميشو… حين يختبئ التاريخ في تفاصيل صغيرة

    في كل مرة أزور باريس، تلك المدينة التي عشت فيها خمس سنوات من حياتي خلال دراستي للدكتوراه، أجد نفسي مشدودًا إلى أروقة المتحف الوطني. هناك، وسط قاعات النقود والميداليات والتحف القديمة، يقف حجر صغير خلف الزجاج. للوهلة الأولى قد يبدو عاديًا، لكنني كلما اقتربت منه أشعر أنني أمام قطعة تختزن تاريخًا أكبر بكثير من حجمها.

    هذا هو حجر ميشو، الذي حمل اسم المستشرق الفرنسي أوغست ميشو. حجر منقوش بالخط المسماري، كان يومًا ما مفتاحًا مهمًا في رحلة العلماء لفك رموز لغات بلاد ما بين النهرين. تذكّرني قصته دائمًا بـ حجر رشيد الذي فتح باب الهيروغليفية المصرية، فكلاهما يثبت أن الأشياء الصغيرة قد تكون أبوابًا لبحار من المعرفة.

    ما يثير إعجابي أن قطعة بهذا الحجم – بحجم الكف تقريبًا – غيّرت مسار الدراسات التاريخية. لقد ساعدت على كشف أسرار حضارات بابل وآشور، وأصبحت شاهدًا على شغف الباحثين الأوروبيين في القرن التاسع عشر، الذين أعادوا قراءة الشرق القديم من خلال نقوش على حجر.

    وأنا أقف أمامه، لا أرى مجرد أثر محفوظ بعناية، بل أستعيد أيضًا ذكرياتي الشخصية في باريس. المدينة التي منحتني علمًا أكاديميًا وخبرة حياتية، منحتني أيضًا فرصة أن أكون قريبًا من مثل هذه الشواهد التي تربط بين الماضي والحاضر، وبين الحضارات البعيدة وتجربة إنسان يعيشها في يومنا هذا.

    📌 ملاحظة للمهتمين: سأرفق في هذه التدوينة رابط الفيديو الأصلي عن حجر ميشو، مع ترجمته إلى اللغة الإنجليزية، ليتمكن من يرغب من مشاهدته والتعمق أكثر في قصته.

    تأمل ختامي

    أدركت وأنا أتأمل هذا الحجر أن ما نعتبره تفصيلاً صغيرًا قد يكون في الحقيقة أعظم ما يترك أثرًا. فالتاريخ لا يتحدث فقط من على جدران القصور والمعابد، بل أحيانًا من نقوش خافتة على حجر صغير، يحمل في صمته

    صوت حضارة بأكملها.

    https://youtu.be/Y4UYqjtrerU?feature=shared

  • قمة الاسكا : بين ارث الحرب الباردة وتحديات النظام الداخلي

    انعقدت قمة ألاسكا في ١٧ آب ٢٠٢٥ بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في لحظة سياسية مشحونة بالتوقعات. فقد رآها البعض بوابة محتملة نحو وقف النزاع الأوكراني، بينما اعتبرها آخرون مجرّد استعراض دبلوماسي يكرّس الانقسام الدولي بدل أن يجسر الهوّة. وبالفعل، جاءت النتائج دون أي اتفاق ملموس، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام بداية تحوّل استراتيجي، أم مجرّد تكرار لطقوس قمم سابقة من دون أثر فعلي؟

    انعقاد القمة بغياب أوكرانيا والاتحاد الأوروبي شكّل إشارة سياسية بالغة الدلالة. فهي تعكس رغبة موسكو وواشنطن في احتكار القرار، كما حدث في قمم الحرب الباردة التي تجاهلت حينها أصوات الدول الصغيرة المتأثرة بالصراع. لكن الفارق أن أوروبا اليوم ليست على الهامش تمامًا، بل طرف مباشر مهدَّد أمنيًا واقتصاديًا. لذلك، فإن تغييبها عن المفاوضات يعمّق الشرخ داخل المعسكر الغربي، ويعزز الانطباع بأن القمة أقرب إلى تفاهم ثنائي رمزي منها إلى مسار دولي شامل.

