قرار الضرورة: لماذا اختارت باكستان الطريق النووي؟

في كانون الأول/ديسمبر 1971 غادر ذو الفقار علي بوتو( نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وممثل باكستان في المجلس) قاعة مجلس الأمن غاضبًا بعد أن مزّق مسودة قرار اعتبره مهينًا لبلاده. لم يكن ذلك مجرد مشهد دبلوماسي درامي، بل لحظة إدراك قاسية بأن النظام الدولي لا يحمي الدول الضعيفة، وأن الأمن الحقيقي لا يُمنح، بل يُنتزع وقال لاحقا (حتى لو اضطررنا إلى أكل العشب، سنصنع القنبلة النووية).

هزيمة باكستان وانفصال بنغلادش، ثم التجربة النووية الهندية عام 1974، جعلا القيادة الباكستانية تصل إلى قناعة واضحة: لا ضمان لوجود الدولة دون قوة ردع حقيقية. ومن هنا انطلق قرار بناء القنبلة النووية، بوصفه خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا سياسيًا.

الدوافع كانت واضحة:

تهديد هندي مباشر، شعور بالخذلان الدولي، وهاجس بقاء قومي. في عالم تُقاس فيه المكانة بالقوة، رأت باكستان أن امتلاك السلاح النووي هو الوسيلة الوحيدة لمنع حرب جديدة وحماية استقلالها.

هل كان القرار صحيحًا؟

من منظور الأمن القومي البكستاني ، نعم. فقد فرض توازن ردع مع الهند ومنع صدامات شاملة منذ ذلك الحين. لكنه في المقابل جاء بثمن اقتصادي وسياسي باهظ، وأدخل البلاد في سباق تسلّح دائم وعزلة متكررة.

الحقيقة أن القنبلة النووية لم تكن حلمًا باكستانيًا، بل خيارًا اضطراريًا في عالم غير عادل. لقد منحت باكستان أمنًا صلبًا، لكنها لم تمنحها استقرارًا كاملًا.

وهكذا يبقى الدرس واضحًا: عندما تفقد الدول ثقتها بالعدالة الدولية، تبحث عن الأمان في ميزان القوة، حتى وإن كان ثمنه ثقيلًا. وما بين تمزيق بوتو لورقة القرار في نيويورك، وتفجير باكستان أول قنابلها عام 1998، بدأ منطق آخر بالظهور:

منطق أن البقاء لا يُستمد من القانون، بل من القدرة على الردع وهنا تكمن المأساة: فشل العدالة الدولية لا يقود إلى السلام، بل إلى مزيد من السلاح. وكل سلاح جديد يولّد خوفًا جديدًا، في حلقة لا تنتهي.

النظام العالمي لم ينجح بعد في تحويل العدالة إلى بديلٍ حقيقي عن القوة. ولو وُجدت عدالة موثوقة، لما بحث أحد عن الأمان في فوهة بندقية.

نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

www.altamimialaablog.com

التكنولوجيا والتحول الرقمي في العالم العربي بحلول ٢٠٣٥

د. علاء التميمي

كانون الثاني 2025

يشهد العالم العربي اليوم مرحلة انتقالية تشبه الوقوف بين عصرين:

عصرٌ قديم كان فيه النفط والجغرافيا هما مفتاح القوة،

وعصرٌ جديد تُعيد فيه التكنولوجيا رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للدول.

في هذا العالم الجديد، لم تعد القوة تُقاس فقط بالثروات الطبيعية أو حجم الجيوش، بل بالقدرة على التعامل مع البيانات، وبناء اقتصاد رقمي، وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي، وحماية البنية السيبرانية.

وهذا يعني أن الفجوة التقنية ستكون العامل الأكبر في تحديد الدول العربية التي ستصعد، والدول التي ستتراجع مع اقتراب عام 2035.

هذا المقال محاولة لقراءة المستقبل بناءً على المؤشرات الحالية والتحولات العالمية.

أولًا: التكنولوجيا… من قطاع اقتصادي إلى عنصر قوة وطنية

لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات ذكية نستخدمها في حياتنا اليومية.

هي اليوم ركن أساسي لقوة الدولة، وتشمل:

• الذكاء الاصطناعي

• البيانات الضخمة

• الأمن السيبراني

• الحوسبة السحابية

• المدن الذكية

• البنية الرقمية الحيوية

هذه العناصر تحدد قدرة الدولة على:

• صنع سياسات دقيقة

• إدارة مواردها بذكاء

• خلق وظائف مستقبلية

• حماية أمنها الوطني

• والمشاركة في صناعة الاقتصاد العالمي

بل إن التكنولوجيا أصبحت عاملًا قد يتفوق على الاقتصاد نفسه.

فدولة تملك ثروات مالية كبيرة لكنها بلا بنية رقمية حديثة، ستجد نفسها في حالة جمود.

بينما قد تصعد دول بموارد أقل إذا تبنّت التحول الرقمي بذكاء.

ثانيًا: أين يقف العالم العربي اليوم؟ (2024–2025)

تُظهر المنطقة ثلاثة مسارات مختلفة:

1) دول تركب الموجة الرقمية بقوة

الإمارات، السعودية، قطر، المغرب، البحرين، الأردن، ومصر بدرجة متوسطة.

هذه الدول بدأت بالفعل:

• الاستثمار في الذكاء الاصطناعي

• بناء مراكز بيانات

• إطلاق حكومات رقمية

• جذب شركات تقنية عالمية

• تطوير قدرات الأمن السيبراني

وهي تشكل اليوم ما يمكن اعتباره نواة القوة الرقمية العربية.

2) دول تعيقها الأزمات

سوريا، لبنان، اليمن، ليبيا، السودان.

تعاني هذه الدول من:

• بنية تحتية ضعيفة

• هجرة العقول

• غياب السياسات الرقمية

• اعتماد كامل على التكنولوجيا المستوردة

وبذلك تتسع الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة رقميًا عامًا بعد عام.

3) دول لديها إمكانات… لكنها لا تستغلها كاملًا

الجزائر، تونس، العراق.

