الجنائن المعلقة
الجنائن المعلّقة
د . علاء محمودالتميمي
كانون الثاني ٢٠٢٦
تعد الجنائن المعلقة إحدى أشهر عجائب العالم القديم، غير أن موقعها الحقيقي ظل موضع جدل علمي طويل. فبينما تنسبها الروايات التاريخية إلى بابل وسط العراق ، تشير دراسات حديثة مدعومة بنصوص آشورية وأدلة هندسية وأثرية إلى أن موقعها المرجّح كان في شمال العراق، وتحديدًا في نينوى، عاصمة الإمبراطورية الآشورية الحديثة. سأحول في هذا المقال تقييم الفرضيتين من منظور تاريخي وإنشائي، هندسي حيث يتضح أن الدليل المادي والهندسي يميل بوضوح إلى الموقع الآشوري .
تنسب المصادر اليونانية والرومانية—الجنائن المعلّقة إلى Babylon، وتربطها بالملك نبوخذ نصر الثاني في القرن السادس قبل الميلاد. غير أن هذه الرواية تعاني من إشكاليات جوهرية، أهمها:
1. غياب أي ذكر بابلي للجنائن في النصوص المسمارية البابلية، رغم وفرة السجلات المعمارية والإنشائية.
2. عدم العثور أثريًا في بابل على بنى مائية أو منشآت حدائق مرتفعة بالحجم والتعقيد الذي تصفه المصادر التاريخية .
3. اعتماد الروايات اليونانية على نقل غير مباشر، كُتب بعد قرون من الزمن، ومن دون مشاهدة ميدانية.
هذه الثغرات دفعت الباحثين المعاصرين إلى إعادة النظر في موقع الجنائن المعلقة.
تذهب دراسات حديثة—وفي مقدمتها أعمال الباحثة البريطانية ستيفاني دالي—إلى أن الجنائن كانت في Nineveh، وأن بانيها هو الملك الآشوري Sennacherib (704–681 ق.م).
تتضمن النقوش الملكية لسنحاريب أوصافًا دقيقة لحدائق ملكية “مرتفعة”، مزروعة بأشجار جُلبت من مناطق جبلية، ومزوّدة بنظام ري معقّد يعتمد على رفع المياه إلى مستويات عليا—وهي أوصاف تتطابق بشكل لافت مع ما نُسب إلى الجنائن المعلّقة.
أهم ما يميّز الفرضية الآشورية هو وجود بنية مائية متقدمة شمال نينوى، أبرزها قناة جرون (Jerwan Aqueduct)، وهي أقدم قناة حجرية مقوّسة معروفة في التاريخ. يبلغ طول منظومة القنوات التي أنشأها سنحاريب عشرات الكيلومترات، وقد صُمّمت لنقل المياه من الينابيع الجبلية إلى العاصمة نينوى.
من منظور الهندسة الإنشائية، فإن مشروعًا بحجم الجنائن المعلّقة يتطلب:
• مصدر مياه دائمًا ومرتفع المنسوب
• منشآت رفع مائي متقدمة
• بنى حجرية مقاومة للماء والضغط
وجميع هذه العناصر موثّقة بوضوح في المشاريع الآشورية في نينوى، بينما تغيب أدلتها في بابل. وهذا الترابط بين النص والهندسة والبقايا المادية يمنح الفرضية الآشورية قوة تفسيرية أعلى.
من هذا نستنتج إن إعادة تقييم موقع الجنائن المعلّقة تكشف أن الرواية التقليدية البابلية تقوم أساسًا على مصادر ثانوية، في حين تستند الفرضية الآشورية إلى:
• أدلة هندسية قائمة
• منطق جغرافي ومناخي متماسك
وبناءً عليه، فإن القول إن الجنائن المعلّقة كانت في شمال العراق، في نينوى الآشورية، لا في بابل، لم يعد مجرد رأي بديل، بل استنتاج علمي راجح يعيد الاعتبار للدور الآشوري في تاريخ الهندسة والعمارة العالمية
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
الثورة … والمعمار الذي ننساه
الثورة… والمعمار الذي ننساه
د . علاء محمود التميمي
كانون الثاني ٢٠٢٦
في لغة العرب تولد الثورة من شرارة الهياج،صرخةٌ من قلبٍ يفيض… لا من عقلٍ يتدبّر.
اسمٌ يلتقط العاصفة في أولها،فيجعل من الاندفاع هوية،ومن الاصطدام قدرًا.
أما الأمم التي رأت في الثورة طريقًا،
فلم تسمع ضجيج الانفجار،
بل أصغت لخطوة التحوّل،
للزمن وهو ينحتُ المعنى كما ينحت الماءُ الصخرَ في صمتٍ طويل.