    عند مقارنة قمة ألاسكا بقمة فيينا عام ١٩٦١ التي جمعت كينيدي بخروتشوف، يظهر تشابه جوهري: الطرف الأقوى ميدانيًا يفاوض من موقع فرض الشروط. كما أن بوتين، على غرار خروتشوف، يدرك أن التفوق العسكري النسبي يمنحه مساحة أوسع للمناورة. وفي المقابل، يسعى ترامب، مثل كينيدي في حينه، إلى تسويق صورة “الرئيس القوي” أمام الداخل، حتى وإن جاءت النتائج ضبابية.

    لكن الفارق الأهم أن الحرب الأوكرانية ليست مجرد مواجهة ثنائية؛ إنها صراع مركَّب يدخل فيه الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، ودول الجنوب العالمي، ما يجعل أي تفاهم ثنائي هشًّا وغير قابل للصمود طويلًا.

    ترامب يقدّم نفسه وريثًا لنهج نيكسون الذي فتح قنوات مباشرة مع بكين في السبعينيات. غير أن المقارنة تكشف فوارق بنيوية: نيكسون استفاد من انقسام صيني–سوڤييتي ووازن بين قوتين عظميين، بينما ترامب يحاول التعامل مع روسيا في وقت تتقارب فيه مع الصين. لذا فإن أي رهان على أن بوتين سيبتعد عن بكين مقابل تفاهم مع واشنطن يبدو ضعيف الأساس، وهو ما يحدّ من القدرة على إعادة إنتاج “صدمة نيكسون” جديدة.

    اخيرا في سبعينيات القرن الماضي، قادت قمة هلسنكي إلى اتفاقيات عززت الأمن الأوروبي لكنها لم تُنهِ الصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب. واليوم، يسعى ترامب إلى مخرج مشابه عبر صفقة جزئية مع موسكو. غير أن أوكرانيا، بعكس أوروبا الشرقية في ذلك الزمن، ترفض أن تكون مجرد ورقة تفاوض. اجتماع ترامب المرتقب مع زيلينسكي في واشنطن سيكون لحظة فاصلة: إما يكرّس الدعم الأمريكي المباشر، أو يفتح الباب لتقليصه وتحميل أوروبا العبء الأكبر، بما يهدد بتصدع الجبهة الاوربية.

    القمة لم تُنتج حلولًا، لكنها كشفت عن ثلاثة مسارات عميقة:

    1. روسيا تفرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاهله، حتى في ذروة الضغوط الغربية.

    2. الولايات المتحدة تعود إلى منطق الصفقات الثنائية، مبتعدة عن بناء تحالفات جماعية كما في عهد بايدن.

    3. أوروبا تجد نفسها أمام مأزق استراتيجي: الاعتماد على واشنطن لم يعد مضمونًا، فيما قدراتها الذاتية ما زالت غير كافية لردع موسكو.

    إذا كانت قمم الحرب الباردة من يالطا إلى ريكيافيك قد عكست صراعًا على قواعد النظام الدولي، فإن قمة ألاسكا اليوم تعكس أزمة النظام ذاته. فالنزاع الأوكراني تحوّل من حرب إقليمية إلى اختبار شامل لإرادة القوى الكبرى، ولجدوى العقوبات، ولقدرة التحالفات عبر الأطلسي على الصمود.

    ما بين التصريحات التي تبشر بالتقدم والواقع الذي يكرّس الجمود، تظل الفجوة قائمة، ويظل السلام بعيد المنال، بانتظار إعادة صياغة شاملة لقواعد اللعبة الدولية.

