حين يتحول “النجاح العسكري” إلى وصفة لحرب أطول
د. علاء محمود التميمي
آذار ٢٠٢٦
في أزمنة التوتر والحروب، يكثر الحديث عن “العمليات الناجحة” و“الضربات الحاسمة” و“الإنجازات العسكرية الكبرى”. لكن التجربة الحديثة، في الشرق الأوسط وفي غيره، تعلمنا درساً مختلفاً: ليس كل نجاح عسكري يفتح باب السلام، بل إن بعض النجاحات التكتيكية القصيرة تتحول سريعاً إلى هزائم سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.
هذا بالضبط ما ينبغي التوقف عنده في أي مواجهة كبرى مع دولة بحجم إيران وموقعها وقدراتها وشبكة امتداداتها الإقليمية. فالحرب، مهما بدا لبعضهم أنها تحقق مكاسب عاجلة، قد تنتج في الواقع بيئة أكثر خطورة، وأشد توتراً، وأقل قابلية للتسوية.
إن قتل القيادة السياسية أو الرمزية في أي دولة لا يعني بالضرورة إسقاط النظام أو إنهاء الأزمة. ففي كثير من الأحيان، يتحول القائد المقتول إلى رمز تعبوي، وتظهر من بعده قيادات أشد صلابة وأقل استعداداً للتراجع أو التفاوض. وهكذا لا تنتهي المشكلة، بل تنتقل إلى طور أكثر حدة. فالحرب لا تقتل الأشخاص فقط، بل قد تقتل معها فرص الاعتدال، وتدفع بالمشهد كله نحو مزيد من التشدد والانغلاق.
وفي لحظات الصدمة الوطنية، تميل المجتمعات والدول إلى الالتفاف حول المؤسسات الأكثر صلابة وخشونة، لا حول الأصوات المدنية أو الإصلاحية. وهذا يعني أن الحرب الخارجية قد تعطي دفعة كبرى للمؤسسات العسكرية والأمنية والعقائدية، فتزيد نفوذها وتراجع مساحة السياسة والعقل والتسوية. ومن هنا فإن من يظن أن القصف وحده كفيل بإنتاج شرق أوسط أكثر أمناً، يتجاهل أن القوة العارية كثيراً ما تعيد إنتاج خصوم أكثر تصلباً، لا أقل.
ثم إن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ أو حاملات الطائرات، بل بقدرة الطرف الأضعف على إرباك الطرف الأقوى بكلفة منخفضة. لقد أصبح ممكناً اليوم للطائرات المسيّرة الرخيصة، وللهجمات غير المتماثلة، وللضربات التي تستهدف الاقتصاد والبنية التحتية والممرات البحرية، أن تُحدث أثراً يفوق أحياناً كلفة السلاح المستخدم بمئات المرات. وهذا بحد ذاته يثبت أن منطق الحرب لم يعد مضمون النتائج، وأن التفوق العسكري التقليدي لم يعد يعني بالضرورة قدرة كاملة على التحكم بمسار الأحداث.
ومن أخطر ما تكشفه هذه الحروب أن الاقتصادات الإقليمية الهشة، أو حتى القوية، ليست بمنأى عن الخطر. فحين تصبح الموانئ، والمنشآت النفطية، والمطارات، وطرق التجارة، والممرات البحرية أهدافاً محتملة، فإن آثار الحرب لا تبقى في ساحة القتال، بل تمتد إلى حياة الناس اليومية: إلى أسعار الطاقة، والتأمين، والنقل، والغذاء، والاستثمار، والاستقرار الاجتماعي. وهنا يصبح المدنيون، مرة أخرى، هم الذين يدفعون الثمن الأكبر، حتى لو لم يكونوا طرفاً في القرار ولا في المعركة.
وإذا كانت بعض الحروب تُشن تحت عنوان منع الانتشار النووي، فإن المفارقة المؤلمة هي أنها قد تدفع في الاتجاه المعاكس تماماً. فالدولة التي تتعرض لضربات قاسية، وترى أن الاتفاقات لا تحميها، وأن التفاوض لا يردع خصومها، قد تخرج باستنتاج بالغ الخطورة: أن الضمانة الوحيدة للبقاء هي امتلاك أقصى درجات الردع. وبهذا تتحول الحرب من أداة معلنة لمنع السلاح النووي إلى حافز فعلي للسعي إليه.
كذلك فإن أي ضربة عسكرية واسعة لا تصيب الجغرافيا فقط، بل تصيب السياسة نفسها. فعندما يشعر الطرف المستهدف أن باب التفاوض لم يكن جدياً، أو أن الدبلوماسية لم تكن سوى غطاء مؤقت، تتراجع فرص العودة إلى الطاولة، ويصبح الخطاب الغالب هو خطاب القوة والثأر والردع. وهكذا تُغلق النوافذ الصغيرة التي كانت ما تزال تسمح بإمكانية الاحتواء، وتدخل المنطقة في زمن سياسي أكثر ظلاماً، حيث تتراجع اللغة العقلانية لمصلحة لغة السلاح.
ومن الوهم أيضاً الاعتقاد أن الحرب ستظل محصورة داخل حدود معينة أو تحت سقف مضبوط. فالمنطقة مترابطة: اقتصاداً، وطاقةً، وممراً بحرياً، وتحالفاتٍ، ومخاوفَ أمنية. ولذلك فإن أي حرب كبرى لن تبقى شأناً ثنائياً بين طرفين فقط، بل ستُلقي بظلالها على الخليج كله، وعلى أسواق العالم، وعلى حسابات الدول الكبرى، وعلى استقرار مجتمعات بأكملها. والحروب، كما علمتنا التجارب، تبدأ غالباً بخطة، لكنها نادراً ما تنتهي وفق الخطة نفسها.
لهذا كله، فإن الاحتفاء بالحرب بوصفها “نجاحاً” قد يكون في الحقيقة نوعاً من قصر النظر السياسي. النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف التي ضُربت، ولا بعدد القادة الذين قُتلوا، بل بقدرة الفعل السياسي على تقليل احتمالات الانفجار، وتوسيع فرص التسوية، وحماية المدنيين، ومنع الإقليم من الانزلاق إلى دوامة لا تنتهي من الردود والردود المضادة.
إن الشرق الأوسط لا يحتاج اليوم إلى حرب جديدة تُسوَّق على أنها خلاص، بل إلى شجاعة سياسية تعترف بأن القوة وحدها لا تصنع سلاماً. فالسلام العادل لا يولد من ركام المدن، ولا من إذلال الشعوب، ولا من توسيع مشاعر الثأر والكراهية، بل من فهم عميق لحقيقة المنطقة، ولمحدودية الحلول العسكرية، ولضرورة بناء ترتيبات أمنية وسياسية تقلل أسباب الانفجار بدلاً من إعادة إنتاجها.
ضد الحرب نقف، لا لأننا نتوهم براءة الأنظمة أو نغفل أخطاءها، بل لأننا نعرف أن الحرب، حين تبدأ، لا تميز كثيراً بين مذنب وبريء، ولا بين هدف عسكري وإنسان عادي، ولا بين نصر سريع وكارثة طويلة. والحكمة ليست في إطلاق النار متى استطعنا، بل في منع الحريق قبل أن يلتهم الجميع.
حين يهتز الخليج… لا ترتفع الأسعار فقط، بل يهتز الاقتصاد العالمي
حين يهتز الخليج… لا ترتفع أسعار النفط فقط، بل يختل توازن العالم
في كثير من النقاشات العامة، يجري اختزال أي توتر في الخليج العربي في سؤال واحد: كم سيرتفع سعر النفط؟
لكن هذا الاختزال، على شيوعه، لا يكشف إلا جانباً صغيراً من الصورة. فالأزمة في الخليج، إذا تحولت إلى تعطيل واسع للموانئ والمنشآت وخطوط الملاحة، لا تبقى أزمة طاقة فحسب، بل تصبح أزمة مركبة تمس التجارة والغذاء والصناعة والمال والاستقرار الاجتماعي، ليس في المنطقة وحدها بل في العالم بأسره.
