فهم طريقة سانت ليغو المعدلة في القانون الانتخابي العراقي. شرح مبسط مع مثال حسابي
د . علاء التميمي
تشرين الاول ٢٠٢٥
يشكّل النظام الانتخابي حجر الزاوية في بناء أي نظام ديمقراطي. فهو الذي يحدد كيف تتحول أصوات الناس إلى مقاعد في البرلمان، وكيف يُعاد تشكيل الخريطة السياسية بعد كل دورة انتخابية. وفي العراق، أعاد القانون الانتخابي الأخير اعتماد المحافظة كدائرة واحدة بدلا من القانون السابق الذي حدد عدد دوائر كل محافظة بما يتوافق مع عدد المقاعد الانتخابية المخصصة لكل محافظة حسب حجمها السكاني
تم استخدام طريقة سانت ليغو المعدّلة (1.7)، وهو ما أثار نقاشًا واسعًا حول أثر هذا الأسلوب على تمثيل المستقلين والقوائم الصغيرة.
في هذا المقال، أقدّم شرحًا مبسّطًا لطريقة سانت ليغو المعدّلة، مع مثال رقمي واضح، ثم مناقشة مختصرة لآثارها على الواقع السياسي العراقي.
📘 أولًا: ما هي طريقة سانت ليغو؟
سانت ليغو هي طريقة حسابية تستخدم لتوزيع المقاعد البرلمانية بين القوائم وفق مبدأ التمثيل النسبي.
تقوم الطريقة على تقسيم أصوات كل قائمة على سلسلة أرقام فردية (1، 3، 5، 7، …)، ثم تُرتّب النتائج من الأعلى إلى الأدنى، ويُمنح المقعد للقائمة ذات الرقم الأعلى.
غير أن العراق اعتمد نسخة معدّلة من هذه الطريقة، يبدأ فيها التقسيم بالرقم 1.7 بدلًا من 1. وهذا التعديل ليس تفصيلاً تقنيًا بسيطًا، بل يغيّر كثيرًا من التوازنات الانتخابية.
🔧 ثانيًا: ما الذي يفعله رقم 1.7؟
رفع المقسوم الأول إلى 1.7 يؤدي إلى:
• تقليل عدد المقاعد التي يمكن أن تفوز بها القوائم الصغيرة
• إضعاف فرص المستقلين
• زيادة هيمنة القوائم الكبيرة
• ارتفاع نسبة الأصوات غير الممثلة في البرلمان
لأن القائمة الصغيرة عندما تُقسم أصواتها على 1.7 تصبح نتائجها ضعيفة مقارنة بقائمة كبيرة تُقسم على المقسومات اللاحقة (3 أو 5) ومع ذلك تبقى أعلى.
🧮 ثالثًا: مثال مبسّط جدًا لفهم سانت ليغو المعدّلة
لنفترض أن محافظة فيها 5 مقاعد فقط، وأن ثلاث قوائم حصلت على:
• القائمة A: 100,000 صوت
• القائمة B: 50,000 صوت
• القائمة C: 20,000 صوت
المقسومات المعتمدة:
1.7 – 3 – 5 – 7 – …
✦ المقعد الأول
نقسم أصوات الجميع على 1.7:
• A = 58,823
• B = 29,411
• C = 11,764
أعلى رقم ⇒ المقعد الأول للقائمة A
✦ المقعد الثاني — التوضيح المهم
بعد فوز القائمة A بالمقعد الأول، نقوم بالتالي:
1️⃣ القائمة A لا تعود تُقسم على 1.7
لأنها حصلت على مقعد، وبالتالي تنتقل إلى المقسوم التالي 3.
2️⃣ القائمتان B و C تبقيان على المقسوم 1.7
لأنهما لم تحصلا على أي مقعد بعد.
الآن نحسب:
• A = 100,000 ÷ 3 = 33,333
• B = 50,000 ÷ 1.7 = 29,411
• C = 20,000 ÷ 1.7 = 11,764
النتيجة:
أعلى رقم هو 33,333 ⇒
المقعد الثاني للقائمة A
وهذه نقطة محورية:
رغم أن A قُسمت على 3، إلا أن نتيجتها بقيت أعلى من قوائم تُقسم على 1.7.
وهذا يوضح كيف تستفيد القوائم الكبيرة من الطريقة المعدّلة.