وهكذا تكشف ثوراتنا عن سرّها القديم:
نقفز إلى المعول قبل أن نرى الخريطة،
نهدم الجدران لأننا ضقنا بضيقها،
لكننا ننسى أن المعمار — مثل الحلم —
لا يقوم على الغضب، بل على اليد التي تعرف أين تضع الحجر الأول، وأين تُبقي فراغًا ليعبر منه الضوء.
وليس الزمن هو العدو، كما يقال؛
فالزمن لا يحارب أحدًا…العدو هو أن نترك الثورة معلّقة في هواء الصرخة،
لا تُكمل هدمًا، ولا تبني عمرًا.
كعمارةٍ تظلّ بلا أساس،فتصير ركامًا… لا لأنها سقطت،بل لأن أحدًا لم يجرؤ أن يبدأ البناء.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
اشراقة عام جديد
اشراقة عام جديد
د .علاء محمود التميمي
كانون الثاني ٢٠٢٦
مع إشراقة عامٍ جديد، نقف على عتبة الزمن لا لنودّع سنةً مضت فحسب، بل لنتأمّل ما علّمتنا إيّاه.
فالسنوات لا تمرّ عبثًا، وكل عامٍ يغادر يأخذ معه وجوهًا، لحظات، ونسخًا قديمة منّا لن تعود.
في السنة الماضية، غادر الدنيا أناس عرفناهم أو أحببناهم أو مرّوا في حياتنا يومًا.
كانوا هنا، ثم لم يكونوا…
تركوا وراءهم حقيقة صامتة: أن الوقت لا يُؤجَّل، وأن البقاء ليس حقًّا مكتسبًا.
وفي هذا العام الجديد، سيغادر آخرون
صداقات تخفت، قرب يتحوّل إلى ذكرى، وحضور كان يومًا آمنًا ثم صار غيابًا مألوفًا.
نحن لا نفقد البشر وحدهم،
نفقد الأحاديث، العادات، والنسخ التي كنّا عليها معهم.
نتغيّر، ننضج، ونمضي حاملين فهمًا أعمق للحياة:
أن كل شيء مؤقّت، وأن الرحيل له أشكال كثيرة.
لذلك، لعلّ العام الجديد يكون فرصة للاتّعاظ لا للخوف،
أن نخفّف القسوة، ونؤجّل الخصام،
أن نقول الكلمة الطيبة قبل أن يفوت وقتها،
وأن نحسن العِشرة ما دام القرب ممكنًا.
مرحبًا بعامٍ جديد…
لا نطلب منه معجزات،
بل نطلب وعيًا أكبر، وقلبًا ألطف،
فما دمنا هنا، فالأجمل دائمًا
أن نترك أثرًا طيبًا
قبل أن تأتي المغادرة،
بأيّ شكلٍ كانت. 🌱
نشرت على مدونة الدكتور علاء التميمي
جزيرة في الكاريبي
متحف كورا هولاندا: حين تُستعاد الذاكرة المنهوبة من الهامش
د. علاء محمود التميمي
كانون الاول 2025
في قلب مدينة وليمستاد بجزيرة كوراكاو، وعلى مقربة من بيوتها الملوّنة التي توحي بطمأنينة كاريبية أوروبية، يقع متحف كورا هولاندا.
لكن هذا المكان لا يستقبلك بألوانه، بل بأسئلته.
لا يقدّم نفسه كفضاء للفرجة، بل كمساحة مواجهة مع تاريخ طويل من الذاكرة المنهوبة.
هذا المتحف لا يروي قصة جزيرة فحسب، بل يضع الزائر داخل شبكة عالمية من العنف التاريخي:
إفريقيا، أوروبا، الكاريبي، والأميركيتان… جميعها حاضرة هنا لا كجغرافيا، بل كمسارات متداخلة للنهب، وإعادة التعريف، ومصادرة السرد.
تزوير التاريخ الحديث: حين يُعاد اختراع الأصل
في إحدى القاعات الأولى، يواجه الزائر لوحة بعنوان Modern Falsifications of History.
ليست لوحة تعليمية عادية، بل بيانًا معرفيًا صريحًا ضد قرون من التلاعب الأكاديمي.
تعرض اللوحة نصوصًا واقتباسات تؤكد أن مهد الحضارة الإنسانية في إفريقيا، وأن محاولة فصل مصر القديمة عن محيطها الإفريقي لم تكن نتاج بحث علمي بريء، بل نتيجة أيديولوجيا عنصرية احتاجت إلى “تبييض” التاريخ كي تبرر التفوق والاستعمار.
هنا، لا يُعرض التاريخ كما دُرِّس في المدارس، بل كما جرت مصادرته ثم إعادة تقديمه بصورة انتقائية تخدم سردية واحدة.
الممالك الإفريقية: تاريخ مسروق لا منسي
يمتد خط زمني طويل بعنوان African Kingdoms، يوثّق ممالك غانا ومالي وسونغاي، وشبكات التجارة العابرة للصحراء، ونظم الحكم والاقتصاد والتعليم.