  • لقاء العمالقة في الاسكا

    لقاء العمالقة في الاسكا

    استقبالٌ يليق بالقياصرة

    لم تكن تلك اللحظات الباردة التي اعتدناها في لقاءات القادة.. شمس ألاسكا الدافئة كانت شاهدةً على حفاوة نادرة! ترامب يستقبل بوتين في قاعدة عسكرية بترتيبات مبهرة – كأنه يقول للعالم: “هذا لقاءٌ من نوع مختلف”. ابتسامات مريحة، مصافحات قوية، ونبرة حديث ودية تخطف الأنظار. حتى المراقبون اتفقوا: **”لم يحظَ أي رئيس سابق بمثل هذا الاستقبال!”**

    3 ساعات من المفاوضات خلف الأبواب المغلقة للقاعدة العسكرية، دارت أعنف المفاوضات.. أسلحة، تحالفات، صفقات تجارية، وربما أكثر من ذلك. الغموض يلف كل شيء، لكن هل ترامب الشهير بعدم قدرته على كتم الأسرار، سيعلن عن تفاصيل اللقاء فهل سنعرف الحقيقة أم سيبقى القلب الأهم مدفوناً في أعماق ألاسكا؟

    الانتظار لن يطول.. فترامب لا يصبر على الكتمان!

    المتابعون يتساءلون: ماذا سيكشف ترامب؟ وهل ستكون تصريحاته كما هي العادة – مفاجئة وصادمة؟ أم أن بوتين هذه المرة نجح في كبح جماح الرئيس الأمريكي؟ شيء واحد مؤكد: الأسبوع القادم سيكون مليئاً بالمفاجآت

    “عندما يلتقي القادة في الظل.. تبدأ الحكايات الحقيقية في الضوء! والأسبوع القادم سيكشف لنا.. هل كان هذا اللقاء تاريخياً أم مجرد فقاعة إعلامية؟

  • بغداد دار السلام

    .يسعدني أن أعلن أن كتابي الجديد بعنوان

    “Baghdad Dar Al-Salam – A City Once Called the Abode of Peace”

    سيصدر قريبًا.

    في هذا العمل، أروي حكاية بغداد من داخل أسوارها، منذ تأسيسها في القرن الثامن، مرورًا بعصرها الذهبي في ظل العباسيين، وصولًا إلى تحولات القرن الحادي والعشرين.

    أمزج في صفحاته بين العمق التاريخي والتأمل الشخصي، وبين تجربتي القصيرة والمكثفة كامين لبغداد بعد عام 2003، وبين رؤيتي لمدينة أرجو أن تستعيد جوهرها كـ”دار السلام”.

    الكتاب يقدم منظورًا نادرًا من قلب بغداد، بعيدًا عن النظرة الخارجية المعتادة، وهو دعوة للتأمل في ماضي المدينة وحاضرها ومستقبلها.

    هذا الكتاب موجَّه قبل كل شيء إلى القارئ الأجنبي؛ فمعظم ما كُتب عن بغداد بلغات غير العربية كان بأقلام صحفيين أجانب رافقوا الحملات العسكرية أو مستشرقين حملوا رؤاهم الخاصة، فجاءت صور بغداد في كتاباتهم انعكاسًا لتوجهاتهم هم، لا لنبض أهلها. أؤمن أن عملي هذا يمثّل أول محاولة جادّة لكاتب عراقي يقدّم بغداد باللغة الإنجليزية، بعد أن كنت قد أصدرت قبل عامين كتابًا عنها باللغة الفرنسية.

    لكن هدفي لا يتوقف عند ذلك؛ فهذا العمل موجَّه أيضًا إلى أبناء الجيل العراقي الشاب في المهجر، أولئك الذين فرضت عليهم الهجرة أن تكون الإنجليزية لغتهم الأولى، بينما لا تزال قلوبهم معلّقة بأسوار بغداد وأزقتها. أردت أن أخاطبهم بلغتهم، وأمدّ لهم جسرًا من الحروف يعيدهم إلى رائحة دجلة ودفء الأزقة القديمة، ولو عبر صفحات كتاب.