✦ المقعد الثالث
A لديها مقعدان ⇒ تُقسم على 5
B و C تبقيان كما هما:
• A = 100,000 ÷ 5 = 20,000
• B = 50,000 ÷ 1.7 = 29,411
• C = 20,000 ÷ 1.7 = 11,764
الأعلى ⇒ المقعد الثالث للقائمة B
✦ المقعد الرابع
B حصلت على مقعد ⇒ تُقسم على 3 الآن:
• A = 100,000 ÷ 5 = 20,000
• B = 50,000 ÷ 3 = 16,666
• C = 20,000 ÷ 1.7 = 11,764
الأعلى ⇒ المقعد الرابع للقائمة A
✦ المقعد الخامس (الأخير)
• A = 100,000 ÷ 7 = 14,285
• B = 50,000 ÷ 3 = 16,666
• C = 20,000 ÷ 1.7 = 11,764
الأعلى ⇒ المقعد الخامس للقائمة B
📊 النتيجة النهائية
القائمة المقاعد
A 3
B 2
C 0
القائمة C — رغم حصولها على 20 ألف صوت — لم تحصل على أي مقعد.
وهذه بالضبط إحدى أبرز مشكلات القانون.
🎯 رابعًا: ماذا يعني هذا في الواقع السياسي العراقي؟
اعتماد المحافظة كدائرة واحدة مع سانت ليغو 1.7 يؤدي عمليًا إلى:
• تقوية الأحزاب الكبيرة التي تمتلك قواعد ثابتة
• إضعاف المستقلين والحركات الناشئة
• إلغاء تأثير الأصوات المحلية داخل الأقضية
• ارتفاع الأصوات المهدورة
• تقليل التنوع داخل البرلمان
وهذا ما يجعل النقاش حول القانون الانتخابي نقاشًا سياسيًا بامتياز، وليس مجرد مسألة حسابية.
🧭 خامسًا: الخلاصة
طريقة سانت ليغو المعدّلة (1.7) تمنح أفضلية كبيرة للقوائم الكبيرة،
بسبب طبيعة المقسومات وطريقة الانتقال بينها.
والمثال الحسابي يوضح كيف يمكن لقائمة كبيرة أن تستمر في الحصول على مقاعد حتى بعد تقسيم أصواتها على أرقام كبيرة، بينما تتراجع القوائم الصغيرة مبكرًا.
إن فهم هذه الطريقة ضروري لكل مواطن يريد قراءة المشهد الانتخابي بوعي، ولمن يسعى لتطوير نظام انتخابي أكثر عدالة وتمثيلًا.
نشر في مدونة الكتور علاء التميمي
نيويورك تنتخب شابًا مسلمًا… حين تنتصر المدينة لفكرتها لا لهويتها
خاطرة الجمعة
لم يكن فوز الشاب المسلم ظهران ممداني (Zohran Mamdani) بمنصب عمدة نيويورك حدثًا عابرًا في دورةٍ انتخابيةٍ متكرّرة، بل كان علامةً فارقة في تاريخ مدينةٍ لطالما مثّلت العالمَ مصغَّرًا في تعدّد ألوانه وأصواته.
هو أول مسلم يتولى هذا المنصب في واحدة من أكثر المدن تأثيرًا في العالم، وأصغر من وصل إليه منذ نحو قرن.
لكن الدلالة الأعمق من الخبر ذاته هي أنّ مدينة بهذا الحجم، حيث تتقاطع الأعراق والمعتقدات، قد اختارت أن تُصغي لصوت الكفاءة والصدق، لا لصوت الانتماء أو الخلفية.
لقد خاض ممداني حملته بأسلوبٍ بسيطٍ وشجاع.
ابتعد عن لغة النخبة، وتوجّه مباشرةً إلى الناس الذين يصنعون نبض المدينة — إلى الشباب، والمهاجرين، والطبقات العاملة.
لم يَعِدهم بالمستحيل، بل قدّم رؤيةً واقعية تقوم على العدالة، والسكن الميسّر، والتعليم، والمساواة.
وبينما اعتمد منافسوه على المال والإعلانات، اعتمد هو على الثقة والتفاعل، واستثمر وسائل التواصل الاجتماعي لتصبح حملته حوارًا جماعيًا، لا منبرًا للوعود.
هكذا انتصر من الجذور لا من القمم، ومن الناس لا من المؤسسات.
إنّ فوزه لا يُقاس بموقعه في بلدية نيويورك فحسب، بل بما يحمله من إشارة رمزية للعالم:
أنّ المدينة التي تؤمن بفكرتها قادرة على تجاوز هويّتها.
لقد أكدت نيويورك مرةً أخرى أنّ قوة المدينة ليست في ناطحات السحاب، بل في قدرتها على احتضان المختلفين دون خوف.
وفي المقابل، يوجّه هذا المشهد رسالة إلى مدننا العربية التي ما تزال أسيرة الانقسام والانغلاق:
إنّ المدينة العادلة لا تُبنى بالشعارات ولا بالمظاهر، بل حين يشعر كلّ مواطنٍ أنّ له مكانًا وصوتًا في مصيرها، بصرف النظر عن أصله أو فكره أو دينه.