الرسالة واضحة:
إفريقيا لم تكن فراغًا تاريخيًا، بل مركزًا فاعلًا في الاقتصاد العالمي قبل أن تُقطع طرقها، وتُنهب مواردها، ويُختطف إنسانها.
وجود هذه اللوحات في الكاريبي ليس تفصيلًا عابرًا؛ فهنا انتهى كثير من أبناء تلك الممالك، بعد أن فُصلوا عن تاريخهم كما فُصلوا عن أرضهم.
الطريق الأوسط: حين صار البحر أداة نزع إنساني
أكثر القاعات قسوة هي تلك المخصصة لـ Middle Passage – الرحلة الوسطى عبر المحيط الأطلسي.
جدار زمني صامت يبدأ من القرن الخامس عشر، ويمتد عبر التجارة الإسبانية والهولندية، وصولًا إلى الإلغاء المتأخر للعبودية.
الزمن هنا ليس أرقامًا، بل نزيفًا بطيئًا.
كل تاريخ محفور على الجدار يقابله آلاف الأجساد التي لم تصل، وآلاف القصص التي لم تُكتب.
هذه ليست ذاكرة منكوبة فحسب، بل ذاكرة منهوبة:
نُهبت الأجساد، ثم نُهبت الحكايات، ثم أُعيد بيع التاريخ في كتب أنيقة بلا ضحايا.
الإسلام والتجارة: تاريخ مركّب لا يُختزل
يعرض المتحف، بقدر من التوازن، دور التجارة العابرة للصحراء وانتشار الإسلام في غرب إفريقيا، ويستحضر شخصيات مثل مانسا موسى، الذي يذكّر بأن إفريقيا لم تكن فقط متلقية للتأثير، بل مُصدِّرة للثقافة والاقتصاد والمعرفة.
خريطة طرق التجارة عبر الصحراء تفكّك صورة إفريقيا المعزولة، وتعيد تقديمها كقارة متصلة بالعالم القديم قبل أن يُعاد رسم هذا الاتصال بالقوة.
من إفريقيا إلى بغداد: وحدة الذاكرة المنهوبة
وأنا أتجوّل في هذا المتحف، لم تكن إفريقيا وحدها حاضرة في ذهني، بل بغداد أيضًا.
فالنهب واحد، وإن اختلفت الأدوات:
مرة بالسلاسل،
ومرة بالخرائط،
ومرة بالمناهج،
ومرة بالصمت.
كما نُهبت الذاكرة الإفريقية، نُهبت ذاكرة مدننا العربية، وأُعيد تعريفها من الخارج، وحُشرت في قوالب لا تشبه تاريخها ولا عمقها الحضاري.
خاتمة
متحف كورا هولاندا ليس مكانًا للحزن، بل مساحة لاستعادة الحق في السرد.
هو تذكير بأن الذاكرة لا تموت حين تُنهب، لكنها تبقى معلّقة، تنتظر من يعيدها إلى أصحابها.
التاريخ لا يُستعاد بالبكاء عليه،
بل بامتلاك حقّ روايته.
مئذنة بعيدة وذاكرة قريبة
مئذنة بعيدة… وذاكرة قريبة
الجامع الإسلامي في كوراكاو بين الجغرافيا والهوية
د علاء محمود التميمي
كانون الاول ٢٠٢٥
في مدينة ويلمستاد، عاصمة جزيرة كوراكاو الكاريبية، ترتفع مئذنة خضراء نحيلة بهدوء فوق أسطح القرميد الأحمر، لا تنافس الأفق ولا تُعلن عن نفسها بصخب، بل تكتفي بأن تكون علامة ذاكرة. جامعٌ صغير في حجمه، كبير في دلالته، يحضر كصوتٍ روحيٍّ خافت في جزيرة يغلب عليها الطابع الكاثوليكي والهولندي.
هذا الجامع، المعروف باسم جامع عمر بن الخطاب، هو أقدم وأهم مركز إسلامي في كوراكاو، وقد بدأ بناؤه في عام 1963، واكتمل عام 1965، قبل أن يُفتتح رسميًا في الأول من أيار/مايو 1966. لم يكن مشروعًا حكوميًا ولا مبادرة سياسية، بل ثمرة تضامن ديني عابر للحدود؛ إذ ساهم في تمويله مسلمون من السعودية وليبيا، إضافة إلى دعم من جاليات مسلمة في ترينيداد وتوباغو.
يتّسع الجامع لنحو 200 مصلٍّ، لكنه يتجاوز وظيفته التعبدية ليؤدي دور المركز الإسلامي في الجزيرة: مكان للصلاة، وفضاء اجتماعي وثقافي، وحاضنة لهوية أقلّية اختارت أن تعيش إيمانها بلا صدام مع المكان.
