في قلب البلقان: حين تُفتح الخرائط على اتّساع الذاكرة
لم تكن هذه الرحلة مجرّد انتقال بين حدود الدول، بل عبور خفيّ بين طبقات الذات… رحلة مشحونة بما هو أكثر من مناظر وسكك ومبانٍ. كانت عبورًا بين الأزمنة، بين ما عشناه وما لم نعرف أننا نحمله بداخلنا.
في صيف البلقان، حيث تتداخل الجبال مع الذاكرة، وتتشابك الأزقّة مع الحكايات، انطلقتُ مع صديقَيّ العزيزين شاكر وإحسان، نُقلّب صفحات مدن تحمل فوق حجارتها وجوهًا لا تُنسى وابتسامات تشي بأن الوجع لا يمنع الأمل من الظهور. من سراييفو إلى نيكشيتش، ومن كوتور إلى أوهريد وتيرانا، كانت الطريق مدرسة والصحبة مرآة.
رفاق الرحلة… حين تكشف المسافات عمق القلوب
السفر، كما تعلّمت، لا يفضح المدن فحسب، بل يعرّي الأرواح. فهو يضع الصداقة على محك التفاصيل الصغيرة: من يختار الطريق؟ من يرضى بأبسط وجبة؟ من يكتم انزعاجه احترامًا للرفقة؟
شاكر، بهدوئه النبيل، كان كالنسيم الذي يهب فجأة في لحظة احتقان. لا يحتاج إلى كثير من الكلام؛ تكفيه نظرة ليفهم، ويكفيك حضوره لتطمئن. أما إحسان، فكان القلب النابض للرحلة، يقود السيارة كما لو يقود نهرًا من القصص، يملأ الوقت ضحكًا ودفئًا، ويعيد التوازن حين تميل كفّة التعب.
جلسنا معًا في المقاهي، تقاسمنا الخبز والطرق، دخلنا المدن القديمة كمن يدخل حكايات لم تُكتَب بعد. وفي كل يوم، كنا نعيد اكتشاف بعضنا: من يقترح الوجهة التالية؟ من يختار موسيقى الطريق التي أعدّها إحسان بعناية على مفتاح USB؟ من يتبرّع بالسكوت حين يكون الصمت أبلغ؟
السفر امتحانٌ لا يُعلن نتائجه… لكنه يترك أثره في القلب
خرجنا من هذه الرحلة ونحن نحمل من بعضنا ما لا يُنسى. عرفنا أن الصداقة لا تُقاس بالسنين، بل بلحظات التعب المشترك، بلقمة الصبر، وبالقدرة على أن تبقى قريبًا حتى عندما يحتاج الآخر إلى مسافة.
لقد اختبرتنا الطريق… فخرجنا منها أكثر قربًا، وأكثر فهمًا، وربما… أكثر حنينًا لما تبقّى منها فينا.
سراييفو: حين يروي الحجر ذاكرة التاريخ وتوشوش الأزقة بأسرار الزمن
جئنا إلى سراييفو، نحن الثلاثة، من كندا… أنا، وصديقيّ العزيزين شاكر وإحسان، في رحلة قصيرة لكنها مشحونة بالدهشة والانبهار. كنا قد قررنا أن نترك خلفنا صخب الحياة اليومية ونمنح أنفسنا فسحة لاكتشاف دول البلقان وبدأناها من سراييفو مدينة تقف على تقاطع التاريخ، الدين، والجمال الطبيعي. ولم يخيب ظنّنا. فهذه المدينة، رغم ما شهدته من مآسٍ، ما تزال تحتفظ بهدوءها الجليل، وبطاقة لا تنضب من الحكايات.
بين ظلال المآذن… زيارة إلى جامع الغازي خسرو بك
كانت محطتنا الأولى هي جامع الغازي خسرو بك، أحد أروع معالم البوسنة الإسلامية. وقفنا أمام أبوابه الخشبية الثقيلة، نشعر بخشوعٍ لا مصدر له سوى عبق التاريخ. هذا المسجد، الذي بُني في القرن السادس عشر، لم يكن فقط تحفة معمارية، بل شاهدًا حيًا على حقبة من التسامح الحضاري والازدهار الثقافي الذي عرفته سراييفو.
تأملنا مئذنته العالية التي تعانق السماء، واستمعنا إلى صوت الأذان وهو يخترق الفضاء برهافة كأنّه ينسج صلاة من الضوء والصوت. زُرنا أيضًا المتحف المرافق والتُربتين حيث يرقد الغازي خسرو بك ومعلمه محمد حدى، فشعرنا كأننا نُصافح الذاكرة ونسير برفق داخل سجل مفتوح من المجد العثماني في قلب أوروبا.
ولم يكتمل جمال المشهد إلا بوجود كنيسة مهيبة تقف بتواضع مقابل المسجد، كرمز حيللتعايش الديني الذي تتنفسه المدينة، حيث يمتزج صوت الأجراس مع نداء المؤذن في لوحةإنسانية رائعة تروي قصة التسامح عبر العصور.
الاغتيال الذي أشعل حربًا… بتقنية الواقع الافتراضي
في اليوم التالي، قصدنا متحفًا من نوع مختلف: VRX Sarajevo – المتحف التفاعلي للواقع الافتراضي. هناك جلسنا على مقاعد صغيرة، لنشاهد فلم قصير لننتقل مباشرة إلى صباح يوم 28 حزيران 1914.
كنا فجأة في شوارع سراييفو القديمة، نشهد لحظة زيارة الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وزوجته صوفي تشوتيك. رأينا الموكب يمر بين الحشود، وسمعنا الطلقات التي دوّت في الذاكرة البشرية إيذانًا باندلاع الحرب العالمية الأولى.
رافق العرض القصير، جمع بين التوثيق والسرد، وأضاء على التوتر السياسي في البلقان آنذاك. خرجنا من المتحف ونحن نهمس لبعضنا: من كان يتخيل أن رصاصة في زاوية شارع، يمكن أن تغيّر وجه العالم؟
بشارشيا… حين تصير الذاكرة ملموسة
وقبل أن نغادر سراييفو، كان لا بد من أن نمشي في أزقتها الضيقة المرصوفة بالحجر، وتحديدًا في سوق بشارشيا العثماني العتيق. هنا، حيث تختلط أصوات الباعة بروائح القهوة والبهارات والنحاسيات، شعرنا أننا لسنا سياحًا بل أبناء المدينة.
وقفنا أمام سبيل الماء “Sebilj” وتذوّقنا القهوة البوسنية الأصيلة. مررنا على محلات الصفارين، التي ذكرتنا بسوق الصفافير في بغداد وعلى برج الساعة الذي لا يزال يعمل وفق التقويم القمري، وعلى واجهات تعرض المطرزات والسجاد وكأنها صفحات من تاريخ حيّ.
