الكاتب: importuser

  • غزة.. صرخة إنسانية لا تُحتمل

    غزة.. صرخة إنسانية لا تُحتمل

    ي قلب العالم، تحت القصف والحصار، يعيش أطفال غزة ونساؤها وكافة المدنيين الأبرياء فيكابوسٍ يومي لا يرحم. إسرائيل تواصل سياسة التجويع الجماعي، والحرب الوحشية التي لا تميزبين مقاتل وطفلٍ أعزل، بين جندي وامرأةٍ تبحث عن لقمة عيش لأبنائها.

    أطفال بلا طفولة

    كم من طفلٍ في غزة اليوم ينام جائعًا، يبكي من الألم، أو يفقد أهله تحت الأنقاض؟ كم من طفلٍيحمل جراح الحرب الجسدية والنفسية دون ذنبٍ سوى أنه وُلد في أرضٍ تقاوم؟ الأطفال فيغزة يُحرمون من أبسط حقوقهم: الطعام، الدواء، التعليم، والأمان. المشاهد المؤلمةلأجسادهم النحيلة من سوء التغذية، أو دمائهم على أيدي المحتل، هي وصمة عار على جبينالإنسانية كلها.

    نساءٌ تدفعن الثمن

    النساء في غزة هن الأكثر معاناةً في هذه الحرب غير المتكافئة. أمهات يفقدن أبناءهن، زوجاتيُرملن، بناتٌ يتيتمّن. كثيراتٌ منهن يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن في ظل حصار خانق، حيثنقص الغذاء والدواء يجعل الحياة معركة يومية للبقاء.

    صرخة ضمير

    إلى متى سيستمر العالم في الصمت؟ إلى متى ستُغلق الآذان عن صرخات الأبرياء؟ لقد حانالوقت ليقف الضمير الإنساني وقفةً حازمة ضد هذه الجرائم. من حق شعب غزة أن يعيشبكرامة، وأن ينال حريته، كما ينبغي لكل البشر.

    مسيرات العالم.. بصيص أمل

    في وسط هذا الظلام، تبقى المسيرات والمظاهرات التي تشهدها دول العالم من الولاياتالمتحدة إلى أوروبا وآسيا وإفريقيا رسالة قوية: “الشعوب لا تريد الظلم“. هذه المسيرات تثبتأن صوت الحق لا يُخمد، وأن العدالة قادمة لا محالة. نحيي كل من خرج مطالبًا بوقف إبادةالفلسطينيين، ونشكر كل من رفع راية الحق في وجه التضليل الإعلامي.

    نداء للعالم

    يا من تؤمنون بالعدل والإنسانية، لا تتركوا غزة وحيدة. اضغطوا على حكوماتكم، قاطعوامنتجات الداعمين للاحتلال، شاركوا الحقيقة، وتذكروا أن التاريخ سيسألنا جميعًا: **أين كنتمحين أُزهقت أرواح الأبرياء؟

    غزة تموت.. فهل من مُنقذ؟

  • مدن لا تنس وأصحاب لا يُعوّضون

    السفر ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو عبور داخلي، تصالح مع الذاكرة، وتجديد للنفس برفقة من نحب. في هذا الصيف، شاركت في رحلة ممتدة عبر القارات والمدن، محاطًا بأصدقاء أعزاء، كان لكل منهم في الرحلة بصمته ورفقته التي لا تُقدَّر بثمن.

    بدأنا الطريق من جورجيا، حيث رافقني الصديقان شاكر الذي قدم معي من كندا وفريد صديق العمر الذي قدم من بغداد.

    انطلقنا معًا إلى تبليسي العاصمة النابضة بالتاريخ، ثم إلى باتومي المطلة على البحر الأسود، حيث تمازجت الحداثة مع سحر الطبيعة.

    ومن هناك عبرنا إلى تركيا، إلى مدينة طرا بزون الخضراء الهادئة، وهناك كان اللقاء المنتظر مع الأخ والصديق العزيز الدكتور ناصر المنصوري، الذي قدِم من دولة الإمارات، فغمرنا بكرمه وطيب صحبته. أربع أيام لا تنس، بين ضيافته الأنيقة، وتفاصيل الأحاديث والزيارات والمشاهد الطبيعية التي ازدانت بوجوده معنا.

    غادرنا فريد عائدًا للعراق ثم واصلنا الرحلة نحو قلب البلقان، مع الصديقين شاكر وإحسان الذي قدم من كندا، حيث كانت البداية في سراييفو، عاصمة البوسنة والهرسك، مدينة الجراح والتسامح، حيث للذاكرة طيف لا يغيب. ومنها إلى بودفا في الجبل الأسود، المدينة التي جمعت بين عراقة التاريخ وهمس البحر.

    توالت بعدها المحطات:

    • تيرانا، عاصمة ألبانيا، مدينة التجديد والمصالحة مع الذاكرة.

    • سكوبيا، عاصمة مقدونيا الشِّمالية، حيث يتعانق التعدد الثقافي مع الجمال الحضاري.

    • بريشتينا، عاصمة كوسوفو، التي تنبض بالحياة بالرغْم جراح الماضي.

    • وختام الرحلة في صربيا، التي شاهدنا فيها أطياف التاريخ وصدى التغيير.

    كانت الرحلة فسحة للروح، وخريطة أخرى داخلنا، مدنها مشاعر، وحدودها الذكريات، وطرقها الصحبة الطيبة. في كل مدينة تركنا أثرًا، وحملنا منها دروسًا وتأملات.

    في مثل هذه الرِّحْلات، ندرك أن المدن كالبشر، تحتاج إلى أن نحبها لنفهمها، وأن نُصغي لنبضها بدلًا من أن نُطلق الأحكام.وأن الرفقة الطيبة هي كنز السفر، تضيء الطريق وتمنح المعنى.

    أيام مباركة لكل من يحب السفر، ولكل من يجد في الصداقة جسرًا بين الأمكنة والقلوب.ولا يزال في العمر متسع… لمدنٍ قادمة، وذكرياتٍ جديدة.

