الكاتب: importuser

  • الدولة المدنية في العراق: سؤال المستقبل

    يتكرر في النقاش السياسي العراقي سؤال يبدو بسيطاً لكنه عميق:

    هل يمكن قيام دولة مدنية حديثة في العراق؟

    يظن البعض أن المسألة تتعلق بالدستور أو الانتخابات أو شكل النظام السياسي. لكن التجارب التاريخية تشير إلى أن الدولة المدنية ليست مجرد مؤسسات وقوانين، بل هي قبل كل شيء ثقافة اجتماعية تقوم على فكرة المواطنة.

    لقد تشكل المجتمع العراقي عبر قرون طويلة في إطار بنى تقليدية قوية مثل القبيلة والطائفة والعائلة الممتدة. وهذه البنى لعبت دوراً مهماً في تنظيم المجتمع، لكنها في الوقت نفسه جعلت الانتقال إلى مفهوم الدولة المدنية عملية بطيئة ومعقدة.

    ومع ذلك فإن المدن العراقية، خصوصاً بغداد والبصرة والموصل، شهدت مراحل مهمة من التحول المدني، حيث ظهرت الطبقات الوسطى، وانتشرت الصحافة والتعليم، وازدهرت النقابات المهنية والمنتديات الثقافية.

    فالمدينة بطبيعتها فضاء يخفف من ثقل الانتماءات التقليدية. ففي الجامعة والسوق ومكان العمل يلتقي الناس بوصفهم شركاء في العمل والمعرفة، لا بوصفهم أبناء قبيلة أو طائفة فقط.

    لكن الدولة المدنية لا تُبنى بقرار سياسي سريع. إنها نتيجة تطور اجتماعي طويل يقوم على التعليم، ونمو الطبقة الوسطى، واستقلال المؤسسات، وترسيخ القانون بوصفه المرجعية العليا للجميع.

    ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن قيام دولة مدنية في العراق؟

    بل: كيف نبني مجتمعاً يؤمن بالمواطنة قبل أي انتماء آخر؟

    فالدول يمكن أن تُنشأ بقرار سياسي، لكن المجتمعات المدنية تُبنى عبر الزمن.

    الدول يمكن أن تُنشأ بقرار سياسي:

    دستور يُكتب مؤسسات تُبنى،حكومة تُشكَّل.

    لكن المجتمع المدني لا يُبنى بهذه الطريقة.

    فالثقة بين الناس،

    واحترام القانون،

    وثقافة المواطنة…

    لا يصنعها مرسوم حكومي.

    إنها تنمو ببطء عبر التعليم والتجربة والزمن.

    لذلك يمكن للدولة أن تولد سريعاً،

    لكن المجتمع المدني يحتاج جيلاً كاملاً حتى ينضج.

    نشر في مدونة الدكتور علاء التميمي بشكل موسع

    *www.altamimialaablog.com

  • حين تُلبِس السياسةُ الحربَ ثوبَ الدين

    د. علاء محمود التميمي

    آذار ٢٠٢٦

    ليس جديداً أن تبحث الحروب عن روايةٍ تبرّرها أمام الرأي العام. لكن الأخطر أن تُلبس هذه الرواية ثوب الدين، فيتحول الصراع السياسي إلى معركةٍ مقدسة، ويصبح النقاش العقلاني حول المصالح والنتائج أمراً ثانوياً أمام خطاب تعبوي يقوم على الإيمان والانحياز.

    في تقرير حديث نشرته شبكة الجزيرة أُثير سؤال لافت: لماذا يلجأ بعض القادة في الولايات المتحدة وإسرائيل إلى استخدام مفردات دينية عند الحديث عن الصراع الجاري في الشرق الأوسط؟ ولماذا تُستدعى تعبيرات مثل “هرمجدون” أو “معركة النهاية” في سياق حربٍ هي في جوهرها صراع نفوذ ومصالح واستراتيجيات؟

    (يمكن الاطلاع على التقرير عبر الرابط: https://aje.news/8zl49x)

    ومن اللافت في هذا السياق ما نقلته بعض التقارير عن ضابطٍ قال إن قائده أخبر الوحدة بأن دونالد ترامب “ممسوح من قبل يسوع لإشعال النار في إيران تمهيداً لمعركة هرمجدون وعودة المسيح إلى الأرض”. قد يختلف الناس حول دقة هذا النقل أو سياقه، لكن مجرد تداول مثل هذه اللغة يكشف خطورة إدخال السرديات اللاهوتية إلى المجال العسكري والسياسي.

    فالحروب في جوهرها ليست صدامات دينية، بل صراعات قوة ومصالح وتوازنات. لكن عندما تُقدَّم للجمهور في إطارٍ ديني، فإنها تتحول من نزاعٍ قابل للحل إلى مواجهةٍ وجودية يصعب فيها الحديث عن التسويات أو الحلول الوسط.

    ومن المفارقات اللافتة في واقعنا العربي أن الخطاب الديني لا يُستخدم فقط لتعبئة أنصار الحرب، بل يؤثر أيضاً في طريقة تعاطف الشعوب مع ضحاياها. فالكثير من العرب، على سبيل المثال، لا يتعاطفون مع إيران في مواجهة الهجمات التي تتعرض لها، ليس بالضرورة بسبب موقف سياسي مدروس، بل لأن إيران تُعرَّف في المخيال الشعبي بوصفها دولة “شيعية”. وهنا يتسلل الانقسام المذهبي ليشوّه الحكم الأخلاقي على الأحداث.

    غير أن المعيار الأخلاقي في السياسة الدولية لا ينبغي أن يُبنى على الانتماء المذهبي أو الديني، بل على مبدأٍ أبسط وأوضح: رفض العدوان أياً كان مصدره، ورفض تحويل الصراعات السياسية إلى حروب عقائدية. فحين يصبح المذهب معيار التعاطف، يفقد الإنسان القدرة على رؤية المأساة بعيون إنسانية.

