الكاتب: importuser

  • القراءة … ارتقاء الروح والعقل

    القراءة… ارتقاء الروح والعقل

    د. علاء التميمي

    تشرين الاول ٢٠٢٥

    القراءة ليست رفاهية، ولا ترفًا يمارسه أصحاب الوقت الفارغ؛ إنها أمر من السماء، نزلت به أول كلمة في الوحي: اقرأ.

    ومنذ تلك اللحظة الأولى، صار فعل القراءة طريقًا إلى النور، ومفتاحًا لكل معرفة ترتقي بالإنسان فوق غريزته وظله.

    لا تقل لي: لا أحب القراءة، فالمشكلة ليست في القراءة ذاتها، بل في أنك لم تكتشف بعد مجال شغفك. ابحث عنه، وستجد أن كل صفحة تقرؤها تفتح فيك بابًا جديدًا من الوعي، وتزرع فيك شغفًا لا يخمد.

    القراءة تصنع الفرق.

    تبدو آثارها في أبسط تفاصيل حياتك:

    في جملةٍ تكتبها، في طريقة سؤالك، في نبرة صوتك، في توقيت رسالتك، وحتى في طريقة اعتذارك أو انبهارك.

    إنها تصوغ الشخصية كما تصوغ النار الذهب.

    لقد عشق المسلمون الأوائل الكتب عشقًا نادرًا؛ فالجاحظ كان يستأجر دكان الوراقين ليبيت بين رفوفه قارئًا حتى الفجر، وكأن المعرفة عنده عبادة لا تُؤجَّل.

    لكن — وهنا تكمن الحكمة — ليست كل قراءة ارتقاءً، فكما أن في الغذاء ما يُغذي وما يُسمّم، كذلك في الكتب ما يُنير وما يُضلّ.

    فالقارئ الواعي لا يلتهم النصوص بلا تمييز، بل يزنها بميزان العقل والتجربة.

    فالقراءة التي تُخدّر الوعي أخطر من الجهل نفسه، لأنها تزرع الوهم بثوب المعرفة.

    اقرأ بعينين مفتوحتين، فبعض ما يُكتب لا يسعى إلى الحقيقة، بل إلى التأثير والتوجيه، وربما إلى خدمة مآرب لا علاقة لها بالعلم ولا بالحكمة.

    قال أومبرتو إيكو:

    “من لا يقرأ يعيش حياة واحدة، حتى لو بلغ السبعين،

    أمّا من يقرأ فيعيش خمسة آلاف عام.”

    لكن تلك الأعوام الخمسة آلاف لا تُثمر إلا إذا كانت القراءة بصيرةً لا عادة، وتمييزًا لا تكرارًا.

    ولذا سُئل أرسطو:

    “كيف تحكم على إنسان؟”

    فأجاب: “أسأله كم كتابًا يقرأ، وماذا يقرأ.”

    فالقراءة ليست هواية، بل مسؤولية؛

    وليست فقط طريقًا إلى المعرفة، بل امتحانًا للوعي.

  • الاستراتيجية هي دوما مصدر القوة

    🧭 الاستراتيجية هي دوماً مصدر القوة

    د علاء التميمي

    تشرين الاول ٢٠٢٥

    في العلاقات الدولية، لا تكمن القوة في الحجم الاقتصادي أو العسكري فحسب، بل في القدرة على صياغة استراتيجية متماسكة تحمي المصالح وتضمن الاستدامة.

    تتجلى هذه الحقيقة اليوم في التوتر القائم بين كندا والولايات المتحدة بشأن التعريفات الجمركية، خصوصًا على منتجات الصلب والألومنيوم والسيارات الكهربائية.

    فالولايات المتحدة، برغم تفوقها الاقتصادي الهائل، اختارت مؤخرًا نهج الحماية التجارية لحماية صناعاتها المحلية ومواجهة المنافسة الآسيوية، لا سيما الصينية. أما كندا، الشريك التجاري الأكبر والأقرب، فقد ردّت بهدوء استراتيجي، متمسكة بأطر اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية الجديدة (USMCA)، مع السعي للحوار لا للمواجهة.