ورغم بساطة المكان، كان قلب المدينة يخفق تحت أقدامنا… مدينة يلتقي فيها المسجد والكنيسة والكنيس في مربع واحد، بلا صراع، بل بنبض مشترك.
بعد الضهر قصدنا المتحف الوطني للبوسنة والهرسك، وهو واحد من أعرق المؤسسات الثقافية في المنطقة. خلف جدرانه الكلاسيكية الصفراء، تنفتح أبواب الذاكرة على ماضٍ طويل يمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الحقب العثمانية والنمساوية.
تجولنا بين أروقة المتحف، حيث استوقفتنا مخطوطة سراييفو هاغادا، واحدة من أقدم مخطوطات التوراة المصورة في العالم، وقد حُفظت هنا بقدسية واحترام. شاهدنا قطعًا أثرية تعود لآلاف السنين، بقايا معابد وأدوات وأوانٍ فخارية، وسجادًا تقليديًا يعكس تنوع الحرف اليدوية في البلاد ومعدات نحاسية علق عليها صديقي احسان انها تشبه كثيرا اواني النحاس العراقية !
كان المتحف ليس فقط نافذة على التاريخ، بل على روح الشعب البوسني المتعدد، الذي حمل عبر القرون ثقافاتٍ متداخلة وصاغ منها هوية فريدة، تستحق الاحترام والفهم.
رحلة إلى الأعلى… حيث تلتقي سراييفو بالسماء
في آخر النهار، قررنا أن نختم جولتنا بطريقة مختلفة… بالصعود نحو القمة. توجهنا إلى محطة التلفريك القديمة، حيث أخذتنا العربات الهوائية (Cable Train) بهدوء نحو أعالي الجبل المطلّ على سراييفو.
كانت الرحلة قصيرة زمنًا، لكنها عميقة أثرًا. كنا نعلو ببطء، والمدينة تتقلص تحتنا، كأنها مجسّم صغير من الذاكرة. رأينا مآذن المساجد وقباب الكنائس تتناثر بين الأبنية، كأنها تنشد معًا نشيدًا واحدًا بلغة التعايش.
وعندما وصلنا القمة، كان المشهد ساحرًا. وقفنا على منصة المشاهدة، ونحن نلتقط الصور ونلتقط أنفاسنا أيضًا. هناك، بين الغيم والأفق، شعرنا أن سراييفو ليست مجرد مدينة… بل حكاية ترتفع بك كلما اقتربت منها
رفقة السفر… دفء الذكريات
ما جعل الرحلة أجمل وأعمق، هو أنني لم أكن وحدي. كان شاكر بروحه المرحة و حساباته الدقيقة، وإحسان بعمقه الإنساني وتفاؤله الهادئ، رفيقين في هذه الجولة التي ستبقى في الذاكرة. تحدثنا كثيرًا، وتأملنا أكثر، واكتشفنا أن المدن لا تكشف أسرارها إلا لمن يسير فيها بقلب مفتوح.
الوداع… على وعد بالعودة
في صباح اليوم التالي، غادرنا سراييفو، وكل منا يحمل في داخله مشهدًا خاصًا، وذكرى لم تُلتقطها الكاميرا، بل القلب.
لكن الرحلة لم تنتهِ بعد… فقد قررنا أن نستكشف بقية دول البلقان في الأيام القادمة، حيث نتابع المسير إلى مدن جديدة، وجبال أخرى، وحكايات لم تُروَ بعد.
وسأرويها لكم قريبًا.
طرابزون في اربعة ايام :حكاية مدينة
بين “المائدة” والحرير: فاتحة الحكاية
قبل أكثر من ٢٦ قرنًا، اختار تجار يونانيون هضبةً تُشبه المائدة — “Trapizu” باليونانية — وشقّوا على قمّتها مدينةً ستصبح عقدةً رئيسة على طريق الحرير. هكذا وُلدت طرابزون، ملتقى القوافل بين أوروبا وآسيا، وحاضنة تاريخ لا يزال ينبض في حجارتها حتّى اليوم.
مهندسًا ومخطّطًا حضريًّا، أحمل معي إلى أي مدينة أزورها أسئلةً عن كفاءتها في خدمة سكّانها، ومرونتها في وجه الكوارث والنمو، وقدرتها على صون هويتها. في طرابزون وجدتُ إجاباتٍ تتوالد مع كل منعطف، فأضحت رحلتي أكثر من سياحة؛ أصبحت درسًا حيًّا في كيفيّة موازنة الذاكرة بالحاضر والمستقبل.
اليوم الأوّل | توقيع البحر والجبال
مع أول نفحة هواء رطبة من البحر الأسود، بدت لي طرابزون لوحةً من فيروز وأخضر. الميناء القديم يتمسّح بأقدام الجبال، والحدائق المحاذية ترقّص ظلالها على الماء. بعد الظهيرة صعدتُ إلى قصر أتاتورك: مبنى أبيض يعانق السماء منذ مطلع القرن العشرين، بزخارف كلاسيكية جديدة وحدائق يانعة. هنا حاولت النخبة التركية آنذاك أن تُعلن انفتاحها على الحداثة الأوروبية، وأن تخلُق لنفسها هويةً جديدة دون قطع جذورها العثمانية.
اليوم الثاني | إلى ديرٍ معلّق بين الغمام
فجرًا، انطلقتُ مع أصدقائي عبر غابةٍ تهمس بصوت الجداول نحو دير سوميلا المحفور في صخر شاهق. كلّما ارتفع الطريق، بدا وكأنّ الجبل يلتهمنا ليُخفينا عن العالم. وعندما لاح المبنى الحجريّ في حضن الجرف، أحسستُ أنّني أقف على عتبة أسطورة معلّقة في الهواء منذ القرن الرابع الميلادي. هنا تلتقي الروحانية الأرثوذكسية بخشونة الطبيعة لتُبرهن أنّ الإنسان يستطيع تحويل الوعر إلى ملاذٍ سماوي. ليس غريبًا إذن أن يصبح آب/أغسطس موسمَ حجٍّ للمسيحيين الأرثوذكس إلى هذا المكان.
اليوم الثالث | قلب المدينة القديم… وتلك الأصداء
عدتُ إلى حضن طرابزون القديمة، حيث البازار ما زال يزقزق كعصفورٍ عجوز يعرف أسرار التجّار. بين الأزقّة، قادني أذان العصر إلى مسجد جولبهار خاتون: مثالٌ على كيف كانت العثمانيةُ توفّق بين العبادة والحياة اليومية، فالمسجد لا ينفصل عن السوق ولا المدرسة ولا البيت. ثمّ تابعتُ إلى آيا صوفيا طرابزون — الكنيسة البيزنطية التي صارت مسجدًا ثمّ متحفًا — فقرأتُ على جدرانها المخطوطات الجدارية وكأنّها حوارٌ صامت بين فنَّين: بيزنطيٍّ ينسج الفسيفساء، وعثمانيٍّ ينقش الأقبية.
