مهلة ترامب…وبداية الفصل الأخطر
د. علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
ليست المشكلة في مهلة يطلقها رئيس أمريكي، ثم تنتهي عند ساعة محددة. المشكلة الحقيقية هي ما الذي يحدث حين تتحول المهلة السياسية إلى عتبة عسكرية، وحين يصبح التهديد العلني بتدمير البنية التحتية لدولة كبيرة جزءًا من إدارة الحرب نفسها. حتى صباح الثلاثاء 7 نيسان 2026، المعطيات المعلنة تقول إن ترامب عدّ مهلة مساء الثلاثاء نهائية، وربط عدم فتح مضيق هرمز بهجمات واسعة على منشآت إيرانية، بينما رفضت طهران وقفًا مؤقتًا للنار وأصرت على تسوية دائمة بشروطها.
من منظور عسكري بحت، لا تعني نهاية المهلة أن الحرب ستُحسم، بل تعني على الأرجح أنها ستنتقل من طور الضغط والردع إلى طور آخر أكثر قسوة: طور كسر الإرادة الوطنية والبنية التشغيلية للدولة. فحين يجري التلويح بضرب الجسور ومحطات الكهرباء وسائر العقد الحيوية، فإن الهدف لا يكون احتلال الأرض، بل إنهاك الدولة، وشل الحياة اليومية، ودفع القيادة السياسية إلى التراجع تحت ضغط الألم العام. لكن هذا النوع من القوة، مهما كان تدميريًا، لا يساوي تلقائيًا نصرًا سياسيًا. بالعكس، قد يدفع الطرف المقابل إلى مزيد من الصلابة، خصوصًا إذا شعر أن المطلوب ليس تعديل السلوك بل الإذلال أو الإخضاع. وقد ربطت تقارير صحفية التهديدات الأمريكية مباشرة بإمكانية ضرب منشآت مدنية واسعة، مع تحذيرات أممية وقانونية من تداعيات ذلك.
الخطأ الذي تقع فيه القوى الكبرى غالبًا هو الاعتقاد بأن التفوق في التدمير يساوي القدرة على الحسم. هذا ليس صحيحًا دائمًا. يمكن للولايات المتحدة أن تُلحق بإيران أضرارًا هائلة، لكن فتح مضيق هرمز بالقوة شيء آخر تمامًا. فالمضيق ليس مجرد شريط مائي يُؤمَّن بقرار سياسي أو بغارة جوية؛ إنه بيئة عمليات بحرية معقدة، تتداخل فيها الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والتهديد المستمر للملاحة التجارية والعسكرية. ولهذا تحديدًا، كانت تقارير رويترز تشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لا ترى أن إيران ستتخلى قريبًا عن ورقة هرمز، لأنها تعدّها إحدى أثمن أوراقها الاستراتيجية.
إذا نُفذ التهديد الأمريكي فعلًا، فأرجح ما سنراه ليس ضربة وحيدة تنهي كل شيء، بل سلسلة ضربات واسعة لكن مضبوطة الإيقاع: ما يكفي لإظهار الجدية، وما لا يكفي بعدُ للانزلاق الفوري إلى حرب برية شاملة أو مشروع إسقاط نظام. هذا هو السيناريو الأقرب معاقبة قاسية، ورسالة ردع، مع إبقاء باب المساومة مفتوحًا. لكن هذا السيناريو، حتى لو تحقق، لن يفتح المضيق فورًا، ولن يعيد الأسواق إلى الهدوء، ولن يمنع إيران من نقل المعركة إلى ساحات أخرى أقل كلفة عليها وأكثر إيلامًا لخصومها.
ومن هنا تبدأ العقدة الحقيقية. فإيران، حتى لو عجزت عن تغيير ميزان القوة العام، قادرة على تغيير كلفة الحرب ومعناها. لا تحتاج إلى تدمير أمريكا كي تُربك حساباتها؛ يكفيها أن تجعل النصر باهظًا، وأن تُبقي الملاحة مهددة، وأن توسع دائرة القلق في الخليج، وأن تضرب حيث تكون البنية التحتية أكثر حساسية وأقل قدرة على الاحتمال. تقارير وكالات رويترز وAP أشارت إلى أن طهران رفضت المقترحات المؤقتة، ولوّحت عمليًا بربط أي تهدئة بشروط أوسع، فيما ظل المضيق شبه مغلق والأسواق النفطية متوترة عند مستويات مرتفعة تجاوز فيها الخام الأمريكي 112 دولارًا للبرميل واقترب برنت من 110–111 دولارات.
وهنا يجب قول ما يتهرب كثيرون من قوله: الخليج هو الحلقة الأكثر هشاشة في أي تصعيد لاحق. فالدول الغنية ليست بالضرورة دولًا منيعة. الثراء لا يمنع الهشاشة إذا كانت البنية الحيوية شديدة التركّز: محطات تحلية، مرافئ، منشآت طاقة، شبكات لوجستية قليلة العدد وعالية القيمة. وعندما يصبح الرد الإيراني منصبًا على رفع الكلفة الإقليمية، فإن ساحة الحرب لا تبقى محصورة في إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة، بل تتمدد إلى المجال الخليجي كله، ولو على شكل تهديد دائم أكثر منه احتلالًا أو مواجهة تقليدية. وهذا هو أخطر ما في اللحظة الراهنة: أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش، بل تهديدًا مباشرًا للهياكل التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية اليومية في المنطقة.
من الناحية السياسية العسكرية، لا تبدو واشنطن وتل أبيب حتى الآن وكأنهما حققتا ما يمكن تسميته نقطة التحول الحاسمة. نعم، لديهما تفوق جوي وقدرة نارية هائلة، لكن الحرب لا تُقاس فقط بحجم النار، بل بما إذا كانت هذه النار تُنتج واقعًا سياسيًا أكثر استقرارًا أو أكثر قابلية للإدارة. وإذا كانت المهلة تنتهي اليوم، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستقصف أمريكا؟ بل: هل تملك، بعد القصف، تصورًا واقعيًا لما بعد القصف؟ لأن التاريخ يعلمنا أن تدمير المنشآت أسهل بكثير من إعادة تشكيل السلوك السياسي لدولة كبيرة ذات عمق جغرافي ومجتمع تعبوي ونظام مستعد لتحمل الخسائر.
لهذا، فإن التقدير الأكثر واقعية هو الآتي: إذا انتهت المهلة بلا اتفاق، فالأرجح أن تبدأ المرحلة الأخطر من الحرب لا المرحلة الأخيرة منها. قد نرى ضربة أمريكية كبيرة، يتبعها رد إيراني موزع ومدروس، ثم جولة جديدة من الاستنزاف، لا نصرًا خاطفًا ولا انهيارًا فوريًا. وفي هذا النوع من الحروب، لا ينتصر من يضرب أولًا أو أكثر فقط، بل من ينجح في منع القوة من الانقلاب إلى عبء استراتيجي عليه.
بكلمة واحدة:
بعد انتهاء المهلة، قد تبدأ الحرب الحقيقية الآن.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
حين تُضرب المراكز… وتُشعل الأطراف
حين تُضرب المراكز… وتُشعل الأطراف

د. علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
في عالم الاستراتيجية العسكرية، تُعد نظرية جون واردن المعروفة بـ“الحلقات الخمس” من أكثر الأفكار تأثيرًا في الحروب الحديثة. تقوم هذه النظرية على فكرة بسيطة لكنها عميقة: الدولة ليست مجرد جيش، بل نظام متكامل يتكون من القيادة، والأنظمة الحيوية (كالطاقة والاقتصاد)، والبنية التحتية، والسكان، والقوات المسلحة. ويرى واردن أن الطريق الأسرع لهزيمة الخصم ليس عبر استنزاف جيشه في الميدان، بل عبر ضرب مركز هذا النظام—أي القيادة وما يحيط بها من عناصر حيوية—لشلّ قدرته على العمل من الداخل.
هذه الفكرة تبدو حاضرة بوضوح في الحرب الجارية منذ 28 شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالحملة العسكرية ركزت، على استهداف القيادة الإيرانية والبنية الحيوية، في محاولة لإضعاف قدرة الدولة على اتخاذ القرار والاستمرار. لكن ما يجعل هذه الحرب مختلفة هو أن إيران لم تتعامل معها كهدف سلبي، بل ردّت بخطة مضادة قلبت المعادلة رأسًا على عقب.