لديها قدرات بشرية ومالية، لكنها تحتاج إلى:

• رؤية رقمية واضحة

• تقليل البيروقراطية

• إصلاحات تشجع الابتكار

ثالثًا: ما الذي سيتغير بحلول 2035؟

2035 سيكون عامًا مفصليًا على مستوى التكنولوجيا في المنطقة، وذلك عبر خمسة مسارات رئيسية:

1) الذكاء الاصطناعي يقود الاقتصاد

سيصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من:

• الصناعة

• الصحة

• الأمن

• الطاقة

• التعليم

• الإدارة الحكومية

والدول التي تمتلك نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها ستحقق نفوذًا أكبر من غيرها.

2) الاقتصاد الرقمي يصبح المحرك الأول للنمو

من المتوقع أن يشكل الاقتصاد الرقمي 25–40% من اقتصاد بعض الدول العربية، خصوصًا الخليج والمغرب.

يتضمن ذلك:

• التجارة الإلكترونية

• الخدمات الحكومية الرقمية

• التحول المالي (FinTech)

• تحليل البيانات

• التصنيع الذكي

3) الأمن السيبراني مفتاح الاستقرار

الدول التي تطور قدراتها السيبرانية ستكون الأكثر قدرة على حماية:

• شبكات الطاقة

• البيانات

• القطاع المالي

• البنية التحتية الحيوية

أما الدول الضعيفة رقميًا فستكون عرضة لهجمات قد تُعطل قطاعات كاملة.

4) تحوّل التعليم نحو المهارات الرقمية

ستبرز فجوة واضحة بين دول تُعدّ جيلًا متمكنًا من:

• البرمجة

• علوم البيانات

• الروبوتات

• الذكاء الاصطناعي

ودول ستظل أسيرة مناهج تقليدية قديمة.

5) المدن الذكية… مراكز نفوذ جديدة

مشاريع مثل:

• دبي الذكية

• الدار البيضاء الرقمية

ستخلق قواعد اقتصادية جديدة، وتشكل محطات جذب للمستثمرين والمواهب.

رابعًا: كيف ستتغير خريطة القوة داخل الوطن العربي؟

1) صعود محور “الشرق العربي التقني”

الإمارات، السعودية، قطر، البحرين، الأردن، ومصر سيقودون التحول الرقمي في المنطقة بفضل:

• استثماراتهم

• بنيتهم الرقمية

• وقدرتهم على تقديم خدمات عابرة للحدود

هذا المحور سيصبح مركز الثقل الاقتصادي الجديد في المنطقة.

2) اتساع الفجوة بين شمال أفريقيا والمشرق

• المغرب يتقدم بثبات كمركز تكنولوجي.

• الجزائر مهددة بالتراجع إذا لم تسرّع الإصلاحات.

• تونس تحتاج إعادة بناء اقتصادي شامل.

أما المشرق العربي المتأزم، وخاصة لبنان وسوريا والعراق، فسيظل بحاجة إلى تسويات سياسية قبل اللحاق بالتحول الرقمي.

3) التكنولوجيا… بديل صامت للقوة العسكرية

في 2035، النفوذ لا يعتمد فقط على الجيش، بل على:

• التحكم في البيانات

• القدرة على تعطيل أو حماية البنية التحتية

• تطوير ذكاء اصطناعي مؤثر عالميًا

إنها قوة بلا ضجيج… لكنها فعالة جدًا.

خامسًا: التحديات التي تنتظر الدول العربية

1. اعتماد مفرط على التكنولوجيا المستوردة

هذا يخلق هشاشة سيبرانية واقتصادية.

2. نقص المهارات الرقمية

بعض الدول غير قادرة على إعداد جيل مؤهل للمنافسة عالميًا.

3. تفاوت اجتماعي جديد

طبقة “رقمية” متقدمة مقابل طبقة تقليدية.

4. غياب التشريعات التي تضمن التوازن

بين حماية الخصوصية وتشجيع الابتكار.

سادسًا: سيناريو 2035 — قراءة واقعية

الدول الصاعدة رقميًا:

• الإمارات

• السعودية

• المغرب

• قطر

• الأردن

• مصر (بدرجة متوسطة)

الدول التي تتقدم ببطء:

• الجزائر

• تونس

• العراق

الدول المتراجعة رقميًا:

• سوريا

• لبنان

• اليمن

• ليبيا

• السودان

الخلاصة

عام 2035 سيشهد إعادة رسم الخريطة العربية بالتكنولوجيا، لا بالتحالفات العسكرية ولا بأسعار النفط.

الدول التي تبني بنية رقمية قوية وتعليمًا حديثًا واقتصادًا مرنًا، ستكون في طليعة المنطقة.

أما الدول التي تتأخر عن التحول الرقمي فستجد نفسها خارج المنافسة، مهما امتلكت من موارد.

هذه الحقيقة هي بوابة الفهم الجديد للقوة في العالم العربي.

نُشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

www.altamimialaablog.

فهم طريقة سانت ليغو المعدلة في القانون الانتخابي العراقي. شرح مبسط مع مثال حسابي

د . علاء التميمي

تشرين الاول ٢٠٢٥

يشكّل النظام الانتخابي حجر الزاوية في بناء أي نظام ديمقراطي. فهو الذي يحدد كيف تتحول أصوات الناس إلى مقاعد في البرلمان، وكيف يُعاد تشكيل الخريطة السياسية بعد كل دورة انتخابية. وفي العراق، أعاد القانون الانتخابي الأخير اعتماد المحافظة كدائرة واحدة بدلا من القانون السابق الذي حدد عدد دوائر كل محافظة بما يتوافق مع عدد المقاعد الانتخابية المخصصة لكل محافظة حسب حجمها السكاني

تم استخدام طريقة سانت ليغو المعدّلة (1.7)، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول أثر هذا الأسلوب على تمثيل المستقلين والقوائم الصغيرة.

في هذا المقال، أقدّم شرحًا مبسّطًا لطريقة سانت ليغو المعدّلة، مع مثال رقمي واضح، ثم مناقشة مختصرة لآثارها على الواقع السياسي العراقي.