اليوم الرابع | طرابزون الحديثة ترسم وجهها
أردتُ أن أختبر نبض الحاضر، فذهبتُ إلى أحياء بيليتلي ويومرا وبوزتبه. شوارع واسعة، مباني متوسطة الارتفاع، ممرات مشاة ودراجات، ومراكز تجارية تتربّع بثقة. ما شدّ انتباهي هو الامتداد الطولي للمدينة بين البحر والجبال: توسُّع يقرأ تضاريسه قبل أن يخطّط، فيحافظ على التهوية الطبيعية ولا يبتلع الساحل. الكورنيش الجديد يُعيد ربط الناس بمياههم: حدائق، مقاهٍ مفتوحة، وممشى يشرّع الزرقة للجميع لا لمستثمرٍ يضع حاجزًا أسمنتيًّا بين المدينة وبحرها.
في المقابل، ما تزال نواة أورطه حصار التاريخية تنبض بأزقتها المتعرّجة وبيوتها العثمانية المتلاصقة، تخضع لترميمٍ يُبقي على روح الخشب والحجر ويضيف بنية تحتية تناسب القرن الحادي والعشرين. هكذا يتجسّد مبدأ المدينة المستدامة: الحفاظ على الماضي، وامتصاص حاضرٍ سريع التحوّل، والتأهب لمستقبلٍ يطرق الأبواب.
خلاصة المسافر والمخطِّط
طرابزون ليست مزارًا عابرًا على شاطئ البحر الأسود. إنّها مختبرٌ حضريّ يبرهن أنّ التوازن بين الذاكرة والتنمية ممكن إذا احترمنا الجغرافيا وأصغينا إلى تاريخ المكان. في أربعة أيّامٍ فقط، انتقلتُ بين معابد معلّقة، وأسواقٍ تنبض، وأحياءٍ حديثةٍ تنحت مكانًا بين جبلٍ وبحر. رأيتُ مدينةً تُجيد سرد قصّتها بلا كلمات؛ يكفي أن تلمس حجارتها، أو تتبع نداء الموج، لتفهم حكايتها.
طرابزون، باختصار، ميناءٌ قديم تحوّل إلى مدينةٍ ديناميكية، تحاول معالجة تحدّيات الإدارة البيئية والنمو السكاني دون أن تتخلّى عن هويةٍ صاغتْها الحضارتان البيزنطية والعثمانية معًا. وهي تقدّم درسًا ثمينًا لكل مدينةٍ تتطلّع إلى المستقبل: لا تنمو على حساب ذاكرتك، ولا تتجمّد تحت وطأة تاريخك.
حين يحفر الايمان مسكنه في الجبل
حوالي الساعة العاشرة صباحا ، انطلقنا – أنا والدكتور ناصر، ومع الأصدقاء الأعزاء شاكر وفريد، برفقة السائق التركي ذو الوجه الباسم سليمان – في باص مريح نحو واحدة من أعاجيب تركيا المخفية: دير سوميلا.
ارتدينا أحذية مريحة ومعاطف خفيفة استعدادًا للمشي تحت المطر والصعود الشاق، للاستمتاع بالمناظر الخلابة للوادي والغابات المحيطة.
دير سوميلا، أحد أشهر المعالم التاريخية والدينية في تركيا، يقع على سفح جبل شديد الانحدار في منطقة ماكا، قرب طرابزون على ارتفاع حوالي 1200 متر فوق مستوى سطح البحر، محاطًا بغابات كثيفة.
عند سفح الجبل كان الدير يبدو كأنه معلّق بين الأرض والسماء، يطل على وادٍ أخضر يعانق الضباب ويعود تاريخه لأكثر من 1600 عام. تأسس في القرن الرابع الميلادي، عندما ظهرت السيدة العذراء في حلم لراهبين يونانيين، أمرتهما ببناء كنيسة في هذا المكان. منذ ذلك الحين، أصبح الدير ملاذًا روحيًا ومزارًا للرهبان والمحبين للعزلة.
خلال عصر إمبراطورية طرابزون، ازدهر الدير كمركز ديني مهم للمسيحيين الأرثوذكس، وكان الوصول إليه يتطلب تسلق ممرات صخرية ودرجات منحوتة في الجبل. لم يكن هناك طرق معبدة بالمعنى الحديث، بل كانت المسارات الطبيعية والسلالم الحجرية البسيطة هي الوسيلة الوحيدة للوصول.
بعد فتح العثمانيين لطرابزون عام 1461، سمح السلطان محمد الفاتح للدير بالاستمرار في نشاطه الديني.
توقفت السيارة بعد ان ابتعدنا حوالي ٥٠ كيلومتر من مدينة ترابزون حيث غادرناها وبدأنا مسار الصعود الصعب، الذي قد يبدو قصيرًا، لكنه كان شاقًا، حيث صعدنا حوالي 400 متر.
ما إن بدأنا التسلق عبر المسارات الحجرية، حتى شعرت وكأننا نرتقي نحو طبقات أخرى من الزمن. كانت الطرق ملتوية، تحفّها أشجار شاهقة وصوت المياه المنحدرة من الجبال. ومع كل خطوة، كانت الرهبة تتعاظم، حتى بدت واجهة الدير كأنها نبتت من الصخر نفسه، كنقش أبدي لا يمكن محوه.
يتكون الدير من كنيسة كهفية مزينة بجداريات فريسكو مذهلة تُصور مشاهد من حياة السيد المسيح والعذراء، تحيط بها غرف الرهبان ومكتبة ومطبخ. كان الدخول أشبه برحلة إلى قلب الصمت، حيث يتحدث الحجر وتهمس الظلال، ويشبه الضوء المتسلل من نوافذ صغيرة الصلاة.
تخيل نفسك مكان أحد رهبان دير سوميلا قبل مئات السنين…
الصعود إلى الدير كان رحلة شاقة بلا طرق معبدة أو سلالم مريحة. كنتَ تحمل مؤونتك على ظهرك، تتسلق الصخور بيدين مرتعشتين، بينما الرياح تضرب جسدك النحيل. في الشتاء، كان البرد القارس يتسلل إلى عظامك، وفي الصيف، تذوب تحت أشعة الشمس الحارقة.
لكنك مع ذلك تصعد، لأن إيمانك أقوى من الخوف.
للراهب الدير ليس مجرد مبنى، بل هو ملجأ الروح. بين تلك الجدران الصخرية، تشعر أنك أقرب إلى السماء.
اليوم، الزوار يأتون بسهولة بالسيارات والمسارات الممهدة، لكن ذكرى أولئك الرهبان ما زالت عالقة في كل حجر من أحجار الدير… تذكير بأن الإيمان الحقيقي يحتاج إلى صبر وتضحيات.
عدنا إلى طرابزون مع حلول الساعة الثالثة عصرًا، فتوجهنا مباشرة إلى زيارة جامع آيا صوفيا، الذي كان سابقًا كنيسة بيزنطية، ثم تحول إلى مسجد بعد سيطرة العثمانين، ثم إلى متحف، ليعود الآن جامعًا تتقاطع فيه الروايات وتتصافح فيه الحضارات.