    لكن الأهم أن رئيس الوزراء الكندي أدرك أن مواجهة الضغوط الأمريكية لا تكون بالصدام، بل بتنويع الشراكات. فبدأت حكومته توسّع انخراطها في آسيا من خلال توقيع اتفاقيات تعاون وتبادل تجاري مع اليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام، إلى جانب خطوات مدروسة لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية مع الصين.

    وجاء الاتفاق الكندي-الإندونيسي الأخير ليؤكد هذا التوجه بوضوح، إذ يفتح الباب أمام تبادل استثماري وتجاري متزايد مع أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا، في مجالات الطاقة والمعادن النادرة والتكنولوجيا الزراعية.

    هذا الاتفاق لا يُعد إنجازًا اقتصاديًا فحسب، بل خطوة استراتيجية ضمن رؤية أوسع لتقوية حضور كندا في منطقة آسيا-المحيط الهادئ، وتخفيف اعتمادها المفرط على السوق الأمريكية.

    بهذه المقاربة، تحوّل الموقف الكندي من ردّ فعل إلى استراتيجية استباقية ذكية: توسيع الأسواق، بناء تحالفات اقتصادية جديدة، وتحويل الخلاف التجاري مع واشنطن إلى فرصة لإعادة رسم الخريطة التجارية الكندية.

    إن كندا، بهذا النهج، تؤكد أن الاستراتيجية الهادئة والعقلانية يمكن أن تكون مصدر قوة أكبر من الضغط الاقتصادي المباشر. فالقوة الحقيقية لا تُقاس بعدد المصانع أو حجم الرسوم، بل بقدرة الدولة على المناورة الذكية والتكيّف مع التغيّر العالمي.

    وهكذا، تثبت التجربة الكندية أن الاستراتيجية هي دوماً مصدر القوة — لأنها تجمع بين الرؤية والمرونة والاتزان، وتحوّل الأزمات إلى فرص للتوسّع والنفوذ.

  • البديهيات والمصلحة عندما تهزم الحقيقة امام المنفعة

    د علاء التميمي

    تشرين الاول ٢٠٢٥

    لو تعارضت البديهيات الهندسية مع مصالح الناس لأنكروها. فالناس، حين يُذكرون في المطلق، يذوب فيهم النوع داخل الكثرة، وتغيب معايير العقل في ضجيج المصلحة.

    البديهيات لا تُكذّبها التجربة، ولا يخطئها الحدس، ومع ذلك قد تنحني أمام إرادة المنفعة، لأن المصلحة تملك سلطةً خفية على توجيه القبول والرفض.

    إن وضع البديهيات العلمية في مواجهة المصلحة ليس تقليلًا من شأن الأولى، بل تأكيدٌ على سطوة الثانية، وعلى الحاجة إلى حكمةٍ ترى الإنسان في معاناته لا في معادلاته. فالحياة، بقدر ما تُبنى على العقل، تُدار أيضًا بعواطف الجموع ومصالحهم، وهي كثيرًا ما ترفض الحقيقة لأنها لا تخدمها.

    في التاريخ الحديث، لا تخلو تجربة سياسية أو فكرية من مثالٍ يُظهر كيف يمكن لفكرةٍ وُلدت نبيلة أن تتحوّل إلى قيدٍ على أصحابها حين تتكلّس وتفقد قدرتها على التكيّف. حينئذٍ تنتصر المصلحة على البداهة، ويُستبدل الإيمان بالعقل إلى ولاءٍ للأفكار الموروثة التي فقدت صلاحيتها. هذا هو مكر التاريخ الذي يجعل الإنسان يستمر في عبادة فكرةٍ لم تعد نافعة لا له ولا للزمن الجديد.

    المصلحة تتخذ وجوهاً كثيرة، وغالبها يعارض البداهة، سواء أكانت هندسية أم أخلاقية. فهي لا تظهر إلا حين تفقد الفكرة قدرتها على النمو، ويعلو صوت العقائدية المبتذلة، وتصبح السياسة مجالًا للحمقى الذين يحاربون كل ما يحرر العقل ويتيح للحرية أن تتنفس.