    لقد علمنا التاريخ أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح وحده، بل تلك التي تُغذَّى بسرديات مقدسة تجعل التسوية تبدو خيانة، والحرب قدراً لا مفر منه. وعندما تتحول السياسة إلى عقيدة، يصبح السلام هو الضحية الأولى.

    وفي عالمٍ مضطرب كعالمنا اليوم، ربما يكون التحدي الأكبر ليس في منع الحروب فقط، بل في منع تحويلها إلى أساطير دينية تُغلق أبواب العقل.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميميً

    www.altamimialaablog.com

  • الصراع الأمريكي–الإيراني وتداعياته على الاقتصاد السياسي الغرب

    بقلم: د. علاء محمود التميمي

    مارس 2026

    1) تمهيد: لماذا يهمّنا الموقف الكندي؟

    في لحظات التصعيد الكبرى بين القوى الإقليمية والدولية، لا تكون الدول “غير المشاركة” بمنأى عن النتائج. فالاقتصاد العالمي اليوم شديد التشابك: الطاقة، سلاسل الإمداد، التأمين البحري، أسواق المال، وثقة المستثمرين—كلها قنوات تنقل أثر الحرب من ساحة المعركة إلى حياة المواطن في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال أيام.

    ضمن هذا السياق جاء موقف كندا الداعم سياسيًا لواشنطن، بوصفه جزءًا من منطق التحالف الغربي وسياسات منع الانتشار النووي، لكنه يفتح في الوقت نفسه أسئلة مشروعة حول حدود الدعم، وكلفة الاصطفاف، وتوازن كندا بين التحالف والاستقلالية والشرعية الدولية.

    2) ما طبيعة الدعم الكندي؟ تفريق ضروري بين السياسة والعمل العسكري

    الخطاب الرسمي الكندي—كما يظهر في البيان الحكومي—يركّز على:

    • دعم هدف منع إيران من امتلاك سلاح نووي،

    • والدعوة إلى حماية المدنيين،

    • والتنبيه إلى سلامة الكنديين في المنطقة.

    وهنا يجب التمييز بدقة بين ثلاث درجات للدعم:

    1. دعم سياسي/دبلوماسي (تصريحات، اصطفاف في المحافل، بيانات تأييد)

    2. دعم أمني/استخباراتي/لوجستي (معلومات، تخطيط، تنسيق، تسهيلات)

    3. مشاركة عسكرية مباشرة (قوات، ضربات، عمليات)

    التحليل الموضوعي لا يُبنى على “الانطباع” بل على هذا التفريق، لأن الانتقال من الدرجة (1) إلى (2) قد يحدث تدريجيًا دون إعلان واضح، بينما الدرجة (3) لها كلفة سياسية داخلية أعلى بكثير.

    3) الأثر الاقتصادي: الحرب كـ«مُضاعِف أزمات» في الغرب

    أ) الطاقة: علاوة المخاطر… حتى دون إغلاق كامل

    ما إن ترتفع احتمالات تعطّل الملاحة قرب مضيق هرمز حتى تُسعِّر الأسواق “علاوة مخاطر” فورية على النفط. وقد أشارت تقارير دولية إلى قفزة ملحوظة في أسعار النفط مع تصاعد الصراع واضطراب الشحن، بما في ذلك تكدّس السفن وتعطّل الحركة في ممرات حساسة.

    بالنسبة لأوروبا، الحساسية أكبر لأن:

    • الطاقة ما زالت عنصر ضغط هيكلي على الصناعة والأسعار،

    • وأي صدمة جديدة تُضعف تنافسية الصناعة وتزيد أعباء الأسر.

    أما أمريكا الشمالية (بما فيها كندا)، فحتى الدول المنتِجة للطاقة لا تكون بمنأى عن أثر ارتفاع الأسعار على التضخم وتكاليف النقل والسلع، إذ يتحول النفط سريعًا إلى عامل يؤثر في كل سلسلة القيمة، لا في محطة الوقود فقط.

    ب) التضخم والسياسة النقدية: معضلة الفائدة والنمو

    ارتفاع الطاقة يضغط على التضخم، وهذا يقيّد قدرة البنوك المركزية على تيسير السياسة النقدية. النتيجة المحتملة في أوروبا وأمريكا الشمالية:

    • إبقاء الفائدة مرتفعة أو خفضها بحذر شديد،

    • تباطؤ النمو،

    • ارتفاع كلفة الاقتراض على الأسر والشركات،

    • تباطؤ الاستثمار والإسكان.

    وهذا يعني أن الصراع، حتى لو كان “بعيدًا جغرافيًا”، يمكن أن يعمّق ضغوط المعيشة في المدن الغربية بطريقة ملموسة.

    ج) التجارة والشحن والتأمين: كلفة خفية لكنها حاسمة

    الحروب لا ترفع الأسعار عبر النفط فقط، بل عبر:

    • التأمين البحري،

    • إعادة توجيه المسارات،

    • تأخيرات التوريد،

    • رفع كلفة المخزون.

    هذه “الكلفة الخفية” قد لا تتصدر العناوين، لكنها تُترجم تدريجيًا إلى أسعار أعلى ونقصٍ موضعي واضطراب في سلاسل الإمداد—وخاصةً في الاقتصادات الأوروبية الأكثر اعتمادًا على الاستيراد.

    4) الأثر السياسي داخل كندا: الشرعية، الإجماع، وحدود التحالف

    في الديمقراطيات الغربية، الصراع الخارجي يتحول بسرعة إلى نقاش داخلي حول:

    • الشرعية القانونية الدولية (متى يكون استخدام القوة مبررًا؟ وبأي غطاء؟)

    • حدود الانخراط (هل الدعم السياسي يكفي؟ أم يتطلب تنسيقًا أمنيًا؟)

    • كلفة الاصطفاف على وحدة المجتمع والتعدد الثقافي

    وقد بدأت أصوات كندية—من دبلوماسيين سابقين وغيرهم—تطرح علنًا فكرة أن الدعم غير المشروط قد يُفهم كابتعاد عن مبادئ القانون الدولي التي تتبناها كندا عادةً.