بدل أن تواجه الضربات بضربات مماثلة داخل اسرائيل ولعدم تمكنها من الوصول إلى الأراضي الأمريكية—وهو أمر غير ممكن عمليًا—اختارت إيران أن تنقل المعركة إلى نقطة حساسة في النظام العالمي: مضيق هرمز. هذا المضيق ليس مجرد ممر بحري، بل شريان يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية. وبالتالي، فإن تعطيله لا يؤثر على دولة واحدة، بل على الاقتصاد العالمي بأكمله.
هنا يظهر التحول الذكي في الاستراتيجية: إذا كانت خطة واردن تقوم على شلّ الدولة من الداخل، فإن الخطة الإيرانية تقوم على شلّ بيئة الخصم من الخارج. بمعنى آخر، إيران تقول: “قد لا أستطيع منعكم من ضربي، لكنني أستطيع أن أجعل كلفة هذه الحرب عليكم وعلى العالم مرتفعة جدًا.” ولذلك، لم تقتصر الردود الإيرانية على الداخل، بل شملت تهديد الملاحة، واستهداف مصالح أمريكية في الخليج، وإدخال المنطقة كلها في دائرة التوتر.
هذا التباين يكشف أن ما يجري ليس مجرد حرب تقليدية، بل صراع بين نموذجين مختلفين في التفكير. النموذج الأول—الأمريكي الإسرائيلي—يعتمد على الضربات الدقيقة التي تستهدف مراكز القرار والبنية الحيوية. أما النموذج الثاني—الإيراني—فيعتمد على الاستنزاف، وتوسيع ساحة الحرب، ونقلها إلى الاقتصاد العالمي، بحيث لا تبقى محصورة داخل حدود الدولة المستهدفة.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك القوة العسكرية الأكبر؟ بل: من يستطيع تحمّل الكلفة الأطول؟ فحتى الآن، تشير المعطيات إلى أن إيران متماسكة من الداخل، رغم شدة الضربات. ول نجحت في جعل الحرب مكلفة ومفتوحة، خصوصًا مع استمرار التوتر في مضيق هرمز وتأثيره على الأسواق العالمية.
من هنا، يمكن فهم طبيعة هذه الحرب بشكل أوضح: الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان تحقيق حسم سريع عبر ضرب “القلب”، بينما تحاول إيران منع هذا الحسم عبر إشعال “الأطراف”. الأولى تراهن على الشلل، والثانية تراهن على الاستنزاف. والنتيجة حتى الآن لا انتصار حاسم، ولا هزيمة كاملة، بل صراع يتسع ويزداد تعقيدًا مع مرور الوقت.
الخلاصة اهي أن نظرية جون واردن لا تزال حاضرة في طريقة التفكير العسكري الغربي، لكنها لم تعد كافية وحدها لفهم الحروب الحديثة. فحين يكون الخصم قادرًا على نقل المعركة إلى خارج حدوده، وعلى التأثير في الاقتصاد العالمي، فإن الحرب لا تُحسم فقط في السماء أو على الأرض، بل في الممرات البحرية، والأسواق، وقدرة الدول على تحمّل الألم. وفي هذه الحرب تحديدًا، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول إيران، بل حول من سيفرض على الآخر كلفة لا يستطيع الاستمرار في تحملها.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
بين درس العراق 2003 وحرب إيران الجارية: هل يعيد الشرق الأوسط إنتاج الكارثة نفسها؟
دخلت الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة واسرائيل أسبوعها الخامس وبدأت آثاره تتجاوز الميدان العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والملاحة الدولية وتوازنات الإقليم بأسره. ومن هنا، فإن استدعاء تجربة العراق بعد احتلال عام 2003 لم يعد ترفًا تحليليًا، بل ضرورة لفهم ما الذي يحدث للمنطقة حين تُستهدف دولة مركزية كبرى، وكيف تتحول أوهام “الحسم السريع” إلى فوضى ممتدة يدفع ثمنها الجميع.
لقد تعلّم العرب من كارثة العراق أن إسقاط التوازن لا يعني إنتاج الاستقرار، وأن تدمير الدولة أو إنهاكها لا يفتح الباب تلقائيًا أمام نظام إقليمي أكثر أمنًا، بل قد يطلق سلسلة من الاختلالات المتراكمة: فراغات أمنية، تصاعد نفوذ الفاعلين المسلحين، تمدد الاستقطاب المذهبي، وتدويل أعمق لمصير المنطقة.
ما جرى بعد 2003 لم يبقَ داخل العراق، بل أعاد رسم خرائط النفوذ والتوتر في المشرق والخليج، وحوّل دولةً مركزيةً إلى ساحة صراع مفتوح. ولهذا فإن النظر إلى الحرب الجارية على إيران بعين الرغبة أو الشماتة أو الحسابات الضيقة يعيد إنتاج الخطأ ذاته، لأن السؤال الاستراتيجي الصحيح ليس من نؤيد ومن نعارض، بل: ماذا يفعل تحطيم دولة كبيرة ببنية الإقليم كله؟
اليوم، وبعد خمسة أسابيع من الحرب، تظهر الصورة أكثر تعقيدًا من الخطابات الانفعالية التي روّجت لفكرة الحسم الخاطف. فالتصريحات الأمريكية نفسها تشير إلى أن الحرب لم تنتهِ بعد، رغم حديث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن إمكان رؤية “خط النهاية”، ورغم قول الرئيس دونالد ترامب إن العمليات قد تنتهي خلال “أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع”. هذه اللغة السياسية بذاتها تكشف أن الحسم لم يتحقق، وأن الحرب انتقلت من مرحلة الضربة إلى مرحلة الاستنزاف ومحاولة فرض شروط النهاية وليس بعيد ان يعلن ترامب اليوم ٤/١ في خطابه إلى الأمة الذي اعلن عنه عن ايقافه الحرب لأنه حقق أهدافه .
وهنا تظهر المقارنة مع العراق بوضوح أشد. ففي 2003 قُدّم الاحتلال على أنه مدخل لإعادة ترتيب المنطقة وإنهاء مصادر التهديد، لكن ما حدث فعليًا كان انهيارًا لبنية الدولة العراقية، وصعودًا لقوى ما دون الدولة، واتساعًا للتدخلات الخارجية، ثم موجات عنف لم تتوقف آثارها عند الحدود العراقية. أما في الحرب الجارية اليوم، فإن الخطر لا يقتصر على إيران وحدها، بل يتسع ليطال بنية الأمن الإقليمي نفسها، لأن المواجهة لم تعد ملفًا عسكريًا صرفًا، بل صارت أزمة طاقة وممرات بحرية وأسواق عالمية وحسابات تحالفات دولية.
ومن يظن أن خسارة إيران في هذه الحرب ستعني تلقائيًا راحةً استراتيجيةً للخليج العربي، يكرر وهمًا شبيهًا بما قيل عن العراق قبل احتلاله: إزالة الخصم الكبير ستفتح الطريق إلى الاستقرار. لكن الوقائع الجارية حتى الآن توحي بالعكس. فإغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من اضطراب في شحنات النفط والغاز، وتحذيرات وكالة الطاقة الدولية من أن خسائر الإمدادات تتفاقم في نيسان ، يؤكدان أن أي تصعيد واسع ضد دولة بحجم إيران لا يبقى داخل حدودها، بل يضرب القلب الاقتصادي للمنطقة والعالم.
لقد بدأت آثار ذلك بالفعل في الأسواق العالمية والإقليمية. وكالة رويترز تحدثت عن صعود أسواق الخليج على خلفية آمال التهدئة، لا بسبب زوال الخطر، فيما أظهرت تقارير أخرى أن الحرب رفعت كلفة التصنيع عالميًا وعطلت سلاسل الإمداد، وأن الاقتصاد الإقليمي يواجه خسائر قد تصل إلى 194 مليار دولار، مع احتمال فقدان 3.64 مليون وظيفة وارتفاع الفقر بما يصل إلى أربعة ملايين شخص بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي نقلتها وول ستريت جورنال. هذا يعني أن الحرب لم تعد مواجهةً بين جيوش فقط، بل أزمةً تنمويةً شاملة تضرب البنية الاجتماعية والاقتصادية للشرق الأوسط.