    ومع ذلك، يظلّ الأمل قائمًا في الفكرة التي توازن بين العقل والمصلحة، بين البداهة والممارسة، بين الحقيقة ومتطلبات الواقع. فالديمقراطية في معناها الأعمق ليست سوى محاولة دائمة للحدّ من استبداد فكرةٍ واحدة، ومن رعونة القادة، ومن غباء التعصب. إنها تجعل مصلحة المجتمع نفسه — لا مصالح فئاته — بداهةً عليا، وتذكّرنا بأن لا فكرة تستحق أن تحكم الحياة وحدها، ولا قائد يملك الحقيقة كلها.

    نشرت على مدونة الدكتور علاء التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • الذاكرة والاسم

    ✦ الذاكرة والاسم

    لا ينسى الإنسان مكانه الأول، حتى لو تركه مجبراً أو حمل معه جراحه وآلامه. في قلب الذاكرة يبقى ذلك المكان حيّاً، ليس بجدرانه وأزقته فقط، بل باسمه أيضاً. فالاسم هو العلامة الأعمق التي تلتصق بالروح، وهوية لا تزول.

    ولذلك، حين تغيَّرت أسماء المدن العراقية عبر العقود – الناصرية صارت ذي قار، العمارة غدت ميسان، الحلة بابل، وكركوك التأميم – ظل الناس في أحاديثهم يرددون الأسماء الأولى. كأن الذاكرة ترفض أن تُستبدل، وتصرّ على أن تحفظ صوت الهور وعبق المضايف وملامح المدينة كما عُرفت منذ البداية.

    في بغداد نفسها، لم يقل أحد لسائق التاكسي: “خذني إلى مدينة صدام الطبية”، بل ظل الجميع يطلبون “مدينة الطب”. وكأن اللسان الشعبي يثور، بلطفٍ وسخرية، على كل محاولة لانتزاعه من ذاكرته.

    إنها لعبة الأسماء حين تدخلها السياسة. لعبة قاسية تُقصي المكان عن أصالته، وتزرع في وجدان الأجيال علامات الانقسام بدل أن تغرس بذور التعايش. فقد أثبت التاريخ أن الأسماء المفروضة تزول بزوال الأنظمة، بينما تبقى الأسماء الأولى، تلك التي حملتها الذاكرة، عصيّة على المحو.

    إن تغيير الاسم ليس بريئاً، فهو جرح في هوية المكان، وانفصال عن سرديته الأصلية. ولذا، كل جيلٍ يصرّ على توريث أسمائه الأولى للذي يليه، دفاعاً عن الذاكرة ورفضاً للنسيان. وبغداد، مثل سائر مدن العراق، شاهدة على أن الاسم ليس كلمةً عابرة، بل هو حياة بأكملها تختصر في نغمة واحدة

  • عندما يرحل العلماء بصمت وهم في الغربة

    عندما يرحل العلماء بصمت وهم في الغربة

    د علاء التميمي

    أيلول ٢٠٢٥

    رحل عن دنيانا قبل أيام في الأردن الدكتور المهندس عامر محمد رشيد، العالم العراقي الجليل الذي كرّس عمره للبحث والتطوير، تاركًا إرثًا من العلم والخلق والإنسانية. رحل كما عاش، بصمت العلماء ووقارهم، بعيدًا عن ضوضاء السياسة وصخبها، لكنه – مثل كثير من علماء العراق – وجد نفسه في زمنٍ قاسٍ محشورًا بين متطلبات السلطة وواجبات الوطن.

    لقد قدّر لي أن أعمل معه منتصف الثمانينات من القرن الماضي حين كان يرأس هيئة البحوث والتطوير الفني ، وكنت يومها خبيرًا إنشائيًا في قسم الإنشاءات إلى جانب الدكتور كوان العاني. لم يكن مجرد رئيسٍ لهيئة، بل كان قدوة في التواضع، راقيًا في تعامله، كريمًا في عطائه، يترك أثرًا عميقًا في كل من عرفه. ولقد طبع مسيرتي المهنية بدرسٍ خالد: أن العالم الحقيقي لا يعرّفه منصبه، بل يعرّفه علمه وأخلاقه وطريقة تعامله مع من حوله.