  • وجوه البلقان: حين تتكلم الذاكرة وتغني الشعوب

    وجوه البلقان: حين تتكلم الذاكرة وتغني الشعوب

    في البلقان، لم تكن الطرق وحدها ما عبرناه، بل عبرنا قلوبًا مفتوحة ووجوهًا دافئة. شعوب هذه المنطقة، رغم ما شهدته من انقسامات وصراعات، تستقبلك بودّ فطري… كأنهم يعرفونك من قبل، يفتحون لك قلوبهم قبل بيوتهم، ويقدّمون لك ابتسامة ممزوجة بالتاريخ والترحاب.

    شعرتُ أن لكل بلد في هذه الرحلة روحًا محليةً يعتز بها: طعامه، علمه، رقصاته الفلكلورية… لكن خلف هذا كله، يهمس الموروث العثماني بلطف في خلفية المشهد: في نغمة موسيقية، أو طراز معماري، أو طبق بوريك ساخن يخرج من فرن حجري في زقاق قديم.

    في الساحات، تتحدث التماثيل عن أبطال الأمس، وتلوح الأعلام فوق الأبنية الرسمية وكأنها تذكّر المارة أنهم أبناء ذاكرة لا تُنسى. هذا الاعتزاز بالتاريخ يتجلى ليس فقط في المظاهر، بل في الأحاديث اليومية التي لا تخلو من الحنين أو الفخر.

    ولفهم البلقان اليوم، لا بد من الالتفات إلى الأمس القريب. فالكثير من هذه الدول كانت يومًا جزءًا من دولة واحدة: يوغسلافيا، التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى وتجمّعت فيها قوميات متعددة تحت راية واحدة. بدا هذا الاتحاد متماسكًا لعقود، خاصة في ظل حكم الرئيس جوزيف بروز تيتو، لكنه كان هشًا في العمق، يُخفي وراءه توترات قومية ودينية كامنة.

    ومع بداية التسعينات، ومع انهيار المعسكر الشرقي، تفكك الاتحاد اليوغسلافي وتحولت الخريطة إلى شظايا: البوسنة، كرواتيا، صربيا، مقدونيا، كوسوفو، والجبل الأسود. ولم يأتِ الانفصال سلميًا دائمًا، بل كانت الحرب هي اللغة السائدة، خصوصًا في البوسنة التي عرفت واحدة من أعنف الحروب في أوروبا الحديثة.

    أما كوسوفو، فهي فصل خاص من فصول هذا التاريخ المضطرب. بعد سنوات من التوتر تحت الحكم الصربي، أعلنت استقلالها عام 2008، لتصبح دولة معترف بها من أكثر من مئة دولة، لكن صربيا لا تعترف بها حتى اليوم، ولا تزال العلاقة بين الطرفين متوترة. خلال رحلتنا، عبرنا الحدود من كوسوفو إلى صربيا دون علم مسبق، فوجدنا أنفسنا في منطقة رمادية من الناحية السياسية، وكأن الجغرافيا تسبق الخرائط الرسمية، وتختبر المسافر بما لا تقوله الكتب.

    وفي مقابل هذا، كانت زيارتنا إلى ألبانيا تجربة مختلفة؛ بلد لم يكن جزءًا من يوغسلافيا، بل عاش عُزلة طويلة في ظل حكم الشيوعي أنور خوجة، الذي أغلق البلاد أمام العالم لعقود. ورغم انفتاح ألبانيا في السنوات الأخيرة، لا تزال تحتفظ بجوّ خاص: مزيج من حنين للتقاليد واندفاع نحو التغيير. لمستُ ذلك في تيرانا الحديثة، وفي الأسواق الشعبية في شكودير، وفي نظرات الأطفال الذين يحملون ملامح البحر والجبال في آنٍ معًا.

    أما الفروقات بين هذه الشعوب، فقد كانت مثيرة للتأمل:

    اللغة تتشابه في البوسنة وصربيا ومقدونيا، لكن الأديان ترسم خطوطًا ثقافية واضحة — إسلام هنا، أرثوذكسية هناك، وكاثوليكية في موضع ثالث. العملات أيضًا تُعبّر عن الخصوصية: اليورو في الجبل الأسود، الليك في ألبانيا، الدينار في صربيا… وكأن كل عملة تسرد فصلاً من تاريخ اقتصادي مختلف.

    المطبخ البلقاني كان مفاجأة جميلة: تنوّع في النكهات، ووحدة في الروح. من البوريك إلى الكباب، ومن السمك المشوي إلى الحلويات الشرقية، تذوّقنا مزيجًا يعكس تداخل الثقافات وتاريخ المائدة المشتركة.

    وما لفتني أكثر، أن الموسيقى هنا ليست ترفًا بل جزء من الهوية. الشعوب البلقانية تحب الرقص، تحتفي بالغناء، وتحب الحياة… رغم ما حمله الماضي من وجع.

    خرجت من هذه الرحلة بقناعة عميقة:

    الحدود لا تصنع الشعوب. ما يصنعهم هو الذاكرة، اللغة، الموسيقى… ورائحة الخبز الساخن في الصباح.

    رغم ما يفصل بين هذه الدول من جبال ومرافئ ولهجات، أدركت أن في قلب هذا العالم الصغير دروسًا كبيرة: عن الصبر، عن الانتماء، وعن إمكانية العيش مع الآخر دون أن يفقد أحد هويته.

    لقد كانت رحلتنا عبر دول البلقان أكثر من مجرد انتقال بين عواصم ومدن،

    كانت — ببساطة — رحلة داخل الإنسان.

  • في قلب البلقان: حين تُفتح الخرائط على اتّساع الذاكرة

    لم تكن هذه الرحلة مجرّد انتقال بين حدود الدول، بل عبور خفيّ بين طبقات الذات… رحلة مشحونة بما هو أكثر من مناظر وسكك ومبانٍ. كانت عبورًا بين الأزمنة، بين ما عشناه وما لم نعرف أننا نحمله بداخلنا.