أما الخليج العربي، فهو ليس متفرجًا على هذه الحرب، بل أحد أكثر الأقاليم انكشافًا عليها. فالممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وثقة المستثمرين، وكلفة التأمين، وسلامة المنشآت الحيوية، كلها دخلت دائرة التهديد المباشر. حتى حين ترتفع البورصات على وقع تصريحات التهدئة، فإن ذلك لا يعكس استقرارًا حقيقيًا، بل هشاشةً شديدة ترتبط بأي إشارة سياسية أو عسكرية جديدة. وبعبارة أوضح: إن أمن الخليج في هذه الحرب ليس مسألة موقف سياسي فقط، بل مسألة بنيوية تمس اقتصاده وسيادته واستقراره الداخلي.
وفي ما يخص المنطقة العربية الأوسع، فإن الخطر لا يكمن فقط في نتائج المعارك الجارية، بل في اليوم التالي لها. هذا هو جوهر الدرس العراقي. فالحرب قد تُضعف القدرات العسكرية لدولة ما، لكنها لا تقدّم تلقائيًا جوابًا عن سؤال: من يملأ الفراغ؟ ومن يمنع التشظي؟ ومن يضبط الارتدادات عبر الحدود؟ ومن يحول دون تحوّل الصراع إلى حروب وكالة أكثر شراسة؟ وإذا كان العراق بعد 2003 قد قدّم أوضح مثال على أن إسقاط المركز يطلق فوضى الأطراف، فإن الحرب الجارية اليوم تضع المشرق والخليج أمام احتمال مماثل، ولكن على نطاق أوسع وأشد تداخلًا.
ولهذا فإن التفكير الاستراتيجي الرصين لا ينبغي أن ينطلق من منطق الرغبة في “هزيمة إيران” بوصفها غاية مجردة، بل من تقدير كلفة الحرب على البيئة العربية المحيطة. فحتى الآن لا تظهر المعطيات المتاحة أن الحرب أنتجت نظامًا إقليميًا أكثر استقرارًا، بل العكس: اقتصاد عالمي مضطرب، ضغوط على الطاقة، توتر في الممرات البحرية، ومخاوف من اتساع النزاع، بينما تظل الأهداف السياسية للحرب نفسها موضع تباين وحديث عن اتصالات ومخارج تفاوضية لم تنضج بعد.
إن المقارنة بين ما جرى للعالم العربي بعد احتلال العراق عام 2003 وما يجري اليوم في الحرب على إيران تفضي إلى نتيجة مركزية واحدة: الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لا تمنح المنطقة انتصارًا نظيفًا، بل تعيد توزيع الخسائر والفراغات والفوضى على الجميع. وقد يكون من السهل، في لحظة الخصومة السياسية، تمني إنهاك الخصم أو سقوطه، لكن التجربة التاريخية تقول إن انهيار الدول المركزية لا ينتج بالضرورة أمن الجوار، بل كثيرًا ما ينتج ذعر الجوار وانكشافه.
من هنا، فإن الحكمة العربية المطلوبة اليوم ليست في الاحتفال بالحرب، ولا في اختزالها إلى ثنائية مذهبية و رابح وخاسر، بل في قراءة عواقبها على المدى المتوسط والبعيد. فالمنطقة دفعت ثمنًا هائلًا بعد 2003 حين ظنّ بعضهم أن تدمير العراق سيعيد التوازن. واليوم، وهي تراقب حربًا دخلت أسبوعها الخامس ضد إيران، عليها أن تسأل نفسها بجدية: هل نريد تكرار الدرس نفسه بصورة أكبر، أم نبحث عن كيفية حماية أوطاننا من أن تتحول مرة أخرى إلى ساحات ارتداد لحرب لا يملك العرب قرارها الكامل، لكنهم غالبًا سيدفعون فاتورتها الأثقل؟
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي
قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران
قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران
د. علاء محمود التميمي
اذار ٢٠٢٦
ليس من الصعب، في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، أن تطغى لغة الأرقام: عدد الضربات، حجم الخسائر، وعدد الأهداف التي تم تدميرها. غير أن التاريخ العسكري يعلمنا أن الانتصار لا يُقاس بما يمكن عده، بل بما يمكن تحقيقه سياسيًا.
وهنا تبدأ المشكلة.
أولاً: سؤال الهدف… قبل سؤال القوة
أي استراتيجية عسكرية، لكي تكون قابلة للحكم، يجب أن تجيب عن سؤال بسيط:
ما الهدف النهائي؟ وهل هو قابل للتحقيق؟
في الحالة الراهنة، تبدو الأهداف المطروحة غير مستقرة بين:
• إضعاف إيران عسكريًا
• ردعها إقليميًا
• أو الذهاب أبعد من ذلك نحو تغيير النظام
لكن التجربة التاريخية، من العراق إلى أفغانستان، تشير بوضوح إلى أن تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية ليس هدفًا عسكريًا بقدر ما هو مقامرة سياسية عالية الكلفة.
ثانياً: تغير طبيعة الحرب
ما يجري اليوم لا يشبه الحروب التقليدية التي بنت عليها الولايات المتحدة تفوقها منذ الحرب العالمية الثانية.
نحن أمام نمط مختلف يقوم على:
• الصواريخ الدقيقة
• الطائرات المسيّرة
• أنظمة المراقبة المستمرة
في هذا السياق، لم تعد السيطرة الجوية وحدها كافية، ولا الضربات المكثفة تضمن الحسم.
بل إن الطرف الأضعف تقليديًا يمكنه، عبر أدوات منخفضة الكلفة، أن يفرض تكلفة عالية ومستمرة على خصمه.
وهنا تكمن مفارقة الحرب الحديثة:
التفوق لا يعني الحسم، بل إدارة الكلفة.
ثالثاً: بين الأرقام والنتائج
الخطاب العسكري يميل بطبيعته إلى إبراز الأرقام:
• آلاف الضربات
• مئات الأهداف
• تدمير قدرات متعددة
لكن السؤال الأهم ليس: كم ضُرب؟
بل: ماذا تغيّر؟
التجارب السابقة، خاصة في فيتنام وكوسوفو، أظهرت أن:
• تضخيم الإنجازات الرقمية لا يعني تحقيق تحول استراتيجي
• وقد يؤدي إلى قراءة مضللة للواقع
رابعاً: الجغرافيا… العامل الصامت
يُعد مضيق هرمز مثالًا كلاسيكيًا على تعقيد العلاقة بين الجغرافيا والاستراتيجية.
فالسيطرة عليه لا تعني مجرد وجود عسكري، بل تتطلب:
• تحكمًا طويل الأمد
• قدرة على مقاومة ضربات صاروخية مستمرة
• وإدارة بيئة جغرافية صعبة (مرتفعات، سواحل ضيقة)
التاريخ يقدم لنا مثالًا واضحًا في حملة غاليبولي Gallipoli Campaign، السيطرة على مضيق الدردنيل خلال الحرب العالمية الأولى
حيث تحولت محاولة السيطرة على مضيق استراتيجي إلى استنزاف طويل دون حسم.
خامساً: البعد السياسي… ما بعد المعركة
حتى لو تحقق نجاح عسكري جزئي، يبقى السؤال الأهم:
من يدير ما بعد الحرب؟
إضعاف دولة بحجم إيران لا يعني بالضرورة:
• استقرارًا إقليميًا
• أو نظامًا بديلًا أكثر انسجامًا مع التوازنات الدولية
بل قد يؤدي إلى:
• فراغ سياسي
• تصاعد الفوضى
• أو إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا
وهذا ما يجعل من النجاح العسكري غير المكتمل خطرًا بحد ذاته.
سادساً: الاقتصاد… العامل الحاسم غير المعلن
الحروب الحديثة لا تُحسم فقط في الميدان، بل في الاقتصاد.
مضيق هرمز ليس مجرد موقع جغرافي، بل:
• شريان حيوي للطاقة العالمية
• نقطة ضغط على الاقتصاد الدولي
أي اضطراب فيه قد يؤدي إلى:
• ارتفاع أسعار النفط
• اضطراب سلاسل الإمداد
• ضغط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية
وفي المقابل:
• إيران تعتمد على اقتصاد متأثر بالعقوبات
• لكنها تملك أدوات لرفع كلفة المواجهة على خصومها
وهكذا تتحول الحرب إلى معادلة كلفة متبادلة، لا انتصار حاسم.