في فوز ممداني نرى وجهًا جديدًا للحلم المدني،
حلمًا يذكّرنا بأنّ المدينة التي تفتح أبوابها للآخر إنما تفتحها لنفسها،
وأنّ الديمقراطية ليست ترفًا غربيًا، بل جوهرُ أيّ مدينةٍ تريد أن تبقى حيّةً بالمعنى، لا بالمبنى.
البديهيات والمصلحة عندما تهزم الحقيقة امام المنفعة
د علاء التميمي
تشرين الاول ٢٠٢٥
لو تعارضت البديهيات الهندسية مع مصالح الناس لأنكروها. فالناس، حين يُذكرون في المطلق، يذوب فيهم النوع داخل الكثرة، وتغيب معايير العقل في ضجيج المصلحة.
البديهيات لا تُكذّبها التجربة، ولا يخطئها الحدس، ومع ذلك قد تنحني أمام إرادة المنفعة، لأن المصلحة تملك سلطةً خفية على توجيه القبول والرفض.
إن وضع البديهيات العلمية في مواجهة المصلحة ليس تقليلًا من شأن الأولى، بل تأكيدٌ على سطوة الثانية، وعلى الحاجة إلى حكمةٍ ترى الإنسان في معاناته لا في معادلاته. فالحياة، بقدر ما تُبنى على العقل، تُدار أيضًا بعواطف الجموع ومصالحهم، وهي كثيرًا ما ترفض الحقيقة لأنها لا تخدمها.
في التاريخ الحديث، لا تخلو تجربة سياسية أو فكرية من مثالٍ يُظهر كيف يمكن لفكرةٍ وُلدت نبيلة أن تتحوّل إلى قيدٍ على أصحابها حين تتكلّس وتفقد قدرتها على التكيّف. حينئذٍ تنتصر المصلحة على البداهة، ويُستبدل الإيمان بالعقل إلى ولاءٍ للأفكار الموروثة التي فقدت صلاحيتها. هذا هو مكر التاريخ الذي يجعل الإنسان يستمر في عبادة فكرةٍ لم تعد نافعة لا له ولا للزمن الجديد.
المصلحة تتخذ وجوهاً كثيرة، وغالبها يعارض البداهة، سواء أكانت هندسية أم أخلاقية. فهي لا تظهر إلا حين تفقد الفكرة قدرتها على النمو، ويعلو صوت العقائدية المبتذلة، وتصبح السياسة مجالًا للحمقى الذين يحاربون كل ما يحرر العقل ويتيح للحرية أن تتنفس.
ومع ذلك، يظلّ الأمل قائمًا في الفكرة التي توازن بين العقل والمصلحة، بين البداهة والممارسة، بين الحقيقة ومتطلبات الواقع. فالديمقراطية في معناها الأعمق ليست سوى محاولة دائمة للحدّ من استبداد فكرةٍ واحدة، ومن رعونة القادة، ومن غباء التعصب. إنها تجعل مصلحة المجتمع نفسه — لا مصالح فئاته — بداهةً عليا، وتذكّرنا بأن لا فكرة تستحق أن تحكم الحياة وحدها، ولا قائد يملك الحقيقة كلها.
نشرت على مدونة الدكتور علاء التميمي
احداث أيلول ٢٠٠١ غاندَر: مدينة صغيرة في قلب عاصفة كبرى
في مثل هذا اليوم قبل أربعٍ وعشرين سنة، اهتز العالم على وقع أحداث الحادي عشر من أيلول 2001. كنت أتابع الأخبار مثل الملايين حول العالم، حين ارتطمت الطائرات المخطوفة ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، ثم توالت الصور عن حريق في البنتاغون وسقوط طائرة أخرى في بنسلفانيا. كان كل شيء يوحي بأن السماء لم تعد آمنة، وأن الخطر قد يمتد أبعد مما نتخيل.
في تلك اللحظة قررت السلطات الأميركية إغلاق مجالها الجوي بالكامل، في خطوة غير مسبوقة، خشية أن تكون هناك طائرات أخرى تحمل تهديداً. وها هي الطائرات العابرة للأطلسي تجد نفسها فجأة بلا وجهة، تبحث عن أرض تأويها.
وهنا برز اسم مدينة لم يكن كثيرون قد سمعوا به من قبل: غاندَر، الواقعة في أقصى الشرق الكندي على جزيرة نيوفاوندلاند، عند تخوم المحيط الأطلسي. هذه المدينة لم يكن يسكنها آنذاك أكثر من 10 آلاف نسمة، لكنها وجدت نفسها فجأة أمام أكثر من 6,700 مسافر هبطوا على متن أكثر من ثلاثين طائرة، أي ما يعادل تقريباً عدد سكانها بالكامل!