    في صيف البلقان، حيث تتداخل الجبال مع الذاكرة، وتتشابك الأزقّة مع الحكايات، انطلقتُ مع صديقَيّ العزيزين شاكر وإحسان، نُقلّب صفحات مدن تحمل فوق حجارتها وجوهًا لا تُنسى وابتسامات تشي بأن الوجع لا يمنع الأمل من الظهور. من سراييفو إلى نيكشيتش، ومن كوتور إلى أوهريد وتيرانا، كانت الطريق مدرسة والصحبة مرآة.

    رفاق الرحلة… حين تكشف المسافات عمق القلوب

    السفر، كما تعلّمت، لا يفضح المدن فحسب، بل يعرّي الأرواح. فهو يضع الصداقة على محك التفاصيل الصغيرة: من يختار الطريق؟ من يرضى بأبسط وجبة؟ من يكتم انزعاجه احترامًا للرفقة؟

    شاكر، بهدوئه النبيل، كان كالنسيم الذي يهب فجأة في لحظة احتقان. لا يحتاج إلى كثير من الكلام؛ تكفيه نظرة ليفهم، ويكفيك حضوره لتطمئن. أما إحسان، فكان القلب النابض للرحلة، يقود السيارة كما لو يقود نهرًا من القصص، يملأ الوقت ضحكًا ودفئًا، ويعيد التوازن حين تميل كفّة التعب.

    جلسنا معًا في المقاهي، تقاسمنا الخبز والطرق، دخلنا المدن القديمة كمن يدخل حكايات لم تُكتَب بعد. وفي كل يوم، كنا نعيد اكتشاف بعضنا: من يقترح الوجهة التالية؟ من يختار موسيقى الطريق التي أعدّها إحسان بعناية على مفتاح USB؟ من يتبرّع بالسكوت حين يكون الصمت أبلغ؟

    السفر امتحانٌ لا يُعلن نتائجه… لكنه يترك أثره في القلب

    خرجنا من هذه الرحلة ونحن نحمل من بعضنا ما لا يُنسى. عرفنا أن الصداقة لا تُقاس بالسنين، بل بلحظات التعب المشترك، بلقمة الصبر، وبالقدرة على أن تبقى قريبًا حتى عندما يحتاج الآخر إلى مسافة.

    لقد اختبرتنا الطريق… فخرجنا منها أكثر قربًا، وأكثر فهمًا، وربما… أكثر حنينًا لما تبقّى منها فينا.

  • سكوبيه عاصمة مقدونيا… حيث يتجسد التاريخ في البرونز والرخام

    سكوبيه عاصمة مقدونيا… حيث يتجسد التاريخ في البرونز والرخام

    غادرنا صباحا مدينة أوهريد Ohrid متجهين إلى العاصمة سكوبيه Skopje كانت الشمس تصعد ببطء فوق البحيرة، تنعكس على سطحها بصفاء يشبه صفحة تاريخ لم يُكتب بعد.

    الطريق الممتد بين المدينتين يبلغ قرابة 172 كيلومترًا، استغرقنا في قطعه نحو ثلاث ساعات، عبرنا خلالها جبالًا متعرجة وهضابًا خضراء تشبه القصائد التي لم تُكتب، تمرّ بنا قرى صغيرة ووديانٌ هادئة تنام تحت غطاء من الضباب الخفيف.

    توقفنا في منتصف الطريق عند محطة بسيطة على أطراف بلدة كيتشيفو (Kičevo)، حيث تناولنا القهوة في مقهى محلي يطل على منحدر أخضر، وتبادلنا الأحاديث مع رجل عجوز كان يروي، بلغته ومحبّته، حكايا الجبل والحرب والشتاء الطويل.

    وصلنا العاصمة قبل الظهيرة، وفي أولى خطواتنا وسط المدينة القديمة، بدأ الإحساس يختلف. هنا، لا تكتفي المدينة بأن ترحّب بك، بل تُمسك بك من ذراعك وتأخذك في جولة عبر قرون من التحولات. كل شيء بدا صامتًا لكنه يتكلم الجدران، النُصب، الجسور، وحتى المارة. وكأن سكوبيه قررت أن تروي لنا حكايتها لا بالكلمات، بل بالحجر والبرونز، والماء الذي يتراقص في نوافيرها كأنّه ذاكرة متجددة.

    في قلب العاصمة المقدونية سكوبيه، لا يسير الزائر في شوارع فقط، بل يعبر فسيفساء من التاريخ والأسطورة والسياسة، تتجسد كلها في تماثيل ونُصُب تتناثر بين الجسور والساحات. مشينا بين هذه المنحوتات التي تحولت إلى شواهد بصرية لذاكرة وطنٍ يُعيد تشكيل ماضيه على مرأى من الحاضر.

    تماثيل تُحدّثك

    أمام المتحف الأثري، توقفتُ أمام لوحة نحاسية تخلّد اسم متوديا شاتوروف – شارلو (1898–1944)، أحد قادة الكفاح الشيوعي ضد الاحتلال الألماني النازي خلال الحرب العالمية الثانية. إلى جانبه، يقف تمثال برونزي يرمز إلى تلك المرحلة النضالية التي مزجت الثورة بالإيمان بعدالة الفقراء. قربه، ينتصب تمثال آخر لرفيقه في الكفاح السياسي متوديا أندونوف-تشينتو، أول رئيس لمجلس مقدونيا بعد الحرب العالمية الثانية.

    اللافت في هذه الساحة العامة ليس تمثالًا واحدًا، بل كثافة الرموز قادة وملوك وقديسون ومقاتلون… وكأن المدينة استعادت كل وجوهها دفعةً واحدة.