    كما قدّر الله أن أعمل أيضًا بعد ذلك مع الدكتور جعفر ضياء جعفر، عندما كان نائب رئيس منظمة الطاقة الذرية العراقية، حين كنت رئيسًا لهيئة التصاميم في المنظمة كان هو الآخر علمًا بارزًا ورجلاً إداريًا فذًا، عاش للعلم، ورفع من شأن من عمل معه، لكنه أيضًا لم يسلم من ذلك القدر الذي يجعل العالم في العراق دومًا أسيرًا لزمنه، مرغمًا على الوجود في معادلة السياسة وهو أبعد ما يكون عنها.

    وهنا تتكشف المأساة:

    في بلدان كثيرة، يُكرَّم العلماء وتُصان مكانتهم بعيدًا عن الصراعات، أما في العراق فقد عاشوا دومًا في قلب العاصفة. لم يسعوا إلى السياسة، لكنها لحقت بهم، لتضعهم في موقع لا يشبه رسالتهم، وتحمّلهم تبعات عهد لم يكن لهم فيه يد. ومع ذلك، ظلوا أوفياء لوطنهم، يقدمون علمهم بصمت، ويواصلون العمل في أحلك الظروف.

    إن رحيل الدكتور عامر محمد رشيد يفتح جرحًا أكبر من مجرد فقدان عالم جليل؛ إنه يعيد التذكير بقضية العلاقة بين العلم والسياسة في العراق. فالعلماء عندنا لم يُترك لهم المجال ليكونوا أحرارًا في ميدانهم، بل وجدوا أنفسهم محشورين بين مطرقة السلطة وسندان المسؤولية. ومع ذلك، لم يتخلوا عن رسالتهم، لأنهم أدركوا أن خدمة الوطن بالعلم أسمى من كل حساب آخر.

    رحم الله الدكتور عامر، وأسكنه فسيح جناته، وجعل علمه في ميزان حسناته. وأطال الله في عمر الدكتور جعفر، ليبقى شاهدًا على جيلٍ من العلماء الذين أثبتوا أن خدمة العراق بالعلم لا تُقاس بالسياسة ولا تُقيدها الأنظمة. فالعلماء يرحلون بأجسادهم، لكن أثرهم يبقى خالدًا، يضيء ذاكرة الوطن مهما أثقلته العصور بالظلم والتقلبات.

    ويبقى السؤال مفتوحًا:

    هل سيتعلم العراق يومًا أن يضع علماؤه في مكانهم الطبيعي، حماةً للمعرفة ومناراتٍ للنهضة، بعيدًا عن ضغوط السياسة وصراعاتها؟ أم سيبقى العلماء محشورين في معادلات لا تشبه رسالتهم، حتى يرحلوا بصمت، ويخسرهم الوطن في الغربة؟

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • اصل اسم بغداد بين النقوش البابلية والتفسيرات اللاحقة

    اصل اسم بغداد بين النقوش البابلية والتفسيرات اللاحقة

    مقدمة

    تُعد بغداد واحدة من أعرق المدن في التاريخ الإنساني، واسمها ذاته يحمل طبقات متعددة من المعاني والدلالات. ومن المثير أن هذا الاسم لم يولد مع العصر العباسي كما يتصور البعض، بل تعود جذوره إلى آلاف السنين قبل ذلك، في النصوص البابلية المكتوبة بالخط المسماري. إن تتبع أصل اسم بغداد يكشف لنا كيف يتداخل التاريخ مع اللغة، وكيف تحتفظ المدن بهويتها عبر العصور رغم تغيّر الأديان والدول والإمبراطوريات.

    1. الجذور البابلية

    أقدم ذكر لاسم بغداد ورد في حجر كودورو البابلي الشهير المعروف بـ صخرة ميشو (المحفوظة في متحف اللوفر). النقش المسماري الذي يعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد (زمن الملك الكشي نازي ماروتش) يذكر اسم بَغدادو (Bagdadu).