تخيلت المشهد وأنا أقرأ عنه: مدرج مزدحم بالطائرات، والمدينة كلها تستنفر لتصبح فجأة قلباً نابضاً للعالم. المدارس فتحت أبوابها كفنادق مؤقتة، القاعات الرياضية تحولت إلى مطاعم جماعية، وأهل المدينة تقاسموا طعامهم وبيوتهم وحتى سياراتهم مع الغرباء.
في تلك الأيام الثلاثة كتبت غاندَر درساً بليغاً: أن المدن تُقاس بقدرة قلوبها لا بعدد ناطحات سحابها. وأن الكرم، حين يأتي بلا انتظار ولا حساب، يصبح مرساةً للأمان وسط بحرٍ من الخوف.
واليوم، بعد أربعةٍ وعشرين عاماً على ذلك اليوم العصيب، يبقى هذا الدرس الإنساني عصياً على النسيان: ففي موقعٍ قصيّ عند حافة الأطلسي، أثبتت مدينة صغيرة أن الإنسانية قد تشرق من أبعد الجهات، حين يظلم العالم كله.
ساعة يوم القيامة… رقاص على حافة الهاوية
احيانا لا يأتي الخطر على هيئة انفجارٍ مفاجئ، بل يقترب بخطوات بطيئة، كعقربٍ يتحرك في صمت نحو نقطة النهاية. هناك لحظات في تاريخ البشرية يكون الصمت أخطر من الضجيج، والتحذير أشد وقعًا من الصدمة… ولعل “ساعة يوم القيامة” هي التجسيد الأكثر وضوحًا لهذه الفكرة.
ليست ساعةً على جدار، ولا عقربًا يدور في هاتفك، بل فكرةٌ وُلدت من قلب الخوف الإنساني، وحملت اسمًا يثير القشعريرة: “ساعة يوم القيامة”.
ابتكرها علماء شاركوا يومًا في صناعة أخطر سلاح عرفه البشر – القنبلة الذرية – ثم استيقظت فيهم ضمائرهم. شعروا أنهم، وهم يفتحون أبواب القوة، قد فتحوا معها أبواب الفناء. فابتكروا رمزًا لا ليخبرنا بالزمن، بل ليقيس المسافة بيننا وبين الكارثة.
في هذه الساعة، منتصف الليل ليس موعدًا للنوم، بل لحظة النهاية… حرب نووية، كارثة مناخية، وباء عالمي، أو انهيار تكنولوجي خارج السيطرة. وكلما اقترب عقرب الدقائق من تلك اللحظة، كان ذلك إعلانًا بأن العالم يقترب من حافة الهاوية. وإذا ابتعد، فهو أنفاس ارتياح مؤقتة.
يضبط عقاربها اليوم نخبة من العلماء والخبراء، يجتمعون كل عام ليفتشوا خرائط الخطر: التهديد النووي، تغيّر المناخ، سباق الذكاء الاصطناعي، هشاشة الدبلوماسية بين الأمم. يدرسون الأخبار، الحروب، الاتفاقيات الممزقة، وذوبان الجليد، ثم يقررون… هل نخطو نحو الهاوية أم نتراجع عنها خطوة؟
تاريخها يحمل لحظات متناقضة:
• 1947: بدأت على بعد سبع دقائق من منتصف الليل.
• 1953: اقتربت إلى دقيقتين فقط، في ذروة الحرب الباردة.
• 1963: ابتعدت إلى 12 دقيقة بعد اتفاقية الحد من الاختبارات النووية.
• 1991: كانت في أبعد نقطة، 17 دقيقة، مع نهاية الحرب الباردة.
• واليوم… نحن على 90 ثانية فقط، وهي أقرب مسافة في التاريخ، مدفوعة بحرب أوكرانيا، تعثّر معالجة أزمة المناخ، وسباق تكنولوجي يثير القلق.
هذه الساعة ليست نبوءة، ولا وعدًا بموعد محدد، بل هي جرس إنذار صامت… لكن صداه مدوٍّ في عقول من يفهمونه. إنها تذكير بأن مصيرنا ليس مكتوبًا، بل مرهون بالقرارات التي نتخذها اليوم.
إما أن نعيد عقاربها إلى الوراء، أو نتركها تمضي حتى تدق منتصف الليل… وعندها، لن يكون هناك وقت لننظر إليها مجددًا.