جامع آيا صوفيا في طرابزون هو مبنى يعكس طبقات التاريخ تحت قبة واحدة، حيث يتداخل فيه عبق الزمان وجمال العمارة. في باحته الهادئة، تداخلت أصوات الطيور مع أصداء المصلين. تأملت الزخارف القديمة والفريسكات التي لا تزال تحتفظ ببعض من بريقها، رغم مرور القرون.
بينما كانت الشمس تميل نحو المغيب، وبعد يوم حافل تناولنا غذائنا في المطعم المطل على البحر، نستعيد تفاصيل الرحلة، وكأنها تختتم فصلاً من فصول التأمل في التاريخ والدين والإنسان.

البيت الذي لم يغادره صاحبه… حين تصير الذاكرة واجبًا وطنياً
غادرت باتومي في الصباح ، متجهًا نحو الحدود الجورجية-التركية، التي لا تبعد أكثر من عشرين كيلومترًا. على الجانب التركي، كانت السيارة بانتظاري—تنسيق رتبه بعناية أخي وصديق العمر، الدكتور ناصر المنصوري، الذي اعتاد قضاء عطلته الصيفية في مدينة طرابزون، المدينة التي طالما سحرت الزائرين بجمالها الهادئ وتضاريسها الخضراء المطلة على البحر الأسود.
امتد الطريق بين الحدود وطرابزون لمسافة تقارب 180 كيلومترًا، وعلى جانبيه تنوعت المشاهد بين البحر من الغرب، حيث الموج يلامس الصخور، وسلاسل جبلية خضراء تتصاعد شرقًا، تتخللها شلالات صغيرة وقرى متناثرة كأنها حكايات تنتظر من يرويها.
كان الدكتور ناصر، وهو خبير في تخطيط الطرق والمدن، رافقته في محطة مهمة من حياتي المهنية حيث كان وكيلا لدائرة التخطيط ( وزارة التخطيط في إمارة ابو ظبي )في دولة الإمارات في تسعينيات القرن الماضي. كان يعلم جيدًا شغفي بتاريخ المدن وذاكرة الأماكن، فاقترح علي التوقف في مدينة أرزينجان (أو كما يسميها البعض “أرزي”)، حيث يوجد منزل منسوب لمصطفى كمال أتاتورك.
محطة عابرة… لكنها لا تُنسى
في أحد أحياء أرزينجان الهادئة، وعلى سفح منخفض لا يكاد يُرى من الطريق السريع، وقف بيت أتاتورك هناك، متواضعًا من الخارج، لكنه مشبع بالرمزية. المبنى عبارة عن منزل من طابقين، بني بالحجر والخشب، بواجهات بيضاء ونوافذ واسعة تطل على الحقول المحيطة.
ما إن ولجتُ إلى الداخل، حتى شعرت أنني أدخل زمناً مختلفاً. الغرف بسيطة، خالية من البهرجة، لكنها تحتفظ بأثاث أصلي، ولوحات فوتوغرافية نادرة تُظهر أتاتورك في زياراته إلى شرق الأناضول. في إحدى الزوايا، رُصّت كتب باللغة العثمانية، وإلى جانبها خريطة قديمة لتركيا ما بعد الجمهورية. هناك أيضًا آلة كاتبة ومكتب خشبي، قيل لي إن أتاتورك استخدمه خلال إحدى زياراته الرسمية للمنطقة.
كانت الزيارة قصيرة، لكنها مكثّفة بالمشاعر. فحتى في بيت متواضع كهذا، تشعر بأن الرجل الذي غيّر وجه تركيا ترك أثره في كل زاوية وكل تفصيلة.
إلى طرابزون… حيث الذاكرة الكبرى
بعد تلك الوقفة القصيرة، أكملت رحلتي نحو طرابزون. وبعد الضهر ، وصلت إلى المدينة، وتوجهت إلى بيت أتاتورك الواقع في منطقة بوزتيبي، حيث يقف شامخًا على تلة خضراء مطلّة على البحر الأسود، وكأنما يحرس الذاكرة الحديثة للجمهورية التركية .
بُني هذا القصر عام 1890 على يد المواطن العثماني كونستانتين كباياندي، ليكون منزلاً صيفيًا لعائلته من أصول يونانية أو أرمنية. غير أن كل شيء تغيّر بعد اتفاقية لوزان عام 1923، حين تم تنفيذ اتفاق تبادل السكان بين تركيا واليونان، فغادر مئات الآلاف من المسيحيين الأرثوذكس البلاد، واستُبدلوا بمسلمين من أصول أناضولية عاشوا طويلاً في اليونان. وهكذا، تحوّلت ملكية القصر إلى الدولة التركية، كما تحوّلت مصائر كثيرة، وبقيت الجدران صامتة، تحفظ الحكايات في طياتها.
في 15 أيلول/سبتمبر 1924، زار مصطفى كمال أتاتورك القصر للمرة الأولى، وكان قد أسّس الجمهورية التركية قبل أقل من عام. ربما شعر بأن هذا المكان يعكس ما كان يصبو إليه: أن يكون لتركيا وجهٌ جديد، عصريٌ وأصيلٌ في آنٍ معًا. في زيارته الثانية عام 1930، اتخذ قرارًا رمزيًا بأن يترك ممتلكاته للدولة التركية، في لفتة تجسّد مفهوم الدولة الوطنية الذي أراد ترسيخه.
وبعد وفاته، قامت بلدية طرابزون في 6 نيسان/أبريل 1943، وزيّنته، وافتتحته متحفًا يحمل اسمه. ومنذ ذلك الحين، صار “بيت أتاتورك” مقصدًا لمن أراد أن يتلمّس لحظة من التاريخ لا تُروى في الكتب وحدها.
حين يتكلم الحجر
ما إن تخطو داخل القصر، حتى يغلفك شعور بالهيبة والسكينة. الجدران مزيّنة بزخارف ناعمة من طراز كلاسيكي، والسقف العالي تتدلّى منه ثريات كريستالية تلمع رغم العقود. الأرضيات من الخشب العتيق، تتناغم مع سجاد شرقي يذكّر بزمن كانت فيه الفخامة مرادفًا للبساطة المدروسة.
الغرف مصمّمة بدقة، تحتفظ بعبق الماضي: مقاعد خشبية بمساند منحوتة، طاولات رخامية، مرايا مذهبة، وساعات حائط لا تزال تدقّ بصبر، كما لو أنها ترفض الاعتراف بمضيّ الزمن. وفي زاوية هادئة، مكتب صغير يُقال إن أتاتورك جلس عليه، وخطّ فيه أفكارًا تشكّلت لاحقًا في سياسات ومواقف.