📘 أولًا: ما هي طريقة سانت ليغو؟

سانت ليغو هي طريقة حسابية تستخدم لتوزيع المقاعد البرلمانية بين القوائم وفق مبدأ التمثيل النسبي.

تقوم الطريقة على تقسيم أصوات كل قائمة على سلسلة أرقام فردية (1، 3، 5، 7، …)، ثم تُرتّب النتائج من الأعلى إلى الأدنى، ويُمنح المقعد للقائمة ذات الرقم الأعلى.

غير أن العراق اعتمد نسخة معدّلة من هذه الطريقة، يبدأ فيها التقسيم بالرقم 1.7 بدلًا من 1. وهذا التعديل ليس تفصيلاً تقنيًا بسيطًا، بل يغيّر كثيرًا من التوازنات الانتخابية.

🔧 ثانيًا: ما الذي يفعله رقم 1.7؟

رفع المقسوم الأول إلى 1.7 يؤدي إلى:

• تقليل عدد المقاعد التي يمكن أن تفوز بها القوائم الصغيرة

• إضعاف فرص المستقلين

• زيادة هيمنة القوائم الكبيرة

• ارتفاع نسبة الأصوات غير الممثلة في البرلمان

لأن القائمة الصغيرة عندما تُقسم أصواتها على 1.7 تصبح نتائجها ضعيفة مقارنة بقائمة كبيرة تُقسم على المقسومات اللاحقة (3 أو 5) ومع ذلك تبقى أعلى.

🧮 ثالثًا: مثال مبسّط جدًا لفهم سانت ليغو المعدّلة

لنفترض أن محافظة فيها 5 مقاعد فقط، وأن ثلاث قوائم حصلت على:

• القائمة A: 100,000 صوت

• القائمة B: 50,000 صوت

• القائمة C: 20,000 صوت

المقسومات المعتمدة:

1.7 – 3 – 5 – 7 – …

✦ المقعد الأول

نقسم أصوات الجميع على 1.7:

• A = 58,823

• B = 29,411

• C = 11,764

أعلى رقم ⇒ المقعد الأول للقائمة A

✦ المقعد الثاني — التوضيح المهم

بعد فوز القائمة A بالمقعد الأول، نقوم بالتالي:

1️⃣ القائمة A لا تعود تُقسم على 1.7

لأنها حصلت على مقعد، وبالتالي تنتقل إلى المقسوم التالي 3.

2️⃣ القائمتان B و C تبقيان على المقسوم 1.7

لأنهما لم تحصلا على أي مقعد بعد.

الآن نحسب:

• A = 100,000 ÷ 3 = 33,333

• B = 50,000 ÷ 1.7 = 29,411

• C = 20,000 ÷ 1.7 = 11,764

النتيجة:

أعلى رقم هو 33,333 ⇒

المقعد الثاني للقائمة A

وهذه نقطة محورية:

رغم أن A قُسمت على 3، إلا أن نتيجتها بقيت أعلى من قوائم تُقسم على 1.7.

وهذا يوضح كيف تستفيد القوائم الكبيرة من الطريقة المعدّلة.

✦ المقعد الثالث

A لديها مقعدان ⇒ تُقسم على 5

B و C تبقيان كما هما:

• A = 100,000 ÷ 5 = 20,000

• B = 50,000 ÷ 1.7 = 29,411

• C = 20,000 ÷ 1.7 = 11,764

الأعلى ⇒ المقعد الثالث للقائمة B

✦ المقعد الرابع

B حصلت على مقعد ⇒ تُقسم على 3 الآن:

• A = 100,000 ÷ 5 = 20,000

• B = 50,000 ÷ 3 = 16,666

• C = 20,000 ÷ 1.7 = 11,764

الأعلى ⇒ المقعد الرابع للقائمة A

✦ المقعد الخامس (الأخير)

• A = 100,000 ÷ 7 = 14,285

• B = 50,000 ÷ 3 = 16,666

• C = 20,000 ÷ 1.7 = 11,764

الأعلى ⇒ المقعد الخامس للقائمة B

📊 النتيجة النهائية

القائمة المقاعد

A 3

B 2

C 0

القائمة C — رغم حصولها على 20 ألف صوت — لم تحصل على أي مقعد.

وهذه بالضبط إحدى أبرز مشكلات القانون.

🎯 رابعًا: ماذا يعني هذا في الواقع السياسي العراقي؟

اعتماد المحافظة كدائرة واحدة مع سانت ليغو 1.7 يؤدي عمليًا إلى:

• تقوية الأحزاب الكبيرة التي تمتلك قواعد ثابتة

• إضعاف المستقلين والحركات الناشئة

• إلغاء تأثير الأصوات المحلية داخل الأقضية

• ارتفاع الأصوات المهدورة

• تقليل التنوع داخل البرلمان

وهذا ما يجعل النقاش حول القانون الانتخابي نقاشًا سياسيًا بامتياز، وليس مجرد مسألة حسابية.

🧭 خامسًا: الخلاصة

طريقة سانت ليغو المعدّلة (1.7) تمنح أفضلية كبيرة للقوائم الكبيرة،

بسبب طبيعة المقسومات وطريقة الانتقال بينها.

والمثال الحسابي يوضح كيف يمكن لقائمة كبيرة أن تستمر في الحصول على مقاعد حتى بعد تقسيم أصواتها على أرقام كبيرة، بينما تتراجع القوائم الصغيرة مبكرًا.

إن فهم هذه الطريقة ضروري لكل مواطن يريد قراءة المشهد الانتخابي بوعي، ولمن يسعى لتطوير نظام انتخابي أكثر عدالة وتمثيلًا.

نشر في مدونة الكتور علاء التميمي

www.altamimialaablog.com

عندما يرحل العلماء بصمت وهم في الغربة

عندما يرحل العلماء بصمت وهم في الغربة

د علاء التميمي

أيلول ٢٠٢٥

رحل عن دنيانا قبل أيام في الأردن الدكتور المهندس عامر محمد رشيد، العالم العراقي الجليل الذي كرّس عمره للبحث والتطوير، تاركًا إرثًا من العلم والخلق والإنسانية. رحل كما عاش، بصمت العلماء ووقارهم، بعيدًا عن ضوضاء السياسة وصخبها، لكنه – مثل كثير من علماء العراق – وجد نفسه في زمنٍ قاسٍ محشورًا بين متطلبات السلطة وواجبات الوطن.