    هذه ليست رفاهية فكرية؛ لأنها تمس:

    • ثقة المواطن بمؤسسات القرار،

    • تماسك الجبهة الداخلية،

    • سمعة كندا كدولة “قوة وسطى” تفضّل الدبلوماسية متعددة الأطراف.

    5) أوروبا والولايات المتحدة: تباين المصالح داخل “المعسكر الغربي”

    من الخطأ افتراض أن الغرب كتلة واحدة متطابقة. هناك فروقات بنيوية:

    • الولايات المتحدة تملك قدرة تدخل عالية، ومصالح أمنية مباشرة، وتحمّل أعلى للكلفة العسكرية.

    • أوروبا أكثر حساسية للطاقة واللاجئين والاضطراب الإقليمي، وأقل رغبة في حرب طويلة، وغالبًا ما تفضّل العودة إلى مسارات تفاوضية.

    • كندا تقع بينهما: حليف أطلسي شديد القرب من واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الحفاظ على تقاليدها الدبلوماسية وسمعتها القانونية، وحماية مجتمعها الداخلي من ارتدادات الاستقطاب.

    6) قراءة معيارية: ما السياسة “الأكثر عقلانية” لكندا وأوروبا؟

    إذا أردنا مقاربة أكاديمية لا انفعالية، فالمعيار لا يكون “مع أو ضد”، بل:

    هل تقلّل السياسة المعتمدة مخاطر الحرب وتحدّ من آثارها الاقتصادية والإنسانية، أم توسّعها؟

    وعليه يمكن اقتراح ثلاثة مبادئ لسياسة كندية/أوروبية رشيدة:

    1. ربط الدعم بشرط الشرعية والحدود الواضحة

      أي دعم سياسي يجب أن يُصاغ ضمن إطار قانوني معلن قدر الإمكان، وبسقف انخراط محدد، وبهدف معلن قابل للقياس (وليس “حربًا مفتوحة”).

    2. أولوية المسار الدبلوماسي والرقابي

      التركيز على آليات التحقق والرقابة ومنع الانتشار—بدل تحويل الهدف إلى تغيير نظم أو صراع طويل—لأن كلفة الاستنزاف أكبر بكثير من كلفة الردع المحدود.

    3. تحصين الداخل اقتصاديًا

      إذا كانت الحرب سترفع الأسعار، فالمطلوب سياسات داخلية تخفف أثر الصدمة على الأسر والصناعة (طاقة، نقل، سلاسل إمداد، دعم موجّه عند الحاجة).

    7) الخلاصة: السؤال الجوهري الذي يجب ألا يُهمَل

    الموقف الكندي الداعم سياسيًا لواشنطن مفهوم من زاوية التحالف ومنع الانتشار. لكن من زاوية الاقتصاد السياسي، الصراع الحالي يهدد بأن يتحول إلى عامل تضخم واضطراب طاقة وضغط على النمو في أوروبا وأمريكا الشمالية، حتى لو لم تتورط هذه الدول عسكريًا بشكل مباشر.

    ويبقى السؤال الذي يستحق النقاش العام الهادئ:

    كيف يمكن للدول الغربية—كندا وأوروبا—أن تحمي أمنها الجماعي دون أن تدفع مجتمعاتها ثمنًا اقتصاديًا واجتماعيًا متزايدًا، ودون أن تُضعف رصيدها القانوني والأخلاقي؟

  • حين تحرق الجسور …لا تعود الضفة كما كانت

    علاء التميمي

    آذار ٢٠٢٦

    أتساءل—بصفتي رجلًا يقرأ السياسة بعين التاريخ—ما الذي تريده إيران يا تُرى من زجّ دول مجلس التعاون الخليجي في حربها مع أمريكا وإسرائيل؟

    قد يقول قائل: “إنها لحظة ردعٍ، ولحظة غضبٍ، ولحظة حساباتٍ عسكرية”. نعم، هذا وارد. لكن السياسة ليست انفعالًا عابرًا؛ السياسة ذاكرةٌ تُكتب على جدار الأمن، وما يُكتب هناك لا يُمحى بسهولة.

    منطق طهران—كما يبدو—هو توسيع مسرح الكلفة: أن تقول للعالم إن الحرب عليها لن تبقى داخل حدودها، وإنّ من يضغط عليها سيجد الإقليم كله يرتجّ. إنها تريد أن تجعل الخليج “جزءًا من المعادلة” لا “شاهدًا عليها”. تريد أن تحوّل كل نقطة هدوء إلى نقطة توتر، وكل مساحة وساطة إلى مساحة اشتباه.

    ولكن المشكلة أن هذا المنطق، حتى لو خدمها في لحظةٍ من لحظات الردع، يُسقط عنها شيئًا أثمن من الردع نفسه: الثقة.

    لقد كانت دول الخليج—رغم اختلافاتها مع إيران—تحتفظ بخيطٍ عقلاني يدفع نحو التهدئة: خيط المصالح، وخيط الجغرافيا التي لا تُغيَّر، وخيط الأمل بأن الحوار—ولو بطيئًا—قد ينتج قواعد تعايش. كان هناك تعاطفٌ خليجيٌّ محدود لكنه حقيقي: تعاطفٌ مع فكرة تجنّب الحرب، ومع فكرة أن الإقليم لا يحتمل اشتعالًا جديدًا، ومع فكرة أن لغة العقل لا تزال ممكنة.

    لكن حين تمتد النار إلى دول المجلس، يحدث ما هو أخطر من الدمار المادي: يتبدّل معنى الجوار.

    الجوار في ثقافة السياسة ليس مجرد حدود، بل عقدٌ غير مكتوب: “لا نُقحِم بعضنا في معارك الآخرين… ولا نُحوّل أمن الآخر إلى ورقة ضغط”. وحين يُنتهك هذا العقد، لا يبقى الخلاف خلافًا سياسيًا؛ يصبح شكًّا في القاعدة نفسها: هل يمكن الوثوق؟ هل يمكن الفصل بين القول والفعل؟ هل يصبح الخليج عند كل أزمة “ساحة محتملة”؟

    هنا تحديدًا تُخطئ إيران—في تقديري—تقدير حجم الخسارة.