الخليج اليوم ليس مجرد بقعة جغرافية غنية بالنفط، بل هو عقدة مركزية في النظام الاقتصادي الدولي. ومن هنا فإن أي اضطراب كبير فيه لا ينعكس فقط على برميل النفط، بل على سلسلة طويلة من الأنشطة التي تبدأ بالطاقة ولا تنتهي عند الغذاء والدواء والنقل وسوق العمل.
أولاً: لماذا لا يمكن النظر إلى الخليج بوصفه مجرد “ممر نفطي”؟
القراءة القديمة للخليج كانت تربطه بالنفط الخام فقط. أما القراءة الحديثة فتفرض علينا أن نراه باعتباره منظومة متكاملة تشمل:
-
إنتاج النفط وتصديره
-
الغاز الطبيعي والغاز المسال
-
الوقود المكرر ومشتقاته
-
الموانئ التجارية
-
النقل البحري والجوي
-
مراكز التخزين وإعادة التصدير
-
سلاسل الإمداد التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا
لذلك فإن أي تعطيل في منطقة الخليج لا يصيب سلعة واحدة، بل يضرب شبكة مترابطة من المصالح العالمية. وهذا ما يجعل أثره مضاعفاً وسريع الانتشار.
ثانياً: النفط ليس البداية الوحيدة… وليس النهاية
حين تتعرض منشآت كبرى أو ممرات بحرية استراتيجية للشلل، تكون أول ردة فعل في الأسواق هي مراقبة أسعار النفط. لكن النفط يختلف عن غيره في نقطة مهمة: يمكن تخزينه نسبياً بصورة أفضل من بعض السلع الأخرى. ولهذا قد لا تكون صدمة النفط، في أيام الأزمة الأولى، هي الأشد مقارنة بقطاعات أخرى أكثر هشاشة.
الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأزمة من اضطراب مؤقت إلى تعطيل مستمر. هنا تظهر أسئلة أكثر خطورة:
-
إلى متى تستطيع الدول المنتجة الاستمرار في الضخ إذا امتلأت السعات التخزينية؟
-
ما الذي يحدث للمنشآت إذا توقف التصدير لفترة طويلة؟
-
كيف ستتصرف الأسواق إذا بدا أن المشكلة ليست أمنية عابرة بل خلل مستدام؟
عند هذه النقطة، لا يعود الحديث عن “ارتفاع سعر” فقط، بل عن إعادة رسم سلوك الأسواق وخطط الاستثمار والتأمين والنقل.
ثالثاً: الغاز أكثر حساسية من النفط
من أهم النقاط التي يغفلها كثيرون أن الغاز أكثر حساسية للأزمات من النفط.
فالنفط سلعة عالمية مرنة نسبياً من حيث التخزين والنقل وتعدد المناشئ، أما الغاز—خصوصاً المسال منه—فيعتمد على بنية تحتية أكثر تعقيداً: منشآت تسييل، موانئ متخصصة، ناقلات خاصة، ومحطات استقبال.
ولهذا فإن أي اضطراب في منشآت الغاز الكبرى أو طرق تصديره يمكن أن ينعكس بسرعة أكبر على الأسعار، وعلى الدول والصناعات المعتمدة عليه. وهذه ليست مسألة رفاهية، لأن الغاز يدخل في:
-
توليد الكهرباء
-
الصناعة الثقيلة
-
التدفئة في بعض الدول
-
تشغيل مصانع عديدة مرتبطة بسلاسل إنتاج عالمية
بمعنى آخر، فإن أزمة الغاز لا تضرب فواتير الطاقة فقط، بل تضرب الإنتاج الصناعي نفسه.
رابعاً: من الطاقة إلى السماد والغذاء
هنا تبدأ الأزمة في كشف وجهها الأخطر.
فالعلاقة بين الخليج والعالم لا تمر فقط عبر الوقود، بل عبر المواد الوسيطة التي يحتاجها الاقتصاد العالمي لكي يستمر. ومن أبرزها الأسمدة.
أي اضطراب في مرور المواد الأولية أو في إنتاجها أو نقلها ينعكس على قطاع الزراعة العالمي. ومع ارتفاع كلفة الأسمدة، ترتفع كلفة الإنتاج الزراعي، ثم ترتفع أسعار الغذاء، ثم تدفع المجتمعات الأشد فقراً الثمن أولاً.
وهنا يظهر التفاوت الأخلاقي القاسي في العالم:
فالأزمة قد تبدأ في ممر بحري أو منشأة طاقة، لكن أثرها النهائي قد يظهر في مائدة أسرة فقيرة في بلد بعيد لا علاقة له بالحرب.
لهذا لا ينبغي النظر إلى أمن الخليج على أنه مسألة تخص الدول المنتجة وحدها، بل على أنه جزء من الأمن الغذائي العالمي.
خامساً: الاقتصاد الحديث يقوم أيضاً على سلع “غير مرئية”
من الأخطاء الشائعة في التفكير الاقتصادي أننا نركز على السلع الكبيرة الظاهرة—النفط، الغاز، القمح—وننسى سلعاً أخرى أقل حضوراً في الخطاب العام لكنها شديدة الأهمية في الواقع، مثل:
-
الهيليوم
-
الأحماض الصناعية
-
المواد الداخلة في التكرير والتعدين
-
المواد الكيميائية الوسيطة
هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية، بل أعمدة خفية في الاقتصاد المعاصر.
فالهيليوم مثلاً ليس سلعة ترفيهية؛ بل له استخدامات طبية وبحثية وتقنية. وكذلك بعض المواد الكيميائية تدخل في التعدين والصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة.
ومن هنا فإن تعطّل الخليج لا يعني فقط أن العالم سيدفع أكثر في محطة الوقود، بل يعني أيضاً أن قطاعات الطب والبحث والتصنيع قد تواجه نقصاً أو كلفة أعلى أو تأخيراً في التوريد.
سادساً: الموانئ وسلاسل الإمداد… الشريان الذي لا يقل أهمية عن النفط
في العقود الأخيرة، نشأ اقتصاد عالمي يقوم على السرعة والانسياب. البضائع لا تُخزن طويلاً كما في الماضي، بل تتحرك ضمن سلاسل إمداد دقيقة، وأي اختناق في الموانئ أو الشحن يربك هذه المنظومة كلها.
إذا تعطلت موانئ رئيسية أو انخفضت قدرتها التشغيلية، فإن النتائج تكون سريعة:
-
تأخر الشحنات
-
ارتفاع تكاليف النقل
-
زيادة كلفة التأمين
-
نقص بعض السلع في الأسواق
-
اضطراب جداول المصانع والمتاجر والخطوط الجوية
وهنا يصبح الخليج ليس فقط مركز طاقة، بل عقدة لوجستية عالمية.
وأي خلل في هذه العقدة ينعكس على تجارة تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا وأفريقيا.
سابعاً: الأثر الإقليمي داخل الخليج قد يكون أعمق من الأثر العالمي خارجه
العالم سيتأثر بلا شك، لكن سكان الخليج أنفسهم قد يواجهون أسئلة أكثر مباشرة وخطورة.
فدول الخليج الحديثة بنت ازدهارها على ثلاثة أعمدة:
-
انسياب التجارة
-
أمن الطاقة والمنشآت
-
الثقة بالاستقرار
إذا اهتزت هذه الأعمدة معاً، فإن التأثير لا يقف عند حدود الأسعار، بل يمس:
-
الوظائف
-
الخدمات
-
الغذاء
-
الثقة في المستقبل
-
حركة السكان والاستثمارات
كما أن عدداً من اقتصادات الخليج يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة. وأي شعور طويل الأمد بعدم الاستقرار قد يدفع شرائح من هذه العمالة إلى المغادرة أو التردد في البقاء، ما يخلق اختلالاً اقتصادياً واجتماعياً واسعاً.