    المعنى في الأكدية – اللغة البابلية – هو: “عطية الإله” أو “هبة الإله”.

    هذا الاكتشاف يُثبت أن اسم بغداد مستخدم قبل ألفي عام من تأسيس المدينة العباسية، وهو ما يمنح الاسم بعدًا تاريخيًا عميقًا.

    2. التفسير الفارسي

    خلال العصور اللاحقة، خصوصًا في الحقبة الساسانية وما بعدها، ظهر تفسير فارسي للاسم:

    • باغ = بستان.

    • داد = عطية.

    ليصبح معنى بغداد: “البستان الموهوب”.

    هذا التفسير شاع في المصادر الإسلامية، خاصة مع النفوذ الثقافي الفارسي في العراق، لكنه جاء لاحقًا مقارنة بالذكر البابلي.

    3. التفسيرات العربية الشعبية

    قدّم بعض المؤرخين العرب في القرون الوسطى تفسيرات شعبية أو أسطورية لاسم بغداد، مثل نسبه إلى صنم يُدعى “بغ”، أو اعتباره تركيبًا يدل على البغاء والعطاء، وهي تفسيرات ضعيفة لا تستند إلى نصوص أثرية.

    هذه المحاولات تكشف عن رغبة المؤرخين في إعطاء معنى مألوف للاسم، لكنها لا ترقى إلى مستوى التوثيق.

    4. العصر العباسي وتبنّي الاسم

    عندما أسس الخليفة أبو جعفر المنصور مدينته المدورة عام 762م، كان اسم بغداد متداولًا في المنطقة مسبقًا. المنصور منح المدينة اسمًا رسميًا هو مدينة السلام، لكن اسم بغداد ظل هو الأكثر شيوعًا بين الناس، حتى غلب على التسمية الرسمية وأصبح رمزًا خالدًا للعاصمة.

    5. الدراسات الحديثة

    أكد المستشرقون والباحثون الغربيون في القرن التاسع عشر (مثل راولنسون وبينك) أن أصل اسم بغداد بابلي أكدي، بالاعتماد على النصوص المسمارية.

    هذا الرأي أصبح اليوم الأكثر قبولًا في الأوساط الأكاديمية، حيث يتفق الباحثون أن معنى بغداد الأصيل هو: “عطية الإله”.

    خاتمة

    إن اسم بغداد ليس مجرد لفظ جغرافي، بل شهادة حية على تواصل التاريخ عبر العصور. فمن “بَغدادو” البابلية إلى “بغداد” العباسية، بقي الاسم حاضرًا ليذكّرنا بأن المدن الكبرى تحمل في طياتها ذاكرة أقدم من حاضرها.

    وإذا كانت بغداد قد عُرفت في العصر العباسي بـ مدينة السلام، فإن اسمها الأصيل – “عطية الإله” – يظل شاهدًا على عراقتها ورمزًا لهويتها المتجددة.

    نشر على مدونة الدكتور علاء التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • نهاية اللحظة الأميركية وبداية عالم متعدد الأقطاب

    قبل أكثر من ثلاثة عقود، أعلن سقوط الاتحاد السوفيتي بداية ما وصفه البعض بـ “اللحظة الأميركية”. بدت الولايات المتحدة وكأنها القوة الوحيدة القادرة على رسم ملامح العالم. مؤسساتها، قيمها، وقوتها العسكرية والاقتصادية بدت بلا منافس. لكن التاريخ أثبت سريعاً أن الأحادية القطبية لم تكن قدراً دائماً، بل وهماً قصير الأجل.

    إرهاق الذات في حروب عبثية

    بدلاً من الاكتفاء بإدارة تفوقها بحذر، اندفعت واشنطن في سلسلة من الحروب والتدخلات. من البلقان إلى أفغانستان والعراق، تصرفت كما لو أن القوة العسكرية تكفي لإعادة تشكيل المجتمعات. لكن النتائج جاءت عكسية: تريليونات الدولارات تبخرت، مئات الآلاف قُتلوا، والهيمنة الأميركية فقدت بريقها. الأهم أن هذه الحروب فتحت الباب لمنافسين استراتيجيين لملء الفراغ.