  • لقاء ترمب وبوتين فرصة سلام ام مناورة سياسية

    في عالم يتأرجح على حافة صراعات كبرى، الحوار بين القوى الكبرى ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية فهل نحن أمام فرصة حقيقية للسلام، أم مجرد مناورة سياسية جديدة؟

    أن أي انفتاح في قنوات الاتصال بين واشنطن وموسكو يمكن أن يحد من خطر التصعيد، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وما تحمله من مخاطر توسع الصراع فالتاريخ أثبت أن الحروب الكبرى غالبًا ما تنتهي على طاولة المفاوضات .

    لا يمكن لأي اتفاق أن ينجح إذا كان أحد الأطراف يفرض شروطه الكاملة على الآخر. يجب أن تقوم الصفقة أن تمت على أساس الاعتراف بالمصالح الأمنية المتبادلة، وهو ما يعني أن واشنطن بحاجة إلى أخذ المخاوف الروسية على محمل الجد، كما على موسكو أن تقدم ضمانات واضحة لجيرانها وللنظام الدولي.

    أن استمرار النزاع يكلّف الجميع دماء في الميدان، استنزاف اقتصادي، وانقسام عالمي متزايد. كل يوم يمر من دون حل سياسي، يعقد الأزمة .

    الموقف الأوروبي المتشدد تجاه روسيا، هو أحد العوائق الأساسية أمام إنهاء الحرب. فقادة أوروبيين كثر يرفضون أي فكرة للتفاوض قبل تحقيق هزيمة واضحة لروسيا، وهذا غير ممكن وهو ما يطيل أمد النزاع ويزيد معاناة أوكرانيا نفسها.

    أن هذا النهج يتجاهل جذور الأزمة، وعلى رأسها توسع الناتو شرقيًا وما يمثله من تهديد للأمن الروسي من وجهة نظر موسكو. بالنسبة لروسيا تجاهل هذه المخاوف يجعل الأوروبيين يراهنون على مواجهة مفتوحة بدل البحث عن حلول وسط، وهو رهان محفوف بالمخاطر وقد يدفع القارة والعالم إلى مزيد من عدم الاستقرار.

    أن الخوف من روسيا الذي تتبناه بعض الدول الأوروبية، خاصة في البلطيق وشرق أوروبا، لا يخدم إلا تعزيز الانقسام، ويقوّي التيار المتشدد في موسكو، بدلاً من فتح الباب أمام حلول سياسية واقعية.

    ولكن هذا يذكّرنا بحقيقة بسيطة ولكنها مهمّة: البدائل عن التفاوض هي دائمًا أكثر كلفة وخطورة.

    قد لا تكون محادثات ترامب–بوتين هي الحل النهائي، لكنها قد تكون شرارة مسار جديد يجنّب العالم الانزلاق نحو مواجهة أوسع. وفي ظل تشدد أوروبي وإصرار على استبعاد أي تسوية وسط، يصبح دور الولايات المتحدة وروسيا في كسر الجمود أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

  • ساعة يوم القيامة… رقاص على حافة الهاوية

    احيانا لا يأتي الخطر على هيئة انفجارٍ مفاجئ، بل يقترب بخطوات بطيئة، كعقربٍ يتحرك في صمت نحو نقطة النهاية. هناك لحظات في تاريخ البشرية يكون الصمت أخطر من الضجيج، والتحذير أشد وقعًا من الصدمة… ولعل “ساعة يوم القيامة” هي التجسيد الأكثر وضوحًا لهذه الفكرة.

    ليست ساعةً على جدار، ولا عقربًا يدور في هاتفك، بل فكرةٌ وُلدت من قلب الخوف الإنساني، وحملت اسمًا يثير القشعريرة: “ساعة يوم القيامة”.

    ابتكرها علماء شاركوا يومًا في صناعة أخطر سلاح عرفه البشر – القنبلة الذرية – ثم استيقظت فيهم ضمائرهم. شعروا أنهم، وهم يفتحون أبواب القوة، قد فتحوا معها أبواب الفناء. فابتكروا رمزًا لا ليخبرنا بالزمن، بل ليقيس المسافة بيننا وبين الكارثة.