هيروشيما ظل لن يمحوه الزمن

في السادس من آب/أغسطس عام 1945، وعند تمام الساعة الثامنة والربع صباحا ، أسقطت طائرة أمريكية في سماء هيروشيما قنبلة نووية، سُمّيت “الولد الصغير”، لتسطر فصلًا مأساويًا في تاريخ البشرية. لم تمضِ سوى ثلاثة أيام حتى تكرر المشهد المروّع في مدينة ناكازاكي، حيث ألقت قنبلة ثانية، عرفت بـ “الرجل البدين”، في تمام الساعة الحادية عشرة واثنين من الدقائق صباحًا، لتُشعل الموت من جديد.
أرقامٌ تقف شاهدةً على فصول الفجيعة، تتحول إلى دموعٍ تسيل من عيون التاريخ
– في هيروشيما، سقط 140 ألف إنسان، بين موتٍ سريع وآخر بطيء، تسببت به إشعاعات القنبلة.
– وفي ناكازاكي، أزهق 74 ألف روحٍ بنفس الطريقة البشعة، لتبقى أرواحهم تتجول بلا مأوى.
– ومئات الآلاف من الناجين، الذين أصبحوا أحياءً أمواتًا، يعانون من حروقٍ مشوّهة، وأمراضٍ سرطانية نالت من أجسادهم، ليُولد أطفالٌ يحملون آثار تلك الفاجعة، مشوّهين لأجيالٍ قادمة.
اليوم، حين تتعالى أجراس الذكرى، لا تكتفي بالبكاء على ماضٍ مؤلم، بل تُنذر كل من يمتلك زرًّا نوويًا في هذا العالم:
*”احذروا… فالشمسَ قد تُسرَقُ من السماء مرةً أخرى، وهذه المرة… قد لا يبقى أحدٌ ليقوم بدفن الأموات.”*
إنّ العالم اليوم، وفي خضم النزاعات والحروب المتزايدة، يشهد تصاعدًا مقلقًا في التوترات الجيوسياسية، وتزداد حدة التهديدات. في مناطق الصراع في الشرق الأوسط واوكرانيا ، يُظهر التاريخ أن الأسلحة النووية ليست مجرد أدوات تدمير، بل سلاحٌ ذو حدين يهدد البشرية جمعاء.
ما نشهده اليوم من تصعيدٍ في النزاعات المسلحة، يثير القلق من إمكانية وقوع حروبٍ نووية، تضاف إلى قائمة الكوارث الإنسانية التي لا تُحصى. إن استحضار ذكرى هيروشيما وناكازاكي يجب أن يكون دافعًا للمجتمع الدولي، للتحرك بشكل عاجل نحو نزع السلاح النووي، وتعزيز السلام والتفاهم بين الأمم.
إن النزاعات الحالية ، قد تؤدي إلى استخدام الأسلحة النووية، لأسباب قد تكون غير محسوبة، مما ينذر بعواقب وخيمة. علينا أن نتذكر أن التقدم العلمي والتكنولوجي لا يجب أن يكون ذريعة للحصول على أسلحة دمار شامل، بل يجب أن يُستخدم في خدمة الإنسانية وتحسين حياة الأفراد.
البشرية تستحق عالمًا أكثر أمانًا، خاليًا من المخاطر النووية. لذا، يجب أن يكون صوتنا عالياً في المطالبة بالسلام، ورفض أي شكل من أشكال العنف، حتى لا نعيد كتابة فصول التاريخ المأساوية. لننطلق جميعًا نحو عالمٍ يسوده الأمل والتفاهم، حيث تكون الذكرى درسًا يُعلمنا كيف نحمي مستقبلنا، ونعمل معًا على بناء غدٍ أفضل.
في مواجهة المأساة… يهودي يتأمل ما بعد غزة
غالبا ما أحرص في قراءاتي على تنويع المصادر والآراء، حتى تلك التي قد لا أتفق معها بالضرورة. فبالنسبة لي، الفهم الحقيقي يبدأ من الإصغاء للآخر، حتى لو كان “الآخر” يقف على الضفة المقابلة من الوجع. ولعل هذا ما دفعني مؤخرًا إلى اقتناء كتاب شدّني عنوانه بقوة:
“أن تكون يهوديًا بعد تدمير غزة: الحساب“
“Being Jewish After the
Destruction of Gaza: A Reckoning”
للكاتب اليهودي الأمريكي بيتر بينارت.
شدني العنوان حيث استخدم الكاتب مصطلح “Reckoning , الحساب” تعني لحظة الحكم او التقييم ، حين يواجه الأفراد أو المجموعات عواقب أفعالهم السابقة، مما يؤدي غالبًا إلى المسائلة.