لقد قدّر لي أن أعمل معه منتصف الثمانينات من القرن الماضي حين كان يرأس هيئة البحوث والتطوير الفني ، وكنت يومها خبيرًا إنشائيًا في قسم الإنشاءات إلى جانب الدكتور كوان العاني. لم يكن مجرد رئيسٍ لهيئة، بل كان قدوة في التواضع، راقيًا في تعامله، كريمًا في عطائه، يترك أثرًا عميقًا في كل من عرفه. ولقد طبع مسيرتي المهنية بدرسٍ خالد: أن العالم الحقيقي لا يعرّفه منصبه، بل يعرّفه علمه وأخلاقه وطريقة تعامله مع من حوله.

كما قدّر الله أن أعمل أيضًا بعد ذلك مع الدكتور جعفر ضياء جعفر، عندما كان نائب رئيس منظمة الطاقة الذرية العراقية، حين كنت رئيسًا لهيئة التصاميم في المنظمة كان هو الآخر علمًا بارزًا ورجلاً إداريًا فذًا، عاش للعلم، ورفع من شأن من عمل معه، لكنه أيضًا لم يسلم من ذلك القدر الذي يجعل العالم في العراق دومًا أسيرًا لزمنه، مرغمًا على الوجود في معادلة السياسة وهو أبعد ما يكون عنها.

وهنا تتكشف المأساة:

في بلدان كثيرة، يُكرَّم العلماء وتُصان مكانتهم بعيدًا عن الصراعات، أما في العراق فقد عاشوا دومًا في قلب العاصفة. لم يسعوا إلى السياسة، لكنها لحقت بهم، لتضعهم في موقع لا يشبه رسالتهم، وتحمّلهم تبعات عهد لم يكن لهم فيه يد. ومع ذلك، ظلوا أوفياء لوطنهم، يقدمون علمهم بصمت، ويواصلون العمل في أحلك الظروف.

إن رحيل الدكتور عامر محمد رشيد يفتح جرحًا أكبر من مجرد فقدان عالم جليل؛ إنه يعيد التذكير بقضية العلاقة بين العلم والسياسة في العراق. فالعلماء عندنا لم يُترك لهم المجال ليكونوا أحرارًا في ميدانهم، بل وجدوا أنفسهم محشورين بين مطرقة السلطة وسندان المسؤولية. ومع ذلك، لم يتخلوا عن رسالتهم، لأنهم أدركوا أن خدمة الوطن بالعلم أسمى من كل حساب آخر.

رحم الله الدكتور عامر، وأسكنه فسيح جناته، وجعل علمه في ميزان حسناته. وأطال الله في عمر الدكتور جعفر، ليبقى شاهدًا على جيلٍ من العلماء الذين أثبتوا أن خدمة العراق بالعلم لا تُقاس بالسياسة ولا تُقيدها الأنظمة. فالعلماء يرحلون بأجسادهم، لكن أثرهم يبقى خالدًا، يضيء ذاكرة الوطن مهما أثقلته العصور بالظلم والتقلبات.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل سيتعلم العراق يومًا أن يضع علماؤه في مكانهم الطبيعي، حماةً للمعرفة ومناراتٍ للنهضة، بعيدًا عن ضغوط السياسة وصراعاتها؟ أم سيبقى العلماء محشورين في معادلات لا تشبه رسالتهم، حتى يرحلوا بصمت، ويخسرهم الوطن في الغربة؟

نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

www.altamimialaablog.com

اصل اسم بغداد بين النقوش البابلية والتفسيرات اللاحقة

مقدمة

تُعد بغداد واحدة من أعرق المدن في التاريخ الإنساني، واسمها ذاته يحمل طبقات متعددة من المعاني والدلالات. ومن المثير أن هذا الاسم لم يولد مع العصر العباسي كما يتصور البعض، بل تعود جذوره إلى آلاف السنين قبل ذلك، في النصوص البابلية المكتوبة بالخط المسماري. إن تتبع أصل اسم بغداد يكشف لنا كيف يتداخل التاريخ مع اللغة، وكيف تحتفظ المدن بهويتها عبر العصور رغم تغيّر الأديان والدول والإمبراطوريات.

1. الجذور البابلية

أقدم ذكر لاسم بغداد ورد في حجر كودورو البابلي الشهير المعروف بـ صخرة ميشو (المحفوظة في متحف اللوفر). النقش المسماري الذي يعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد (زمن الملك الكشي نازي ماروتش) يذكر اسم بَغدادو (Bagdadu).

المعنى في الأكدية – اللغة البابلية – هو: “عطية الإله” أو “هبة الإله”.

هذا الاكتشاف يُثبت أن اسم بغداد مستخدم قبل ألفي عام من تأسيس المدينة العباسية، وهو ما يمنح الاسم بعدًا تاريخيًا عميقًا.

2. التفسير الفارسي

خلال العصور اللاحقة، خصوصًا في الحقبة الساسانية وما بعدها، ظهر تفسير فارسي للاسم:

• باغ = بستان.

• داد = عطية.

ليصبح معنى بغداد: “البستان الموهوب”.

هذا التفسير شاع في المصادر الإسلامية، خاصة مع النفوذ الثقافي الفارسي في العراق، لكنه جاء لاحقًا مقارنة بالذكر البابلي.

3. التفسيرات العربية الشعبية

قدّم بعض المؤرخين العرب في القرون الوسطى تفسيرات شعبية أو أسطورية لاسم بغداد، مثل نسبه إلى صنم يُدعى “بغ”، أو اعتباره تركيبًا يدل على البغاء والعطاء، وهي تفسيرات ضعيفة لا تستند إلى نصوص أثرية.

هذه المحاولات تكشف عن رغبة المؤرخين في إعطاء معنى مألوف للاسم، لكنها لا ترقى إلى مستوى التوثيق.