    في هذه الساعة، منتصف الليل ليس موعدًا للنوم، بل لحظة النهاية… حرب نووية، كارثة مناخية، وباء عالمي، أو انهيار تكنولوجي خارج السيطرة. وكلما اقترب عقرب الدقائق من تلك اللحظة، كان ذلك إعلانًا بأن العالم يقترب من حافة الهاوية. وإذا ابتعد، فهو أنفاس ارتياح مؤقتة.

    يضبط عقاربها اليوم نخبة من العلماء والخبراء، يجتمعون كل عام ليفتشوا خرائط الخطر: التهديد النووي، تغيّر المناخ، سباق الذكاء الاصطناعي، هشاشة الدبلوماسية بين الأمم. يدرسون الأخبار، الحروب، الاتفاقيات الممزقة، وذوبان الجليد، ثم يقررون… هل نخطو نحو الهاوية أم نتراجع عنها خطوة؟

    تاريخها يحمل لحظات متناقضة:

    • 1947: بدأت على بعد سبع دقائق من منتصف الليل.

    • 1953: اقتربت إلى دقيقتين فقط، في ذروة الحرب الباردة.

    • 1963: ابتعدت إلى 12 دقيقة بعد اتفاقية الحد من الاختبارات النووية.

    • 1991: كانت في أبعد نقطة، 17 دقيقة، مع نهاية الحرب الباردة.

    • واليوم… نحن على 90 ثانية فقط، وهي أقرب مسافة في التاريخ، مدفوعة بحرب أوكرانيا، تعثّر معالجة أزمة المناخ، وسباق تكنولوجي يثير القلق.

    هذه الساعة ليست نبوءة، ولا وعدًا بموعد محدد، بل هي جرس إنذار صامت… لكن صداه مدوٍّ في عقول من يفهمونه. إنها تذكير بأن مصيرنا ليس مكتوبًا، بل مرهون بالقرارات التي نتخذها اليوم.

    إما أن نعيد عقاربها إلى الوراء، أو نتركها تمضي حتى تدق منتصف الليل… وعندها، لن يكون هناك وقت لننظر إليها مجددًا.

  • هيروشيما ظل لن يمحوه الزمن

    هيروشيما ظل لن يمحوه الزمن

    في السادس من آب/أغسطس عام 1945، وعند تمام الساعة الثامنة والربع صباحا ، أسقطت طائرة أمريكية في سماء هيروشيما قنبلة نووية، سُمّيت “الولد الصغير”، لتسطر فصلًا مأساويًا في تاريخ البشرية. لم تمضِ سوى ثلاثة أيام حتى تكرر المشهد المروّع في مدينة ناكازاكي، حيث ألقت قنبلة ثانية، عرفت بـ “الرجل البدين”، في تمام الساعة الحادية عشرة واثنين من الدقائق صباحًا، لتُشعل الموت من جديد.

    أرقامٌ تقف شاهدةً على فصول الفجيعة، تتحول إلى دموعٍ تسيل من عيون التاريخ

    – في هيروشيما، سقط 140 ألف إنسان، بين موتٍ سريع وآخر بطيء، تسببت به إشعاعات القنبلة.

    – وفي ناكازاكي، أزهق 74 ألف روحٍ بنفس الطريقة البشعة، لتبقى أرواحهم تتجول بلا مأوى.

    – ومئات الآلاف من الناجين، الذين أصبحوا أحياءً أمواتًا، يعانون من حروقٍ مشوّهة، وأمراضٍ سرطانية نالت من أجسادهم، ليُولد أطفالٌ يحملون آثار تلك الفاجعة، مشوّهين لأجيالٍ قادمة.