القصر مكوّن من ثلاث طوابق، لكل طابق روحه: في الأعلى، غرفة نومه البسيطة. لا بذخ فيها، بل صفاء وسكون. كأنها لم تكن مكانًا للراحة فقط، بل موضعًا للتأمل في مصير وطن وعبء القيادة.
الحديقة… فصل من الجمال الخالص
خارج القصر، تمتد حديقة غنّاء تشبه لوحة انطباعية نُسجت بريشة فنان. أشجار شامخة، زهور متنوّعة الألوان، ومسارات حجرية تتلوى بين العشب كأنها تدعو الزائر إلى السير ببطء، لا ليستكشف فقط، بل ليستشعر. في أحد أطراف الحديقة، مقعد خشبي يطل على البحر والمدينة. جلست عليه لحظات، وتخيلت كمال أتاتورك في يوم صيفي، ينظر إلى الأفق، يتأمل ما تحقق من حلمه الكبير… وما لم يتحقق بعد.
ما يميّز القصر ليس فقط تاريخه، بل معماره الأوروبي، المبني بالحجر والطوب، الذي يعكس أثر الحضور الغربي في شرقٍ كان يتغيّر بسرعة. إنه بيت يحكي حكاية تركيا المتأرجحة بين الشرق والغرب، بين الأمس والغد، بين الإمبراطورية والجمهورية.
وحين غادرت المكان، كان في ذهني صدى الفكرة التي تراودني كلما زرت موقعًا تاريخيًا حقيقيًا: أن التاريخ لا يُكتب فقط بالحبر، بل يُكتب أيضًا بالحجر، والخشب، والضوء المتسلل من نافذةٍ قديمة.
الذاكرة الحضرية: بين التماثيل الخالدة والهويات الهشة
في لحظةٍ من صخب الحياة على كورنيش باتومي الساحر على البحر الأسود ، حيث يمتزج همس البحر بضجيج المدينة، وقفتُ مبهوراً أمام تمثال “إيليا تشافتشافادزه”. ذلك الرمز الجورجي الذي حوّل قلمه إلى جسرٍ بين الماضي والمستقبل، فصار اسمه محفوراً في ذاكرة المدينة كما هو محفورٌ على قاعدة الغرانيت. هنا، حيث تتنفس المدن تاريخها، تساءلتُ: لماذا تتحول مدننا إلى ضحايا النسيان بينما تصنع غيرها من التماثيل سفراءَ خالدين للهوية؟
في المدن التي تعرف قيمة تراثها، لا يُنصب التمثال للزينة، بل ليصبح شاهداً حياً على حوار الأجيال. فـ”تشافتشافادزه” في جورجيا، مثل “شكسبير” في لندن و”طاغور” في الهند، ليسوا مجرد أسماء في الكتب، بل جزءٌ من النبض اليومي للمدينة. بينما نجد في مدننا الأسماء تتبدل بتبدل الحاكم :
– جسر الملك فيصل الثاني، تلك التحفة المعمارية، يبحث عن هويته بين أسماء “14 تموز” و”الجمهورية”.
– تمثال المنصور، مؤسس بغداد، الذي يتعرض للتشويه كلما تغيرت البوصلة السياسية.
– اسماء مدن وأحياء التي تتبدل هويتها كجلدٍ ينسلخ مع كل نظام.
وتماثيل تزال في لحظات غضب او انعدام الوعي بينما لا تزال تماثيل قياصرة روسيا وملوك فرنسا جاثمة تزين شوارع موسكو وباريس بالرغم من الثورة البلشفية والفرنسية التي ازالت هذه الأنظمة.
الأمم العظيمة تبني هويتها على التنوع لا المحو. فلماذا لا نرى:
– تمثال الجاحظ في شارع المتنبي، حيث كان يصوغ أفكاره التي غيرت العالم؟
– اسم لمستشفى السيدة ماري شمعون، تكريماً لأول طبيبة عراقية كسرت قيود التقاليد؟
– ساحة جواد سليم، حيث يمكن للفن أن يحاور نصب الحرية؟
– حديقة ليلى قاسم في قلب السليمانية، تروي قصة الشهادة الكردية؟
– شارع الخوارزمي في الرصافة،
– جسر الرازي في الكرخ،
– ساحة الوردي في الكاظمية… وآخرين
-كذلك أبطالٌ نسيهم الوطن ولم ينسهم التاريخ، ففي وسط زحام النسيان، يقف أبطال ثورة العشرين شامخين لابد من تكريمهم أمثال :
السيد محمد الصدر (1882-1956) قائد ديني وسياسي بارز في ثورة العشرين و أحد مؤسسي **الحكومة العراقية المؤقتة** بعد الثورة
حيث قاد التحركات السياسية والدينية ضد البريطانيين
عبد الوهاب النعيمي الذي حوّل معركة الرارنجية إلى ملحمة وطنية،
حسين أبو غضيب المدافع عن النجف الذي اختار الشهادة على الاستسلام،
سليمان الفيصل الذي سقى تراب كربلاء بدمائه،
عبد الكريم الجريان الذي حوّل الديوانية إلى معقل للمقاومة
الشيخ ضاري المحمود (1858-1927)زعيم عشيرة زوبع وأشهر مواقفه عندما قتل الكولونيل **جيرالد ليجمن ممثل الحاكم البريطاني
اقترح إنشاء متحف التماثيل الوطني ليضم وجوه العراق خلال تاريخه الطويل، من حمورابي إلى رابعة العدوية إلى نزيهة الدليمي.
فالتمثال ليس حجراً، بل عهدٌ بين الماضي والمستقبل. حين تزيل أمة تماثيلها، فهي تمحو تاريخها. فلنصنع من مدننا سجلاً حياً يروي قصة كل من ساهم في بناء هذه الأرض: شعراءً، وعلماء، وثواراً، ومفكرين، ورجالاً ونساءً من كل المكونات.
إن الشعوب التي تحترم ماضيها، وحدها تستحق مستقبلاً يليق بتضحيات الأجداد.

العمر ان مضى
ها أنا ذا، تجاوزت السبعين سنتين اليوم . لا احتفالَ يُزمِّرُ، ولا أضواءَ تُلمعُ، بل وقفةٌ صامتةٌ كتوقُّفِ المسافرِ في منتصفِ الطريقِ، يلتقطُ أنفاسَه، يُقلِّبُ نظرَه خلفَ ظهرِه، ثم يتأملُ المسافةَ المتبقيةَ. اليومُ، مرَّ كفيلمٍ صامتٍ يُعرضُ على شاشةِ الذاكرة: شوارعُ بغدادَ التي رَسمت طفولتي، دفاترُ الدراسةِ في ثانويةِ الكرخِ، خطواتي الأولى بكليةِ الهندسةِ في نهايةِ الستينياتِ. ثمَّ كانت المغادرةُ في بدايةِ الثمانينياتِ للدراسةِ العليا،
خرجتُ من العراقِ يومَها، حقيبتي ثقيلةً بأوراقٍ تختزلُ هويةً، وقلبي أثقلُ بما عجزتُ عن قولِه. كانت باريسُ – مدينةَ الضوءِ – مرفأً أولَ، فتحتْ لي أبوابَ المعرفةِ والشتاتِ معاً. في قاعاتِ جامعاتِها، كتبتُ أطروحتي، وشرعتُ أرسمُ ملامحَ رجلٍ قررَ ألا يستسلمَ للغيابِ. إن لم تكنْ ثمّةَ أرضٌ تثبُتُ فيها القدمُ، فلتُزرعِ الجذورُ في الكتبِ. كانت مقاومةً بالمعرفةِ.