الجالية المسلمة: أقلية بلا انغلاق
يُقدَّر عدد المسلمين في كوراكاو اليوم بنحو 1500 شخص تقريبًا، أي أقل من 1% من مجموع السكان. تعود جذور هذه الجالية إلى أكثر من قرن، وتتكوّن أساسًا من عائلات ذات أصول لبنانية وسورية، إلى جانب مسلمين من سورينام وجزر الكاريبي المجاورة. يعمل معظمهم في التجارة والأعمال الصغيرة، وقد اندمجوا بهدوء في نسيج المجتمع المحلي دون أن يذوبوا فيه.
لا يرفع المسلمون هنا شعارات كبرى، ولا يسعون إلى فرض حضورهم؛ حضورهم يشبه جامعهم: واضح بلا استفزاز، ثابت بلا صخب. والمئذنة التي تلوح في الصورة لا تُشبه مآذن المدن الكبرى، لكنها تحمل المعنى ذاته: الإيمان حين يُصالح المكان، يصبح جزءًا من المشهد المدني لا غريبًا عنه.
قراءة في الصورة
الصورة التي التُقطت لهذا الجامع تُجسّد لحظة توازن نادرة:
سماء واسعة، مدينة منبسطة، ومئذنة وحيدة تقول الكثير بلا كلام.
في جزيرة عُرفت بتاريخ الاستعمار والهجرات والتنوّع الثقافي، يبدو هذا الجامع كأنه ذاكرة منقولة عبر البحار، وصلت إلى هنا واستقرّت دون أن تطالب بشيء سوى حق الوجود.
إنه جامعٌ يُذكّر الزائر بأن الهوية ليست دائمًا صاخبة، وأن الذاكرة حين تكون واثقة، لا تحتاج إلى ضجيج كي تُرى.
الإنتلجنسيا العراقية في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين
يمثّل كتاب إنتلجنسيا العراق: نخب المثقفين في القرن العشرين للدكتور سيّار الجميل واحدًا من أهم الأعمال التي تناولت تاريخ النخبة المثقفة العراقية بوصفها ظاهرة اجتماعية–تاريخية، لا مجرد سير أفراد أو اتجاهات فكرية متفرقة. فقد قدّم الكتاب، بجهد توثيقي وتحليلي واضح، تشخيصًا عميقًا لمسار الإنتلجنسيا العراقية في القرن العشرين، كاشفًا عن علاقتها الملتبسة بالسلطة، وحدود فاعليتها، وأسباب تعثرها في التحول إلى قوة اجتماعية مستقلة.
ولا تأتي أهمية هذا العمل من موضوعه فحسب، بل من موقع مؤلفه أيضًا. فالدكتور سيّار الجميل ليس مجرد مؤرخ محترف، بل مثقف نقدي أسهم، عبر عقود من البحث والكتابة، في إعادة قراءة التاريخ العراقي والعربي خارج السرديات الجاهزة والتبريرات الأيديولوجية. ومن موقع الصداقة والاحترام العلمي، فإن الإشارة إلى هذا الكتاب هنا هي إشادة بعمل معرفي جاد، وبشخصية فكرية حافظت على استقلالها النقدي في ظروف لم تكن سهلة على العقل الحر.
ينطلق هذا المقال من منجز د. سيّار، لا لمراجعته أو مجادلته، بل للبناء عليه زمنيًا وفكريًا. فإذا كان الكتاب قد انشغل بتشخيص إنتلجنسيا القرن العشرين، فإن التحولات العميقة التي شهدها العراق منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تفتح سؤالًا مكمّلًا: ما شروط تشكّل إنتلجنسيا عراقية جديدة في الربع الأول من هذا القرن؟ وكيف يمكن إعادة تعريف دور النخبة المعرفية في سياق تغيّرت فيه الدولة، والسلطة، والمعرفة، والمجتمع؟
في القرن العشرين، تشكّلت الإنتلجنسيا العراقية بوصفها نخبة مدينية متعلمة، غالبًا ما عرّفت نفسها من خلال موقعها داخل الدولة أو الحزب أو المؤسسة الثقافية. وكان المثقف يُقاس بمكانته الوظيفية أو الأيديولوجية أكثر مما يُقاس بدوره الاجتماعي.
أما في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، فقد تآكل هذا النموذج. لم تعد الدولة مركزًا وحيدًا للشرعية، ولم تعد المؤسسة الثقافية المصدر الحصري للمعرفة، ولم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا. في هذا السياق، لا تعود الإنتلجنسيا طبقة مغلقة، بل وظيفة معرفية وأخلاقية تؤدى داخل فضاء اجتماعي مفتوح.