    صعود الصين وعودة روسيا

    في الوقت الذي كانت فيه أميركا تغرق في أزمات الشرق الأوسط، كانت الصين تبني اقتصاداً صناعياً هائلاً وتطور جيشاً حديثاً ينافس في التكنولوجيا والفضاء والبحار. أما روسيا، فقد خرجت من عقد التسعينيات المظلم لتعود لاعباً عسكرياً شرساً في جورجيا، ثم في أوكرانيا. ومعهما بدأت قوى إقليمية كإيران وتركيا والسعودية تسلك مسارات مستقلة، مستفيدة من تراجع الهيمنة الأميركية.

    عالم يتفكك

    اليوم، نحن أمام نظام دولي يتجه نحو تعددية قطبية غير مستقرة. القوى الكبرى تتنافس على النفوذ، التحالفات تتبدل، والاقتصاد العالمي نفسه بات ساحة للصراع. العقوبات، الحروب التجارية، والقيود التكنولوجية أصبحت أدوات مواجهة يومية. ومع وجود ملفات متفجرة مثل تايوان وأوكرانيا والشرق الأوسط، فإن خطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة بين الكبار بات أكبر من أي وقت مضى.

    خطيئة الغرور

    الخطأ الأكبر لواشنطن كان الاعتقاد أن التاريخ انتهى لصالحها وأن قيمها قابلة للتصدير بلا مقاومة. تجاهلت حقائق الجغرافيا والتاريخ والقومية، فاستفادت الصين من العولمة لتتحول إلى منافس ندّي، واستفادت روسيا من توسع الناتو لتبرر عودتها بقوة. وهكذا، أضاعت أميركا فرصة تثبيت هيمنتها بحذر، واختارت بدلاً من ذلك مسار الغرور الإمبراطوري.

    ما بعد الأحادية

    اليوم لم يعد السؤال: “هل تراجعت الهيمنة الأميركية؟” بل: “كيف سيتعامل العالم مع هذا التراجع؟”. فالولايات المتحدة ما تزال القوة الأكبر، لكنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها وحدها. والتاريخ يعلّمنا أن فترات الانتقال بين أنظمة دولية هي الأخطر، لأنها لحظات مليئة بالحروب وسوء الحسابات.

    الخيار أمام واشنطن والعالم واضح: إما إدارة هذه المرحلة بعقلانية عبر توازنات مدروسة وتعاون محدود في القضايا العالمية، أو ترك الأمور تنزلق نحو صدامات كبرى سيدفع الجميع ثمنها.

    نشر على مدونة الدكتور علاء التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • احداث أيلول ٢٠٠١ غاندَر: مدينة صغيرة في قلب عاصفة كبرى

    في مثل هذا اليوم قبل أربعٍ وعشرين سنة، اهتز العالم على وقع أحداث الحادي عشر من أيلول 2001. كنت أتابع الأخبار مثل الملايين حول العالم، حين ارتطمت الطائرات المخطوفة ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، ثم توالت الصور عن حريق في البنتاغون وسقوط طائرة أخرى في بنسلفانيا. كان كل شيء يوحي بأن السماء لم تعد آمنة، وأن الخطر قد يمتد أبعد مما نتخيل.

    في تلك اللحظة قررت السلطات الأميركية إغلاق مجالها الجوي بالكامل، في خطوة غير مسبوقة، خشية أن تكون هناك طائرات أخرى تحمل تهديداً. وها هي الطائرات العابرة للأطلسي تجد نفسها فجأة بلا وجهة، تبحث عن أرض تأويها.

    وهنا برز اسم مدينة لم يكن كثيرون قد سمعوا به من قبل: غاندَر، الواقعة في أقصى الشرق الكندي على جزيرة نيوفاوندلاند، عند تخوم المحيط الأطلسي. هذه المدينة لم يكن يسكنها آنذاك أكثر من 10 آلاف نسمة، لكنها وجدت نفسها فجأة أمام أكثر من 6,700 مسافر هبطوا على متن أكثر من ثلاثين طائرة، أي ما يعادل تقريباً عدد سكانها بالكامل!