    الإسكندر… المحارب المتواري وراء اسمه

    لكن أكثر هذه النُصُب إثارة، بلا منازع، هو تمثال الإسكندر الأكبر، رغم أن اسمه الرسمي هو: “المحارب على الحصان”. لاعتراض اليونان على استخدام شمال مقدونيا لرمزية الإسكندر الأكبر، لأنه يُعتبر بطلاً قومياً يونانياً حيث كانت مملكة مقدونيا القديمة جزءاً من الحضارة اليونانية) وبسبب هذا النزاع، تم تجنب التسمية المباشرة لتجنب الاحتكاك مع اليونان.

    يرتفع هذا التمثال البرونزي الشامخ في ساحة مقدونيا، ويبلغ طوله الكامل مع القاعدة والنافورة المحيطة به حوالي 30 مترًا. ترى الفارس يرفع سيفه عالياً، فيما يتحرك حصانه للأمام بزهو المنتصر، تحيط به ثمانية أسود برونزية وتماثيل لجنود مقدونيين، وكأنك وسط مشهد سينمائي ببطولة تاريخية.

    ليلاً، تضاء النافورة الملونة بأنغام موسيقى وطنية، فتتحول الساحة إلى عرضٍ دائمٍ لذاكرة قومية حيّة. ولكن خلف هذا الجمال البصري، تقف أسئلة سياسية معلّقة هل هذا التمثال مجرّد احتفاء بالتاريخ؟ أم أنه رسالة سياسية موجهة نحو الجارة الجنوبية اليونان، التي ترى أن الإسكندر الأكبر جزء لا يتجزأ من تاريخها؟

    مشروع “سكوبيا 2014” بناء هوية على هيئة تمثال.

    جاءت كل هذه التماثيل في إطار ما عرف باسم مشروع سكوبيا 2014، وهو خطة طموحة أطلقتها الحكومة المقدونية عام 2008 لإعادة تصميم وسط العاصمة بمظهر كلاسيكي قومي يمجّد التاريخ المقدوني القديم والحديث

    شمل المشروع إعادة تهيئة الساحات والجسور بأسلوب كلاسيكي وبناء عشرات التماثيل لشخصيات سياسية وتاريخية و تشييد مبانٍ ضخمة على الطراز الروماني و تشييد متاحف جديدة وجسور وتماثيل لرموز مسيحية وبيزنطية وقد بلغت تكلفة المشروع أكثر من 500 مليون يورو، وأثار جدلاً واسعًا داخليًا وخارجيًا، بسبب رمزيته القومية والانتقادات التي وُجهت له بالتلاعب بالهوية التاريخية.

    بين الهوية والجدل

    لا يمكن لأي زائر أن يمر بسكوبيه دون أن يشعر بثقل الرسائل التي تبثها هذه التماثيل إنها مدينة تحاول أن تُعيد تعريف نفسها، لا من خلال سردية واحدة، بل عبر جداريات وتماثيل تخلق حوارًا بصريًا متشابكًا. من شاتوروف الثوري، إلى الإسكندر الإمبراطوري، إلى القديسين والأبطال، سكوبيه تقول لزائرها: “أنا مدينة تبحث عن ذاتها، وتكتب هويتها بالحجر والبرونز والماء”.

    خاتمة: تماثيل تتكلّم… وذاكرة لا تنام

    حين غادرنا سكوبيه، كنت أشعر أنني لا أترك مدينة، بل أودّع مسرحًا من البرونز والرخام والظلال، حيث تتشابك الروايات وتتقاطع الأزمنة. لم تكن التماثيل هناك مجرد زينة حضرية، بل كلمات صامتة كُتبت في الهواء المفتوح، تنطق بالسياسة والهوية والتاريخ، وتُشبه في رماديتها أحيانًا المدن التي تنحت مصيرها في صمت.

    ولأن المدن، كما البشر، لا تتشابه إلا حين نراها من بعيد، فإن سكوبيه بدت لي مختلفة، بطابعها الجامح نحو صناعة ذاكرة مرئية، وبمحاولتها أن تُعرّف نفسها من خلال ما ترفعه لا ما تخفيه.

    ومع كل مدينة أزورها في هذه الرحلة – من سراييفو إلى نيكشيتش، ومن كوتور إلى أوهريد – أجد أن لكل واحدة طريقتها في البوح. بعضها يهمس، وبعضها يصمت، وبعضها – كما فعلت سكوبيه – يصرخ في وجه الغياب قائلاً:

    “أنا هنا… لا تنسني.”

  • من تيرانا الالبانية إلى أوهريد في مقدونيا الشمالية … عبور الطبيعة والحدود

    من تيرانا الالبانية إلى أوهريد في مقدونيا الشمالية … عبور الطبيعة والحدود

    غادرنا تيرانا في الصباح الباكر، وأشعة الشمس تعانق تلالها الخضراء، متوجهين نحو مقدونيا، حيث تنتظرنا مدينة أوهريد، Ohrid إحدى أقدم مدن البلقان وأكثرها سحرًا، والمشهورة ببحيرتها العريقة ومآذنها وكنائسها العتيقة.

    تفصل بين تيرانا وأوهريد حوالي 130 كيلومترًا فقط، لكن الطريق بينهما يستغرق ما يقارب ثلاث إلى أربع ساعات بالسيارة، بسبب طبيعة التضاريس الجبلية وتعقيد المعابر الحدودية. لم يكن هذا الطريق مجرد انتقال جغرافي، بل كان رحلة عبر لوحة طبيعية متبدلة. بعد مغادرة ضواحي تيرانا، بدأنا نتسلق طرقًا جبلية تتلوى بين الهضاب الخضراء والوديان العميقة. مررنا ببلدات وقرى تنام على حواف الجبال، حيث البيوت الحمراء والكنائس القديمة تشي بتاريخ سكني بسيط لكن راسخ.

    من أبرز المحطات في الطريق مدينة إلباسان (Elbasan)، ذات الطابع العثماني والأسوار التاريخية، ثم منطقة ليبرازدي (Librazhd)، وهي آخر المدن الكبرى قبل الاقتراب من الحدود الألبانية-المقدونية.