أولى شروط تشكّل الإنتلجنسيا في السياق الراهن هو الاستقلال عن السلطة، لا بوصفه موقفًا احتجاجيًا دائمًا، بل بوصفه شرطًا بنيويًا لإنتاج معرفة نقدية. فبعد تعدد مراكز النفوذ السياسي والطائفي والاقتصادي، لم يعد الخطر محصورًا في القمع المباشر، بل في أشكال الاحتواء الناعمة، والتبرير الثقافي، والتطبيع مع الخطاب السائد.
الإنتلجنسيا الجديدة تُقاس بقدرتها على الحفاظ على مسافة نقدية ثابتة من جميع أشكال السلطة، وعلى مقاومة تحويل المعرفة إلى أداة شرعنة.
إذا كانت إنتلجنسيا القرن العشرين قد عاشت في كثير من الأحيان داخل دائرة نخبوية مغلقة، فإن شروط الحاضر تفرض العمل داخل المجتمع لا فوقه. فالمعرفة اليوم لا تؤدي دورها إلا إذا تفاعلت مع التعليم، والإعلام الجديد، والمبادرات المدنية، واللغة اليومية للناس.
المثقف في القرن الحادي والعشرين لا يُعرَّف بعلو لغته، بل بقدرته على تبسيط المعقّد دون تسطيحه، وعلى تحويل الأفكار إلى وعي اجتماعي قابل للتداول.
أظهرت التجربة العراقية في القرن العشرين، كما بيّنها سيّار الجميل، أن الأيديولوجيات الكبرى – رغم طموحها التغييري – أسهمت في انقسام النخب وعزلها عن المجتمع. لذلك، فإن الإنتلجنسيا في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين تتأسس على منظومة قيم لا على انتماءات أيديولوجية مغلقة: المواطنة، العدالة، الكرامة الإنسانية، العقلانية، ونبذ العنف الرمزي.
القيم هنا لا تلغي الاختلاف، لكنها تمنحه إطارًا أخلاقيًا مشتركًا يسمح بالتعايش والعمل التراكمي.
التعدد والتخصص شرط معرفي فلم يعد ممكنًا حصر الإنتلجنسيا في الأدباء أو الأكاديميين في العلوم الإنسانية. فتعقيد الواقع العراقي يفرض انفتاح النخبة المعرفية على اختصاصات متعددة: العلم، والتكنولوجيا، والاقتصاد، والطب، والبيئة، إضافة إلى حضور فاعل للنساء، والأطراف، والأجيال الشابة.
هذا التعدد ليس مطلبًا تمثيليًا، بل ضرورة لفهم مجتمع متشظٍ ومتعدد الخبرات والهويات.
في القرن الحادي والعشرين، لم تعد المشكلة في نقص المعرفة، بل في فائضها، وفي تداخلها مع التضليل والدعاية والخرافة. وهنا تتحدد الوظيفة الجديدة للإنتلجنسيا: تنظيم الوعي، وتمييز المعرفة النقدية من الخطاب التعبوي، وحماية العقل العام من الانهيار تحت ضغط الاستقطاب والعنف الرمزي.
بهذا المعنى، فإن الإنتلجنسيا العراقية في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لا تمثّل استمرارًا تلقائيًا لنخب القرن العشرين، ولا قطيعة جذرية معها، بل تحوّلًا في الوظيفة والمنهج. فبينما تشكّلت إنتلجنسيا القرن العشرين داخل أفق الدولة والأيديولوجيا، تتشكّل إنتلجنسيا الحاضر داخل أفق المجتمع والمعرفة العامة، حيث يصبح إنتاج المعنى أهم من امتلاك المنبر، ويغدو الفعل التراكمي أكثر أثرًا من الخطاب العالي.
إنها إنتلجنسيا لا تدّعي القيادة، ولا تنتظر لحظة خلاص، لكنها تعمل بصبر داخل الزمن الطويل، حيث يُعاد بناء الوعي خطوة خطوة.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
كانون الثاني ٢٠٢٥
جدارية الحرية :الضوء المنسي في ساحة الطيران
حين أنجز الفنان فائق حسن جدارية الحرية عام 1958 في ساحة الطيران، كان العراق يعيش واحدة من أكثر لحظاته السياسية توتراً وازدحاماً بالأسئلة. كانت البلاد قد خرجت لتوّها من قيدٍ طويل، وبدأت تبحث لنفسها عن خطاب جديد، وهوية جديدة، وصوتٍ يعبّر عن أحلام الناس العاديين الذين كانوا ينتظرون فجراً مختلفاً.
في تلك اللحظة، جاءت الجدارية كإعلان فني عن ولادة زمن آخر، وزمنٍ يتخيّل الإنسان فيه نفسه محوراً للتغيير.