بمعنى آخر:
العالم الخارجي قد يشعر بارتفاع الأسعار، لكن المجتمعات الخليجية نفسها قد تشعر بقلق وجودي حول استمرارية النموذج الاقتصادي الذي قامت عليه خلال العقود الماضية.
ثامناً: الحرب الحديثة لا تدمر الجبهة فقط… بل تدمر الثقة
هذه نقطة شديدة الأهمية.
فالاقتصاد لا يقوم على السلع وحدها، بل يقوم أيضاً على الثقة:
-
ثقة المستثمر
-
ثقة شركات التأمين
-
ثقة الشاحن
-
ثقة المصرف
-
ثقة العامل والمقيم
وعندما تدخل منطقة حيوية مثل الخليج في دائرة الاستهداف المستمر، فإن الضرر قد لا يكون فقط في المنشأة المصابة، بل في انكماش الثقة نفسها. وعندما تتراجع الثقة، ترتفع كلفة كل شيء:
-
التمويل
-
التأمين
-
الشحن
-
التشغيل
-
الاستثمار المستقبلي
وهذا هو الضرر الذي قد يمتد حتى بعد انتهاء الأزمة العسكرية الظاهرة.
تاسعاً: الخليج ليس قصة نفط… بل اختبار لهشاشة العولمة
ما تكشفه هذه الأزمات في الحقيقة هو أن العولمة، رغم قوتها، ما زالت هشة.
فالعالم الذي يبدو مترابطاً ومتيناً، قد يتعثر بسبب اختناق في نقطة بحرية واحدة، أو توقف منشأة واحدة، أو ارتباك في عدة موانئ رئيسية.
هذه الهشاشة لا تعني أن النظام العالمي سينهار فوراً، لكنها تعني أن كثيراً من التصورات التي بنتها الأسواق عن “الاستقرار الدائم” قد تكون مبالغاً فيها. وقد تدفع مثل هذه الأزمات الدول والشركات إلى:
-
تنويع مصادر التوريد
-
زيادة المخزون الاستراتيجي
-
إعادة توزيع مراكز الإنتاج
-
مراجعة الاعتماد المفرط على ممرات محددة
أي أن الأزمة لا تغير الأسعار فقط، بل قد تغير فلسفة الاقتصاد العالمي نفسه.
عاشراً: ماذا نتعلم سياسياً من ذلك؟
الدرس الأهم أن الحروب في المناطق الحيوية لم تعد شأناً عسكرياً محدوداً.
فكل صاروخ أو طائرة مسيّرة أو تعطيل لميناء في الخليج لم يعد حدثاً إقليمياً معزولاً، بل صار رسالة مباشرة إلى الاقتصاد العالمي كله.
ومن هنا فإن استقرار الخليج ليس مطلباً أخلاقياً فقط، بل ضرورة استراتيجية واقتصادية للعالم بأسره.
كما أن أي طرف يستهين بإشعال هذه الجبهة يغامر بإطلاق سلسلة من الآثار قد لا يستطيع لاحقاً التحكم بها، لأن الأسواق، حين تفقد الطمأنينة، تتصرف بمنطق الخوف لا بمنطق الحسابات الهادئة.
خاتمة
الخليج إذا اهتز، لا يهتز بسبب النفط وحده، بل لأن العالم كله أصبح مشدوداً إليه بخيوط لا يراها الجميع: الطاقة، الغذاء، الغاز، التجارة، الطب، الصناعة، الملاحة، الثقة، والعمالة.
لهذا فإن الأزمة في الخليج ليست مجرد عنوان عن ارتفاع الأسعار، بل مرآة تكشف إلى أي حد صار العالم مترابطاً، وإلى أي حد صار هذا الترابط نفسه مصدراً للضعف حين تضربه الحرب.
وفي تقديري، فإن أخطر ما في أي اضطراب واسع في الخليج ليس فقط ما يدمره مباشرة، بل ما يكشفه من حقيقة كبرى:
أن العالم الحديث، رغم ضخامته، قد يصبح هشاً جداً إذا اختنق أحد شرايينه الرئيسية.
حين تُلبِس السياسةُ الحربَ ثوبَ الدين
د. علاء محمود التميمي
آذار ٢٠٢٦
ليس جديداً أن تبحث الحروب عن روايةٍ تبرّرها أمام الرأي العام. لكن الأخطر أن تُلبس هذه الرواية ثوب الدين، فيتحول الصراع السياسي إلى معركةٍ مقدسة، ويصبح النقاش العقلاني حول المصالح والنتائج أمراً ثانوياً أمام خطاب تعبوي يقوم على الإيمان والانحياز.
في تقرير حديث نشرته شبكة الجزيرة أُثير سؤال لافت: لماذا يلجأ بعض القادة في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى استخدام مفردات دينية عند الحديث عن الصراع الجاري في الشرق الأوسط؟ ولماذا تُستدعى تعبيرات مثل “هرمجدون” أو “معركة النهاية” في سياق حربٍ هي في جوهرها صراع نفوذ ومصالح واستراتيجيات؟
(يمكن الاطلاع على التقرير عبر الرابط: https://aje.news/8zl49x)
ومن اللافت في هذا السياق ما نقلته بعض التقارير عن ضابطٍ قال إن قائده أخبر الوحدة بأن دونالد ترامب “ممسوح من قبل يسوع لإشعال النار في إيران تمهيداً لمعركة هرمجدون وعودة المسيح إلى الأرض”. قد يختلف الناس حول دقة هذا النقل أو سياقه، لكن مجرد تداول مثل هذه اللغة يكشف خطورة إدخال السرديات اللاهوتية إلى المجال العسكري والسياسي.
فالحروب في جوهرها ليست صدامات دينية، بل صراعات قوة ومصالح وتوازنات. لكن عندما تُقدَّم للجمهور في إطارٍ ديني، فإنها تتحول من نزاعٍ قابل للحل إلى مواجهةٍ وجودية يصعب فيها الحديث عن التسويات أو الحلول الوسط.
ومن المفارقات اللافتة في واقعنا العربي أن الخطاب الديني لا يُستخدم فقط لتعبئة أنصار الحرب، بل يؤثر أيضاً في طريقة تعاطف الشعوب مع ضحاياها. فالكثير من العرب، على سبيل المثال، لا يتعاطفون مع إيران في مواجهة الهجمات التي تتعرض لها، ليس بالضرورة بسبب موقف سياسي مدروس، بل لأن إيران تُعرَّف في المخيال الشعبي بوصفها دولة “شيعية”. وهنا يتسلل الانقسام المذهبي ليشوّه الحكم الأخلاقي على الأحداث.
غير أن المعيار الأخلاقي في السياسة الدولية لا ينبغي أن يُبنى على الانتماء المذهبي أو الديني، بل على مبدأٍ أبسط وأوضح: رفض العدوان أياً كان مصدره، ورفض تحويل الصراعات السياسية إلى حروب عقائدية. فحين يصبح المذهب معيار التعاطف، يفقد الإنسان القدرة على رؤية المأساة بعيون إنسانية.
لقد علمنا التاريخ أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح وحده، بل تلك التي تُغذَّى بسرديات مقدسة تجعل التسوية تبدو خيانة، والحرب قدراً لا مفر منه. وعندما تتحول السياسة إلى عقيدة، يصبح السلام هو الضحية الأولى.
وفي عالمٍ مضطرب كعالمنا اليوم، ربما يكون التحدي الأكبر ليس في منع الحروب فقط، بل في منع تحويلها إلى أساطير دينية تُغلق أبواب العقل.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميميً
الصراع الأمريكي–الإيراني وتداعياته على الاقتصاد السياسي الغرب
بقلم: د. علاء محمود التميمي
مارس 2026
1) تمهيد: لماذا يهمّنا الموقف الكندي؟
في لحظات التصعيد الكبرى بين القوى الإقليمية والدولية، لا تكون الدول “غير المشاركة” بمنأى عن النتائج. فالاقتصاد العالمي اليوم شديد التشابك: الطاقة، سلاسل الإمداد، التأمين البحري، أسواق المال، وثقة المستثمرين—كلها قنوات تنقل أثر الحرب من ساحة المعركة إلى حياة المواطن في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال أيام.