سابعاً: حدود القوة في عالم متغير
ربما تكمن الإشكالية الأعمق في اعتماد نماذج قديمة لفهم صراع جديد.
القوة العسكرية، مهما بلغت، تواجه اليوم ثلاث قيود أساسية:
1. تعقيد الجغرافيا
2. تطور أدوات الحرب غير التقليدية
3. تشابك الاقتصاد العالمي
في هذا السياق، يصبح السؤال ليس:
هل يمكن الانتصار؟ بل:ما معنى الانتصار أصلًا؟
خاتمة
في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، لم يعد الحسم السريع قاعدة، بل الاستثناء.
ما يجري في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لنموذج كامل في فهم القوة وحدودها.
وقد يكون الدرس الأهم هو أن:
القوة التي لا تُعرّف أهدافها بدقة، قد تنجح تكتيكيًا… لكنها تفشل استراتيجيًا.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
سقوط إيران: نهاية نظام أم بداية فوضى؟
كما ذكرت في مقالي السابق سنبدأ بالسؤال التالي و احتمال سقوط النظام الإيراني، حيث يتبادر إلى الذهن سريعًا مشهدٌ بسيط في ظاهره: خصمٌ إقليمي كبير يتراجع، فتتنفس اسرائيل وبعض دول المنطقة الصعداء. لكن السياسة، مثل التاريخ، لا تُقرأ بهذه البساطة. فإيران ليست دولة هامشية يمكن أن تسقط من دون أن تهتزّ معها خرائط كثيرة. نحن نتحدث عن دولة يتجاوز عدد سكانها ٩٠ مليون نسمة، وتقع على واحد من أخطر مفاتيح الطاقة في العالم، وتملك امتدادات سياسية وأمنية في أكثر من ساحة إقليمية. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يسقط النظام؟ بل: إذا سقط، فهل تبقى الدولة أم تنهار معها؟
هذا التمييز أساسي. فسقوط النظام يعني تغيّر السلطة السياسية، أما سقوط الدولة فيعني شيئًا آخر تمامًا وهو ما عشناه في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام ٢٠٠٣ حيث بسقوط الدولة حدث : اهتزاز المؤسسات، تراجع السيطرة على السلاح والحدود، ضعف الإدارة، وفتح الباب أمام قوى محلية أو مسلحة أو خارجية لتملأ الفراغ. وفي الشرق الأوسط، كثيرًا ما كانت لحظة “الانتصار” على نظام ما هي بداية مرحلة أطول من الفوضى، لا بداية الاستقرار. وهذه ليست مبالغة نظرية؛ فالمؤشرات الإنسانية نفسها داخل إيران بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أدت إلى نزوح داخلي مؤقت يقدَّر بين ٦٠٠ ألف ومليون أسرة، أي ما يصل إلى ٣ مليون شخص. فإذا كانت هذه أرقام مرحلة التصعيد، فكيف يكون المشهد إذا انهار المركز السياسي والأمني للدولة نفسها؟
من هنا، يصبح من الخطأ النظر إلى سقوط النظام الإيراني بوصفه حدثًا إيرانيًا داخليًا فقط. فإيران ليست جزيرة معزولة، بل عقدة جغرافية وسياسية واقتصادية. وهي تطل على مضيق هرمز، الذي عبره في ٢٠٢٤ نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل النفطية، أي ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي، كما مرّ عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومعظمها من قطر والإمارات. لذلك فإن أي انهيار واسع داخل إيران لن يبقى أثره في طهران أو أصفهان أو تبريز، بل سينعكس فورًا على أمن الخليج، وعلى ثقة الأسواق، وعلى كلفة التأمين البحري، وعلى الاقتصاد العالمي كله.
في السيناريو الأفضل، قد يسقط النظام وتبقى الدولة. أي أن تنجح المؤسستان العسكرية والإدارية، أو جزء معتبر منهما، في منع التفكك الكامل، فتحدث عملية انتقال مضطربة لكنها قابلة للاحتواء. في مثل هذه الحالة، يمكن تصور أن إيران تتراجع عن مشروعها الاقليمي وتنشغل بإعادة البناء الداخلي، وتفتح الباب أمام توازنات إقليمية أقل توترًا. هذا هو السيناريو الذي قد يراه بعض الخليجيين أو الغربيين “الخيار المثالي”: إضعاف المشروع الإيراني من دون تحويل إيران نفسها إلى مساحة فوضى مفتوحة. لكن هذا السيناريو يتطلب شروطًا صعبة: تماسكًا مؤسسيًا، وبديلًا سياسيًا قابلًا للحياة، وحدًا أدنى من التفاهم الداخلي، وكلها أمور لا يمكن افتراضها تلقائيًا في لحظة انهيار عنيف. وهذه الجملة الأخيرة استنتاج تحليلي، لا معلومة مؤكدة.
أما السيناريو الأخطر، فهو أن يسقط النظام وتسقط معه الدولة المركزية. عندها لا تعود المنطقة أمام “إيران جديدة”، بل أمام إيران مفككة. وفي هذه الحالة، لا يختفي التهديد بل يتشظى. يظهر خطر الجماعات المنفلتة، والاقتصادات غير الرسمية، والتهريب، والاقتتال المحلي، والتنافس على الموانئ والحدود ومصادر الثروة. وهنا تظهر مفارقة قاسية لكنها واقعية: الدولة المعادية قد تكون أقل خطرًا من الدولة المنهارة. فالدولة، مهما اشتدت خصومتها، تبقى محكومة بحسابات الردع والكلفة والقرار المركزي. أما الانهيار، فلا مركز فيه، ولا سقف واضحًا لمخاطره. هذا استنتاج سياسي مبني على طبيعة الدول المنهارة، لا على تصريح من مصدر بعينه.
أول من سيدفع الثمن في هذا السيناريو هو الجوار المباشر. دول الخليج قد ترى في ضعف إيران فرصة استراتيجية، لكنها ستكتشف سريعًا أن الفراغ على الضفة المقابلة أخطر من الخصومة المنظمة. فالخليج لا يحتاج فقط إلى خصم أضعف، بل يحتاج أيضًا إلى بيئة بحرية مستقرة، وممرات آمنة، وضمان أن لا تتحول السواحل المقابلة إلى مصدر تهديد مبعثر. وهذا مهم خصوصًا لأن وكالة الطاقة الدولية أكدت في شباط ٢٠٢٦ أن نحو ٩٣٪ من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال و ٩٦٪ من صادرات الإمارات من الغاز الطبيعي المسال تعبر مضيق هرمز، وهو ما يربط الأمن الخليجي مباشرة بالأمن الاقتصادي العالمي.
ثم يأتي البعد الإنساني والديمغرافي. فإذا دخلت إيران في فوضى عميقة، فإن ملايين البشر لن ينتظروا طويلًا قبل أن يبحثوا عن النجاة، أولًا داخل البلاد، ثم في الدول المجاورة، ثم عبر مسارات أطول نحو أوروبا. والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين أشارت أصلًا، قبل اتساع النزاع الراهن، إلى أن إيران كانت تستضيف نحو ٨٠٠ ألف لاجئ مسجل، غالبيتهم من الأفغان، إلى جانب تقديرات بوجود نحو مليوني أفغاني غير موثقين داخلها. وهذا يعني أن أي انهيار واسع لن يضرب مجتمعًا وطنيًا فقط، بل سيصيب أيضًا بنية بشرية هشة ومركبة أصلًا، ما يزيد احتمالات النزوح المركّب والفوضى الإنسانية.
وفي أوروبا، لا يُنظر إلى هذا الاحتمال من زاوية أخلاقية فقط، بل من زاوية سياسية داخلية أيضًا. فالقارة التي واجهت خلال العقد الماضي أزمات لجوء أقل حجمًا من هذا السيناريو الافتراضي تعرف أن موجات نزوح كبرى لا تغيّر سياسات الحدود وحدها، بل تغيّر المزاج السياسي، وتغذي اليمين الشعبوي، وتعيد طرح أسئلة الهوية والاندماج والدولة الوطنية. ولذلك فإن أوروبا لا تخشى فقط “إيران كخصم”، بل تخشى أكثر “إيران كمساحة انهيار بشري مفتوح”. وهذه خلاصة تحليلية منطقية لما تعنيه أرقام النزوح المحتملة في دولة بهذا الحجم.