جدارية فائق حسن ليست لوحة توثيقية، وليست بياناً سياسياً مباشراً؛ إنها عمل فنيّ يشتغل على الإيماءة والحركة والظل، وعلى الجسد البشري بوصفه رمزًا للانبعاث. الوجوه والأجساد فيها لا تقف جامدة؛ بل تتحرك كما لو أنها خُرِجَت للتو من قيودٍ قديمة.
تبدو الجدارية، للعين المتأملة، كأنها موجة بشرية صاعدة، تصعد من الماضي نحو ضوء يتشكّل خارج الإطار. فائق حسن كان يملك عينًا ترسم التاريخ من الداخل، لا من سطحه.
بعد 67 عامًا من التنفيذ، ما تزال الجدارية ماثلة في قلب العاصمة مثل ظلّ قديم يأبى أن يرحل.
تمرّ أمامها آلاف السيارات كل يوم، وتجري الحياة على الرصيف تحتها، لكن القليل فقط يرفع رأسه ليراها، والقليل يفكر أنها كانت يومًا من الأيام إعلاناً عن ولادة وطنٍ جديد.
إنها المشكلة ذاتها التي أصابت بغداد عبر عقود: عادةُ الاعتياد؛ حين تتحول الجوهرات التي تحتضنها المدينة إلى تفاصيل باهتة في عيون العابرين، فقط لأنها موجودة
كثيرون يخلطون بين هذه الجدارية وبين نُصب الحرية لجواد سليم في ساحة التحرير، لكنهما عملان مختلفان، ويمثل كل منهما رؤية فنية وإنسانية خاصة.
جدارية جواد سليم صرخة سياسية واضحة، أما جدارية فائق حسن فهي حكاية الإنسان في لحظة العبور، حكاية الخوف والمتاعب والرغبة في الحياة.
جدارية جواد كانت موجّهة إلى الشعب؛ أمّا جدارية فائق فكانت موجّهة إلى روح بغداد نفسها.
تسكن هذه الجدارية في منطقة عانت من العنف والانفجارات لسنوات طويلة. ولذلك فإنها ليست مجرد فنّ؛ بل شاهد على مراحل الألم التي عبرتها بغداد.
هي شاهدة على ما فعله الزمن بالمدينة، وعلى ما فقدته وما بقي منها.
وكأنها تقول للعابرين:
“أنا هنا… لا أزال أقف. أنتم تغيّرتم كثيرًا، لكنني ما زلت أحمل ملامحكم الأولى.”
لماذا تستحق الاهتمام؟
لأنها جزء من ذاكرة بغداد الحديثة.
ولأنها تمثل حقبة كاملة من أحلام العراقيين.
ولأن المدن التي تنسى فنونها، تنسى نفسها.
ولأن الجدارية—بكل بساطتها وعمقها—هي واحد من تلك المعالم التي تكشف نوع العلاقة التي تربط الناس بمدينتهم: علاقةُ محبة؟ أم عادة؟ أم تجاهل قاسٍ يمرّ مرورًا عابرًا؟
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
كيف غيرت التكنولوجيا الحديثة شكل المدينة
كيف غيّرت التكنولوجيا الحديثة شكل المدينة ؟
د.علاء التميمي
تشرين الاول ٢٠٢٥
خلال السنوات الأخيرة تغيّر شكل المدن من حولنا بسرعة لافتة، وكأنها تعيش طفرة جديدة. لم يعد الأمر مجرد بنايات أعلى وطرق أوسع، بل أصبح كل شيء — من إشارات المرور إلى طرق البناء — مرتبطًا بالتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي.
ومع أن هذه التغيّرات تبدو “تقنية”، فإن تأثيرها مباشر على حياتنا اليومية أكثر مما نتصوّر.
في عدد من المدن حول العالم، لم تعد الإشارات الضوئية تعمل بتوقيت ثابت؛ بل أصبحت “تفهم” حركة الشوارع عبر كاميرات وحساسات صغيرة.
فإذا ازداد عدد الدراجات أو المشاة، تُعطيهم وقتًا أطول للعبور.
وإذا كان الشارع فارغًا، تتحول الإشارة فورًا إلى الأخضر.
بهذه البساطة صارت التكنولوجيا تجعل الحركة اليومية أكثر سلاسة وأقل توترًا.
المهندس اليوم لا يبدأ من ورقة بيضاء.
هناك برامج ذكاء اصطناعي تقترح له عشرات النماذج لبناء جديد:
أيّها أفضل ضوءًا؟ أيّها أقل حرارة؟ أيّها أرخص؟ أيّها أجمل؟
هذه البرامج لا تُلغي دور المهندس ، لكنها تمنحه قدرة لم تكن متاحة قبل 20 عامًا.
بدل أن يصمم مبنى واحدًا، أصبح يختار بين عشرات الخيارات المحسوبة بدقة.