    فإن كانت تظن أنها تكسب نقاطًا في ميزان الردع، فهي في المقابل تخسر رصيدًا من “التعاطف الخليجي” كان يمكن أن يكون جسر تهدئة في أشد لحظات التوتر. وتزرع شكوكًا قد تمتد لسنوات: شكوكًا تجعل أي محاولة مستقبلية لتطبيع العلاقات أصعب، لا لأن البيانات لا تُكتب، بل لأن الذاكرة لا تنسى.

    والأهم: أن إدخال الخليج في قلب الصراع لا يدفع دول المجلس إلى التردد، بل يدفعها—بحكم الضرورة—إلى مزيد من التحصين والاصطفاف الأمني والتنسيق الدفاعي. أي أن النتيجة النهائية قد تكون عكس ما تريده طهران: بدل أن تفكك بيئة خصومها، قد توحّدها.

    السياسة، في النهاية، ليست اختبار قوة فقط؛ بل اختبار عقل.

    والتاريخ يُعلّمنا أن الدول الكبيرة لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات الضغط، بل بما تملكه من حكمة استخدام هذه الأدوات دون أن تحرق “مستقبل العلاقات”.

    لذلك أقولها بوضوح:

    مهما كان جواب سؤال “ماذا تريد إيران؟” فإنها—بهذا المسار—قد خسرت شيئًا ثمينًا: فرصة أن تُعامل في الخليج كجارٍ يمكن تهدئة التوتر معه. وما بعد زرع الشك… ليس كما قبله.

    نُشرت هذه الخاطرة ضمن مدونة الدكتور علاء التميمي: www.altamimialaablog.com

  • من «ضربة قطع الرأس» إلى حرب الاستنزاف

    قراءة في مقابلة سكوت ريتر حول الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران

    د. علاء محمود التميمي

    فبراير 2026

    مقدمة

    قبل ساعات فقط، كانت الأسئلة تدور حول احتمال الحرب.

    اليوم، لم يعد السؤال: هل ستقع؟ بل: إلى أين يمكن أن تمتد؟

    في هذا السياق المشحون، جاءت مقابلة سكوت ريتر—مفتش الأسلحة السابق في الأمم المتحدة وضابط الاستخبارات الأمريكي الأسبق—ليس بوصفها خبرًا عاجلًا، بل كتحذير استراتيجي من منطق الحرب حين يبدأ، ومن صعوبة السيطرة عليه حين يفشل هدفه الأول.

    ما يطرحه ريتر يستحق التوقف، لا لأنه “نبوءة”، بل لأنه يقدّم قراءة من داخل العقل العسكري الأمريكي نفسه.

    1. الهدف لم يكن ردعًا… بل تغيير النظام

    بحسب ريتر، لم يكن الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي مجرد ضربة محدودة أو رسالة ردع، بل محاولة صريحة لـ تغيير النظام الإيراني عبر ما يُعرف عسكريًا بـ ضربة قطع الرأس، أي استهداف القيادة العليا السياسية والدينية والعسكرية دفعة واحدة.

    لكن النتيجة—حتى الآن—أن القيادة الأساسية بقيت، وهو ما يعني أن الهدف المركزي للحملة لم يتحقق منذ اللحظة الأولى.

    2. لماذا يُعد الفشل الأول أخطر من كل ما بعده؟

    يذكّر ريتر بقاعدة بسيطة في الحروب:

    إذا أعلنت أن هدفك هو إسقاط النظام، ولم تسقطه في الضربة الافتتاحية، فأنت تدخل تلقائيًا في سلسلة إخفاقات.

    فالخطط العسكرية تُبنى على افتراض النجاح السريع. وعندما يفشل هذا الافتراض، تُستنزف الموارد في محاولة تصحيح المسار بدل الانتقال إلى مراحل لاحقة، ويبدأ “أثر الدومينو”.

    3. الحرب تُقاس بالذخيرة لا بالشعارات

    النقطة المحورية في تحليل ريتر أن هذه الحرب ليست مسألة إرادة سياسية فقط، بل حرب موارد، وتحديدًا حرب ذخيرة.

    فالولايات المتحدة—بحسب تحذيرات عسكرية سابقة—لا تملك مخزونًا مفتوحًا لحرب طويلة عالية الشدة. لذلك، كان الرهان على حسم سريع. ومع تعثر الضربة الأولى، يصبح الاستنزاف عاملًا حاسمًا، لا يمكن تعويضه بسهولة.

    4. إيران لا تتعامل مع “سُلّم تصعيد”

    حين سُئل عن اتساع الرد الإيراني جغرافيًا، قال ريتر إن إيران لا ترى ما يجري بوصفه جولة ردود متبادلة، بل صراعًا وجوديًا.

    وعندما تشعر دولة أن النظام نفسه مستهدف، فإن منطق “الضربة مقابل الضربة” يسقط، ويحل محله منطق البقاء:

    ماذا لدينا لنخسره؟

    5. النصر والهزيمة… تعريف مختلف

    في قراءة ريتر، لا تحتاج إيران إلى إسقاط واشنطن أو تدمير إسرائيل كي “تنتصر”.

    يكفيها—بحسب منطقه—أن تصمد، وأن تفشل محاولة تغيير النظام.

    ففي الحروب، عدم تحقيق الهدف المعلن هو هزيمة سياسية، حتى لو استمر القتال عسكريًا.

    6. الخليج في مرمى الاختبار

    يرى ريتر أن ضرب أهداف في دول الخليج يضع الأنظمة هناك أمام اختبار داخلي صعب:

    إذا كانت الحماية الأمريكية “مضمونة”، فلماذا وصلت الصواريخ؟

    وهنا لا تكمن الخطورة في الضربة ذاتها، بل في أثرها على الشرعية والثقة.

    7. لماذا كان الاستعجال بالحرب؟

    يشرح ريتر أن الحروب الكبرى لا تُحسم فقط بالقرار السياسي، بل بمنطق التدفق اللوجستي.