كان في ذهني أن أقرأه كوثيقة فكرية تعبّر عن وجهة نظر مختلفة، لكني لم أكن أتوقع أن أجد فيه هذا القدر من الصدق الأخلاقي والجرأة في المكاشفة.
الكاتب، وهو يهودي و مفكر سياسي وصحفي معروف، لا يدافع عن إسرائيل، بل يواجهها ويوجه سؤاله لليهود
ماذا يعني أن تكون يهوديًا اليوم، بعد ما جرى في غزة؟
هل يمكن لليهودي تبرير الصمت عن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في غزة باسم التضامن معها؟
وأين تقف القيم اليهودية حين تُسفك الدماء ويُهدم العمران تحت راية الدفاع عن “الهوية”؟
بينارت لا يكتب بلغة العداء، بل بلغة الحزن… وبمرارة الخيانة الأخلاقية. هو لا يُهاجم الديانة اليهودية، بل ينتقد كيف تم استخدامها كغطاء لممارسات لا تمتّ بصلة إلى تعاليم العدالة والرحمة التي قامت عليها كديانة سماوية
في فصول الكتاب، يستعرض بينارت تحوّل الرواية اليهودية من سردية “الناجين من المحرقة” إلى أداة تبرير للقوة المفرطة، ويُسائل مؤسسات يهودية أمريكية كبرى عن دورها في دعم حصار غزة وتجويع الأطفال والحرب عليها.
لكنه لا يكتفي بالنقد، بل يقترح مخرجًا: التحرر من هاجس التفوق القومي اليهودي ، وبناء دولة واحدة لجميع سكان الأرض المقدسة، يهودًا وفلسطينيين، على قدم المساواة.
شخصيًا، خرجتُ من هذه القراءة بانطباع عميق: أن الكاتب، رغم انتمائه العقائدي والقومي، اختار أن ينتصر لإنسانيته أولًا.
أن يكون الإنسان يهوديًا أو مسلمًا أو مسيحيًا، لا يعني أن يبرر القتل، بل أن يرفضه.
ما أعجبني في بينارت ليس فقط موقفه من غزة، بل شجاعته في مواجهة تاريخه الخاص، مجتمعه، وأحيانًا حتى عائلته الفكرية. هذا النوع من الأصوات – النادرة والمؤثرة – هو ما يحتاجه عالمنا المنهك بالصراخ والصدى.
في زمن الخنادق، اختار أن يكون جسرًا.
وفي زمن التبرير، اختار أن يسأل.
وربما هذا هو الدرس الأهم:
أن نكون بشرًا أولًا، قبل أن نكون أي شيء آخر.

غزة.. صرخة إنسانية لا تُحتمل
ي قلب العالم، تحت القصف والحصار، يعيش أطفال غزة ونساؤها وكافة المدنيين الأبرياء فيكابوسٍ يومي لا يرحم. إسرائيل تواصل سياسة التجويع الجماعي، والحرب الوحشية التي لا تميزبين مقاتل وطفلٍ أعزل، بين جندي وامرأةٍ تبحث عن لقمة عيش لأبنائها.
أطفال بلا طفولة
كم من طفلٍ في غزة اليوم ينام جائعًا، يبكي من الألم، أو يفقد أهله تحت الأنقاض؟ كم من طفلٍيحمل جراح الحرب الجسدية والنفسية دون ذنبٍ سوى أنه وُلد في أرضٍ تقاوم؟ الأطفال فيغزة يُحرمون من أبسط حقوقهم: الطعام، الدواء، التعليم، والأمان. المشاهد المؤلمةلأجسادهم النحيلة من سوء التغذية، أو دمائهم على أيدي المحتل، هي وصمة عار على جبينالإنسانية كلها.
نساءٌ تدفعن الثمن
النساء في غزة هن الأكثر معاناةً في هذه الحرب غير المتكافئة. أمهات يفقدن أبناءهن، زوجاتيُرملن، بناتٌ يتيتمّن. كثيراتٌ منهن يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن في ظل حصار خانق، حيثنقص الغذاء والدواء يجعل الحياة معركة يومية للبقاء.
صرخة ضمير
إلى متى سيستمر العالم في الصمت؟ إلى متى ستُغلق الآذان عن صرخات الأبرياء؟ لقد حانالوقت ليقف الضمير الإنساني وقفةً حازمة ضد هذه الجرائم. من حق شعب غزة أن يعيشبكرامة، وأن ينال حريته، كما ينبغي لكل البشر.