    كلما اقتربنا من الحدود، ازدادت الطبيعة جلالًا: الجبال تعلو وتشتد انحدارًا، والغابات تحيط بنا من كل اتجاه، والهواء يزداد برودة ونقاء. توقفنا في إحدى الاستراحات الجبلية، وهناك ارتشفنا القهوة ونحن نطل على وادٍ سحيق تحرسه أشجار الصنوبر، في لحظة بدت وكأنها خارج الزمن.

    بعد انتظار طابور طويل من السيارات تم اجتياز الحدود ، رافقتنا بحيرة أوهريد كمرآة زرقاء هادئة، تحتضن المدينة من جهة، وتفصلها عن الجبال من جهة أخرى. مشهد ساحر يلامس الروح قبل العين.

    دخلنا أوهريد مع بداية الظهيرة، مدينة البيوت البيضاء والكنائس التي تروي قصص العصور البيزنطية والعثمانية، والبحيرة التي تخبئ في أعماقها آلاف السنين من التاريخ.

    عند وصولنا، توجهنا إلى مطعم صغير يطل مباشرة على البحيرة. جلسنا في ركن هادئ تحت مظلة بيضاء، وطلبنا وجبة من أسماك التروت (براوت) الطازجة، التي شُويت بإتقان وقدّمت مع الخضار المشوية والليمون. كان الغداء لذيذًا، كما لو أن البحيرة قررت أن تكرمنا من خيراتها. تناولنا الطعام ونحن نصغي إلى خرير المياه وهمسات الريح.

    مع حلول المساء، خرجنا في نزهة هادئة على الكورنيش الساحر. الهواء كان منعشًا ويميل إلى البرودة، رغم أننا في منتصف تموز. السماء تزينت بخيوط وردية، والبحيرة عكست الأضواء الخافتة كأنها قطعة من سماء أخرى.

    الكورنيش كان مكتظًا بالعائلات والبشر من كل الأعمار. الأطفال يركضون، الكثير ونحن منهم يمشون بهدوء، والموسيقى تنبعث من المقاهي الصغيرة، تضيف للحظة شيئًا من البهجة والبساطة.

    وأنا أتمشى هناك، تملكني شعور بالامتنان. بدأت أفكر، وربما أعلنها الآن، أن هذا المكان يستحق أن يُزار من جديد. بدأت أخطط في ذهني لرحلة قادمة، بصحبة العائلة والأصدقاء. فبعض المدن، كأوهريد، لا تكفيها زيارة واحدة.

    قبل انتصاف الليل عدنا إلى فندقنا المطل على البحيرة آملين بقدوم صباح يوم جديد لمواصلة رحلتنا إلى عاصمة مقدونيا الشمالية سكوبي Skopje وهي مدينة خططت بزيارتها منذ وقت طويل .

  • ألبانيا في اليوم الثاني: تيرانا … مدينة تنبض بالتحول

    استيقظنا صباحا مبكرين، وفضول الاكتشاف يسبقنا إلى شوارع تيرانا، العاصمة الألبانية التي تحتضن نحو ستمائة ألف نسمة وسط جبال وأحلام وتاريخ متقلب. هنا، في قلب ألبانيا، لا تتشابه الساعات ولا تتكرر اللحظات، فكل زاوية تهمس بسر، وكل ركن يحمل حكاية.

    تيرانا ليست مدينة تاريخية بالمعنى الكلاسيكي، بل مدينة تتغير أمام عينيك، تخلع جلد الماضي وتلبس معطف الحداثة بألوان زاهية. في الساحة الرئيسية، ساحة سكاندربغ، يمتزج صوت الحاضر بنبض الماضي؛ التمثال البرونزي للبطل القومي سكاندربغ يتصدر المشهد، فارسًا على صهوة جواده، ينظر بثبات نحو الأفق كأنه ما زال يحرس البلاد من الغزاة. حول الساحة تنتصب مبانٍ حديثة وحدائق غنّاء، وتطل المسارح والمقاهي بروح أوروبية ودفء بلقاني.

    تجذبنا خطواتنا إلى أحد المقاهي الصغيرة، حيث جلسنا نحتسي عصير البرتقال الطازج، نراقب الوجوه العابرة والأحاديث المتداخلة باللغات واللهجات. سكان تيرانا ودودون بالفطرة، يحملون في عيونهم وداعة من عاش زمناً في العزلة وعاد يكتشف العالم من جديد. هنا، يشعر السائح كأنه صديق ضائع وجد نفسه فجأة وسط عائلة كبيرة.

    في قلب المدينة، تفرض ساحة سكاندربغ حضورها كرمز حي لذاكرة الألبان الجماعية. فإلى جانب التمثال، يطل المتحف الوطني للتاريخ بواجهته التي تحمل لوحة جدارية ضخمة تُدعى “الألبان عبر التاريخ”. هذا العمل الفني البانورامي يرسم رحلة شعب ألبانيا، من المحاربين الإيليريين، إلى الثوار الذين قاوموا الفاشية، وصولاً إلى رموز الاستقلال. شخصيات تسير متكاتفة تحت علم ألبانيا، وألوان اللوحة تحاكي حيوية شعب لم يعرف إلا الكفاح من أجل الكرامة.

    تتزين الساحة بحجارة جُمعت من شتى أنحاء البلاد، وكأنها خارطة مصغرة لألبانيا. النافورات المتراقصة وحدائقها الهندسية تزرع في القلب إحساسًا بالجمال والانفتاح. وفي المساء، تضيء الأنوار واجهات المباني، فيتحول المكان إلى فسيفساء من الأضواء والظلال، حيث يلتقي التاريخ بالفخر الوطني في قلب العاصمة النابض.

    زيارة جامع إتهِم باي: حين يروي الحجر حكاية الروح

    في قلب العاصمة تيرانا، وأمام ساحة سكاندربغ النابضة بالتاريخ والرموز، توقفنا طويلاً أمام أحد أقدم معالم المدينة وأكثرها مهابة: جامع إتهِم باي. لم يكن مجرد مبنى عثماني مغطى بالقباب والنقوش، بل سردية صامتة عن الزمن، عن الروح الإسلامية التي وجدت في البلقان ملاذًا وجمالاً.