    حين تُنقل القوات والذخائر وتُحشد القدرات، يصبح التراجع مكلفًا ومعقّدًا، وتُفرض نافذة زمنية “إما أن تُستعمل القوة فيها… أو تُسحب”.

    ويربط ذلك بالحسابات السياسية الداخلية الأمريكية وتوقيت الانتخابات، معتبرًا أن قرار الحرب لم يكن منفصلًا عن هذا السياق.

    8. الصواريخ والدفاعات: كسر الوهم

    من أخطر ما يقوله ريتر إن إيران استفادت من مواجهات سابقة لفهم كيفية عمل منظومات الدفاع الصاروخي المتكاملة، ثم انتقلت إلى نمط ضربات محدودة العدد لكنها غير قابلة للاعتراض.

    ويخلص إلى نتيجة صادمة:

    الدفاعات الصاروخية لا توفّر حماية مطلقة، بل وهمًا مكلفًا.

    9. الحرب والشرعية

    يصف ريتر ما يجري بأنه حرب اختيار لا حرب ضرورة، ويرى أنها تُضعف مصداقية الولايات المتحدة، خصوصًا إذا جاءت بينما كانت قنوات تفاوض مفتوحة.

    وفي رأيه، أخطر ما في ذلك ليس الضربة العسكرية، بل الرسالة السياسية:

    أن القوة تُقدَّم على القانون.

    10. إلى أين؟

    يحذّر ريتر من أن أخطر خط أحمر هو نقل الحرب إلى الاقتصاد والطاقة.

    إغلاق مؤقت لممر بحري يمكن احتواؤه، أما ضرب منشآت الطاقة فهو ضرر طويل الأمد قد يهز الاقتصاد العالمي.

    ويرى أن دور روسيا والصين—إن وُجد—سيكون في محاولة احتواء هذا الانزلاق، لا توسيعه.

    خاتمة

    ما قاله سكوت ريتر لا يجب أن يُقرأ كحقيقة نهائية، بل كتنبيه قاسٍ:

    الحروب قد تبدأ بقرار، لكنها نادرًا ما تنتهي بإرادة من بدأها.

    الضربة الأولى قد تكون اختيارًا،

    أما ما يليها… فكثيرًا ما يصبح قدرًا.

  • التاريخ لا يسمع النوايا

    خاطرة الجمعة

    التاريخ لا يسمع النوايا

    د علاء التميمي

    شباط ٢٠٢٦

    قال الفيلسوفR. G. Collingwood

    The only clue to what man can do is what man has done.

    «الدليل الوحيد على ما يستطيع الإنسان أن يفعله هو ما فعله بالفعل.»

    جملة قصيرة… لكنها قاسية بصدقها.

    نحبّ أن نُقاس بنيّاتنا، بأحلامنا المؤجلة، وبما نزعم أننا كنا سنفعله لو أُتيحت لنا الفرصة.

    لكن التاريخ – سواء تاريخ الأفراد أو الأمم – لا يعترف إلا بالفعل.

    في السياسة، كم سمعنا وعودًا كبيرة،

    وفي المدن، كم رأينا مخططات لامعة،

    وفي حياتنا الشخصية، كم أخبرنا أنفسنا بأن “القادم أفضل”.

    لكن الحقيقة البسيطة تقول:

    ما أنجزته حين كنت قادرًا…

    هو أنت.

    وما فشلت في فعله حين امتلكت الفرصة… هو أيضًا أنت.

    التاريخ لا يفضح، ولا يُجامل.

    هو فقط يسجّل.

    لذلك، لا تسأل كثيرًا: ماذا يمكن أن نكون؟

    اسأل بهدوء أشد إيلامًا:

    ماذا كنّا… حين كان القرار بأيدينا؟

    فربما كان الفعل الصغير اليوم

    هو التاريخ الذي سنُسأل عنه غدًا.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • خور عبدالله

    خور عبدالله

    د علاء التميمي

    شباط ٢٠٢٦

    ما كُتب عن خور عبدالله يعبّر عن وجع عراقي قديم يتجدّد كلما فُتح ملف السيادة، خصوصًا حين يكون الطرف المقابل عربيًا، والموقف العربي فيه أسرع إلى الاتهام من الفهم، وأقرب إلى الاصطفاف من التحكيم.

    قضية خور عبدالله، من حيث المبدأ، ليست عنتريات ولا تعديًا ولا مفاجأة. العراق أودع خرائطه وإحداثياته لدى الأمم المتحدة وفق إجراء قانوني سيادي، وهو حق تمارسه الدول عندما ترى أن هناك التباسًا أو خللًا في توصيف حدودها البحرية. الردّ الخليجي السريع، والمُحمّل بلغة الإدانة، يكشف أن المسألة لم تُقرأ قانونيًا بقدر ما قُرئت سياسيًا.

    اللافت هنا ليس دفاع بعض الدول عن الكويت، فهذا مفهوم في منطق العلاقات البينية، بل حدة الاصطفاف وسقف الخطاب الذي قُدّم فيه العراق كطرف معتدٍ، لا كدولة لها تاريخ بحري، ومصالح، وحق في الاعتراض أو المراجعة. العراق، الذي شكّل لعقود العمق الجغرافي والسياسي للخليج، يُستحضر اليوم وكأنه طارئ على الجغرافيا، لا أحد روافدها الأساسية.

    وفي المقابل، تبرز ازدواجية المعايير بوضوح صارخ. فحين تصدر تصريحات وقحة تمس وجود دول الخليج نفسها، أو تلمّح إلى مشاريع توراتية لا تستثني أحدًا، يكون الرد خجولًا، باهتًا، يكاد يُهمَس. أما حين يكون الطرف عراقًا ضعيف الظهر عربيًا، فترتفع الأصوات، وتُستدعى مفردات السيادة والشرعية الدولية دفعة واحدة.