ثم العودةُ منتصفَ الثمانينات لِأعملَ في “العراق الحبيبِ” عقداً كاملاً، قبل أن يأتيَ القرارُ الأثقلُ: الهجرةُ. ذلك الجرحُ النازفُ الذي لم تندملْهُ كلُّ المدنِ التي منحتني أسماءً مؤقتةً، كأنما تُخاطبُ غريباً.
ثم جاءت العودةُ المؤقتةُ، امتحاناً للضميرِ لا منصباً: أميناً للعاصمةِ الجريحةِ، بغدادَ. سعيتُ بين ركامِها، أبحثُ عن بصيصِ نظامٍ في قلبِ الفوضى، وعن معنى في زمنٍ أضاعَ معناه. تعلّمتُ أن الألغامَ لا تُزرعُ تحتَ الطرقِ وحدَها، بل وتُختبئُ تحتَ كلِّ فكرةٍ نبيلةٍ. مشيتُ على حافةِ الهاويةِ، حاملاً أملَ إعادةِ البناءِ في مدينةٍ تتنازعُها النيرانُ.
ثم كانت الهجرةُ الأخيرةُ إلى كندا، الأرضِ التي تمنحُكَ حقَّ البدءِ من جديدٍ، دونَ أن تسألَكَ: “مَن كنتَ؟”. عدتُ إلى حُبِّي الأولِ: القاعاتِ الدراسيةِ والاستشارة الهندسية . أستاذاً جامعياً بين تورونتو والإماراتِ وباريسَ نفسِها، أنقلُ ما تعلّمتهُ لأجيالٍ من المهندسينَ. ألمحُ في عيونِهم شررَ طموحي القديمِ، فأضعُ بين أيديهم أدواتَ الحلمِ والتفكيرِ الحرِّ، كما وضعَها أساتذتي بين يديَّ ذاتَ يومٍ. دورةُ الحياةِ تكتملُ: من التلمذةِ إلى التعليمِ.
واليومَ، في هدوءِ هذا الصباحِ وأنا أخطو خطواتي في العقدِ السابعِ، لا يملؤني ندمٌ على ما فاتَ، ولا رغبةٌ في التفاخرِ بما أنجزتُ. يملؤني شيءٌ أعمقُ: **الرضا**. أدركتُ أن العمرَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بعددِ السنواتِ، بل **بكثافةِ التجربةِ وصدقِ المعنى** الذي نعيشُ من أجلهِ. لقد عشتُ بصدقٍ.
فيا زماني، كُنْ هادئاً فيما تبقى من رحلتِنا معاً. لم أعدْ أسعى وراءَ مجدٍ يتبخّرُ، بل أبتغي **وضوحاً** يثبُتُ. لا أريدُ طريقاً طويلاً يتعثّرُ فيه السائرُ، بل أريدُ طريقاً واحداً: **طريقاً يُشبهني**.
العقد السابع: توقُّفُ المسافِرِ واستشرافُ الوُضوحِ**
ها أنا ذا، تجاوزت السبعين. لا احتفالَ يُزمِّرُ، ولا أضواءَ تُلمعُ، بل وقفةٌ صامتةٌ كتوقُّفِ المسافرِ في منتصفِ الطريقِ، يلتقطُ أنفاسَه، يُقلِّبُ نظرَه خلفَ ظهرِه، ثم يتأملُ المسافةَ المتبقيةَ. اليومُ، مرَّ كفيلمٍ صامتٍ يُعرضُ على شاشةِ الذاكرة: شوارعُ بغدادَ التي رَسمت طفولتي، دفاترُ الدراسةِ في ثانويةِ الكرخِ، خطواتي الأولى بكليةِ الهندسةِ في نهايةِ الستينياتِ. ثمَّ كانت المغادرةُ في بدايةِ الثمانينياتِ للدراسةِ العليا،
خرجتُ من العراقِ يومَها، حقيبتي ثقيلةً بأوراقٍ تختزلُ هويةً، وقلبي أثقلُ بما عجزتُ عن قولِه. كانت باريسُ – مدينةَ الضوءِ – مرفأً أولَ، فتحتْ لي أبوابَ المعرفةِ والشتاتِ معاً. في قاعاتِ جامعاتِها، كتبتُ أطروحتي، وشرعتُ أرسمُ ملامحَ رجلٍ قررَ ألا يستسلمَ للغيابِ. إن لم تكنْ ثمّةَ أرضٌ تثبُتُ فيها القدمُ، فلتُزرعِ الجذورُ في الكتبِ. كانت مقاومةً بالمعرفةِ.
ثم العودةُ منتصفَ الثمانينات لِأعملَ في “العراق الحبيبِ” عقداً كاملاً، قبل أن يأتيَ القرارُ الأثقلُ: الهجرةُ. ذلك الجرحُ النازفُ الذي لم تندملْهُ كلُّ المدنِ التي منحتني أسماءً مؤقتةً، كأنما تُخاطبُ غريباً.
ثم جاءت العودةُ المؤقتةُ، امتحاناً للضميرِ لا منصباً: أميناً للعاصمةِ الجريحةِ، بغدادَ. سعيتُ بين ركامِها، أبحثُ عن بصيصِ نظامٍ في قلبِ الفوضى، وعن معنى في زمنٍ أضاعَ معناه. تعلّمتُ أن الألغامَ لا تُزرعُ تحتَ الطرقِ وحدَها، بل وتُختبئُ تحتَ كلِّ فكرةٍ نبيلةٍ. مشيتُ على حافةِ الهاويةِ، حاملاً أملَ إعادةِ البناءِ في مدينةٍ تتنازعُها النيرانُ.
ثم كانت الهجرةُ الأخيرةُ إلى كندا، الأرضِ التي تمنحُكَ حقَّ البدءِ من جديدٍ، دونَ أن تسألَكَ: “مَن كنتَ؟”. عدتُ إلى حُبِّي الأولِ: القاعاتِ الدراسيةِ. أستاذاً جامعياً بين تورونتو والإماراتِ وباريسَ نفسِها، أنقلُ ما تعلّمتهُ لأجيالٍ من المهندسينَ. ألمحُ في عيونِهم شررَ طموحي القديمِ، فأضعُ بين أيديهم أدواتَ الحلمِ والتفكيرِ الحرِّ، كما وضعَها أساتذتي بين يديَّ ذاتَ يومٍ. دورةُ الحياةِ تكتملُ: من التلمذةِ إلى التعليمِ.