4. العصر العباسي وتبنّي الاسم

عندما أسس الخليفة أبو جعفر المنصور مدينته المدورة عام 762م، كان اسم بغداد متداولًا في المنطقة مسبقًا. المنصور منح المدينة اسمًا رسميًا هو مدينة السلام، لكن اسم بغداد ظل هو الأكثر شيوعًا بين الناس، حتى غلب على التسمية الرسمية وأصبح رمزًا خالدًا للعاصمة.

5. الدراسات الحديثة

أكد المستشرقون والباحثون الغربيون في القرن التاسع عشر (مثل راولنسون وبينك) أن أصل اسم بغداد بابلي أكدي، بالاعتماد على النصوص المسمارية.

هذا الرأي أصبح اليوم الأكثر قبولًا في الأوساط الأكاديمية، حيث يتفق الباحثون أن معنى بغداد الأصيل هو: “عطية الإله”.

خاتمة

إن اسم بغداد ليس مجرد لفظ جغرافي، بل شهادة حية على تواصل التاريخ عبر العصور. فمن “بَغدادو” البابلية إلى “بغداد” العباسية، بقي الاسم حاضرًا ليذكّرنا بأن المدن الكبرى تحمل في طياتها ذاكرة أقدم من حاضرها.

وإذا كانت بغداد قد عُرفت في العصر العباسي بـ مدينة السلام، فإن اسمها الأصيل – “عطية الإله” – يظل شاهدًا على عراقتها ورمزًا لهويتها المتجددة.

نشر على مدونة الدكتور علاء التميمي

www.altamimialaablog.com

في مواجهة المأساة… يهودي يتأمل ما بعد غزة

غالبا ما أحرص في قراءاتي على تنويع المصادر والآراء، حتى تلك التي قد لا أتفق معها بالضرورة. فبالنسبة لي، الفهم الحقيقي يبدأ من الإصغاء للآخر، حتى لو كان “الآخر” يقف على الضفة المقابلة من الوجع. ولعل هذا ما دفعني مؤخرًا إلى اقتناء كتاب شدّني عنوانه بقوة:

أن تكون يهوديًا بعد تدمير غزة: الحساب

“Being Jewish After the

Destruction of Gaza: A Reckoning”

للكاتب اليهودي الأمريكي بيتر بينارت.

شدني العنوان حيث استخدم الكاتب مصطلح “Reckoning , الحساب”  تعني لحظة الحكم او التقييم ، حين يواجه الأفراد أو المجموعات عواقب أفعالهم السابقة، مما يؤدي غالبًا إلى المسائلة.

كان في ذهني أن أقرأه كوثيقة فكرية تعبّر عن وجهة نظر مختلفة، لكني لم أكن أتوقع أن أجد فيه هذا القدر من الصدق الأخلاقي والجرأة في المكاشفة.

الكاتب، وهو  يهودي  و مفكر سياسي وصحفي معروف، لا يدافع عن إسرائيل، بل يواجهها  ويوجه  سؤاله لليهود

ماذا يعني أن تكون يهوديًا اليوم، بعد ما جرى في غزة؟

هل يمكن لليهودي تبرير الصمت عن  الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة باسم التضامن معها؟

وأين تقف القيم اليهودية حين تُسفك الدماء ويُهدم العمران تحت راية الدفاع عن “الهوية”؟

بينارت لا يكتب بلغة العداء، بل بلغة الحزن… وبمرارة الخيانة الأخلاقية. هو لا يُهاجم الديانة اليهودية، بل ينتقد كيف تم استخدامها كغطاء لممارسات لا تمتّ بصلة إلى تعاليم العدالة والرحمة التي قامت عليها كديانة سماوية

في فصول الكتاب، يستعرض بينارت تحوّل الرواية اليهودية من سردية “الناجين من المحرقة” إلى أداة تبرير للقوة المفرطة، ويُسائل مؤسسات يهودية أمريكية كبرى عن دورها في دعم حصار غزة  وتجويع الأطفال والحرب عليها.

لكنه لا يكتفي بالنقد، بل يقترح مخرجًا: التحرر من هاجس التفوق القومي اليهودي ، وبناء دولة واحدة لجميع سكان الأرض المقدسة، يهودًا وفلسطينيين، على قدم المساواة.

شخصيًا، خرجتُ من هذه القراءة بانطباع عميق: أن الكاتب، رغم انتمائه العقائدي والقومي، اختار أن ينتصر لإنسانيته أولًا.

أن يكون الإنسان يهوديًا أو مسلمًا أو مسيحيًا، لا يعني أن يبرر القتل، بل أن يرفضه.

ما أعجبني في بينارت ليس فقط موقفه من غزة، بل شجاعته في مواجهة تاريخه الخاص، مجتمعه، وأحيانًا حتى عائلته الفكرية. هذا النوع من الأصوات – النادرة والمؤثرة – هو ما يحتاجه عالمنا المنهك بالصراخ والصدى.

في زمن الخنادق، اختار أن يكون جسرًا.

وفي زمن التبرير، اختار أن يسأل.

وربما هذا هو الدرس الأهم:

أن نكون بشرًا أولًا، قبل أن نكون أي شيء آخر.

غزة.. صرخة إنسانية لا تُحتمل

ي قلب العالم، تحت القصف والحصار، يعيش أطفال غزة ونساؤها وكافة المدنيين الأبرياء فيكابوسٍ يومي لا يرحم. إسرائيل تواصل سياسة التجويع الجماعي، والحرب الوحشية التي لا تميزبين مقاتل وطفلٍ أعزل، بين جندي وامرأةٍ تبحث عن لقمة عيش لأبنائها.

أطفال بلا طفولة

كم من طفلٍ في غزة اليوم ينام جائعًا، يبكي من الألم، أو يفقد أهله تحت الأنقاض؟ كم من طفلٍيحمل جراح الحرب الجسدية والنفسية دون ذنبٍ سوى أنه وُلد في أرضٍ تقاوم؟ الأطفال فيغزة يُحرمون من أبسط حقوقهم: الطعام، الدواء، التعليم، والأمان. المشاهد المؤلمةلأجسادهم النحيلة من سوء التغذية، أو دمائهم على أيدي المحتل، هي وصمة عار على جبينالإنسانية كلها.