    هذه المفارقة ليست جديدة. هي امتداد لسلوك عربي مألوف: الشدّة على القريب، واللين مع البعيد؛ الجرأة على الشقيق، والحذر المفرط من الراعي الدولي. وهو سلوك لم يحمِ أحدًا في الماضي، ولن يحمي أحدًا في المستقبل.

    الأخطر أن إعادة إنتاج خطاب العزل تجاه العراق، وربطه ضمنيًا بالتهديد، لا يخدم استقرار المنطقة، بل يعمّق الشروخ، ويفتح الباب أمام تدويل النزاعات البينية بدل حلّها داخل البيت العربي. خور عبدالله ليس قضية تُحل بالبيانات النارية، بل باللجان الفنية، والتحكيم، والاعتراف المتبادل بالحقوق والمخاوف.

    العراق، بكل جراحه، لم يخرج من تاريخه ولا من جغرافيته، ولن يكون دولة هامشية في الخليج مهما تغيّرت الأسماء والخرائط. والسيادة لا تُصان بالاصطفاف الأعمى، بل بالعدل، وبموقف عربي واحد حين يكون الخطر حقيقيًا… لا انتقائيًا.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • أمريكا المحاصَرة: لماذا لم يعد خيار الحرب وتغيير النظام في إيران واقعيًا

    أمريكا المحاصَرة: لماذا لم يعد خيار الحرب وتغيير النظام في إيران واقعيًا؟

    د علاء محمود التميمي

    شباط ٢٠١٦

    يتكرر في الخطاب السياسي الأمريكي التلويح بالخيار العسكري ضد إيران، وصولًا إلى الحديث عن تغيير النظام. غير أن التحليل الاستراتيجي يكشف أن هذا الخطاب يتجاوز بكثير ما تسمح به الوقائع. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تواجه قيودًا حقيقية تجعل الحرب خيارًا عالي الكلفة ومحدود الجدوى.

    إيران ليست دولة هشة يمكن إسقاط نظامها بضربة عسكرية. فهي تمتلك بنية أمنية متماسكة، وعمقًا جغرافيًا وبشريًا، وخبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المتماثلة. أي هجوم خارجي من المرجح أن يؤدي إلى تعزيز تماسك النظام بدل إضعافه، وهو ما يؤكد عليه محللو المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية،

    وفي هذا السياق، يتداول الآن إلى أن تردد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتوجيه ضربة عسكرية لإيران لم يكن نابعًا من ضبط النفس بقدر ما كان نتيجة مكالمات هاتفية مباشرة داخل دائرة القرار، جرت بين ترامب وقيادات عسكرية رفيعة، حذّرته خلالها من أن أي ضربة قد تؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه، وأن الولايات المتحدة قد تنزلق إلى حرب واسعة دون أفق واضح.

    ومع ذلك، يبقى هذا العامل غير مضمون على الدوام. فترامب معروف بعدم التزامه الصارم بآراء مستشاريه، وباستعداده لتجاوز التحذيرات المؤسسية إذا رأى في التصعيد العسكري فرصة سياسية أو مخرجًا من مأزق داخلي. وهذا ما يجعل خيار الحرب، رغم عدم عقلانيته الاستراتيجية، احتمالًا قائمًا بوصفه مغامرة سياسية أكثر منه قرارًا مدروسًا

    إضافة إلى ذلك، تعاني واشنطن من استنزاف في مواردها العسكرية، ومن غياب حماس حلفائها الإقليميين والدوليين عدا اسرائيل لخوض حرب جديدة في الشرق الأوسط. معظم دول المنطقة تخشى تداعيات الحرب أكثر مما ترى فيها فرصة استراتيجية، ما يضعف قدرة الولايات المتحدة على بناء تحالف واسع يمنح أي عمل عسكري شرعية واستدامة.

    الخطر الأكبر لا يكمن في بدء الحرب، بل في عدم القدرة على السيطرة على مسارها. فإيران تملك أدوات رد متعددة قادرة على توسيع الصراع إقليميًا وتهديد المصالح الاقتصادية العالمية، ما يحول أي مواجهة «محدودة» إلى أزمة مفتوحة.

    في المحصلة، يبدو أن الخيار الأمريكي الواقعي ليس تغيير النظام، بل إدارة الصراع واحتواء إيران عبر الردع والعقوبات والضغط السياسي. أما التهديد العسكري، فيبقى ممكنا ان أراد ترامب المغامرة .

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميميً

    www.altamimialaablog.com

  • الحشد العسكري الأميركي حول إيرانقراءة في صور الأقمار الصناعية

    الحشد العسكري الأميركي حول إيرانقراءة في صور الأقمار الصناعية

    الحشد العسكري الأميركي حول إيران

    قراءة في صور الأقمار الصناعية

    د. علاء محمود التميمي

    شباط ٢٠٢٦

    في خضم التصعيد الكلامي بين واشنطن وطهران، ومع تزايد التهديدات المتبادلة، عاد سؤال الحرب ليطرح نفسه بقوة:

    هل نحن أمام استعداد فعلي لضربة عسكرية واسعة ضد إيران، أم مجرد استعراض قوة محسوب؟

    للإجابة، لا تكفي التصريحات السياسية وحدها، بل لا بد من العودة إلى لغة الجيوش الصامتة:

    الانتشار، الحشد، اللوجستيات، وما تكشفه صور الأقمار الصناعية.

    في هذا السياق، نشرَت صحيفة Le Monde الفرنسية (21 شباط 2026) الطبعة الإنكليزيةمقالًا تحليليًا بعنوان

    US military buildup around Iran: What satellite images show

    استند إلى صور أقمار صناعية وبيانات مفتوحة المصدر، قدّم قراءة دقيقة لطبيعة الحشد العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وخرج باستنتاجات تستحق التوقف عندها.

    أولًا: حشد جوي–بحري… لا بري

    تُظهر الصور زيادة واضحة في عدد الطائرات الأميركية المنتشرة في قواعد معروفة في الخليج وشرق المتوسط، ولا سيما:

    • الطائرات المقاتلة

    • طائرات التزود بالوقود جوًا

    • طائرات النقل الاستراتيجي

    في المقابل، لا تظهر أي مؤشرات على نشر قوات برية واسعة:

    لا مدرعات، لا معسكرات ميدانية، ولا بنى لوجستية تدل على استعداد لاجتياح أو تدخل بري طويل الأمد.