    بُني المسجد في أواخر القرن الثامن عشر، بين عامي 1793 و1794، ليكون شاهدًا على مرحلة من التلاقح الحضاري بين العثمانيين وألبانيا. واليوم، بعد أكثر من قرنين، تقف لافتة عند مدخله تشير بفخر إلى ترميمه عام 2021، بجهود مشتركة بين جمهوريتي تركيا وألبانيا.

    ما لفت نظري ليس فقط دقة النقوش الداخلية، ولا المئذنة التي تتحدى السماء رغم صغرها، بل وقوف هذا المسجد في قلب مدينة حديثة، كأنه يذكر الأجيال أن الماضي ليس عبئًا، بل جذرًا لا بد أن يُروى ويُحتفى به

    وبينما كنا نخطو خطواتنا في تلك المساحة المفعمة بالحياة، لفت انتباهنا بناء غامض قريب من الساحة. إنه ملجأ نووي سري شيده النظام الشيوعي في سنوات الحرب الباردة، ليكون حصنًا محصنًا لقيادات وزارة الداخلية في مواجهة هواجس الحرب التي لم تأتِ. تحول هذا الملجأ، المعروف اليوم باسم “بونك‌آرت 2”، إلى متحف تحت الأرض، تنتشر داخله عشرات الغرف والأنفاق المعتمة، ويعرض صورًا ووثائق وتجهيزات تكشف فصول القمع والمراقبة التي عاشها الشعب الألباني لسنوات. زيارة هذا المكان ليست مجرد جولة في أروقة خرسانية، بل هي رحلة في ذاكرة أمة خرجت من الخوف إلى ضوء الحرية والانفتاح، تحمل للزائر درسًا عميقًا عن قدرة الشعوب على التصالح مع ماضيها وبناء مستقبل جديد.

    تيرانا، بهذا المزيج المدهش من الأصالة والجرأة، كانت بمثابة استراحة حضرية تمنح المسافر متسعًا للتأمل وفرصة لاكتشاف ألبانيا التي لا تزال تكتب فصولها بثقة في دفتر أوروبا.

  • ألبانيا في يومين

    ألبانيا في يومين

    في صباحٍ ناعمٍ من تموز، غادرنا عاصمة الجبل الأسود متجهين جنوبًا نحو ألبانيا، وعلى غير ما توقّعنا، لم يستغرق عبور الحدود سوى دقائق معدودة. لم تكن هناك طوابير، ولا أسلاك شائكة، بل معبر بسيط كأنّه بوابة بين قلبين متجاورين اعتادا اللقاء.

    لم تمضِ ساعة حتى وصلنا مدينة شكودر، تلك التي تتربع شمال ألبانيا كجسر ثقافي يربط البلقان بروح الشرق. فور دخولنا، خُيّل إلينا أننا عدنا إلى مدينة عثمانية، ببيوتها ذات الشرفات الخشبية، ومآذنها الرشيقة، وأزقتها التي تحتضن المارّة بحنوّ حجارتها القديمة.

    بدأنا جولتنا في شارع المشاة وسط المدينة القديمة، حيث تصطف البيوت الملونة والمقاهي الهادئة، وتختلط أصوات الباعة بأصوات الأطفال وهم يركضون خلف طائرات ورقية مصنوعة يدويًا. في زاوية من الشارع، رأينا سيدة مسنّة تضع حجابًا داكنًا وتقود دراجتها الهوائية بثقة مدهشة، عربة التسوّق الخلفية ممتلئة بخبز دافئ وخضروات، وربما، بشيء من الذكريات.

    شكودر لا تتجمّل، بل تُصادِق زائرها. لا تُغريك بالحداثة، لكنها تُدهشك بالبساطة والعُمق. زُرنا متحف المدينة، حيث الصور القديمة تروي فصولًا من تاريخها العريق: مقاومة الاحتلال، تقاليد الحِرَف، وأزياء الأعياد التي ما زالت تُلبَس في القرى المحيطة. ثمّ مررنا على الكنيسة الأرثوذكسية بهدوئها وهيبتها، حيث تتقد الشموع وتعلو الأيقونات كأنها تهمس بصلوات خافتة من قرون مضت.

    بعد أن حملنا من شكودر شيئًا من عبيرها، تابعنا الطريق باتجاه العاصمة تيرانا. الطريق متعرج بين التلال، لكن الطبيعة كانت ترافقنا كدليل سياحي مخلص؛ بساتين الزيتون، وبيوت من حجر أبيض، وقرويون يلوّحون بأيدٍ مليئة بالترحاب.

    مع اقترابنا من تيرانا، تغيّر الإيقاع. دخلنا مدينة تشبه قلبًا ينبض بالحياة…

    تيرانا لا تخجل من ماضيها، بل تلوّنه. الشوارع العريضة تزينها رسومات جدارية جريئة، والميادين تجمع بين رموز الاستقلال والحداثة، كأن المدينة قررت أن تُحدّث تاريخها بالألوان لا بالمحو.

    في المساء، ومع اقتراب غروب الشمس، قررنا أن نقضي ليلتنا فيها. اخترنا فندقًا صغيرًا يطلّ على ساحة سكاندربغ، قلب العاصمة، حيث تمثال البطل القومي يقف شامخًا يراقب تحوّلات وطنه. وبين الأضواء الناعمة، وضجيج الشوارع المتزايد مع الليل، شعرنا أن تيرانا ليست مدينة عادية… إنها مدينة تكتب نفسها من جديد كل يوم، وتدعونا لنكون شهودًا على هذا الميلاد المتجدد.