واليومَ، في هدوءِ هذا الصباحِ وأنا أخطو خطواتي في العقدِ السابعِ، لا يملؤني ندمٌ على ما فاتَ، ولا رغبةٌ في التفاخرِ بما أنجزتُ. يملؤني شيءٌ أعمقُ: **الرضا**. أدركتُ أن العمرَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بعددِ السنواتِ، بل **بكثافةِ التجربةِ وصدقِ المعنى** الذي نعيشُ من أجلهِ. لقد عشتُ بصدقٍ.
فيا زماني، كُنْ هادئاً فيما تبقى من رحلتِنا معاً. لم أعدْ أسعى وراءَ مجدٍ يتبخّرُ، بل أبتغي **وضوحاً** يثبُتُ. لا أريدُ طريقاً طويلاً يتعثّرُ فيه السائرُ، بل أريدُ طريقاً واحداً: **طريقاً يُشبهني**.
نشرت على مدونتي الشخصية
“العقل المنغلق لا يبني وطناً: دعوة للانفتاح من أجل عراق جديد”
أيها الأصدقاء،
نحن أبناء بلدٍ متنوع، ثري بثقافاته ومكوناته وأديانه ولهجاته. لكن للأسف، هذا الغنى تحوّل في أحيان كثيرة في تاريخنا البعيد والقريب إلى سبب للفرقة بدل أن يكون مصدر قوة. نختلف ثم نتخاصم، نتحاور فنهاجم، ونرفض الآخر فقط لأنه “مختلف”.
في مثل هذه الظروف، والعراق يعيش حاليا فترة هدوء ستستمر حتما بحكمة العقلاء يستحق أن نعيد قراءة ما قاله المفكر العراقي الراحل علي الوردي في كتابه مهزلة العقلالبشري:
“من لا يبتعد أبدًا عن بيئته التي وُلد فيها، ويقرأ فقط الكتب التي تُعزز معتقداته الموروثة، ويُركز فقط على ثقافة وطنه، لا يمكنه أن يكون محايدًا في حكمه. بل يُتوقع منه أن يكون مُشبعًا بقومية شرسة وثبات فكري راسخ.”
هذه الكلمات ليست موجهة ضد الانتماء لقناعتنا بل ضد الجمود، ضد أن نغلق عقولنا ونعيش في “فقاعة فكرية” لا نرى خارجها شيئًا.
تنوعنا ليس لعنة بل فرصة من الكردي والتركماني إلى العربي، من الشيعي إلى السني، من المسيحي إلى اليزيدي والصابئة فالعراق كيان من ألوان متعددة. والعيش المشترك لا ينجح إلا عندما يتعلم كل واحد منا أن يرى العالم من زاوية غير زاويته.
الانغلاق يولّد التعصب فحين نقرأ فقط ما يُؤكد أفكارنا، ونصادق فقط من يشبهوننا، ونرفض من يخالفنا، نتحول إلى “جدران صلبة”، لا نستقبل النور. وما أكثر ما دفع بلدنا العراق في الماضي من ثمن لهذا التعصب.
الشباب العراقي هم المفصل الحقيقي للتغيير فجيل ما بعد 2003 لم يصنع الماضي، لكنه يملك مفاتيح المستقبل. ومفتاح المستقبل هو الانفتاح على الآخر — لا كتهديد، بل كفرصة للفهم، وربما للتصحيح.
كيف نُعيد تشكيل وعينا؟ من المهم ان نتعرف و نقرأ عن المختلف عنا فكرياً: لا تكتفِ بما يُرضي قناعاتك، اقرأ أيضًا ما يُخالفها.علينا ان نحاور باحترام ولا نسخر من المختلف ونقبل أن الحقيقة ليست مطلقة، وأننا كلنا في رحلة بحث مستمر وعلينا ان نؤمن ان العراق الجديد يبدأ من عقول الشباب فلا يمكن أن نبني عراقًا جديدًا بعقول قديمة، ولا يمكن أن نصنع سلامًا داخليًا إذا لم نتعلم احترام الرأي الآخر.
الانفتاح ليس ضعفًا، بل قوة. والشك في الموروث ليس كفرًا، بل بداية وعي.
دعونا نخرج من جدراننا الفكرية، ونبني وطنًا لا يُقصي أحدًا.
واخيرا أقول لنتحرر من التشنج بأحكامنا ونمنح عقولنا وقلوبنا فرصة أن ترى الآخر بعيون جديدة تحرص على وحدة العراق واهله .
قصة سارة

في أوائل القرن العشرين، برزت امرأة استثنائية تُدعى السيدة سارة أوهانس هوفهانس، كشخصية بارزة في التاريخ العراقي. وُلدت سارة في بغداد عام 1889 لعائلة أرمينية، وعرفت مبكرًا طعم المأساة بفقدان والدتها صوفي وشقيقتها الصغرى زابيل. بعد وفاتهما، تولّت عمتها صوفي رعايتها، وورثت عن والدها ثروة كبيرة تضمّنت أموالًا وأراضي في بغداد ومنطقة مزدهرة ستُعرف لاحقًا باسم “كامب سارة”.
نشأت سارة في منزل جميل يقع في شارع الرشيد ويطلّ على نهر دجلة. تكريمًا لذكرى أختها زابيل التي توفيت في سن السادسة، تبرع والدها بأحد منازل العائلة الكبيرة للجالية الأرمينية في بغداد، لتحويله إلى مدرسة حملت اسم “المدرسة الزابيليانية”.
حدثٌ محوري في حياة سارة وقع في أغسطس 1910، عندما نظّم ناظم باشا، الوالي العثماني على بغداد، حفلة راقصة فخمة على متن قارب، لجمع التبرعات من أجل مستشفى جديد. ضم هذا الحدث شخصيات دبلوماسية وممثلين عن الجاليات الأجنبية وعائلات مسيحية محلية، وأصبح حديث المدينة. حضرت سارة مع عائلتها مرتدية الزي الأرميني التقليدي، ورغم صغر سنها – 17 عامًا فقط – جذبت انتباه ناظم باشا، الذي كان يبلغ من العمر خمسين عامًا. وعندما طلب يدها للزواج، رفضت عرضه، مما أثار غضب الوالي الذي شعر بالإهانة الشديدة.
ما تلا ذلك كان دراميًا. فقد استغل ناظم باشا سلطته لملاحقة سارة بإصرار، متجاهلًا رفضها الصريح. وتصاعدت هذه التوترات بالتزامن مع اضطرابات سياسية متزايدة في بغداد، حيث كانت الفصائل المختلفة تتنازع على النفوذ. ووسط هذا الغليان، زار الصحفي إسماعيل حقي بابان – المرتبط بحزب الاتحاد والترقي – بغداد، واكتشف ما جرى لسارة، فكتب مقالات فاضحة تنتقد تصرفات الوالي، مما أثار موجة غضب شعبية أوسع.