ضمن هذا السياق جاء موقف كندا الداعم سياسيًا لواشنطن، بوصفه جزءًا من منطق التحالف الغربي وسياسات منع الانتشار النووي، لكنه يفتح في الوقت نفسه أسئلة مشروعة حول حدود الدعم، وكلفة الاصطفاف، وتوازن كندا بين التحالف والاستقلالية والشرعية الدولية.
2) ما طبيعة الدعم الكندي؟ تفريق ضروري بين السياسة والعمل العسكري
الخطاب الرسمي الكندي—كما يظهر في البيان الحكومي—يركّز على:
-
دعم هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي،
-
والدعوة إلى حماية المدنيين،
-
والتنبيه إلى سلامة الكنديين في المنطقة.
وهنا يجب التمييز بدقة بين ثلاث درجات للدعم:
-
دعم سياسي/دبلوماسي (تصريحات، اصطفاف في المحافل، بيانات تأييد)
-
دعم أمني/استخباراتي/لوجستي (معلومات، تخطيط، تنسيق، تسهيلات)
-
مشاركة عسكرية مباشرة (قوات، ضربات، عمليات)
التحليل الموضوعي لا يُبنى على “الانطباع” بل على هذا التفريق، لأن الانتقال من الدرجة (1) إلى (2) قد يحدث تدريجيًا دون إعلان واضح، بينما الدرجة (3) لها كلفة سياسية داخلية أعلى بكثير.
3) الأثر الاقتصادي: الحرب كـ«مُضاعِف أزمات» في الغرب
أ) الطاقة: علاوة المخاطر… حتى دون إغلاق كامل
ما إن ترتفع احتمالات تعطّل الملاحة قرب مضيق هرمز حتى تُسعِّر الأسواق “علاوة مخاطر” فورية على النفط. وقد أشارت تقارير دولية إلى قفزة ملحوظة في أسعار النفط مع تصاعد الصراع واضطراب الشحن، بما في ذلك تكدّس السفن وتعطّل الحركة في ممرات حساسة.
بالنسبة لأوروبا، الحساسية أكبر لأن:
-
الطاقة ما زالت عنصر ضغط هيكلي على الصناعة والأسعار،
-
وأي صدمة جديدة تُضعف تنافسية الصناعة وتزيد أعباء الأسر.
أما أمريكا الشمالية (بما فيها كندا)، فحتى الدول المنتِجة للطاقة لا تكون بمنأى عن أثر ارتفاع الأسعار على التضخم وتكاليف النقل والسلع، إذ يتحول النفط سريعًا إلى عامل يؤثر في كل سلسلة القيمة، لا في محطة الوقود فقط.
ب) التضخم والسياسة النقدية: معضلة الفائدة والنمو
ارتفاع الطاقة يضغط على التضخم، وهذا يقيّد قدرة البنوك المركزية على تيسير السياسة النقدية. النتيجة المحتملة في أوروبا وأمريكا الشمالية:
-
إبقاء الفائدة مرتفعة أو خفضها بحذر شديد،
-
تباطؤ النمو،
-
ارتفاع كلفة الاقتراض على الأسر والشركات،
-
تباطؤ الاستثمار والإسكان.
وهذا يعني أن الصراع، حتى لو كان “بعيدًا جغرافيًا”، يمكن أن يعمّق ضغوط المعيشة في المدن الغربية بطريقة ملموسة.
ج) التجارة والشحن والتأمين: كلفة خفية لكنها حاسمة
الحروب لا ترفع الأسعار عبر النفط فقط، بل عبر:
-
التأمين البحري،
-
إعادة توجيه المسارات،
-
تأخيرات التوريد،
-
رفع كلفة المخزون.
هذه “الكلفة الخفية” قد لا تتصدر العناوين، لكنها تُترجم تدريجيًا إلى أسعار أعلى ونقصٍ موضعي واضطراب في سلاسل الإمداد—وخاصةً في الاقتصادات الأوروبية الأكثر اعتمادًا على الاستيراد.
4) الأثر السياسي داخل كندا: الشرعية، الإجماع، وحدود التحالف
في الديمقراطيات الغربية، الصراع الخارجي يتحول بسرعة إلى نقاش داخلي حول:
-
الشرعية القانونية الدولية (متى يكون استخدام القوة مبررًا؟ وبأي غطاء؟)
-
حدود الانخراط (هل الدعم السياسي يكفي؟ أم يتطلب تنسيقًا أمنيًا؟)
-
كلفة الاصطفاف على وحدة المجتمع والتعدد الثقافي
وقد بدأت أصوات كندية—من دبلوماسيين سابقين وغيرهم—تطرح علنًا فكرة أن الدعم غير المشروط قد يُفهم كابتعاد عن مبادئ القانون الدولي التي تتبناها كندا عادةً.
هذه ليست رفاهية فكرية؛ لأنها تمس:
-
ثقة المواطن بمؤسسات القرار،
-
تماسك الجبهة الداخلية،
-
سمعة كندا كدولة “قوة وسطى” تفضّل الدبلوماسية متعددة الأطراف.
5) أوروبا والولايات المتحدة: تباين المصالح داخل “المعسكر الغربي”
من الخطأ افتراض أن الغرب كتلة واحدة متطابقة. هناك فروقات بنيوية:
-
الولايات المتحدة تملك قدرة تدخل عالية، ومصالح أمنية مباشرة، وتحمّل أعلى للكلفة العسكرية.
-
أوروبا أكثر حساسية للطاقة واللاجئين والاضطراب الإقليمي، وأقل رغبة في حرب طويلة، وغالبًا ما تفضّل العودة إلى مسارات تفاوضية.
-
كندا تقع بينهما: حليف أطلسي شديد القرب من واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الحفاظ على تقاليدها الدبلوماسية وسمعتها القانونية، وحماية مجتمعها الداخلي من ارتدادات الاستقطاب.
6) قراءة معيارية: ما السياسة “الأكثر عقلانية” لكندا وأوروبا؟
إذا أردنا مقاربة أكاديمية لا انفعالية، فالمعيار لا يكون “مع أو ضد”، بل:
هل تقلّل السياسة المعتمدة مخاطر الحرب وتحدّ من آثارها الاقتصادية والإنسانية، أم توسّعها؟
وعليه يمكن اقتراح ثلاثة مبادئ لسياسة كندية/أوروبية رشيدة:
-
ربط الدعم بشرط الشرعية والحدود الواضحة
أي دعم سياسي يجب أن يُصاغ ضمن إطار قانوني معلن قدر الإمكان، وبسقف انخراط محدد، وبهدف معلن قابل للقياس (وليس “حربًا مفتوحة”).
-
أولوية المسار الدبلوماسي والرقابي
التركيز على آليات التحقق والرقابة ومنع الانتشار—بدل تحويل الهدف إلى تغيير نظم أو صراع طويل—لأن كلفة الاستنزاف أكبر بكثير من كلفة الردع المحدود.
-
تحصين الداخل اقتصاديًا
إذا كانت الحرب سترفع الأسعار، فالمطلوب سياسات داخلية تخفف أثر الصدمة على الأسر والصناعة (طاقة، نقل، سلاسل إمداد، دعم موجّه عند الحاجة).
7) الخلاصة: السؤال الجوهري الذي يجب ألا يُهمَل
الموقف الكندي الداعم سياسيًا لواشنطن مفهوم من زاوية التحالف ومنع الانتشار. لكن من زاوية الاقتصاد السياسي، الصراع الحالي يهدد بأن يتحول إلى عامل تضخم واضطراب طاقة وضغط على النمو في أوروبا وأمريكا الشمالية، حتى لو لم تتورط هذه الدول عسكريًا بشكل مباشر.