    وهذه نقطة مفصلية؛ إذ إن أي حرب شاملة لا تبدأ من الجو فقط، بل تُعلن نفسها مبكرًا عبر الأرض.

    ثانيًا: الحشد البحري كأداة ردع وضغط

    على المستوى البحري، تشير صور الموانئ والمياه الإقليمية إلى تمركز مدمرات وطرادات، مع وجود أو اقتراب حاملات طائرات.

    هذا الانتشار يمنح واشنطن قدرة واضحة على:

    • تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى

    • حماية طرق الملاحة

    • توجيه رسائل ردع مباشرة لإيران وحلفائها

    لكن، كما يوضح مقال Le Monde، فإن هذا النوع من الحشد مصمم للضغط والسيطرة، لا لخوض حرب طويلة.

    ثالثًا: غياب مؤشرات “ساعة الصفر”

    يؤكد المقال نقطة بالغة الأهمية:

    لو كانت هناك نية لشن حرب شاملة، لظهرت إشارات لا يمكن إخفاؤها، مثل:

    • تخزين واسع للذخائر البرية

    • مستشفيات ميدانية

    • تحريك فرق مشاة ومدرعات

    • إعادة تموضع لوجستي طويل الأمد

    غياب هذه المؤشرات يعني أن القرار السياسي بالحرب لم يُتخذ بعد، أو أنه غير مطروح أصلًا في هذه المرحلة.

    رابعًا: الرسالة سياسية بقدر ما هي عسكرية

    تقرأ Le Monde هذا الحشد بوصفه:

    • أداة ضغط تفاوضي

    • رسالة طمأنة للحلفاء

    • وسيلة ردع لإبقاء إيران داخل “الخطوط الحمراء”

    أي أننا أمام استعراض قوة محسوب، لا أمام زحف نحو حرب.

    خامسًا: حدود القوة الأميركية

    يخلص المقال إلى أن الولايات المتحدة:

    • قادرة على إلحاق أذى كبير ومحدد بإيران

    • لكنها غير مهيأة حاليًا لتحمل كلفة حرب إقليمية طويلة

    وأي انتقال من الردع إلى الحرب الشاملة سيتطلب:

    • وقتًا أطول

    • تعبئة سياسية داخلية

    • وتعزيزًا عسكريًا ولوجستيًا أوسع بكثير

    خلاصة

    ما تكشفه صور الأقمار الصناعية، كما عرضها تحليل Le Monde، لا يشير إلى حرب وشيكة، بل إلى إدارة تصعيد محسوبة، تستخدم فيها واشنطن قوتها العسكرية كأداة سياسية، لا كقرار نهائي بالحرب.

    إنه تذكير قديم جديد بحقيقة ثابتة في الاستراتيجية:

    الجيوش حين تستعد للحرب، لا تحتاج إلى الخطب…

    بل تترك آثارها واضحة على الأرض.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • حين تتغيّر خرائط القوة: قراءة هادئة لأفكار Ray Dalio

    حين يتحدث Ray Dalio عن تغيّر النظام العالمي، لا يفعل ذلك بلهجة التحذير أو التنبؤ، ولا من موقع المعلّق السياسي. حديثه أقرب إلى قراءة طويلة الأمد لتاريخ القوى، صيغت بعقلية رجل خبر الأزمات في عالم المال، حيث لا تعيش الأفكار على البلاغة، بل على قدرتها على الصمود أمام الواقع.

    الفكرة المحورية في طرح داليو بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: التاريخ يتحرك في دورات، لا في خط مستقيم. فالدول، مثل المؤسسات، تمر بمراحل صعود وازدهار، تبلغ الذروة، ثم تبدأ مرحلة تآكل بطيء قد يطول، قبل أن ينتهي إما بإعادة تشكّل أو بتراجع الدور.

    ما يميّز هذه القراءة أنها تنزع عن الانهيار طابعه المفاجئ. فالدول لا تسقط عادة بضربة خارجية واحدة، بل حين تتراكم في داخلها اختلالات يصعب إنكارها: تتسع الفجوة الاجتماعية، تضعف الثقة بالمؤسسات، يتراجع التعليم بوصفه رافعة للتماسك، ويتحوّل الخلاف السياسي إلى استقطاب حاد لا يحتمل التسويات. في لحظة الذروة تحديدًا، تبدو الدولة في أقصى قوتها، لكنها تدخل أخطر اختباراتها؛ إذ يسود شعور خادع بالاطمئنان، تُؤجَّل معه الإصلاحات وتُموَّل الأزمات بالديون، ويُنظر إلى الماضي الناجح بوصفه ضمانًا للمستقبل.

    في هذا الإطار، يضع داليو القوى العظمى الحالية في ميزان التاريخ. فهو يرى أن الولايات المتحدة تقف في مرحلة متأخرة من دورتها: نفوذ عالمي واسع وعملة مهيمنة وقدرة عسكرية كبيرة، يقابلها في الداخل استقطاب سياسي وديون متراكمة وتراجع الثقة بالمؤسسات. في المقابل، يصف الصين بأنها في مرحلة صعود متقدم، تستثمر في التعليم والبنية التحتية والتكنولوجيا، وتُدار بمنطق تخطيط طويل الأمد. المغزى هنا ليس المفاضلة الأخلاقية، بل تحديد الموقع الزمني داخل الدورة.