مسيرات العالم.. بصيص أمل
في وسط هذا الظلام، تبقى المسيرات والمظاهرات التي تشهدها دول العالم من الولاياتالمتحدة إلى أوروبا وآسيا وإفريقيا رسالة قوية: “الشعوب لا تريد الظلم“. هذه المسيرات تثبتأن صوت الحق لا يُخمد، وأن العدالة قادمة لا محالة. نحيي كل من خرج مطالبًا بوقف إبادةالفلسطينيين، ونشكر كل من رفع راية الحق في وجه التضليل الإعلامي.
نداء للعالم
يا من تؤمنون بالعدل والإنسانية، لا تتركوا غزة وحيدة. اضغطوا على حكوماتكم، قاطعوامنتجات الداعمين للاحتلال، شاركوا الحقيقة، وتذكروا أن التاريخ سيسألنا جميعًا: **أين كنتمحين أُزهقت أرواح الأبرياء؟
غزة تموت.. فهل من مُنقذ؟

مدن لا تنس وأصحاب لا يُعوّضون
السفر ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو عبور داخلي، تصالح مع الذاكرة، وتجديد للنفس برفقة من نحب. في هذا الصيف، شاركت في رحلة ممتدة عبر القارات والمدن، محاطًا بأصدقاء أعزاء، كان لكل منهم في الرحلة بصمته ورفقته التي لا تُقدَّر بثمن.
بدأنا الطريق من جورجيا، حيث رافقني الصديقان شاكر الذي قدم معي من كندا وفريد صديق العمر الذي قدم من بغداد.
انطلقنا معًا إلى تبليسي العاصمة النابضة بالتاريخ، ثم إلى باتومي المطلة على البحر الأسود، حيث تمازجت الحداثة مع سحر الطبيعة.
ومن هناك عبرنا إلى تركيا، إلى مدينة طرا بزون الخضراء الهادئة، وهناك كان اللقاء المنتظر مع الأخ والصديق العزيز الدكتور ناصر المنصوري، الذي قدِم من دولة الإمارات، فغمرنا بكرمه وطيب صحبته. أربع أيام لا تنس، بين ضيافته الأنيقة، وتفاصيل الأحاديث والزيارات والمشاهد الطبيعية التي ازدانت بوجوده معنا.
غادرنا فريد عائدًا للعراق ثم واصلنا الرحلة نحو قلب البلقان، مع الصديقين شاكر وإحسان الذي قدم من كندا، حيث كانت البداية في سراييفو، عاصمة البوسنة والهرسك، مدينة الجراح والتسامح، حيث للذاكرة طيف لا يغيب. ومنها إلى بودفا في الجبل الأسود، المدينة التي جمعت بين عراقة التاريخ وهمس البحر.
توالت بعدها المحطات:
-
تيرانا، عاصمة ألبانيا، مدينة التجديد والمصالحة مع الذاكرة.
-
سكوبيا، عاصمة مقدونيا الشِّمالية، حيث يتعانق التعدد الثقافي مع الجمال الحضاري.
-
بريشتينا، عاصمة كوسوفو، التي تنبض بالحياة بالرغْم جراح الماضي.
-
وختام الرحلة في صربيا، التي شاهدنا فيها أطياف التاريخ وصدى التغيير.
كانت الرحلة فسحة للروح، وخريطة أخرى داخلنا، مدنها مشاعر، وحدودها الذكريات، وطرقها الصحبة الطيبة. في كل مدينة تركنا أثرًا، وحملنا منها دروسًا وتأملات.
في مثل هذه الرِّحْلات، ندرك أن المدن كالبشر، تحتاج إلى أن نحبها لنفهمها، وأن نُصغي لنبضها بدلًا من أن نُطلق الأحكام.وأن الرفقة الطيبة هي كنز السفر، تضيء الطريق وتمنح المعنى.
أيام مباركة لكل من يحب السفر، ولكل من يجد في الصداقة جسرًا بين الأمكنة والقلوب.ولا يزال في العمر متسع… لمدنٍ قادمة، وذكرياتٍ جديدة.
وجوه البلقان: حين تتكلم الذاكرة وتغني الشعوب
في البلقان، لم تكن الطرق وحدها ما عبرناه، بل عبرنا قلوبًا مفتوحة ووجوهًا دافئة. شعوب هذه المنطقة، رغم ما شهدته من انقسامات وصراعات، تستقبلك بودّ فطري… كأنهم يعرفونك من قبل، يفتحون لك قلوبهم قبل بيوتهم، ويقدّمون لك ابتسامة ممزوجة بالتاريخ والترحاب.
شعرتُ أن لكل بلد في هذه الرحلة روحًا محليةً يعتز بها: طعامه، علمه، رقصاته الفلكلورية… لكن خلف هذا كله، يهمس الموروث العثماني بلطف في خلفية المشهد: في نغمة موسيقية، أو طراز معماري، أو طبق بوريك ساخن يخرج من فرن حجري في زقاق قديم.