على مستوى الطاقة، تبدو الصورة أشد وضوحًا. فوكالة الطاقة الدولية قالت في تقريرها الشهري الصادر في اذار ٢٠٢٦ إن الحرب في الشرق الأوسط تسببت بالفعل في أكبر تعطّل للإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي، مع هبوط تدفقات الخام والمنتجات عبر هرمز من نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى مستويات شبه معدومة. هذا التطور وحده يكفي لشرح لماذا لا يمكن فصل مصير إيران عن الاقتصاد العالمي. فالمسألة هنا ليست سياسية فقط، بل تتعلق بسلاسل الإمداد، والتضخم، وأسعار النقل، وأمن الطاقة في آسيا وأوروبا معًا.
لهذا كله، فإن السؤال الذي نبدأ به هذه السلسلة ليس سؤالًا دعائيًا من نوع: هل نريد سقوط إيران أم لا؟ بل سؤال أكثر جدية: ما الذي سيسقط بالضبط؟ النظام وحده، أم الدولة معه؟
فإذا سقط النظام وبقيت الدولة، فقد نكون أمام أزمة كبيرة لكنها قابلة للاحتواء.
أما إذا سقطت الدولة أيضًا، فإن المنطقة لن تدخل عصرًا جديدًا من الاستقرار، بل مرحلة طويلة من الانكشاف: في الخليج، وفي العراق وبلاد الشام، وفي أوروبا، وفي أسواق الطاقة العالمية.
الخلاصة أن سقوط النظام الإيراني لا يمكن أن يُقرأ بمنطق التبسيط الأخلاقي أو الامنيات السياسية للبعض . ففي الجغرافيا السياسية، لا يكفي أن يضعف خصمك؛ الأهم ألا ينهار الإقليم معه. وحين نتحدث فنحن لا نتحدث عن عقدة محلية صغيرة، بل عن دولة كبيرة، وممر طاقة حاسم، ومركز ثقل يؤثر انهياره في ما هو أبعد من حدوده بكثير. ولهذا فإن السؤال عن ما بعد السقوط أهم من السقوط نفسه.
إذا انتصرت إسرائيل: ماذا يتغيّر في المنطقة والخليج والعالم والطاقة؟
الحرب التي لا مخرج منها
الحرب التي لا مخرج منها
د. علاء محمود التميمي
آذار ٢٠٢٦
ليست كل الحروب تُخاض من أجل النصر، ولا كل التصعيدات تُبنى على حسابات عقلانية متماسكة. فبعض الحروب تبدأ بوهم التفوق السريع، ثم لا تلبث أن تتحول إلى مأزق استراتيجي مفتوح، تتراكم فيه الأخطاء أكثر مما تتراكم المكاسب. وهذا، على ما يبدو، هو ما يحدث اليوم في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ومعها إسرائيل بوصفها طرفاً أساسياً في إشعال النار وتوسيع مداها.
القراءة المتأنية لمسار الحرب تشير إلى أن الرهان الأول قام على فرضية قديمة تتكرر كثيراً في التاريخ السياسي والعسكري: توجيه ضربة قاسية ومباغتة إلى رأس النظام، ثم انتظار انهياره من الداخل. غير أن هذه الفرضية، التي بدت مغرية لبعض دوائر القرار، اصطدمت بواقع مختلف تماماً. فالدولة الإيرانية، على الرغم من أزماتها وتعقيداتها، لم تنهَر، ولم تنفجر من الداخل، ولم يتحول الضغط العسكري الخارجي إلى انتفاضة شعبية حاسمة. وهكذا سقطت فرضية “الحسم السريع”، ووجدت واشنطن نفسها في مواجهة حرب أطول، أكثر كلفة، وأقل قابلية للسيطرة.
المشكلة الكبرى في هذا النوع من الحروب أن لحظة الفشل الأولى لا تبقى مجرد إخفاق تكتيكي، بل تتحول سريعاً إلى مأزق سياسي. فحين تفشل الضربة الأولى في إنتاج النتيجة الموعودة، يصبح السؤال الأصعب: ماذا بعد؟ هل يكون التصعيد هو الحل؟ أم التراجع؟ أم البحث عن مخرج تفاوضي؟ غير أن التصعيد قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها، والتراجع يكلّف هيبة سياسية كبيرة، أما التفاوض فيبدو مستحيلاً حين تكون شروط الطرفين متناقضة إلى هذا الحد. وهنا تحديداً تتجلى خطورة الموقف: حرب لا نصر سريع فيها، ولا سلام قريب لها، ولا انسحاب مريح منها.
إيران، من جانبها، لا تبدو في عجلة من أمرها لإنهاء الحرب. فكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت كلفتها على خصومها، واتسعت آثارها على الاقتصاد العالمي، وازدادت الضغوط السياسية داخل الغرب نفسه. ومن منظور استراتيجي بحت، فإن الزمن هنا لا يعمل بالضرورة ضد طهران، بل قد يكون أحد أسلحتها الأساسية. فالحرب الطويلة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، بل أيضاً بما تفعله بأسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، وبمزاج المجتمعات التي تبدأ بالتململ كلما ارتفعت الكلفة المعيشية.
ومن هنا نفهم لماذا لا تكمن خطورة هذه الحرب في بعدها العسكري وحده، بل في قدرتها على الانتقال من ساحة القتال إلى بنية الاقتصاد الدولي. فإذا توسعت الضربات لتطال منشآت الطاقة أو الممرات الحيوية أو محطات التحلية والبنية التحتية الحساسة في الخليج، فإن المنطقة لن تكون وحدها من يدفع الثمن، بل العالم بأسره. ذلك أن الخليج ليس مجرد جغرافيا نفطية، بل عقدة مركزية في معادلة الطاقة والتجارة والاستقرار العالمي. وأي عبث واسع بهذه المعادلة قد يدفع الاقتصاد الدولي إلى حافة اضطراب خطير، لا سيما في الدول الأشد هشاشة وفقراً.
أما إسرائيل، التي دفعت بقوة في اتجاه التصعيد، فهي ليست بمنأى عن نتائج ما جرى. فالحروب التي تُشعلها الدول باعتبارها أداة ردع قد ترتد عليها عندما يتبين أن الخصم لا ينهار، وأن الجبهة الداخلية نفسها ليست محصّنة كما كان يُظن. وإذا وجدت تل أبيب نفسها في مواجهة استنزاف متواصل، مع دفاعات مثقلة وضربات متبادلة، فإنها قد تميل إلى توسيع بنك الأهداف باتجاه البنية الاقتصادية الإيرانية، في خطوة قد تكون أخطر حلقات التصعيد وأكثرها اقتراباً من الانفجار الإقليمي الشامل.
ما يزيد المشهد قتامة أن المخرج الدبلوماسي لا يبدو ناضجاً. فإيران تريد رفع العقوبات، وضمانات، وتغييراً جوهرياً في قواعد الاشتباك، فيما تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على تقليص قدرات إيران الصاروخية والنووية والإقليمية. وبين هذين السقفَين، لا توجد حتى الآن أرضية حقيقية للتسوية. لذلك لا يبدو الحديث عن مفاوضات جادة أكثر من محاولة لشراء الوقت، أو تهدئة الأسواق، أو إدارة الانطباع العام، لا أكثر.
والأخطر من كل ذلك أن الحروب حين تدخل منطقة اليأس السياسي تصبح أكثر قابلية للمقامرة. فالقائد الذي يشعر بأنه عالق، وأن الزمن لا يعمل لصالحه، قد يلجأ إلى خطوات غير محسوبة، ليس لأنها تضمن النجاح، بل لأنه لم يعد يرى بديلاً مقبولاً عنها. والتاريخ مليء بأمثلة قادة دفعهم الإحباط إلى توسيع الحروب بدل احتوائها. وفي هذه اللحظة بالذات، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط في قوة السلاح، بل في هشاشة القرار.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد جولة أخرى في صراع شرق أوسطي تقليدي، بل اختبار قاسٍ لفكرة القوة نفسها: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تفرض ترتيباً سياسياً جديداً؟ أم أنها، حين تُستخدم من دون فهم عميق للمجتمع والتاريخ والجغرافيا، تتحول إلى أداة لإنتاج الفوضى لا الحسم؟ ما يجري حتى الآن يوحي بأن من أشعل الحرب لم يحسن تقدير حدودها، ولا طبيعة خصمه، ولا حجم التداعيات التي قد تخرج من رحمها.