نساءٌ تدفعن الثمن

النساء في غزة هن الأكثر معاناةً في هذه الحرب غير المتكافئة. أمهات يفقدن أبناءهن، زوجاتيُرملن، بناتٌ يتيتمّن. كثيراتٌ منهن يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن في ظل حصار خانق، حيثنقص الغذاء والدواء يجعل الحياة معركة يومية للبقاء.

صرخة ضمير

إلى متى سيستمر العالم في الصمت؟ إلى متى ستُغلق الآذان عن صرخات الأبرياء؟ لقد حانالوقت ليقف الضمير الإنساني وقفةً حازمة ضد هذه الجرائم. من حق شعب غزة أن يعيشبكرامة، وأن ينال حريته، كما ينبغي لكل البشر.

مسيرات العالم.. بصيص أمل

في وسط هذا الظلام، تبقى المسيرات والمظاهرات التي تشهدها دول العالم من الولاياتالمتحدة إلى أوروبا وآسيا وإفريقيا رسالة قوية: “الشعوب لا تريد الظلم“. هذه المسيرات تثبتأن صوت الحق لا يُخمد، وأن العدالة قادمة لا محالة. نحيي كل من خرج مطالبًا بوقف إبادةالفلسطينيين، ونشكر كل من رفع راية الحق في وجه التضليل الإعلامي.

نداء للعالم

يا من تؤمنون بالعدل والإنسانية، لا تتركوا غزة وحيدة. اضغطوا على حكوماتكم، قاطعوامنتجات الداعمين للاحتلال، شاركوا الحقيقة، وتذكروا أن التاريخ سيسألنا جميعًا: **أين كنتمحين أُزهقت أرواح الأبرياء؟

غزة تموت.. فهل من مُنقذ؟

‎ النووي الإيراني مستقبلٌ غير واضح

لم تنقشع غمامة الغارات على المنشآت النووية الإيرانية بعد، ومع ذلك يتردد سؤال ملحّ في العواصم الغربية ومكاتب الوكالات الدولية: هل للبرنامج النووي الإيراني مستقبل؟ الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل مؤخرًا، والتي وُصفت بأنها غير مسبوقة في حجمها وجرأتها، كانت تهدف إلى شل قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي. لكن تضارب المعلومات الاستخبارية، وردود الأفعال الحذرة، واستراتيجية الإخفاء التي انتهجتها طهران، جعلت المشهد أكثر غموضًا.

أفاد مسؤولون مطّلعون أن الولايات المتحدة لم تزود حلفاءها الأوروبيين بمعلومات استخبارية حاسمة حول القدرات النووية المتبقية لإيران بعد الضربات، كما أنها لم تضع استراتيجية واضحة بشأن التعامل المستقبلي مع طهران، مما دفع السياسة الأوروبية نحو إيران إلى حالة “الانتظار”، في انتظار مبادرة أمريكية جديدة.

قبل اندلاع الحرب، كانت إدارة ترامب تجري مفاوضات غير مباشرة مع طهران بهدف تقليص أنشطتها النووية، لكن تصريحات الرئيس ترامب بعد الضربات أوحت بإمكانية الاستغناء عن أي اتفاق دبلوماسي، مشيرًا إلى أن نجاح الضربات قد يكون كافيًا لتحقيق الهدف.

ورغم ذلك، فإن التقييمات الأولية المقدّمة للحكومات الأوروبية تشير إلى أن المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب بنسبة تقترب من مستوى الاستخدام العسكري، والذي يبلغ نحو 408 كيلوغرامات، لا يزال سليمًا إلى حدّ كبير. ووفقًا للتقارير، فإن هذا المخزون لم يكن متمركزًا في منشأة فوردو عند وقوع الهجوم، بل تم توزيعه على مواقع متعددة مسبقًا، ما يثير الشكوك حول تصريحات ترامب بأن البرنامج “دُمّر بالكامل”.

وفي منشور له، أشار ترامب إلى فوردو قائلاً: “لم يُنقل شيء من المنشأة. الأمر معقد وخطير وثقيل جدًا”. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية بعد القصف انسداد مداخل الأنفاق، وظهور فوهات ناتجة عن قنابل خارقة للتحصينات بوزن 30,000 باوند (بحدود ١٤ طن). وقد لحقت أضرار واضحة بالطرق المؤدية للموقع

الضربات شملت قصف منشأتي فوردو ونطنز، بالإضافة إلى إطلاق صواريخ كروز على موقع أصفهان المستخدم في دورة تحويل الوقود والتخزين. وأكدت طهران أنها كانت قد اتخذت “إجراءات خاصة” لحماية معداتها النووية، بحسب رسالة وجهها وزير خارجيتها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 13 يونيو.

الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي لم يُسمح لمفتشيها بزيارة المواقع منذ بداية الضربات، أكدت على لسان مديرها رافائيل غروسي أن البرنامج الإيراني “تعرّض لأضرار جسيمة”، لكنه حذّر من المبالغة في تصوير الدمار كليًا. وقد شدد على أهمية السماح للمفتشين بالعودة للتحقق من المخزونات، وخصوصًا تلك التي تبلغ 408 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.

في المقابل، أعلنت هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية أن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية المشتركة “أخّرت قدرة إيران على تطوير السلاح النووي لعدة سنوات”، غير أن خبراء حذروا من أن امتلاك طهران لمخزونها المخصب، مع احتمال تشغيل أجهزة طرد مركزي متقدمة في مواقع سرية، قد يمكنها من إنتاج مادة انشطارية في وقت قصير.

ويُذكر أن إجمالي المخزون الإيراني من اليورانيوم يزيد عن 8,400 كغم، لكن الجزء الأكبر منه منخفض التخصيب، وهو ما يجعل المخزون عالي التخصيب العنصر الأهم في تقييم الخطر.