    تخيلت المشهد وأنا أقرأ عنه: مدرج مزدحم بالطائرات، والمدينة كلها تستنفر لتصبح فجأة قلباً نابضاً للعالم. المدارس فتحت أبوابها كفنادق مؤقتة، القاعات الرياضية تحولت إلى مطاعم جماعية، وأهل المدينة تقاسموا طعامهم وبيوتهم وحتى سياراتهم مع الغرباء.

    في تلك الأيام الثلاثة كتبت غاندَر درساً بليغاً: أن المدن تُقاس بقدرة قلوبها لا بعدد ناطحات سحابها. وأن الكرم، حين يأتي بلا انتظار ولا حساب، يصبح مرساةً للأمان وسط بحرٍ من الخوف.

    واليوم، بعد أربعةٍ وعشرين عاماً على ذلك اليوم العصيب، يبقى هذا الدرس الإنساني عصياً على النسيان: ففي موقعٍ قصيّ عند حافة الأطلسي، أثبتت مدينة صغيرة أن الإنسانية قد تشرق من أبعد الجهات، حين يظلم العالم كله.

  • صوت هند رجب … من غزة إلى فينيسيا

    لم يكن فيلم “صوت هند رجب” في مهرجان فينيسيا السينمائي مجرد عمل وثائقي، بل شهادة إنسانية على مأساة الطفلة الفلسطينية التي استغاثت عبر الهاتف قبل أن تُقتل داخل سيارة محاصرة في غزة. التصفيق الطويل الذي حظي به الفيلم لم يكن للفن وحده، بل لذلك الصوت الطفولي الذي تحوّل إلى رمز عالمي للبراءة المهدورة.

    ورغم مرور أكثر من عام على الحادثة، تواصل إسرائيل التذرع بأن التحقيقات ما زالت جارية، دون إعلان نتائج حاسمة. هذه ليست المرة الأولى؛ فمثلها وقعت حوادث عديدة استُهدِف فيها مدنيون أو مسعفون، وظلت الملفات عالقة تحت عنوان “التحقيق المستمر”. في المقابل، أظهرت تحقيقات مستقلة حقائق صادمة: مئات الرصاصات اخترقت السيارة، ودبابات إسرائيلية كانت قريبة من الموقع، فيما قُتل مسعفو الهلال الأحمر أثناء محاولتهم إنقاذ الطفلة.

    بين تواطؤ الصمت الرسمي وجرأة الشهادات الميدانية، يبقى صوت هند أقوى من أي رواية رسمية. لقد فشلت التحقيقات في إنصافها، لكن السينما أعادت إحياء صرختها، لتبقى شاهدًا على غياب العدالة وازدواجية المعايير في زمن الحروب.

    هل ترغب أن أُجهّز لك أيضًا نسخة ثالثة قصيرة جدًا (100–120 كلمة) تصلح كافتتاحية أو عمود رأي سريع في صحيفة؟

  • سلام النفس في حاضرها

    🌿 خاطرة الجمعة

    لا تحملوا الماضي فوق أكتافكم، ولا تسبقوا بأفكاركم ما لم يأتِ بعد.

    الماضي—بأخطائه وندمه—لا يعود، فلا تجعلوه قيدًا يثقل أيامكم. والمستقبل—بما فيه من احتمالات ومخاوف—لم يصل بعد، فلا تستهلكوا أعماركم في انتظاره بقلق.

    الحكمة أن نعيش لحظة الحاضر كما هي: نُصلح ما نستطيع، ونشكر على ما بين أيدينا، ونترك ما لا نملك تغييره لرحمة الله وتدبيره.

    لكل عمر جماله؛ فالشاب بحاجة أن يتخفف من هواجس الفشل، والكهل أن لا يجلد نفسه بأخطاء مضت، والمسن أن يمنح قلبه راحة من ثقل السنين.

    سلام النفس لا يُهدى إلا لمن يتعلّم أن يترك الماضي وراءه، ويستقبل المستقبل دون خوف، ويغتنم يومه بطمأنينة ورضا.