الخلاصة أن الحرب دخلت منطقة الخطر الحقيقي: لا نصر حاسماً في الأفق، ولا تسوية ناضجة، ولا تراجع بلا كلفة. وكل يوم يمرّ يجعل كلفة الاستمرار أكبر، لكنه لا يجعل قرار التوقف أسهل. ولهذا فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما وقع حتى الآن، بل ما قد يقع عندما يقتنع أحد الأطراف أن الهروب إلى الأمام هو خياره الوحيد.
في مثل هذه اللحظات، لا تعود القضية مجرد صراع بين دولتين أو مشروعين، بل تصبح سؤالاً عن قدرة العالم على منع الانزلاق إلى كارثة أكبر. أما إذا استمر الرهان على كسر الإرادات بالقوة وحدها، فإن الشرق الأوسط قد لا يكون أمام حرب قصيرة، بل أمام مرحلة جديدة من الفوضى الطويلة، يدفع ثمنها الجميع، وفي المقدمة الشعوب التي لم تُستشر أصلاً في إشعالها.
بعد أربعة أسابيع من الحرب: ما الذي تقوله الوقائع لا الرغبات؟
حين تندلع الحروب، يسارع كثيرون إلى بناء مواقفهم على ما يحبّون أن يحدث، لا على ما يحدث فعلاً. بعضهم يعلن النصر منذ اليوم الأول، وبعضهم يوزّع الهزيمة باكراً، وكأن الحرب بيان سياسي لا مسار ميداني متقلب. لكن بعد دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى أسبوعها الرابع، لم يعد مفيداً أن نقرأ المشهد بلغة التمنّي. الأجدى أن نقرأه كما هو: حرب اتسعت، وكلفتها ارتفعت، ونتائجها ما زالت مفتوحة. وتشير التقارير إلى أن هذه الحرب بدأت في 28 شباط 2026، ثم أخذت تتوسع تدريجياً من ضربات عسكرية مباشرة إلى أزمة طاقة وممرات ومخاطر إقليمية أوسع.
أول ما تكشفه الوقائع أن الحرب لم تبقَ محصورة في تبادل الضربات الجوية أو الصاروخية بين طرفين معروفين، بل تحولت إلى نزاع متعدد الطبقات: ضربات على الداخل الإيراني، صواريخ على إسرائيل، توتر على جبهة لبنان، وتهديد مباشر للبنية التحتية الحيوية في الخليج. هذا وحده كافٍ لنسف السردية السهلة التي تختزل المشهد في “جولة محدودة” أو “رسالة محسوبة”. ما نراه الآن هو توسع أفقي وعمودي في آن واحد: توسع في الجغرافيا، وتوسع في نوع الأهداف.
الوقائع الميدانية لا تدعم أيضاً فكرة أن إيران انهارت سريعاً، كما لا تدعم فكرة أنها حسمت الحرب لصالحها. فالتقارير الغربية نفسها تتحدث عن استمرار قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعن ضربات وصلت إلى مناطق حساسة في جنوب إسرائيل، منها محيط ديمونا وعراد، مع وقوع إصابات وأضرار ملموسة. وفي المقابل، تتحدث المصادر ذاتها عن خسائر بشرية كبيرة داخل إيران، وعن ضربات أميركية وإسرائيلية متواصلة تستهدف قدراتها العسكرية والنووية والبنى المرتبطة بها. المعنى هنا واضح: القدرة على الإيذاء ما زالت قائمة عند الطرفين، لكن القدرة على الحسم السريع غير ظاهرة حتى الآن.
غير أن التطور الأخطر في الأسبوع الرابع ليس عدد الصواريخ وحده، بل انتقال الحرب إلى مستوى آخر: مستوى الطاقة والممرات. مضيق هرمز لم يعد مجرد خلفية جغرافية للصراع، بل صار في قلبه. خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت التهديدات المتبادلة حول إبقاء المضيق مفتوحاً أو إغلاقه بالكامل، مع إنذار أميركي لإيران بفتح الممر خلال 48 ساعة، ورد إيراني بأن أي استهداف جديد لمنشآتها سيقابله إغلاق كامل للمضيق وضرب لبنى الطاقة والمياه في الجوار الخليجي. هنا دخلت الحرب منطقة بالغة الخطورة: منطقة الاقتصاد العالمي، لا الاقتصاد الإقليمي فقط.
ومن يراجع تطورات سوق الغاز المسال يفهم لماذا لم تعد هذه الحرب شأناً عسكرياً فحسب. فالهجمات الأخيرة على منشآت رأس لفان في قطر، وهي من أكبر مراكز الغاز المسال في العالم، تسببت وفق رويترز وفايننشال تايمز في تعطيل نحو 17 في المئة من طاقة قطر التصديرية لمدى قد يمتد بين ثلاث وخمس سنوات، مع لجوء قطر إلى القوة القاهرة في بعض العقود طويلة الأجل. كما أن توقف أو تعثر شحنات الغاز الخارجة من الخليج جعل دولاً آسيوية شديدة الاعتماد على الغاز القطري، مثل باكستان وبنغلادش وتايوان، تدخل طور القلق الحقيقي من نقص الإمدادات، وارتفاع الأسعار، والاضطرار إلى العودة إلى الفحم أو الوقود الأكثر كلفة وتلويثاً.
هنا بالتحديد تظهر نقطة كثيراً ما يغفلها المراقبون المنحازون: ليست المسألة من أطلق صواريخ أكثر، بل من نجح في نقل الحرب من ميدان السلاح إلى ميدان الأعصاب العالمية. حين يصبح نحو خُمس تجارة الطاقة العابرة من المنطقة في مهب التهديد، وحين تتحدث العواصم الصناعية عن تأمين الإمدادات لا عن مجرد متابعة الأخبار، فهذا يعني أن الحرب خرجت من حدودها التقليدية. وقد دفعت هذه المخاطر مجموعة السبع إلى إعلان استعدادها للتحرك لحماية إمدادات الطاقة وأمن الملاحة، وهو إعلان يكشف أن الملف لم يعد يُدار بوصفه اشتباكاً إقليمياً محدوداً.
لكن من الخطأ، في المقابل، أن تُفهم هذه القدرة الإيرانية على التعطيل على أنها نصر استراتيجي مكتمل. نعم، إيران أثبتت أنها قادرة على إرباك خصومها وإيلامهم وإرباك السوق العالمية، لكن هذا النوع من التفوق يختلف عن الحسم. فكلما توسعت دائرة الأذى، توسعت معها دائرة الخصوم والمتضررين. إغلاق هرمز أو تعطيله لا يضغط على واشنطن وتل أبيب ودول الخليج فقط، بل يضغط أيضاً على الصين واليابان وأوروبا وآسيا المستوردة للطاقة. وهذه نقطة جوهرية: من يستخدم الجغرافيا سلاحاً يربح ورقة ضغط كبيرة، لكنه يفتح على نفسه أيضاً ضغوطاً دولية أكبر.
من جهة أخرى، كشفت الحرب حدود البدائل المتاحة أمام دول المنطقة. السعودية مثلاً رفعت صادراتها عبر البحر الأحمر مستفيدة من خط الشرق-الغرب، ووصلت شحناتها من ينبع إلى مستويات مرتفعة هذا الشهر، لكن هذه القدرة لا تعني أن المنطقة كلها قادرة على الالتفاف السهل على هرمز. العراق والكويت والإمارات يبقون أكثر حساسية لهذا الاختناق، حتى مع وجود بعض المسارات البديلة المحدودة. وهذا يعيدنا إلى درس قديم يتكرر في كل أزمة: الثروة وحدها لا تكفي إذا كانت ممراتها قليلة ومكشوفة.