ويبقى السؤال الذي يستحق النقاش العام الهادئ:
كيف يمكن للدول الغربية—كندا وأوروبا—أن تحمي أمنها الجماعي دون أن تدفع مجتمعاتها ثمنًا اقتصاديًا واجتماعيًا متزايدًا، ودون أن تُضعف رصيدها القانوني والأخلاقي؟
حين تحرق الجسور …لا تعود الضفة كما كانت
علاء التميمي
آذار ٢٠٢٦
أتساءل—بصفتي رجلًا يقرأ السياسة بعين التاريخ—ما الذي تريده إيران يا تُرى من زجّ دول مجلس التعاون الخليجي في حربها مع أمريكا وإسرائيل؟
قد يقول قائل: “إنها لحظة ردعٍ، ولحظة غضبٍ، ولحظة حساباتٍ عسكرية”. نعم، هذا وارد. لكن السياسة ليست انفعالًا عابرًا؛ السياسة ذاكرةٌ تُكتب على جدار الأمن، وما يُكتب هناك لا يُمحى بسهولة.
منطق طهران—كما يبدو—هو توسيع مسرح الكلفة: أن تقول للعالم إن الحرب عليها لن تبقى داخل حدودها، وإنّ من يضغط عليها سيجد الإقليم كله يرتجّ. إنها تريد أن تجعل الخليج “جزءًا من المعادلة” لا “شاهدًا عليها”. تريد أن تحوّل كل نقطة هدوء إلى نقطة توتر، وكل مساحة وساطة إلى مساحة اشتباه.
ولكن المشكلة أن هذا المنطق، حتى لو خدمها في لحظةٍ من لحظات الردع، يُسقط عنها شيئًا أثمن من الردع نفسه: الثقة.
لقد كانت دول الخليج—رغم اختلافاتها مع إيران—تحتفظ بخيطٍ عقلاني يدفع نحو التهدئة: خيط المصالح، وخيط الجغرافيا التي لا تُغيَّر، وخيط الأمل بأن الحوار—ولو بطيئًا—قد ينتج قواعد تعايش. كان هناك تعاطفٌ خليجيٌّ محدود لكنه حقيقي: تعاطفٌ مع فكرة تجنّب الحرب، ومع فكرة أن الإقليم لا يحتمل اشتعالًا جديدًا، ومع فكرة أن لغة العقل لا تزال ممكنة.
لكن حين تمتد النار إلى دول المجلس، يحدث ما هو أخطر من الدمار المادي: يتبدّل معنى الجوار.
الجوار في ثقافة السياسة ليس مجرد حدود، بل عقدٌ غير مكتوب: “لا نُقحِم بعضنا في معارك الآخرين… ولا نُحوّل أمن الآخر إلى ورقة ضغط”. وحين يُنتهك هذا العقد، لا يبقى الخلاف خلافًا سياسيًا؛ يصبح شكًّا في القاعدة نفسها: هل يمكن الوثوق؟ هل يمكن الفصل بين القول والفعل؟ هل يصبح الخليج عند كل أزمة “ساحة محتملة”؟
هنا تحديدًا تُخطئ إيران—في تقديري—تقدير حجم الخسارة.
فإن كانت تظن أنها تكسب نقاطًا في ميزان الردع، فهي في المقابل تخسر رصيدًا من “التعاطف الخليجي” كان يمكن أن يكون جسر تهدئة في أشد لحظات التوتر. وتزرع شكوكًا قد تمتد لسنوات: شكوكًا تجعل أي محاولة مستقبلية لتطبيع العلاقات أصعب، لا لأن البيانات لا تُكتب، بل لأن الذاكرة لا تنسى.
والأهم: أن إدخال الخليج في قلب الصراع لا يدفع دول المجلس إلى التردد، بل يدفعها—بحكم الضرورة—إلى مزيد من التحصين والاصطفاف الأمني والتنسيق الدفاعي. أي أن النتيجة النهائية قد تكون عكس ما تريده طهران: بدل أن تفكك بيئة خصومها، قد توحّدها.
السياسة، في النهاية، ليست اختبار قوة فقط؛ بل اختبار عقل.
والتاريخ يُعلّمنا أن الدول الكبيرة لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات الضغط، بل بما تملكه من حكمة استخدام هذه الأدوات دون أن تحرق “مستقبل العلاقات”.
لذلك أقولها بوضوح:
مهما كان جواب سؤال “ماذا تريد إيران؟” فإنها—بهذا المسار—قد خسرت شيئًا ثمينًا: فرصة أن تُعامل في الخليج كجارٍ يمكن تهدئة التوتر معه. وما بعد زرع الشك… ليس كما قبله.
نُشرت هذه الخاطرة ضمن مدونة الدكتور علاء التميمي: www.altamimialaablog.com
من «ضربة قطع الرأس» إلى حرب الاستنزاف
قراءة في مقابلة سكوت ريتر حول الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران
د. علاء محمود التميمي
فبراير 2026
مقدمة
قبل ساعات فقط، كانت الأسئلة تدور حول احتمال الحرب.
اليوم، لم يعد السؤال: هل ستقع؟ بل: إلى أين يمكن أن تمتد؟
في هذا السياق المشحون، جاءت مقابلة سكوت ريتر—مفتش الأسلحة السابق في الأمم المتحدة وضابط الاستخبارات الأمريكي الأسبق—ليس بوصفها خبرًا عاجلًا، بل كتحذير استراتيجي من منطق الحرب حين يبدأ، ومن صعوبة السيطرة عليه حين يفشل هدفه الأول.
ما يطرحه ريتر يستحق التوقف، لا لأنه “نبوءة”، بل لأنه يقدّم قراءة من داخل العقل العسكري الأمريكي نفسه.
1. الهدف لم يكن ردعًا… بل تغيير النظام
بحسب ريتر، لم يكن الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي مجرد ضربة محدودة أو رسالة ردع، بل محاولة صريحة لـ تغيير النظام الإيراني عبر ما يُعرف عسكريًا بـ ضربة قطع الرأس، أي استهداف القيادة العليا السياسية والدينية والعسكرية دفعة واحدة.
لكن النتيجة—حتى الآن—أن القيادة الأساسية بقيت، وهو ما يعني أن الهدف المركزي للحملة لم يتحقق منذ اللحظة الأولى.
2. لماذا يُعد الفشل الأول أخطر من كل ما بعده؟
يذكّر ريتر بقاعدة بسيطة في الحروب:
إذا أعلنت أن هدفك هو إسقاط النظام، ولم تسقطه في الضربة الافتتاحية، فأنت تدخل تلقائيًا في سلسلة إخفاقات.
فالخطط العسكرية تُبنى على افتراض النجاح السريع. وعندما يفشل هذا الافتراض، تُستنزف الموارد في محاولة تصحيح المسار بدل الانتقال إلى مراحل لاحقة، ويبدأ “أثر الدومينو”.
3. الحرب تُقاس بالذخيرة لا بالشعارات
النقطة المحورية في تحليل ريتر أن هذه الحرب ليست مسألة إرادة سياسية فقط، بل حرب موارد، وتحديدًا حرب ذخيرة.
فالولايات المتحدة—بحسب تحذيرات عسكرية سابقة—لا تملك مخزونًا مفتوحًا لحرب طويلة عالية الشدة. لذلك، كان الرهان على حسم سريع. ومع تعثر الضربة الأولى، يصبح الاستنزاف عاملًا حاسمًا، لا يمكن تعويضه بسهولة.
4. إيران لا تتعامل مع “سُلّم تصعيد”
حين سُئل عن اتساع الرد الإيراني جغرافيًا، قال ريتر إن إيران لا ترى ما يجري بوصفه جولة ردود متبادلة، بل صراعًا وجوديًا.