    ولفهم هذا المنطق، يعود داليو إلى أوروبا بوصفها مختبرًا تاريخيًا لتعاقب القوى خلال القرون الخمسة الماضية. فقد شهدت إسبانيا في القرن السادس عشر صعودًا سريعًا مدفوعًا بتدفّق الذهب والفضة، ثم تآكلًا بفعل التضخم والديون والحروب. وبلغت هولندا في القرن السابع عشر ذروة نفوذها بفضل التجارة والابتكار المالي والمؤسسات، قبل أن تتراجع مع فقدان التفوق النسبي وتكاثر المنافسين. أما بريطانيا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فقد جمعت بين الصناعة والبحرية والهيمنة النقدية، ثم بدأت مرحلة التآكل مع كلفة الإمبراطورية والديون وتغيّر موازين الإنتاج، لتنقل القيادة تدريجيًا بعد الحربين العالميتين. النمط واحد: الصعود يبدأ بالإنتاج والتعليم والمؤسسات، والانحدار يبدأ حين تتحول القوة إلى عبء وتُستبدل الإصلاحات بالديون.

    يلفت داليو كذلك إلى البعد النقدي بوصفه مؤشرًا حساسًا على صحة الدولة؛ فالعملة تعبير عن الثقة. وحين تُعالج الاختلالات البنيوية بحلول نقدية قصيرة الأجل، يكون التآكل تدريجيًا وغير مرئي في بداياته. اليوم، تتغير الأدوات—من بحرية وصناعية إلى نقدية وتكنولوجية—لكن الآليات الأساسية تبقى واحدة.

    أما في الوطن العربي، فتطرح هذه القراءة سؤالًا مختلفًا: ليس فقط موقع المنطقة في موازين القوة، بل قدرتها على بناء شروط دورة صعود مكتملة—مؤسسات فاعلة، عقد اجتماعي واضح، تعليم منتج، واقتصاد لا ينفصل عن العدالة. دون ذلك، تبقى الإمكانات كبيرة والنتائج محدودة.

    خلاصة أفكار داليو ليست نبوءة عن نهاية عالم، بل تذكير هادئ بحقيقة تاريخية: الدول لا تفقد مكانتها فجأة، بل حين تتوقف عن فهم نفسها وتصحيح مسارها. ومن يقرأ التاريخ بهدوء، لا ليخاف منه بل ليتعلّم، يدرك أن المستقبل يُصنع بالمراجعة في الوقت المناسب.

    لقوى العظمى اليوم في ميزان التاريخ

    يرى Ray Dalio أن العالم يعيش لحظة انتقال كلاسيكية تتكرر في التاريخ، حين تتقاطع دورتان:

    دورة قوة مهيمنة بلغت مرحلة التآكل، ودورة قوة صاعدة لم تبلغ الذروة بعد.

    هذا التقاطع لا يعني بالضرورة حربًا مباشرة، بل صراعًا متعدد الأبعاد: اقتصاديًا، نقديًا، تكنولوجيًا، ونفوذًا جيوسياسيًا طويل الأمد.

    في قراءته للقوى العظمى الحالية، يضع داليو الولايات المتحدة في مرحلة التأخر من الدورة: نفوذ عالمي واسع، عملة مهيمنة، وقدرة عسكرية كبرى، يقابلها في الداخل استقطاب سياسي حاد، ديون متراكمة، وتراجع الثقة بالمؤسسات. في المقابل، يرى أن الصين — رغم تحدياتها — لا تزال في مرحلة صعود متقدم، تستثمر في التعليم والبنية التحتية والتكنولوجيا، وتُدار بمنطق تخطيط طويل الأمد.

    المغزى هنا ليس المفاضلة الأخلاقية، بل تحديد الموقع الزمني داخل الدورة.

    أوروبا… مختبر الدورات الكبرى

    لفهم هذا المنطق، يعود داليو إلى أوروبا بوصفها مختبرًا تاريخيًا شهد تعاقب القوى العظمى خلال القرون الخمسة الماضية:

    • إسبانيا (القرن 16)

      صعود سريع مدفوع بالفضة والذهب من العالم الجديد، ثم تآكل بسبب التضخم، الديون، والحروب المكلفة. الثروة سبقت المؤسسات، فانهارت القدرة على الاستدامة.

    • هولندا (القرن 17)

      صعود قائم على التجارة، الابتكار المالي، وسيادة بحرية. بلغت الذروة بفضل مؤسسات قوية ونظام مالي متقدم، ثم تراجعت حين فقدت التفوق النسبي وتكاثرت المنافسة.

    • بريطانيا (القرن 18–19)

      قوة صناعية وبحرية ونقدية (الجنيه الإسترليني). بلغ النظام ذروته مع الثورة الصناعية، ثم بدأ التآكل مع كلفة الإمبراطورية، الديون، وتغير موازين الإنتاج العالمية، حتى سلّم القيادة تدريجيًا بعد الحربين العالميتين.

    هذه الأمثلة، كما يقدّمها داليو، تُظهر نمطًا متكررًا:

    الصعود يبدأ بالإنتاج والتعليم والمؤسسات،

    والانحدار يبدأ حين تتحول القوة إلى عبء،

    وحين تُموَّل الفجوات بالديون بدل الإصلاح.

    ما الذي يتكرر… وما الذي يتغير؟

    يؤكد داليو أن الآليات الأساسية تتكرر، لكن الأدوات تتغير.

    في الماضي كانت الهيمنة بحرية وصناعية، واليوم هي نقدية وتكنولوجية.

    كانت الحروب مباشرة، واليوم كثيرًا ما تكون بالوكالة أو عبر الأسواق والعقوبات وسلاسل الإمداد.

    لكن جوهر الدورة واحد: قدرة النظام على التجدد من الداخل.

    خلاصة تحليلية

    حين يضع داليو القوى العظمى الحالية في سياق الدورات الأوروبية السابقة، فهو لا “يتنبأ” بمن سينتصر، بل يقدّم معيارًا للفهم:

    من يعالج اختلالاته في زمن القوة، يطيل عمر دورته؛

    ومن يؤجل المراجعة حتى تتراكم الأزمات، يسرّع انتقال القيادة.

    بهذا المعنى، فإن أفكار Ray Dalio ليست قراءة في المستقبل بقدر ما هي قراءة في قوانين التحوّل التي حكمت صعود وانهيار القوى العظمى، من أوروبا إلى عالم اليوم.