سياسياً، لا تبدو الحرب حتى اليوم حرب أهداف واضحة بقدر ما تبدو حرب تصعيد متبادل. الخطاب الأميركي والإسرائيلي يركز على كسر القدرات النووية والعسكرية الإيرانية وردع طهران، فيما تركز إيران على إظهار قدرتها على الصمود والرد وتوسيع كلفة الحرب على خصومها ومحيطهم. لكن بعد أربعة أسابيع، لا يوجد ما يشير إلى أن أياً من الطرفين حقق الغاية النهائية التي يفترض أنه دخل الحرب من أجلها. ما تحقق حتى الآن هو توسيع ميدان النار، وإدخال الاقتصاد العالمي في حالة قلق، ورفع الأكلاف الإنسانية والمادية، وتكريس منطق أن كل خطوة جديدة تحمل احتمال الانفلات أكثر مما تحمل فرصة الإغلاق السريع.
لهذا كله، فإن أكثر ما ينبغي الحذر منه اليوم هو القراءة الرغبوية للحرب. من يريد هزيمة إيران سيجد في الضربات عليها ما يؤيد رغبته، ومن يريد هزيمة أميركا وإسرائيل سيجد في أزمة الطاقة وتعثر الملاحة ما يدعم سرديته. لكن المراقب الذي يحترم الوقائع لا يستطيع أن يقول إن الحرب حُسمت، ولا أن يصفها بأنها مجرّد استعراض. نحن أمام حرب دخلت أسبوعها الرابع وهي أكثر اتساعاً، وأكثر كلفة، وأكثر قابلية للخروج عن السيطرة. وهذه، في حد ذاتها، حقيقة ثقيلة ينبغي أن تُقال بوضوح.
أما العراق، الذي خبر الحروب أكثر من غيره، فمصلحته لا تكمن في الانحياز العاطفي لهذه الرواية أو تلك، بل في قراءة باردة لمآلات الصراع: أمن الطاقة، سلامة الممرات، تحييد أراضيه، وحماية اقتصاده من ارتدادات حرب لا يملك قرارها. فالذين دفعوا أثمان الحروب لعقود يعرفون أن البداية كثيراً ما تكون صاخبة، أما النهاية فتُقاس بما يبقى من خراب، لا بما يُقال في نشرات الأخبار.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
ترامب ومضيق هرمز: قراءة في تناقض التصريحات
ترامب ومضيق هرمز: حين تتناقض التصريحات وتفضح ارتباك الاستراتيجية
د. علاء محمود التميمي
آذار ٢٠٢٦
في الحروب الكبرى لا تكون المشكلة في السلاح وحده، بل في اللغة التي تُدار بها الحرب أيضًا. فالكلمات، حين تصدر عن رئيس دولة عظمى، ليست مجرد تصريحات إعلامية، بل إشارات استراتيجية تقرأها الأسواق، وتراقبها الجيوش، وتبني عليها الدول حساباتها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مضيق هرمز مثالًا واضحًا على التناقض بين خطاب التهديد وخطاب التهوين، وبين استعراض القوة وغياب الرؤية المستقرة.
فخلال الساعات الأخيرة، صعّد ترامب لهجته إلى حدٍّ غير مسبوق، مهددًا إيران بأنها إن لم تُعد فتح مضيق هرمز بالكامل خلال 48 ساعة فإن الولايات المتحدة ستضرب محطات الكهرباء ومنشآت الطاقة الإيرانية، مع حديث واضح عن “إبادة” هذه الأهداف إذا استمر الإغلاق. وقد نقلت وكالات دولية كبرى هذا التهديد باعتباره إنذارًا مباشرًا مرتبطًا بأزمة الطاقة العالمية، بعد أن تسبب تعطّل الملاحة في المضيق بارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز وبقلق واسع في الأسواق الدولية.
لكن المشكلة لا تكمن في قسوة التهديد وحدها، بل في أنه يأتي بعد سلسلة طويلة من التصريحات المتناقضة. فترامب نفسه كان قد أوحى في تصريحات سابقة بأن الحرب شارفت على نهايتها، وأن إيران تعرضت لضربات قاصمة أفقدتها معظم قدرتها البحرية والعسكرية، بل وتحدث بصيغة المنتصر الذي يملك زمام المبادرة في المضيق. وفي الوقت نفسه، عاد ليرفع سقف التهديد من جديد، وكأن الحرب لم تُحسم، وكأن السيطرة على الممر البحري الأهم في العالم لم تتحقق بعد. هذا التباين بين إعلان التفوق العسكري وبين التلويح المستمر بتوسيع بنك الأهداف، يكشف أن واشنطن لم تصل إلى معادلة ردع مستقرة، وأن ما يُقال للإعلام لا ينسجم دائمًا مع ما يفرضه الميدان.
الأكثر دلالة أن الإدارة الأمريكية لم تكتفِ بالتهديد العسكري، بل اضطرت في الوقت نفسه إلى اتخاذ إجراءات تخفف من أزمة الطاقة، من بينها تخفيف بعض القيود على النفط الإيراني الموجود أصلًا في البحر بهدف تهدئة ضغوط الإمداد والأسعار. وهذا وحده يكشف تناقضًا جوهريًا: كيف تبرر واشنطن حربًا لتقويض إيران، ثم تضطر اقتصاديًا إلى السماح بتدفقات نفطية مرتبطة بها لتخفيف الصدمة عن السوق العالمية؟ إن هذا السلوك لا يعكس قوة استراتيجية بقدر ما يعكس مأزقًا سياسيًا واقتصاديًا، لأن إغلاق مضيق هرمز لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط كذلك على الاقتصاد العالمي وعلى الغرب نفسه.
ومن هنا يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري. إنه نقطة اختبار حقيقية لمصداقية الخطاب الأمريكي. فإذا كانت واشنطن قادرة فعلًا على فرض فتحه سريعًا، فلماذا استمرت الأزمة وتفاقمت أسعار الطاقة؟ وإذا كانت غير راغبة في توسيع الحرب، فلماذا تُهدد الآن بضرب البنية الكهربائية ومنشآت الطاقة، وهي أهداف لا تمثل مجرد رسالة عسكرية، بل خطوة نحو إنهاك دولة كاملة ودفع المنطقة كلها إلى مستوى أخطر من التصعيد؟ الواقع أن استهداف الطاقة لا يعني فقط ضرب الاقتصاد الإيراني، بل يعني فتح الباب أمام ردود قد تطال منشآت وممرات حيوية في الخليج كله، بما يجعل العالم أمام حرب استنزاف للطاقة لا أمام عملية ردع محدودة.
وإذا كان ترامب يقدّم نفسه بوصفه رجل الحسم، فإن تصريحاته بشأن هرمز تكشف شيئًا مختلفًا: رجل يرفع السقف كلما استعصت النتائج. فهو يدعو أحيانًا إلى أن تتحمل دول أخرى عبء حماية المضيق، ثم يعود ليتحدث بلغة أمريكية منفردة. ويعلن أحيانًا أن الحرب في طور الانحسار، ثم يعود ليهدد بضربات أوسع. وهذا ليس مجرد اختلاف في الأسلوب، بل خلل في تعريف الهدف نفسه: هل المطلوب ردع إيران فقط؟ أم فتح المضيق؟ أم تحطيم بنيتها الاستراتيجية؟ أم إدارة الأزمة حتى الانتخابات والأسواق؟ حين تتعدد الرسائل بهذا الشكل، تتراجع الهيبة بدل أن تتعزز، لأن الخصم والحليف معًا يبدآن في الشك بأن القرار السياسي لم يعد محكومًا برؤية متماسكة.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط احتمال ضرب منشآت الطاقة الإيرانية خلال 48 ساعة، بل أن هذا التهديد نفسه يأتي في سياق ارتباك استراتيجي أمريكي ظاهر. فالإدارة التي تقول إن الحرب تحقق أهدافها، هي نفسها التي تبدو خائفة من انعكاسات إغلاق المضيق على الاقتصاد العالمي. والرئيس الذي يتحدث بلغة النصر، هو نفسه الذي يعود إلى لغة الإنذار والمهلة والوعيد. وهذا يعني أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة ضغط إيرانية، بل أصبح أيضًا مرآة تعكس حدود القوة الأمريكية حين تواجه ممرًا بحريًا لا تُحسم معادلته بالتصريحات وحدها.