  • في الطريق إلى عاصمة الجبل الأسود

    في الطريق إلى عاصمة الجبل الأسود

    غادرنا بودفا في ساعات الصباح ، تاركين وراءنا زرقة البحر الأدرياتيكي الساحرة وصخب المدينة القديمة التي تتربع على ضفافه.

    بينما كنا في طريقنا من ساحل الأدرياتيكي نحو العاصمة بودغوريتسا، توقفنا في تشيتينيي Cetinje العاصمة الملكية القديمة لدولة الجبل الأسود لتناول طعام الفطور. لم تكن تشيتينيي مدرجة في مخطط رحلتنا، لكنها باغتتنا كما تفعل المدن الجميلة أحيانًا، حين تمرّ بها بسرعة فتأسر روحك بهدوئها.

    دخلناها في صباح مشمس هادئ، المدينة بدت وكأنها ما زالت نائمة على صدر التاريخ. شوارعها مرصوفة بهدوء، وأبنيتها تحمل ملامح ماضٍ ملكيّ، صامت، لكنه فخور. ليست مدينة كبيرة ولا صاخبة، بل تشبه متحفًا مفتوحًا تحت السماء، تتنفس بين الأشجار.

    جلسنا في مقهى بسيط لكنه أنيق، يتوسطه ظل شجرة قديمة. طلبنا فطورًا مونتينيغريًا تقليديًا: خبز محلي دافئ، جبن طازج، زبدة ومربى، مع قهوة سوداء كثيفة كأنها حديث التاريخ. كان الجو لطيفًا، والناس لطفاء، يتعاملون مع الزوار ببساطة دون تكلّف، وكأن المدينة اختارت أن تظل حقيقية، مهما تغير الزمن من حولها.

    بعد الفطور، سرنا في ساحة عامة قريبة من المقهى، حيث لفت انتباهنا نصب تذكاري لامرأة ترفع سيفاً في يدها اليمنى وتحمل في الأخرى باقة من الزهور. مشهد مؤثر، يجمع بين رمزية القوة والنعومة، وكأنه رسالة المدينة لزوارها: “من لا يحمل السيف دفاعًا عن الحياة، لن يعرف كيف يحمل الزهور احتفاءً بها.”

    على قاعدة التمثال، نُقش تاريخ 24 ديسمبر 1915، يومٌ محفور في ذاكرة الجبل الأسود، يعود إلى زمن الحرب العالمية الأولى، حين كانت البلاد تقاوم الغزو النمساوي المجري. تمثال لا يُجسّد المرأة فحسب، بل يُجسّد الوطن حين تنهض فيه الأم لتصبح حارسةً وصوتًا للكرامة.

    لم نطِل المقام كثيرًا، لكن تشيتينيي تركت فينا أثرًا لم نتوقعه. مدينة صغيرة بحجمها، لكنها عظيمة بحكايتها، تسكنها روح صامتة لا تُقاس بعدد سكانها، بل بعمق ذاكرة شوارعها.

    واصلنا طريقنا نحو العاصمة، بودغوريتشا نحمل في أرواحنا وجبة فطور طيّبة… وقصة جديدة تضاف إلى مدن وذكريات.

    اتجهنا نحو بودغوريتشا، عاصمة الجبل الأسود، عبر طرق خلابة تخترق الجبال والغابات، وكأنها تعزف لنا لحن الطبيعة الخلاب.

    وصلنا العاصمة مع حلول الظهيرة، فاستقبلتنا مدينة تبدو حديثة وهادئة، لا تشبه العواصم المليئة بالضجيج، كأنها أُقيمت في صمتٍ عميق بعد عاصفة عابرة.

    يُقدّر عدد سكان العاصمة بحوالي 150,000 نسمة، بينما يبلغ تعداد سكان الجبل الأسود نحو 600,000 نسمة.

    تجوّلنا أولاً في المدينة القديمة، حيث تختبئ آثار الماضي بين أزقة صامتة، ثم تابعنا السير في وسط المدينة الحديث، وفي المساء سرنا بين شوارعها المضيئة التي تجمع بين النظام الأوروبي والروح البلقانية. قضينا الليل في فندق Kerber، الصغير والهادئ، كأنّه ملاذ من ضجيج العالم على أمل المغادرة غدا صباحا إلى ألبانيا .

    ارفق خريطة ومخططات بسيطة لتوضيح مواقع المدن ومسار الطريق.

  • في قلب البلقان… حيث تتنفس المدن ذاكرةً وحكايات

    في قلب البلقان… حيث تتنفس المدن ذاكرةً وحكايات

    ودّعنا سراييفو كما يُودّع الإنسان صديقًا دافئًا، بعد أن قضينا فيها أيامًا تركت في القلب أثرًا وفي العين حنينًا. عبرنا شوارعها المعروفة وتقاطعاتها التي حفظناها في الأيام القليلة الماضية، ثم أخذنا طريق الجنوب متجهين نحو دولة الجبل الأسود.

    لم يكن الطريق من سراييفو إلى الحدود مجرد انتقال جغرافي، بل عبورٌ من عالم إلى آخر. ازدادت الجبال علواً كلما تقدمنا، واختلطت الغابات بالضباب الخفيف، كأنها لوحة مرسومة بفرشاة فنان تأخر في النوم واستفاق على صوت الطيور.

    رغم أن الرحلة لم تستغرق أكثر من ثلاث ساعات ونصف، إلا أنها كانت غنية بالمشاهد. مررنا بقرى صغيرة متناثرة على جانبي الطريق، تفيض سكينة، ووديان تحتضنها الطبيعة كأنها لم تتغيّر منذ قرون.

    انعطف بنا الطريق بعد مغادرة سراييفو عبر متاهات من الوديان الخضراء والجبال الشامخة، التي بدت كحراس أبديين. السيارة كان يقودها الصديق العزيز إحسان، يقص علينا بهدوئه المعتاد فصولًا من حياته، بينما شاكر العزيز في المقعد الخلفي يزوّدنا بالتين والمشمش الطازج، ويذكرنا من حين لآخر بتجاوز السرعة. أما أنا، فكنت مستغرقًا في تفاصيل الطبيعة، أبحث بين طيّاتها عن إشارات من التاريخ.