في الساحات، تتحدث التماثيل عن أبطال الأمس، وتلوح الأعلام فوق الأبنية الرسمية وكأنها تذكّر المارة أنهم أبناء ذاكرة لا تُنسى. هذا الاعتزاز بالتاريخ يتجلى ليس فقط في المظاهر، بل في الأحاديث اليومية التي لا تخلو من الحنين أو الفخر.
ولفهم البلقان اليوم، لا بد من الالتفات إلى الأمس القريب. فالكثير من هذه الدول كانت يومًا جزءًا من دولة واحدة: يوغسلافيا، التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى وتجمّعت فيها قوميات متعددة تحت راية واحدة. بدا هذا الاتحاد متماسكًا لعقود، خاصة في ظل حكم الرئيس جوزيف بروز تيتو، لكنه كان هشًا في العمق، يُخفي وراءه توترات قومية ودينية كامنة.
ومع بداية التسعينات، ومع انهيار المعسكر الشرقي، تفكك الاتحاد اليوغسلافي وتحولت الخريطة إلى شظايا: البوسنة، كرواتيا، صربيا، مقدونيا، كوسوفو، والجبل الأسود. ولم يأتِ الانفصال سلميًا دائمًا، بل كانت الحرب هي اللغة السائدة، خصوصًا في البوسنة التي عرفت واحدة من أعنف الحروب في أوروبا الحديثة.
أما كوسوفو، فهي فصل خاص من فصول هذا التاريخ المضطرب. بعد سنوات من التوتر تحت الحكم الصربي، أعلنت استقلالها عام 2008، لتصبح دولة معترف بها من أكثر من مئة دولة، لكن صربيا لا تعترف بها حتى اليوم، ولا تزال العلاقة بين الطرفين متوترة. خلال رحلتنا، عبرنا الحدود من كوسوفو إلى صربيا دون علم مسبق، فوجدنا أنفسنا في منطقة رمادية من الناحية السياسية، وكأن الجغرافيا تسبق الخرائط الرسمية، وتختبر المسافر بما لا تقوله الكتب.
وفي مقابل هذا، كانت زيارتنا إلى ألبانيا تجربة مختلفة؛ بلد لم يكن جزءًا من يوغسلافيا، بل عاش عُزلة طويلة في ظل حكم الشيوعي أنور خوجة، الذي أغلق البلاد أمام العالم لعقود. ورغم انفتاح ألبانيا في السنوات الأخيرة، لا تزال تحتفظ بجوّ خاص: مزيج من حنين للتقاليد واندفاع نحو التغيير. لمستُ ذلك في تيرانا الحديثة، وفي الأسواق الشعبية في شكودير، وفي نظرات الأطفال الذين يحملون ملامح البحر والجبال في آنٍ معًا.
أما الفروقات بين هذه الشعوب، فقد كانت مثيرة للتأمل:
اللغة تتشابه في البوسنة وصربيا ومقدونيا، لكن الأديان ترسم خطوطًا ثقافية واضحة — إسلام هنا، أرثوذكسية هناك، وكاثوليكية في موضع ثالث. العملات أيضًا تُعبّر عن الخصوصية: اليورو في الجبل الأسود، الليك في ألبانيا، الدينار في صربيا… وكأن كل عملة تسرد فصلاً من تاريخ اقتصادي مختلف.
المطبخ البلقاني كان مفاجأة جميلة: تنوّع في النكهات، ووحدة في الروح. من البوريك إلى الكباب، ومن السمك المشوي إلى الحلويات الشرقية، تذوّقنا مزيجًا يعكس تداخل الثقافات وتاريخ المائدة المشتركة.
وما لفتني أكثر، أن الموسيقى هنا ليست ترفًا بل جزء من الهوية. الشعوب البلقانية تحب الرقص، تحتفي بالغناء، وتحب الحياة… رغم ما حمله الماضي من وجع.
خرجت من هذه الرحلة بقناعة عميقة:
الحدود لا تصنع الشعوب. ما يصنعهم هو الذاكرة، اللغة، الموسيقى… ورائحة الخبز الساخن في الصباح.
رغم ما يفصل بين هذه الدول من جبال ومرافئ ولهجات، أدركت أن في قلب هذا العالم الصغير دروسًا كبيرة: عن الصبر، عن الانتماء، وعن إمكانية العيش مع الآخر دون أن يفقد أحد هويته.
لقد كانت رحلتنا عبر دول البلقان أكثر من مجرد انتقال بين عواصم ومدن،
كانت — ببساطة — رحلة داخل الإنسان.