ورش البناء تغيّرت هي أيضًا فربما اعتدنا رؤية عاملين يحملون الطابوق أو يربطون حديد التسليح اليوم، يمكن أن يقوم روبوت بهذا العمل المتعب، بسرعة أعلى وبدقة أكبر.
وفي دول أخرى، تطبع “طابعة خرسانية” جدارًا كاملًا في ساعات قليلة. هذه التقنيات تقلل التكلفة، وتسرّع البناء، وتزيد الأمان في مواقع العمل.
قد يظنّ البعض أن التكنولوجيا تبتلع روح المدن القديمة، لكنها في الحقيقة تساعد على حفظها.
مثلاً:
• يمكن لمسح ليزري ثلاثي الأبعاد أن يوثّق بناية تراثية بدقة مبهرة.
• وتساعد الطائرات المسيّرة في تصوير الأزقة القديمة التي يصعب الوصول إليها.
• ويمكن للواقع الافتراضي أن يعيد بناء المواقع التي تضررت في الحروب.
بهذه الأدوات، صارت الذاكرة العمرانية أكثر قدرة على البقاء.
حياتنا اليومية أصبحت أسهل فتطبيقات النقل، خريطة الظلال، مراقبة جودة الهواء، مواقف السيارات الذكية…
كلها أمثلة على كيف تغيّر التكنولوجيا تفاصيل اليوم العادي.
في بعض المدن، يمكن للتطبيق أن يقترح لك الطريق الذي يحميك من التلوث، أو يختار لك طريقًا يمر بأماكن مظللة في أيام الصيف.
وفي مدن أخرى، تُبلغك الحاوية الذكية للقاذورات كم بقي لها لتمتلئ… لتأتي البلدية في الوقت المناسب.
ولكن… هل كل هذا جيد؟ التقدم يحمل جانبًا آخر:
كلما ازدادت التكنولوجيا في المدينة، زادت كمية البيانات التي تُسجَّل عن حركة الناس وطرقهم وعاداتهم.
وهذا يفتح نقاشًا مهمًا حول الخصوصية، وحدود الرقابة، ومن يملك “مفتاح المدينة الذكية”.
السؤال البسيط الذي يطرحه كثيرون اليوم:
هل تخدم التكنولوجيا الإنسان… أم تدير حياته؟
الخلاصة ان التكنولوجيا الحديثة — من الذكاء الاصطناعي إلى الروبوتات — لم تعد شيئًا مستقبليًا. هي اليوم جزء طبيعي من المدن التي نعيش فيها.
هي التي تنظّم المرور، وتساعد المهندس، وتُسرّع البناء، وتحفظ التراث، وتسهّل الحياة اليومية.
التحدي الحقيقي ليس في استخدام الذكاء الاصطناعي … بل في استخدامه بشكل يجعل المدينة أكثر إنسانية، لا أكثر آلية.
فالمدينة في النهاية تُبنى للناس:
للمشي، والضوء، والذاكرة، وللحياة التي تنبض بين جدرانها.
نشر في مدونة الدكتور علاء التميمي
كيف خسرت المدينة صراعها مع الحداثة
د. علاء التميمي*
*تشرين الأول ٢٠٢٥*
*www.altamimialaablog.com*
يتردد في تاريخ العراق سؤالٌ جوهري: كيف يمكن لمدينةٍ عريقة مثل بغداد أن تتحول من فضاءٍ للفكرة والعقل والنقاش إلى فضاء تحكمه القوة والغلبة والغنيمة على مر العصور؟ في هذا المقال، سأحاول تتبّع المسار الطويل الذي أدى إلى فقدان بغداد لمدنيتها في صراعها مع السلطة، من خلال سلسلة من التحولات الاجتماعية والسياسية التي أعادت تشكيل المجتمع العراقي على مدى قرن كامل.
هذه ليست سردًا لأحداث سياسية، بل قراءةٌ في ديناميكية البنية العميقة التي ساهمت في ترييف المدينة وتراجع الذائقة وانكسار المشروع الحضاري.
تاريخ التراجع لا يرتبط بزمن محدد، إذ إن تدهور المدن العراقية—وخاصة بغداد—ليس نتيجة حدث سياسي بعينه، ولا قرارٍ مفاجئ؛ بل هو مسار طويل من التآكل المستمر. بدأ هذا المسار بتراجع الطبقة الوسطى، التي كانت القلب النابض للتمدّن والتنوير، وتواصل عبر تحولات بنيوية خلخلت المجتمع وغيّرت وجه المدينة.
في الستينات والسبعينات، كان العراق مجتمعًا حضريًا واثقًا من هويته: مدينة تقرأ، تغني، تكتب، تشيد، وتفكر. لكن المسار سرعان ما انعطف، ليس بفعل زلزال واحد، بل بتراكم مستمر لمنطق يقدّس القوة على حساب العقل، والغلبة على حساب القانون، والولاء على حساب المواطنة.