    قطعنا حوالي 180 كيلومترًا من المنعطفات، كل منعطف منها يروي فصلًا من حكاية هذه الأرض.

    توقفنا في مدينة بوسنية جميلة تُدعى فوتشا (Foča) للاستراحة، ثم واصلنا الرحلة وعبرنا الحدود نحو الجبل الأسود. كان واضحًا من تحسن الطريق وانسيابيته أن مستوى البنية التحتية هنا أعلى، مما يعكس الأثر الإيجابي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

    لكن سرعان ما فاجأتنا دورية شرطة متخفية، أوقفنا شرطي ستيني يحمل كاميرا رادارية، وأبلغنا أن سرعتنا كانت 72 كلم/س، بينما المسموح 60 كلم/س، مما يترتب عليه غرامة 50 يورو، تُضاف إليها 50 أخرى لعدم وضع حزام الأمان من قبل الراكب الخلفي.

    وبدبلوماسيته المعهودة، تفاوض إحسان مع الشرطي، وانتهى الموقف بدفع 50 يورو نقدًا… بلا وصل! مما يترك في النفس إحساسًا أن آثار النظام السابق ليوغوسلافيا الاشتراكية لا تزال كامنة.

    وصلنا مدينة نيكشيتش (Nikšić) عند الظهيرة. دخلناها كالغرباء الحذرين، لكنها استقبلتنا كصديق قديم. ليست مدينة صاخبة، بل هي ككتاب مفتوح، صفحاته شوارع نظيفة، وكلماته نوافذ تطل على زمنٍ بائد.

    تقع نيكشيتش غرب الجبل الأسود، وتعد ثاني أكبر مدنه، على بُعد حوالي 50 كم من العاصمة بودغوريتسا.

    في ساحة المدينة ينتصب تمثال الملك نيكولا الأول على صهوة جواده، لم يُهدم رغم تغيّر الأنظمة. ففي نيكشيتش، لا يُحاكم الماضي بالعواطف، بل يُترك كمرآةٍ للأجيال.

    ذلك التمثال ليس مجرد نحت برونزي، بل سؤال معلق: من هذا الرجل؟ ولماذا بقي؟ وكيف تغيّر العالم من حوله؟

    ولكي لا يُساء فهمي، فأنا لا أتعاطف مع رمزية الحاكم الظالم، بل أؤمن أن للتاريخ قيمة تتجاوز الولاءات. فالأجدر بالأجيال أن ترى التمثال أولًا، ثم تقرأه، ثم تسأل: من هذا؟ ولماذا بقي؟ وماذا تعلّمنا منه؟

    جلسنا في مقهى يطل على الساحة، تناولنا عشاءً بسيطًا من سمك السلمون والسلطات مع عصير برتقال طبيعي. ورغم أنه أحد المطاعم الراقية في المدينة، إلا أن التكلفة لم تتجاوز 70 يورو – سعر يُدهشنا نحن القادمين من كندا.

    بعد العشاء، تجولنا في الشوارع الحيوية، ثم عدنا إلى الفندق استعدادًا ليوم جديد.

    غادرنا نيكشيتش صباحًا متجهين إلى مدينة كوتور على ساحل البحر الأدرياتيكي. كلما اقتربنا من الساحل، تحولت الطبيعة من هضاب خضراء إلى منحدرات صخرية تطل على مشاهد آسرة. الطريق هنا عرض بصري دائم؛ كل منعطف يكشف واديًا عميقًا، وكل ارتفاع يُلمّح إلى زرقة البحر.

    على جانبي الطريق، تنتشر أشجار التين والرمان، كأنها تبارك عبورنا.

    دخلنا كوتور عند الظهيرة، فبدت كجوهرة محمية داخل قوسٍ جبلي. المدينة القديمة بسورها العتيق وأزقتها الحجرية تحكي تاريخًا طويلاً، بصوت كمان يعزفه شابٌ في ساحة صغيرة تطوّقها الكنائس والقلاع.

    كوتور مدينة لها روح، تشبه الشِعر… تحكيه دون كلمات.

    استرحنا قليلاً في أحد المقاهي، ثم واصلنا نحو بودفا (Budva)، عروس الأدرياتيكي. استقبلتنا المدينة بفخامة مبانيها المطلة على البحر وبحيوية شواطئها. تناولنا وجبة من السمك الطازج في مطعم جميل، ثم أنهكنا التعب، فاتجهنا للفندق لقضاء الليلة.

    البلقان… لوحة من الفسيفساء والتناقضات

    رحلتي عبر البلقان مستمرة، كقصيدة مكتوبة بعدة لغات. هنا تتعانق المآذن مع أجراس الكنائس، وتلتقي القرى الألبانية بالمدن الصربية في رقصةٍ قديمة من التعايش والتنافر.

    يوغوسلافيا التي كانت يومًا دولة واحدة، انفجرت كزجاجة عطرٍ في يد طفل، تاركة أثرها في سبع دول: البوسنة، الجبل الأسود، مقدونيا، صربيا، كوسوفو، سلوفينيا، وكرواتيا. كلٌّ منها يحمل ندبة، وكلٌّ منها يركض وراء حلم.

    متعتي في السفر أن أرى المدن ككائنات حية، تنبض. أقرأ شوارعها كأنها مذكرات، وأتلمّس التاريخ في وجوه الناس.

    وأنا هنا، برفقة صديقيَّ العزيزين شاكر وإحسان، نبحث معًا عن الروح الخفية لكل مكان نمر به.

    هذه الرحلة ليست سوى فصل جديد من كتابي القادم:

    “مدن وذكريات”

    كتابٌ يجمع بين حكايات السفر، وأسرار المدن، ونبض الذاكرة. أرجو أن يرى النور في ربيع العام المقبل.

    فالمدن التي نصادفها، ليست مجرد أمكنة… إنها فصول في حكاية حياة.