وعندما تشعر دولة أن النظام نفسه مستهدف، فإن منطق “الضربة مقابل الضربة” يسقط، ويحل محله منطق البقاء:
ماذا لدينا لنخسره؟
5. النصر والهزيمة… تعريف مختلف
في قراءة ريتر، لا تحتاج إيران إلى إسقاط واشنطن أو تدمير إسرائيل كي “تنتصر”.
يكفيها—بحسب منطقه—أن تصمد، وأن تفشل محاولة تغيير النظام.
ففي الحروب، عدم تحقيق الهدف المعلن هو هزيمة سياسية، حتى لو استمر القتال عسكريًا.
6. الخليج في مرمى الاختبار
يرى ريتر أن ضرب أهداف في دول الخليج يضع الأنظمة هناك أمام اختبار داخلي صعب:
إذا كانت الحماية الأمريكية “مضمونة”، فلماذا وصلت الصواريخ؟
وهنا لا تكمن الخطورة في الضربة ذاتها، بل في أثرها على الشرعية والثقة.
7. لماذا كان الاستعجال بالحرب؟
يشرح ريتر أن الحروب الكبرى لا تُحسم فقط بالقرار السياسي، بل بمنطق التدفق اللوجستي.
حين تُنقل القوات والذخائر وتُحشد القدرات، يصبح التراجع مكلفًا ومعقّدًا، وتُفرض نافذة زمنية “إما أن تُستعمل القوة فيها… أو تُسحب”.
ويربط ذلك بالحسابات السياسية الداخلية الأمريكية وتوقيت الانتخابات، معتبرًا أن قرار الحرب لم يكن منفصلًا عن هذا السياق.
8. الصواريخ والدفاعات: كسر الوهم
من أخطر ما يقوله ريتر إن إيران استفادت من مواجهات سابقة لفهم كيفية عمل منظومات الدفاع الصاروخي المتكاملة، ثم انتقلت إلى نمط ضربات محدودة العدد لكنها غير قابلة للاعتراض.
ويخلص إلى نتيجة صادمة:
الدفاعات الصاروخية لا توفّر حماية مطلقة، بل وهمًا مكلفًا.
9. الحرب والشرعية
يصف ريتر ما يجري بأنه حرب اختيار لا حرب ضرورة، ويرى أنها تُضعف مصداقية الولايات المتحدة، خصوصًا إذا جاءت بينما كانت قنوات تفاوض مفتوحة.
وفي رأيه، أخطر ما في ذلك ليس الضربة العسكرية، بل الرسالة السياسية:
أن القوة تُقدَّم على القانون.
10. إلى أين؟
يحذّر ريتر من أن أخطر خط أحمر هو نقل الحرب إلى الاقتصاد والطاقة.
إغلاق مؤقت لممر بحري يمكن احتواؤه، أما ضرب منشآت الطاقة فهو ضرر طويل الأمد قد يهز الاقتصاد العالمي.
ويرى أن دور روسيا والصين—إن وُجد—سيكون في محاولة احتواء هذا الانزلاق، لا توسيعه.
خاتمة
ما قاله سكوت ريتر لا يجب أن يُقرأ كحقيقة نهائية، بل كتنبيه قاسٍ:
الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها نادرًا ما تنتهي بإرادة من بدأها.
الضربة الأولى قد تكون اختيارًا،
أما ما يليها… فكثيرًا ما يصبح قدرًا.
خور عبدالله
خور عبدالله
د علاء التميمي
شباط ٢٠٢٦
ما كُتب عن خور عبدالله يعبّر عن وجع عراقي قديم يتجدّد كلما فُتح ملف السيادة، خصوصًا حين يكون الطرف المقابل عربيًا، والموقف العربي فيه أسرع إلى الاتهام من الفهم، وأقرب إلى الاصطفاف من التحكيم.
قضية خور عبدالله، من حيث المبدأ، ليست عنتريات ولا تعديًا ولا مفاجأة. العراق أودع خرائطه وإحداثياته لدى الأمم المتحدة وفق إجراء قانوني سيادي، وهو حق تمارسه الدول عندما ترى أن هناك التباسًا أو خللًا في توصيف حدودها البحرية. الردّ الخليجي السريع، والمُحمّل بلغة الإدانة، يكشف أن المسألة لم تُقرأ قانونيًا بقدر ما قُرئت سياسيًا.
اللافت هنا ليس دفاع بعض الدول عن الكويت، فهذا مفهوم في منطق العلاقات البينية، بل حدة الاصطفاف وسقف الخطاب الذي قُدّم فيه العراق كطرف معتدٍ، لا كدولة لها تاريخ بحري، ومصالح، وحق في الاعتراض أو المراجعة. العراق، الذي شكّل لعقود العمق الجغرافي والسياسي للخليج، يُستحضر اليوم وكأنه طارئ على الجغرافيا، لا أحد روافدها الأساسية.
وفي المقابل، تبرز ازدواجية المعايير بوضوح صارخ. فحين تصدر تصريحات وقحة تمس وجود دول الخليج نفسها، أو تلمّح إلى مشاريع توراتية لا تستثني أحدًا، يكون الرد خجولًا، باهتًا، يكاد يُهمَس. أما حين يكون الطرف عراقًا ضعيف الظهر عربيًا، فترتفع الأصوات، وتُستدعى مفردات السيادة والشرعية الدولية دفعة واحدة.
هذه المفارقة ليست جديدة. هي امتداد لسلوك عربي مألوف: الشدّة على القريب، واللين مع البعيد؛ الجرأة على الشقيق، والحذر المفرط من الراعي الدولي. وهو سلوك لم يحمِ أحدًا في الماضي، ولن يحمي أحدًا في المستقبل.
الأخطر أن إعادة إنتاج خطاب العزل تجاه العراق، وربطه ضمنيًا بالتهديد، لا يخدم استقرار المنطقة، بل يعمّق الشروخ، ويفتح الباب أمام تدويل النزاعات البينية بدل حلّها داخل البيت العربي. خور عبدالله ليس قضية تُحل بالبيانات النارية، بل باللجان الفنية، والتحكيم، والاعتراف المتبادل بالحقوق والمخاوف.
العراق، بكل جراحه، لم يخرج من تاريخه ولا من جغرافيته، ولن يكون دولة هامشية في الخليج مهما تغيّرت الأسماء والخرائط. والسيادة لا تُصان بالاصطفاف الأعمى، بل بالعدل، وبموقف عربي واحد حين يكون الخطر حقيقيًا… لا انتقائيًا.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
الحشد العسكري الأميركي حول إيرانقراءة في صور الأقمار الصناعية
الحشد العسكري الأميركي حول إيران
قراءة في صور الأقمار الصناعية
د. علاء محمود التميمي
شباط ٢٠٢٦
في خضم التصعيد الكلامي بين واشنطن وطهران، ومع تزايد التهديدات المتبادلة، عاد سؤال الحرب ليطرح نفسه بقوة:
هل نحن أمام استعداد فعلي لضربة عسكرية واسعة ضد إيران، أم مجرد استعراض قوة محسوب؟
للإجابة، لا تكفي التصريحات السياسية وحدها، بل لا بد من العودة إلى لغة الجيوش الصامتة:
الانتشار، الحشد، اللوجستيات، وما تكشفه صور الأقمار الصناعية.
في هذا السياق، نشرَت صحيفة Le Monde الفرنسية (21 شباط 2026) الطبعة الإنكليزيةمقالًا تحليليًا بعنوان
US military buildup around Iran: What satellite images show
استند إلى صور أقمار صناعية وبيانات مفتوحة المصدر، قدّم قراءة دقيقة لطبيعة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وخرج باستنتاجات تستحق التوقف عندها.
أولًا: حشد جوي–بحري… لا بري
تُظهر الصور زيادة واضحة في عدد الطائرات الأميركية المنتشرة في قواعد معروفة في الخليج وشرق المتوسط، ولا سيما:
• الطائرات المقاتلة
• طائرات التزود بالوقود جوًا
• طائرات النقل الاستراتيجي
في المقابل، لا تظهر أي مؤشرات على نشر قوات برية واسعة:
لا مدرعات، لا معسكرات ميدانية، ولا بنى لوجستية تدل على استعداد لاجتياح أو تدخل بري طويل الأمد.