    اليوم، حين تتعالى أجراس الذكرى، لا تكتفي بالبكاء على ماضٍ مؤلم، بل تُنذر كل من يمتلك زرًّا نوويًا في هذا العالم:

    *”احذروا… فالشمسَ قد تُسرَقُ من السماء مرةً أخرى، وهذه المرة… قد لا يبقى أحدٌ ليقوم بدفن الأموات.”*

    إنّ العالم اليوم، وفي خضم النزاعات والحروب المتزايدة، يشهد تصاعدًا مقلقًا في التوترات الجيوسياسية، وتزداد حدة التهديدات. في مناطق الصراع في الشرق الأوسط واوكرانيا ، يُظهر التاريخ أن الأسلحة النووية ليست مجرد أدوات تدمير، بل سلاحٌ ذو حدين يهدد البشرية جمعاء.

    ما نشهده اليوم من تصعيدٍ في النزاعات المسلحة، يثير القلق من إمكانية وقوع حروبٍ نووية، تضاف إلى قائمة الكوارث الإنسانية التي لا تُحصى. إن استحضار ذكرى هيروشيما وناكازاكي يجب أن يكون دافعًا للمجتمع الدولي، للتحرك بشكل عاجل نحو نزع السلاح النووي، وتعزيز السلام والتفاهم بين الأمم.

    إن النزاعات الحالية ، قد تؤدي إلى استخدام الأسلحة النووية، لأسباب قد تكون غير محسوبة، مما ينذر بعواقب وخيمة. علينا أن نتذكر أن التقدم العلمي والتكنولوجي لا يجب أن يكون ذريعة للحصول على أسلحة دمار شامل، بل يجب أن يُستخدم في خدمة الإنسانية وتحسين حياة الأفراد.

    البشرية تستحق عالمًا أكثر أمانًا، خاليًا من المخاطر النووية. لذا، يجب أن يكون صوتنا عالياً في المطالبة بالسلام، ورفض أي شكل من أشكال العنف، حتى لا نعيد كتابة فصول التاريخ المأساوية. لننطلق جميعًا نحو عالمٍ يسوده الأمل والتفاهم، حيث تكون الذكرى درسًا يُعلمنا كيف نحمي مستقبلنا، ونعمل معًا على بناء غدٍ أفضل.

  • خاطرة الجمعة:حين اختار العراق ان يطعن نفسه

    في مثل هذه الأيام من شهر آب الحارق، عام 1990، تاه العقل للحاكم في غفلة من الحكمة، واندفع بقرار صادم لاحتلال دولة شقيقة، الكويت.

    لم يكن القرار مجرد خطأ سياسي، بل كان جريمة في حق التاريخ والجغرافيا، وفي حق شعبين جمعتهما العروبة، والحدود، وحتى الشراكة في الهموم.

    كأن العراق، المثقل بجراح حربه الطويلة مع إيران، لم يكتفِ بنزيفه، فأضاف لنفسه جرحًا لا يندمل، ليبدأ طريقًا نحو العزلة والحصار والخراب.

    منذ ذلك الاحتلال، بدأ كل شيء بالانهيار…

    فرض العالم حصارًا خانقًا حوّل الخبز إلى أمنية، والدواء إلى حلم.

    تآكل النسيج الاجتماعي، وانهار الاقتصاد، وتفككت الدولة التي كانت توصف يوماً بأنها قوية ومتماسكة.

    تقلّص الأمل، وانسحب النور من أعين الأمهات، وصار الوطن ضحية رعونة قرار، لم يُدفع ثمنه في القصور، بل في بيوت البسطاء، ومدارس الأطفال، وأجنحة المستشفيات.

    ومن ذلك الباب الذي فُتح في فجر الثاني من آب، تسللت كل العواصف التي عصفت بالعراق…

    تسرب منها الغزو، ثم الاحتلال، ثم الطائفية، فالدمار…

    كأن ذلك اليوم كان شرارة النهاية، لا بداية التحرير كما صوّره بعضهم.

    وها نحن اليوم، بعد عقود، لا نزال ندفع ثمن لحظة غرور وقرار انفعالي، فرّق ما كان يجب أن يُجمع، ودمّر ما بُني بدماء الأجيال.