في بداية عام 1911، قدم ممثلو العراق في الجمعية العثمانية شكوى رسمية ضد سلوك ناظم باشا، ما أدى إلى تدخل من إسطنبول. وبعد ضغط شعبي وسياسي مكثف، تم عزله من منصبه في 17 مارس 1911.
لكن دور سارة لم يقتصر على السياسة؛ فقد قدمت إسهامات إنسانية كبيرة. ففي عام 1915، مع اشتداد معاناة الأرمن خلال الإبادة الجماعية، أسست “جمعية النساء الأرمنيات” لمساعدة المهجّرين والمنكوبين. وبحلول عام 1917، كانت قد قدّمت الطعام والملابس لنحو 20,000 لاجئ أرمني في العراق، مجسّدة التزامها العميق تجاه من هم في أمسّ الحاجة، في وقت الأزمات.
أنخيدوانا (Enheduanna)أول شاعرة وكاتبة معروفة في التاريخ
أنخيدوانا هي شخصية تاريخية بارزة تُعد أول شاعرة وكاتبة معروفة في التاريخ، وكتاباتها تحمل طابعًا دينيًا وشخصيًا عميقًا. عاشت خلال عهد الملك سرجون الأكدي (حوالي 2334–2279 ق.م)، مؤسس الإمبراطورية الأكادية في بلاد الرافدين.
في عام 1927، اكتشف فريق تنقيب البعثة المشتركة للمتحف البريطاني وجامعة بنسلفانيا أنقاض المقبرة الملكية في مدينة أور، التي احتوت على العديد من الأضرحة الملكية والكنوز النفيسة التي يعود تاريخها إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد.
وأثناء التنقيب، عُثر على أكثر من خمسة آلاف لوح أدبي عراقي قديم ومن بين هذه الاكتشافات، وُجد قرص دائري صغير من المرمر يصوّر الكاهنة العظمى “أنخيدوانا”، ابنة الملك سرجون الأكدي، وهي ترتدي عباءة طويلة وغطاءً على رأسها، وضفائرها متدلية على كتفيها. يظهر القرص أنخيدوانا وهي تحمل صولجانًا، تترأس طقسًا دينيًا أمام مذبح الإله، مقدمة الصلوات والطقوس الدينية.
وصفت مؤرخة الفن بجامعة هارفارد، “إيرين ج. وينتر”، هذا القرص بأنه منحوت من المرمر شبه الشفاف، بقطر يبلغ حوالي 25.6 سم وسمك 7.1 سم.


القرص تبدو فيه الأميرة انخيدو أنا وهي متجهة نحو الزبونة لتقديم النذور على المذبح
النص الذي تمت قراءته على النقش يرد فيها اسمها بالشكل التالي :
(انخيدو أنا ، حليلة الاله نانا ،ابنة شروكيين ملك العالم في معبد الالهة ايماناً ،عملت ختما تقدمة للإله أنوا )
وقد وُجدت مع القرص أشياء أخرى تحمل اسم الكاهنة، إضافة إلى أختام وألواح طينية. ويُحفظ هذا القرص حاليًا في متحف جامعة بنسلفانيا للآثار بالولايات المتحدة.
ومن بين الألواح الطينية المكتشفة، وُجد لوح يتضمن كلمات محفوظة من قصيدة طويلة تقول فيها:
“أنا أنخيدوانا… لقد توليت أخذ مكانتي في مسكن الحرم. كنت الكاهنة الكبرى”.
هذه الكلمات تعد من أوائل النصوص التي تشير إلى التأليف الذاتي وكتابة السيرة الذاتية.
قبل هذا الاكتشاف، لم يكن أحد قد سمع عن “أنخيدوانا”، ولكن العثور على القرص والألواح الطينية وسّع معرفتنا بتاريخ العراق القديم.
في الأدب العالمي، تُعتبر أنخيدوانا أول أديبة معروفة في التاريخ فهي صاحبة أقدم نص شعري مكتوب، وأول امرأة توقع باسمها على ألواح قصائدها، في وقت كانت فيه النصوص الأدبية مجهولة الهوية.
وصفها الباحث “ويليام فولغانغ هالو”، المتخصص في أدب الآشوريات بجامعة يال، بأنها “شكسبير الأدب السومري”. فقد سبقت ملحمة جلجامش بـ800 عام، وسبقت الشاعر الإغريقي هوميروس، مؤلف “الإلياذة” و”الأوديسة”، بـ11 قرنًا كما أنها تفوقت زمنيًا على الشاعرة الإغريقية سافو بنحو 1700 عام.
جمعت أنخيدوانا بين مكانتها كأميرة، ودورها ككاهنة عليا، وإبداعها كشاعرة، مما جعلها شخصية استثنائية في تاريخ العراق القديم وقد ألهمت كتاباتها العديد من الباحثين والأدباء حول العالم، حيث تُرجمت أعمالها إلى الإنجليزية والألمانية.
وصفتها أستاذة الأدب الإنجليزي في جامعة تينيسي، “روبرتا بنكلي”، بأنها الصوت الحازم والقوي الذي تحتاج النساء إلى سماعه.
تكريمًا لها، قام الاتحاد الفلكي الدولي عام 2015 بتسمية فوهة بركانية على سطح كوكب عطارد باسم “أنخيدوانا”، تقديرًا لإسهاماتها الأدبية والفكرية.
قصيدة “تمجيد إنانا”
من أبرز أعمال أنخيدوانا هي قصيدة “تمجيد إنانا”، التي تتألف من 153 سطرًا. القصيدة هي ابتهال وتمجيد للإلهة إنانا، إلهة الحب والحرب في الميثولوجيا السومرية.
تُعد هذه القصيدة من أقدم الأعمال الأدبية التي احتُفظ بنصوصها، وهي مكتوبة باللغة السومرية على ألواح طينية بالخط المسماري. من بين أبياتها:
“سيدة كل القوى الإلهية، نور بهي، امرأة مجيدة، جوهرة السماء والأرض، كاهنة الإله الأعلى.”
أنخيدوانا لم تكن مجرد كاتبة وشاعرة، بل كانت رائدة فكرية ونسوية تسعى لإلغاء التمييز بين المرأة والرجل. لقد وضعت بصمتها العميقة في تاريخ البشرية، وكانت صوتًا يعبر عن النساء في زمن كانت الكتابة فيه حكرًا على الرجال.
كعراقي من احفاد هذه الارض المعطاء اشعر بالفخر ان سيدة من أرض اجدادي اسمها اختير إطلاقه على فوهة احد البراكين في كوكب عطارد من ضمن ٣٥٠٠ اسم مقترح قدم إلى الاتحاد الدولي للفلكيين في عام ٢٠١٥