وهذه نقطة مفصلية؛ إذ إن أي حرب شاملة لا تبدأ من الجو فقط، بل تُعلن نفسها مبكرًا عبر الأرض.
ثانيًا: الحشد البحري كأداة ردع وضغط
على المستوى البحري، تشير صور الموانئ والمياه الإقليمية إلى تمركز مدمرات وطرادات، مع وجود أو اقتراب حاملات طائرات.
هذا الانتشار يمنح واشنطن قدرة واضحة على:
• تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى
• حماية طرق الملاحة
• توجيه رسائل ردع مباشرة لإيران وحلفائها
لكن، كما يوضح مقال Le Monde، فإن هذا النوع من الحشد مصمم للضغط والسيطرة، لا لخوض حرب طويلة.
ثالثًا: غياب مؤشرات “ساعة الصفر”
يؤكد المقال نقطة بالغة الأهمية:
لو كانت هناك نية لشن حرب شاملة، لظهرت إشارات لا يمكن إخفاؤها، مثل:
• تخزين واسع للذخائر البرية
• مستشفيات ميدانية
• تحريك فرق مشاة ومدرعات
• إعادة تموضع لوجستي طويل الأمد
غياب هذه المؤشرات يعني أن القرار السياسي بالحرب لم يُتخذ بعد، أو أنه غير مطروح أصلًا في هذه المرحلة.
رابعًا: الرسالة سياسية بقدر ما هي عسكرية
تقرأ Le Monde هذا الحشد بوصفه:
• أداة ضغط تفاوضي
• رسالة طمأنة للحلفاء
• وسيلة ردع لإبقاء إيران داخل “الخطوط الحمراء”
أي أننا أمام استعراض قوة محسوب، لا أمام زحف نحو حرب.
خامسًا: حدود القوة الأميركية
يخلص المقال إلى أن الولايات المتحدة:
• قادرة على إلحاق أذى كبير ومحدد بإيران
• لكنها غير مهيأة حاليًا لتحمل كلفة حرب إقليمية طويلة
وأي انتقال من الردع إلى الحرب الشاملة سيتطلب:
• وقتًا أطول
• تعبئة سياسية داخلية
• وتعزيزًا عسكريًا ولوجستيًا أوسع بكثير
خلاصة
ما تكشفه صور الأقمار الصناعية، كما عرضها تحليل Le Monde، لا يشير إلى حرب وشيكة، بل إلى إدارة تصعيد محسوبة، تستخدم فيها واشنطن قوتها العسكرية كأداة سياسية، لا كقرار نهائي بالحرب.
إنه تذكير قديم جديد بحقيقة ثابتة في الاستراتيجية:
الجيوش حين تستعد للحرب، لا تحتاج إلى الخطب…
بل تترك آثارها واضحة على الأرض.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
فن التفاوض الإيراني: قراءة في كتاب Negotiating with Iran – Wrestling the Ghosts of History
دراسة تحليلية
د علاء محمود التميمي
شباط ٢٠٢٦
منذ أكثر من أربعة عقود، والعالم يراقب مشهداً تفاوضياً معقّداً بين إيران والغرب. جولات تبدأ ثم تتوقف، اتفاقات تلوح ثم تتعثر، رسائل خلف الكواليس، ولغة تصعيد علنية تقابلها براغماتية هادئة في الغرف المغلقة. أمام هذا المشهد المتكرر يبرز سؤال جوهري:
لماذا يبدو التفاوض مع إيران مختلفاً وصعباً إلى هذا الحد؟
أحد أهم الكتب التي حاولت الإجابة عن هذا السؤال بعمق هو كتاب:
Negotiating with Iran – Wrestling the Ghosts of History
للدبلوماسي الأمريكي المخضرم جون دبليو لمبرت (John W. Limbert).
لا يكتب لمبرت عن إيران من بعيد. فهو دبلوماسي أمريكي قضى سنوات طويلة في التعامل المباشر مع الشأن الإيراني، ويجيد اللغة الفارسية، وعاش تفاصيل المجتمع الإيراني وثقافته السياسية. والأهم من ذلك أنه كان أحد الرهائن الأمريكيين في أزمة السفارة بطهران عام 1979، وهي تجربة تركت أثراً عميقاً في فهمه لطبيعة التفكير الإيراني.
هذه الخلفية تجعل الكتاب ليس مجرد عمل أكاديمي نظري، بل خلاصة تجربة شخصية ومهنية طويلة، ممزوجة بقراءة تاريخية دقيقة لمسار العلاقات الإيرانية–الغربية.
الفكرة المحورية للكتاب و الرسالة الأساسية التي يدافع عنها لمبرت هي أن:
التفاوض مع إيران ليس مفاوضة حول ملف سياسي معاصر فحسب، بل هو مواجهة مع تاريخ متراكم من الذاكرة والشكوك والهواجس.
الغرب – بحسب المؤلف – يدخل التفاوض بعقلية عملية: يريد حل مشكلة محددة، وفق جداول زمنية واضحة، وبمنطق تقني مباشر.
أما المفاوض الإيراني فيدخل القاعة وهو يحمل معه قروناً من التجارب:
• تدخلات خارجية متكررة
• إسقاط حكومة مصدق عام 1953
• دعم الغرب للعراق في حرب الثمان سنوات
• عقوبات طويلة الأمد
• شعور دائم بأن القوى الكبرى لا تحترم السيادة الإيرانية
لذلك فالمفاوضة عند الإيراني ليست مجرد صفقة سياسية، بل اختبار للكرامة الوطنية والندية والاعتراف بالمكانة.
ومن هنا جاء العنوان الدال للكتاب:
“مصارعة أشباح التاريخ”.
يعتمد لمبرت على تحليل أربع محطات تفاوضية تاريخية لشرح السلوك الإيراني بالرغم من اختلاف الحاكم الإيراني :
1. أزمة أذربيجان (1945–1946) بعد الحرب العالمية الثانية
2. أزمة تأميم النفط (1951–1953) في عهد محمد مصدق
3. أزمة الرهائن الأمريكيين (1979–1981)
4. مفاوضات إنهاء الحرب العراقية–الإيرانية
ومن خلال هذه الحالات يستخلص المؤلف نمطاً ثابتاً من التفكير التفاوضي الإيراني، يمكن تلخيصه في عدة سمات أساسية.
أولاً: حضور التاريخ في كل جلسة
الغربي يفاوض مشكلة محددة.
الإيراني يفاوض تاريخاً كاملاً.
كل جولة تفاوض تُقرأ في طهران على ضوء قرن كامل من التجارب مع الغرب. ولذلك كثيراً ما يُساء فهم مواقف إيران إذا نُظر إليها بمعايير تقنية مجردة.
ثانياً: الكرامة قبل التفاصيل
يؤكد الكتاب أن الهدف غير المعلن في كثير من المفاوضات الإيرانية هو:
• الحصول على الاعتراف
• إثبات الندية
• رفض أي شعور بالتعالي أو الإملاء
ولهذا قد ترفض إيران عرضاً سخياً إذا شعرت أن قبوله سيظهرها بمظهر الضعيف أو المُذعن.
ثالثاً: الصبر كسلاح تفاوضي
الإيرانيون – كما يصفهم لمبرت – “أصدقاء الوقت”.
• لا يستعجلون الحلول
• يفضّلون المفاوضات الطويلة
• يستخدمون التأجيل والمماطلة تكتيكاً مقصوداً
بينما ينظر المفاوض الغربي إلى الزمن باعتباره ضغطاً، ترى إيران أن الوقت غالباً ما ينهك الطرف الآخر أكثر مما ينهكها.