    آه يا عراق…

    كم من مرة دفع أبناؤك ضريبة أخطاء حكّامك؟

    وكم من مرة تَكسّر ظهرك، لأن من كان على كرسي القرار لم يكن يرى إلا وهْم المجد، لا حقيقة التاريخ؟

  • في مواجهة المأساة… يهودي يتأمل ما بعد غزة

    في مواجهة المأساة… يهودي يتأمل ما بعد غزة

    غالبا ما أحرص في قراءاتي على تنويع المصادر والآراء، حتى تلك التي قد لا أتفق معها بالضرورة. فبالنسبة لي، الفهم الحقيقي يبدأ من الإصغاء للآخر، حتى لو كان “الآخر” يقف على الضفة المقابلة من الوجع. ولعل هذا ما دفعني مؤخرًا إلى اقتناء كتاب شدّني عنوانه بقوة:

    أن تكون يهوديًا بعد تدمير غزة: الحساب

    “Being Jewish After the

    Destruction of Gaza: A Reckoning”

    للكاتب اليهودي الأمريكي بيتر بينارت.

    شدني العنوان حيث استخدم الكاتب مصطلح “Reckoning , الحساب”  تعني لحظة الحكم او التقييم ، حين يواجه الأفراد أو المجموعات عواقب أفعالهم السابقة، مما يؤدي غالبًا إلى المسائلة.

    كان في ذهني أن أقرأه كوثيقة فكرية تعبّر عن وجهة نظر مختلفة، لكني لم أكن أتوقع أن أجد فيه هذا القدر من الصدق الأخلاقي والجرأة في المكاشفة.

    الكاتب، وهو  يهودي  و مفكر سياسي وصحفي معروف، لا يدافع عن إسرائيل، بل يواجهها  ويوجه  سؤاله لليهود

    ماذا يعني أن تكون يهوديًا اليوم، بعد ما جرى في غزة؟

    هل يمكن لليهودي تبرير الصمت عن  الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة باسم التضامن معها؟

    وأين تقف القيم اليهودية حين تُسفك الدماء ويُهدم العمران تحت راية الدفاع عن “الهوية”؟

    بينارت لا يكتب بلغة العداء، بل بلغة الحزن… وبمرارة الخيانة الأخلاقية. هو لا يُهاجم الديانة اليهودية، بل ينتقد كيف تم استخدامها كغطاء لممارسات لا تمتّ بصلة إلى تعاليم العدالة والرحمة التي قامت عليها كديانة سماوية

    في فصول الكتاب، يستعرض بينارت تحوّل الرواية اليهودية من سردية “الناجين من المحرقة” إلى أداة تبرير للقوة المفرطة، ويُسائل مؤسسات يهودية أمريكية كبرى عن دورها في دعم حصار غزة  وتجويع الأطفال والحرب عليها.

    لكنه لا يكتفي بالنقد، بل يقترح مخرجًا: التحرر من هاجس التفوق القومي اليهودي ، وبناء دولة واحدة لجميع سكان الأرض المقدسة، يهودًا وفلسطينيين، على قدم المساواة.

    شخصيًا، خرجتُ من هذه القراءة بانطباع عميق: أن الكاتب، رغم انتمائه العقائدي والقومي، اختار أن ينتصر لإنسانيته أولًا.

    أن يكون الإنسان يهوديًا أو مسلمًا أو مسيحيًا، لا يعني أن يبرر القتل، بل أن يرفضه.

    ما أعجبني في بينارت ليس فقط موقفه من غزة، بل شجاعته في مواجهة تاريخه الخاص، مجتمعه، وأحيانًا حتى عائلته الفكرية. هذا النوع من الأصوات – النادرة والمؤثرة – هو ما يحتاجه عالمنا المنهك بالصراخ والصدى.

    في زمن الخنادق، اختار أن يكون جسرًا.

    وفي زمن التبرير، اختار أن يسأل.

    وربما هذا هو الدرس الأهم:

    أن نكون بشرًا أولًا، قبل أن نكون أي شيء آخر.