الخلاصة أن ما نشهده اليوم ليس تناقضًا لفظيًا عابرًا في كلام ترامب، بل تعبيرًا عن مأزق أعمق: القدرة على التدمير شيء، والقدرة على إنتاج استقرار سياسي واقتصادي شيء آخر تمامًا. والولايات المتحدة، مهما امتلكت من سلاح، لا تستطيع أن تفرض الأمن في مضيق هرمز بخطاب متقلب، ولا أن تطمئن الأسواق بتهديدات تتوسع كلما ازداد الارتباك. فحين تتناقض التصريحات، يصبح السؤال ليس فقط: ماذا ستفعل واشنطن؟ بل: هل تعرف واشنطن نفسها إلى أين تريد أن تصل؟
نشر على مدونة الدكتور علاء التميمي
ضيق هرمز: حيث تضيق الجغرافيا ويتّسع التاريخ
مضيق هرمز: حيث تضيق الجغرافيا ويتّسع التاريخ
د. علاء محمود التميمي
آذار ٢٠٢٦
في لحظات نادرة من التاريخ، تتكثف الجغرافيا حتى تكاد تتحول إلى فكرة، وتضيق المسافات حتى تختصر مسار العالم كله في ممر واحد. هناك، لا تعود الخرائط مجرد خطوط، بل تصبح اختبارًا للقوة، وللمعنى، ولمن يملك حق تعريف النظام الذي يعيش فيه الجميع. ومضيق هرمز، في هذه اللحظة الدولية المربكة، يبدو كأنه واحد من تلك المواضع التي تتجاوز حجمها، لتغدو مرآة لزمن كامل.
ليس لأن المياه التي تعبره أكثر أهمية من غيرها، بل لأن ما يمر فيه ليس النفط فقط، بل الثقة. الثقة في أن العالم، رغم اضطرابه، ما يزال محكومًا بقواعد يمكن التنبؤ بها، وأن هناك قوة قادرة على حماية شرايينه الحيوية، وعلى منع الفوضى من التحول إلى نظام بديل.
نحن لا نشهد أزمة عابرة، بل نعيش على تخوم مرحلة تاريخية تتراكم فيها الضغوط حتى تفرض لحظة اختبار لا يمكن تأجيلها. العالم، الان يقف في منتصف “الدورة الكبرى” التي كثيرًا ما انتهت في السابق إلى إعادة توزيع للقوة، لا عبر التفاوض فقط، بل عبر الاحتكاك الحاد، وربما الصدام.
تتوالى المؤشرات: قوى كبرى تعيد تعريف علاقتها ببعضها بعضًا، اقتصاد عالمي مثقل بديون تكاد تفوق قدرته على الاحتمال، مجتمعات تنقسم على نفسها حتى تفقد وضوح الاتجاه، ونزاعات إقليمية تتحول تدريجيًا إلى ساحات تصفية حسابات أوسع. وفوق ذلك كله، نظام دولي لم يعد قادرًا على إخفاء ارتباكه كما كان يفعل في السابق.
في مثل هذه اللحظات، لا يحتاج التاريخ إلى مساحات واسعة ليُكتب. يكفيه موضع واحد، شرط أن يكون حساسًا بما يكفي. ومضيق هرمز هو بالضبط هذا الموضع: نقطة ضيقة تحمل فوقها عبئًا لا يتناسب مع حجمها، لكنها تتناسب تمامًا مع هشاشة العالم الذي يعتمد عليها.
إذا تعطّل هذا الممر، لا ترتفع أسعار النفط فقط، بل تنكشف طبقات أعمق من الاعتماد المتبادل الذي يربط العالم ببعضه. فجأة، تبدو الأسواق أقل ثقة، والتحالفات أقل صلابة، والوعود السياسية أقل مصداقية. وكأن العالم يكتشف، في لحظة واحدة، أن استقراره لم يكن صلبًا كما تخيّل، بل كان قائمًا على توازن دقيق يمكن اختلاله عند نقطة واحدة.
لكن السؤال الذي يطرح ليس اقتصاديًا بقدر ما هو وجودي في معناه السياسي: من يملك القدرة على حماية هذا التوازن؟ من يستطيع أن يضمن أن نقاط الاختناق لن تتحول إلى أدوات ابتزاز؟ ومن يثبت، بالفعل لا بالخطاب، أنه ما يزال القوة التي يُبنى عليها النظام العالمي؟
إذا عجزت القوة المهيمنة عن حماية مضيق بهذه الأهمية، فإن الرسالة التي ستتردد في العواصم والأسواق لن تكون مجرد قراءة عسكرية. ستكون إعلانًا ضمنيًا بأن زمن الهيمنة الواضحة يقترب من نهايته، وأن العالم يدخل منطقة أكثر ضبابية، حيث لا توجد جهة واحدة قادرة على فرض القواعد. أما إذا نجحت في فرض الأمن وإبقاء التدفق مستمرًا، فإنها لا تحمي ممرًا مائيًا فحسب، بل تعيد تثبيت فكرة النظام ذاته.
من هنا، يتحول مضيق هرمز إلى ما هو أبعد من موقع استراتيجي؛ يصبح سؤالًا مفتوحًا عن شكل العالم. ليس لأن نتيجته وحدها ستحدد كل شيء، بل لأنها ستكشف اتجاهًا: هل ما زال العالم يسير وفق منطق القوة المهيمنة، أم أنه ينزلق، ببطء ولكن بثبات، نحو تعددية مضطربة لا تملك مركزًا واضحًا؟
قد يبدو مبالغًا أن نحمّل ممرًا ضيقًا هذا القدر من المعنى، لكن التاريخ، في لحظاته الحاسمة، يحب الاختصار. لا يظهر نفسه دائمًا في ساحات واسعة أو حروب كبرى معلنة، بل يتسلل أحيانًا عبر نقاط محدودة، ثم يكشف لاحقًا أنه كان يعيد ترتيب كل شيء من خلالها.
في هذا المعنى، لا يكون مضيق هرمز سبب التحول، بل علامته. ليس أصل الأزمة، بل مكان ظهورها. هناك، حيث تلتقي الجغرافيا بالاقتصاد بالقوة، يتكثف السؤال الذي يواجه العالم اليوم: من يملك القدرة، لا على إدارة الاستقرار فحسب، بل على تعريفه؟
ربما لن يُكتب مستقبل العالم في هذا المضيق وحده، لكن ما سيحدث فيه قد يجعل ذلك المستقبل أكثر وضوحًا مما نظن. ففي الأماكن التي تضيق فيها الجغرافيا إلى هذا الحد، يتسع التاريخ بما يكفي ليكشف نفسه دفعة واحدة.

www. altamimialaablog.com
متى تفقد القوة هيبتها
متى تفقد القوة هيبتها
✍️ د. علاء محمود التميمي
آذار ٢٠٢٦
قد تبدأ الحروب بقرار عسكري، لكنها كثيراً ما تنتهي بكشف حدود القوة التي أشعلتها.
تكشف النقاشات الجارية في مراكز التفكير الغربية حول الحرب مع إيران حقيقة لافتة: القصف الجوي، مهما كان واسعاً، لا يستطيع وحده أن يصنع نصراً سياسياً حاسماً. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن تغيير الأنظمة يتطلب وجوداً برياً واحتلالاً مباشراً، وهو خيار يدرك الجميع صعوبة تطبيقه في بلد بحجم إيران وتعقيداته.
لكن الأخطر من البعد العسكري هو ما قد تتركه هذه الحرب من آثار أوسع على النظام الدولي. فاضطراب الخليج يعني اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط قد يعيد توزيع المكاسب بين القوى الكبرى، بينما قد تجد ملفات دولية أخرى نفسها في الظل.
لهذا لا تقاس قوة الدول بعدد حاملات الطائرات أو حجم الترسانة العسكرية فحسب، بل بقدرتها على إدارة القوة من دون أن تتحول إلى عبء على صاحبها. فالتاريخ يذكّرنا دائماً بأن اللحظة التي تفقد فيها القوة حكمتها، هي غالباً اللحظة التي تبدأ فيها هيبتها بالتآكل
ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من سينتصر عسكرياً في هذه الحرب؟
بل: ماذا سيبقى من صورة القوة في عالم بدأ يشك أكثر فأكثر في قدرة الحروب على صناعة الاستقرار.