رابعاً: الغموض اللغوي والثقافي
في الثقافة التفاوضية الإيرانية:
• عبارة “سننظر في الأمر” قد تعني رفضاً
• “نحتاج لمزيد من الوقت” ليست بالضرورة موافقة مبدئية
هذا الاختلاف في دلالات اللغة يؤدي كثيراً إلى سوء فهم بين الطرفين.
خامساً: الفصل بين العلن والسر
الخطاب الإيراني العلني غالباً حاد ومتصاعد، لكن:
• داخل غرف التفاوض تسود البراغماتية
• تُقدَّم التنازلات بهدوء
• تُصاغ الحلول بعقلانية
ومن لا يفرّق بين الخطابين يظن أن إيران تتصرف بازدواجية، بينما هي في الحقيقة تدير معركة داخلية وخارجية في آن واحد.
سادساً: حفظ ماء الوجه
أهم قاعدة في أي اتفاق مع إيران هي أن يظهر داخلياً على أنه:
• انتصار دبلوماسي
• نتيجة صمود
• وليس خضوعاً لضغط خارجي
وإلا يصبح الاتفاق سياسياً غير قابل للتسويق داخل النظام الإيراني.
توصيات عملية للمفاوضين
يختتم لمبرت كتابه بمجموعة مبادئ إرشادية، من أهمها:
• افهم التاريخ قبل أن تبدأ التفاوض
• تجنّب لغة التهديد والإملاء
• امنح الطرف الإيراني مساحة رمزية لحفظ الكرامة
• لا تتوقع نتائج سريعة
• ميّز دائماً بين الخطاب الإعلامي والموقف الحقيقي
• ابنِ علاقات شخصية وثقة متبادلة
• لا تفسّر الغموض على أنه قبول
الاستنتاج الأهم في الكتاب أن:
الإيرانيين ليسوا غير عقلانيين كما يصوّرهم الإعلام الغربي، بل عقلانيون جداً… لكن وفق منطق مختلف.
من لا يفهم هذا المنطق سيبقى أسير دهشة دائمة أمام سلوك إيران التفاوضي، وسيظن أن ما يجري فوضى أو مراوغة، بينما هو في الواقع أسلوب تفاوض متجذّر ثقافياً وتاريخياً.
يظل الكتاب مهماً اليوم ونحن نتابع الجولة الأخيرة للمفاوضات في مسقط ولأن المشهد الذي وصفه لمبرت قبل أكثر من خمسة عشر عاماً لا يزال يتكرر حرفياً:
• مفاوضات نووية طويلة
• جولات تبدأ ثم تتوقف
• رسائل خلف الكواليس
• لغة تصعيد في العلن
• وبراغماتية في الخفاء
ومن دون فهم هذا الإطار الثقافي والتاريخي، سيبقى التعامل مع إيران أقرب إلى حوار طرشان.
كلمة أخيرة
يعلمنا هذا الكتاب درساً بالغ الأهمية:
في السياسة كما في الحياة، لا يكفي أن تفهم ما يقوله الطرف الآخر، بل يجب أن تفهم كيف يفكّر ولماذا يفكّر بهذه الطريقة.
ومن هنا تأتي قيمة هذا العمل:
إنه لا يقدّم وصفة سحرية للتفاوض مع إيران، لكنه يقدّم ما هو أهم:
مفاتيح لفهم العقل الذي يقف على الجانب الآخر من الطاولة.
إيران في الحسابات الأمريكيةقراءة موجزة على ضوء مفاوضات عُمان
إيران في الحسابات الأمريكية
قراءة موجزة على ضوء مفاوضات عُمان
د علاء محمود التميمي
شباط ٢٠٢٦
اختُتمت في مسقط الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تصريح للرئيس الأمريكي اليوم بأن “المحادثات كانت جيدة” وأنها ستُستأنف الأسبوع القادم. غير أن هذا المسار التفاوضي يجري في مناخ إقليمي معقّد، يتصدره الضغط الإسرائيلي المتزايد على واشنطن لاتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه طهران، بالتزامن مع الإعلان عن سفر رئيس الوزراء الإسرائيلي للقاء الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض.
لفهم دلالات ما يجري اليوم، لا بد من قراءة تاريخ العلاقة بين البلدين، وهي علاقة انتقلت خلال عقود من تحالف استراتيجي إلى عداء أيديولوجي، ثم إلى صراع مُدار تحكمه حسابات دقيقة.
من التحالف إلى القطيعة (1953–1979)
بعد انقلاب 1953 وتثبيت حكم الشاه، أصبحت إيران ركيزة أساسية للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط: حماية النفط، أمن الخليج، واحتواء الاتحاد السوفيتي. لكن هذا التحالف كان فوقياً ومعزولاً عن المجتمع الإيراني. ومع نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 انهار بالكامل، لتتحول إيران من أهم حليف لواشنطن إلى خصم يرفع شعار العداء لها، وهو ما تجسّد بوضوح في أزمة الرهائن.
تقاطع المصالح رغم العداء (1979–2015)
رغم القطيعة السياسية، فرضت الوقائع الجيوسياسية تقاطعات غير مباشرة بين الطرفين. فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، استفادت إيران من إسقاط نظام صدام حسين وتوسيع نفوذها في بغداد، واضطرت واشنطن عملياً للتعامل مع قوى قريبة من طهران. ومع صعود داعش عام 2014 التقت أهداف الطرفين في هزيمته، ما خلق حالة “تعايش اضطراري” لا ترقى إلى الشراكة، لكنها عكست واقعية المصالح.
من الاحتواء إلى الارتباك (2015–2020)
شكّل الاتفاق النووي عام 2015 محاولة لاحتواء إيران دبلوماسياً، إلا أن نفوذها الإقليمي في العراق وسوريا ولبنان واليمن حوّلها إلى لاعب مُربك يهدد توازنات المنطقة. اغتيال قاسم سليماني عام 2020 كان نقطة تحول، إذ أعلنت واشنطن عبره أن حدود التمدد الإيراني قد تم تجاوزها، لتدخل العلاقة مرحلة أكثر صرامة.
التحجيم بدلاً من الحرب (2020–الآن)
تعتمد السياسة الأمريكية الراهنة على معادلة واضحة: لا حرب شاملة، ولا قبول بإيران نووية، ولا إسقاط مباشر للنظام، بل تحجيم النفوذ عبر العقوبات والضغط والردع مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
تأتي مفاوضات مسقط والبعد الحالية في ظل تباين واضح بين واشنطن وتل أبيب. فالإدارة الأمريكية تميل إلى تسويات مرحلية تخفف التوتر، بينما ترى إسرائيل أن أي تخفيف للضغط سيمنح إيران فرصة لترسيخ قدراتها، وتدفع باتجاه خيار أكثر حزماً يصل إلى توجيه ضربة عسكرية.
اللقاء المرتقب بين رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الأمريكي الأسبوع القادم يهدف إلى التأثير على مسار التفاوض ودفع واشنطن نحو مواقف أكثر تشدداً، ما يجعل المحادثات جزءاً من تجاذب إقليمي أوسع، لا مجرد حوار ثنائي.
الخلاصة والتوقعات
إن استئناف الحوار في عُمان لا يعني نهاية الصراع، لكنه يعكس إدراكاً متبادلاً بأن إدارة الخلاف أقل كلفة من استمراره بلا ضوابط.
السيناريو الأرجح هو الوصول إلى تفاهمات محدودة ومؤقتة: تخفيف جزئي للعقوبات مقابل تجميد بعض الأنشطة النووية وتهدئة إقليمية محسوبة، من دون اتفاق شامل أو حسم جذري.
ستحاول واشنطن الموازنة بين مسار التفاوض وطمأنة إسرائيل، بينما ستسعى طهران لانتزاع أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية بأقل التزامات ممكنة. وبين هذين المسارين ستتحدد ملامح المرحلة القادمة.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تتحول “المفاوضات الجيدة” إلى “اتفاق ممكن”، أم تعود المنطقة إلى دائرة التصعيد؟
الأيام القادمة وحدها ستقدم الجواب