مستقبل البرنامج النووي الإيراني بات مرهونًا بثلاثة عوامل متشابكة:

دقة المعلومات الاستخبارية بعد الضربات،

قدرة طهران على الإخفاء،

وإمكانية إحياء المسار الدبلوماسي وسط أجواء من انعدام الثقة والتصعيد.

النسار الذي ستسلكه هذه الأزمة لن يحدد فقط مصير طموحات إيران النووية، بل سيعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط

ايران على مفترق الطريق

الجمهورية الإسلامية على مفترق الطريق: ما بعد حرب الطائرات والصواريخ . لم تكن الطائرات التي ملأت سماء طهران ونيران الصواريخ التي اصابت معاقل الحرس الثوري مجرد أدوات حرب تقليدية، بل كانت أيضًا رسائل مدوية كتبت على جدران الجمهورية الإسلامية عبارات النهاية والبداية معًا.

ففي اللحظة التي بدأ فيها وقف إطلاق النار الهشّ بين إيران وإسرائيل، سارعت طهران إلى إعلان “النصر” في حرب لم تنتصر فيها عسكريًا، بقدر ما نجحت – حسب روايتها – في تفادي الانهيار التام، والاستمرار في الرد رغم الخسائر الفادحة وهنا نفس إعلان النصر و الشعار الذي رفعه نظام صدام حسين بعد حرب الخليج الثانية ١٩٩١ .

لكن السؤال الحقيقي لم يكن: هل نجت إيران؟ بل: أي إيران هي التي خرجت من تحت الركام؟

الصمود كمعيار للنصر

خلال اثني عشر يومًا من القصف الإسرائيلي المكثف، دُمّرت منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، وقُتل عدد من كبار قادة الحرس الثوري، وبلغت التهديدات العلنية باغتيال المرشد الأعلى نفسه ذروتها. ورغم ذلك، لم تتهاوَ الدولة، ولم تُجبَر على توقيع اتفاقية استسلام، ولم تنفجر حرب شاملة مع واشنطن.

هذا “البقاء على قيد الحياة” اعتُبر نصرًا استراتيجيًا، و”انتصارًا للردع” في قاموس الأنظمة التي ترى في الاستمرارية غاية بحد ذاتها، لا وسيلة للإصلاح أو التغيير.

الشروخ البنيوية العميقة

لكن تحت هذا الصمود الظاهري، ظهرت تصدّعات خطيرة في بنية النظام:

• فشل استخباراتي مؤلم نتيجة اختراقات واسعة.

• تآكلٌ في صورة الحرس الثوري الذي كان يُقدَّم بوصفه الحارس الأمين للنظام.

• انكشاف لافت لقدرة إسرائيل على الوصول إلى العمق الإيراني دون ردع فعال.

ما كان خافيًا أصبح مكشوفًا، وما كان مؤجّلًا أصبح ملحًّا: إيران ما بعد الحرب ليست هي إيران ما قبلها.

التحول المحتوم: من دولة إيديولوجية إلى دولة وطنية؟

منذ عقود، قاومت القيادة الإيرانية كل دعوات الإصلاح، وقابلت الانتفاضات الشعبية بالقوة ، وتمسّكت بمنظومة فقهية وسياسية معادية لأي تحديث حقيقي.

لكن الحرب الأخيرة أحدثت “هزة وطنية” قلبت المعادلة: فقد اجتمع حتى خصوم النظام الداخليين على وحدة الجبهة ضد الخارج، غير أن هذا الالتفاف لم يكن إيمانًا بالإيديولوجيا، بل شعورًا غريزيًا بالدفاع عن الكيان الوطني.

من هنا، يقول بعض المراقبين إن اللحظة الراهنة تشبه ما حدث في الصين بعد ماو: استمرار في الاسم، لكن تغيرٌ في الجوهر. فالجمهورية الإسلامية قد تبقى على الورق، لكنها تتجه نحو واقع مختلف تحكمه اعتبارات الأمن القومي، والشرعية الداخلية، والضغط الشعبي المتراكم.

خلافة خامنئي: السيناريو المؤجَّل يتقدَّم

قبل اندلاع الحرب، كانت الساحة السياسية في طهران مشغولة بسؤال واحد: من سيخلف المرشد الأعلى البالغ من العمر 86 عامًا؟

الآن، يبدو أن الحرب اختصرت الزمن وقرّبت ساعة الحسم. وفي ظل غياب إعلان رسمي، يتردد اسم نجله مجتبى خامنئي، .

المفاجأة الكبرى أن القصف الإسرائيلي أطاح بقادة كبار، من بينهم الجنرال محمد باقري، رئيس الأركان، واستُبدل بشخصية من الجيش النظامي لا من الحرس الثوري، وهو ما رآه كثيرون مؤشرًا على رغبة في التهدئة الداخلية، وربما “تلطيف” صورة القيادة القادمة.

لكن السيناريو الأخطر – وربما الأكثر ترجيحًا على المدى المتوسط – هو أن يتقدم أحد ضباط الحرس الثوري الشباب من جيل ما بعد الحرب العراقية، ويطرح نفسه زعيمًا براغماتيًا قادرًا على:

• قبول القيود النووية،

• إصدار عفو سياسي عام،

• تشكيل حكومة ائتلافية وطنية،

بحجة “مصلحة الجمهورية” وباسم “الإنقاذ الوطني”.

مستقبل بلا معارضة.. وإرث من التدخلات الخارجية

رغم تصاعد السخط الشعبي، لا توجد حتى الآن معارضة داخلية منظمة يمكن أن تملأ أي فراغ محتمل. كما أن ذكريات التدخلات الأجنبية (الاحتلال السوفيتي-البريطاني في 1941، والانقلاب ضد مصدق في 1953) ما تزال حية، وتؤجّج الحذر الشعبي من أي “تحرير قسري” يأتي من الخارج.

لذا، فإن أي تحوّل جذري يُفرض من تل أبيب أو واشنطن قد يُنتج فوضى شبيهة بما حصل في كابول وبغداد، لا انتقالًا نحو الديمقراطية.