شكل سقوط النظام الملكي وصعود العسكر في تموز عام ١٩٥٨ نقطة تحول كبرى، حيث حلّ العسكري محل الدولة، وارتفعت قيمة القوة على حساب قيمة القانون. كما قال د. علي الوردي: «حين تقع السلطة بيد البداوة، تُستبدل الدولة بالغنيمة». وهكذا، تحولت السياسة إلى غلبة، والانتماء إلى ولاء، والثقافة إلى تهمة، مما جعل المدينة تفقد شيئًا فشيئًا قدرتها على الدفاع عن نفسها.
بدأ الترييف البطيء لبغداد والنزوح الريفي في الثلاثينات، ولكن لم يُواجَه بمشروع حضري يستوعب تدفق البشر، سواء من حيث الإسكان، التعليم، أو الصحة. وبدلًا من انتصار المدينة للأفكار المدنية، استسلمت لمعادلة الترييف. نشأت لغة جديدة: لغة خشنة وغاضبة، تقدّس القوة وتحتقر الصمت. كما أشار حنّا بطاطو، «تحوّلت بغداد من مدينة تعدّد إلى مساحة تتقاطع فيها قيم متناقضة». اختفت الفواصل بين المقهى والمضيف، بين النقاش والتهديد.
تراكمت الصدمات الكبرى—الحروب، الانقلابات، الحصار—مما جعل العنف لغةً يومية، وأعاد هيبة البداوة إلى المشهد، كما يشير د. عبد الحسين شعبان.
شكلت الفوضى الجديدة بعد 2003 منعطفًا حاسمًا؛ ليس بسبب الاحتلال فحسب، بل لأن البنية العميقة للمجتمع دخلت طورًا جديدًا من الترييف المضاعف، كما يسميه فالح عبد الجبار. تحوّلت الفوضى إلى نظام، والطائفة إلى مؤسسة، والعشيرة إلى سلطة، والدين إلى غطاء.
تراجعت المدينة التي كانت تغني لعفيفة إسكندر وناظم الغزالي، ومات المسرح، الجاد وخفتت الصحف خلال فترات طويلة وذُبحت الأشجار والمناطق الخضراء التي كانت جزءًا من ذاكرة البيوت والأحياء والمحلات . حلت محلها صناديق الكونكريت وتشوهات عمرانية وفنون عابسة، وتدهورت الذائقة إلى درجة صار فيها الصهيل “غناء”، وصليل السيوف “تراثًا”، وقرع الطبول “موسيقى”.
يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا لم تتجذر الحداثة؟ لم يكن التراجع نتيجة قوة التخلف، بل نتيجة هشاشة الحداثة. فقد بقيت الحداثة في العراق مشروعًا نخبويًا معزولًا، قشرةً بلا جذور، مما جعلها تنهار بسرعة أمام ضغط التقاليد، والعسكرة، والطائفة، والغنيمة.
انسحبت القيم المدنية مع أهلها—هجرةً، ونفيًا، واغترابًا. وساد قانون الاقتصاد: «العملة الرديئة تطرد الجيدة». ومع تعرّي سقف الدولة، عاد الناس إلى الكهوف الأولى: العشيرة، الطائفة، الزعيم، والغنيمة.
وفي ختام هذا التحليل، أقول لا تولد الهمجية فجأة؛ إنها تعود كلما نام الوعي. الحضارة ليست مجرد مولات أو عمارات شاهقة أو “براندات”، بل هي ضمير جمعي. وعندما يتشوه هذا الضمير، تنهار المدينة، وتفسد الذائقة، ويخسر المجتمع بوصلته. ومع ذلك، تبقى فكرة المدينة الحية قابلة للعودة. قد تُقمع، قد تنزوي، لكنها لا تموت. ففي مكان ما من هذا البلد، وفي جيل قادم أو لم يولد بعد، تنمو جذوة جديدة يمكن أن تُعيد للمدينة مكانتها، وللفكرة ألقها، وللمستقبل اتزانه.
التاريخ الحضري لمدينة بغداد
قراءة موجزة للتاريخ الحضري لمدينة بغداد منذ تأسيسها عام 762م كمدينة مدوّرة مبتكرة في التخطيط العباسي، مرورًا بتحولها في القرون اللاحقة إلى مدينة مفتوحة على ضفاف دجلة، ثم إعادة تشكّلها في العهد العثماني كنسيج تقليدي كثيف، وصولًا إلى مشاريع التحديث الواسعة في القرن العشرين، ولاحقًا التدهور الذي أصاب المدينة بعد الحروب والعقوبات وما بعد 2003 و كيف انتقلت بغداد من نموذج حضري مزدهر إلى مدينة مثقلة بالتحديات، ويؤكد الحاجة لرؤية تخطيطية جديدة تعيد لها وظيفتها، هويتها، ودورها الحضري.