الخاتمة: لحظة فارقة… والساعة لم تُحسم بعد

الحرب الأخيرة لم تسقط النظام الإيراني، لكنها أسقطت الوهم بأن النظام محصّن من التغيير. لقد فجّرت صراعًا داخليًا حول المستقبل، وربما أطلقت موجة تحوّلات تاريخية ما تزال تتبلور.

قد يتأخر الانفجار الكبير، لكن نذر التحوّل قد بدأت تتكثف:

• شروخ في الداخل،

• انكشاف في الدفاع،

• وقلق عميق من لحظة ما بعد خامنئي.

إيران ما بعد الحرب قد تبقى “جمهورية إسلامية”، لكنها قد لا تشبه نفسها كثيرًا.

بين الغارة والتغريدة :ترامب يعلن نهاية “حرب الإثني عشر يوما”

في عالمٍ تحكمه اللحظة ويتراجع فيه المنطق أمام المسرح السياسي، لا يبدو مفاجئًا أن تشتعل حربٌ خلال عطلة نهاية الأسبوع، ثم يُعلن وقفها بعبارة احتفالية على منصة تواصل اجتماعي.

هذا بالضبط ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما أعلن، في الساعة السابعة بتوقيت الشرق الأوسط، سيتم وقف كامل وشامل لإطلاق النار بين إسرائيل وإيران، واضعًا حدًا لما سمّاه هو بـ”حرب الاثني عشر يومًا”.

لكن خلف هذا الإعلان الصاخب، تتصاعد تساؤلات مشروعة:

_ هل هي مسرحية معدة سابقا؟

– هل فعلاً انتهت المواجهة؟

– وما الذي وافق عليه الطرفان، سرًّا أو علنًا، ليصلوا إلى هذه التهدئة المفاجئة؟

– وهل نحن أمام هدنة مؤقتة، أم بداية صفحة جديدة ستُكتب بأحرف سياسية لا عسكرية؟

من التصعيد إلى الهدوء المفاجئ

في ظرف 48 ساعة، انتقلت الولايات المتحدة – بقيادة ترامب – من قصف المنشآت النووية الإيرانية بقنابل خارقة للتحصينات، إلى التلويح بتغيير النظام في طهران، ثم فجأة، إلى إعلان السلام وكأن شيئًا لم يكن.

التصعيد بدأ يوم السبت، حين أُرسلت قاذفات B-2 الأمريكية لتنفيذ ضربات مركّزة على البنية النووية الإيرانية، ضمن عملية وُصفت بأنها أول تدخل أمريكي مباشر في الحرب بين إسرائيل وإيران.

وفي يوم الأحد، لوّح ترامب بفكرة “تغيير النظام”، ما أغضب حلفاءه من التيار الانعزالي وأرضى صقور الجمهوريين.

ثم، فجأة، صباح الاثنين، أعلن ترامب أن إيران وإسرائيل قد توصّلتا إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وصفه بـ”النصر الدبلوماسي”، مضيفًا:

“مبروك للجميع!”

لكن ماذا حدث فعلاً بين الأحد والاثنين؟

الرد الإيراني… وإشارات التهدئة

يبدو أن طهران اختارت أن تردّ على الضربة الأمريكية بطريقة محسوبة: أطلقت صواريخ على قاعدة أمريكية كبيرة في قطر، لكن بعد إبلاغ مبكر لقطر و لواشنطن، كما صرّح ترامب نفسه، وهو ما فُسِّر على أنه إشارة لخفض التصعيد وليس تصعيدًا جديدًا.

الأهم، بحسب ترامب، أن الضربة الإيرانية لم تُسفر عن أي إصابات أو خسائر في الأرواح، بعكس ما وصفه بأنه “تدمير كامل” للمواقع النووية الإيرانية.

هذا الرد المحدود فسّره البعض على أنه “مخرج مشرّف” للجميع:

– إيران تُظهر أنها ردّت.

– أمريكا تُعلن أنها انتصرت.

– إسرائيل تُظهر قدرتها، وتتراجع خطوة إلى الوراء.

– والعالم يتنفس، ولو مؤقتًا.

تساؤلات مشروعة: هل هناك بنود خفية؟

لكن يبقى السؤال الذي لم يُجَب عليه حتى اللحظة:

ما الذي اتُّفق عليه فعليًا؟

• هل وافقت إيران ضمنيًا على التراجع عن بعض أنشطتها النووية؟

• هل حصلت إسرائيل على ضمانات أمنية أمريكية أكبر؟

• هل قدّمت واشنطن وعودًا بتخفيف العقوبات مستقبلًا؟

• وهل هذا “الهدوء” هو مقدمة لاتفاق أشمل، ربما يُعلن لاحقًا بطريقة مشابهة لما عُرف باتفاقيات أبراهام أو الاتفاق النووي السابق؟

الهدنة التي أُعلنت اليوم في السابعة صباحًا قد تكون بداية لمسار تفاوضي جديد، أو مجرّد استراحة محارب. خاصة أن الإدارة الأمريكية أرسلت رسائل متضاربة: فبينما نفى كبار المسؤولين نية واشنطن لتغيير النظام الإيراني، كان ترامب يلمّح صراحة إلى ضرورة ظهور قيادة جديدة في طهران.

في الختام: بين الحقيقة والاستعراض

التحركات الأخيرة تؤكد مرة أخرى أن سياسة ترامب في الشرق الأوسط لا تُبنى على ثوابت استراتيجية بقدر ما تُدار بلحظة التأثير، وخطاب الجمهور، وسرعة الإنجاز الإعلامي.

لكن في الصراعات الإقليمية المعقّدة، لا تكفي التغريدات لإطفاء الجمر. وقف إطلاق النار خطوة مرحّب بها، نعم، لكنها لا تزال هشة، وتحتاج إلى ما هو أعمق من إعلان احتفالي: تحتاج إلى اتفاق واضح، ومتابعة دقيقة، وإرادة صادقة من الأطراف المعنية لتجنّب الانزلاق مجددًا نحو الهاوية.

ويبقى السؤال معلقًا:

هل نعيش حقًا نهاية “حرب الاثني عشر يومًا”، أم بداية فصل جديد من لعبة النفوذ والمساومات؟