الكاتب: importuser

  • سقوط إيران: نهاية نظام أم بداية فوضى؟

    كما ذكرت في مقالي السابق سنبدأ بالسؤال التالي و احتمال سقوط النظام الإيراني، حيث يتبادر إلى الذهن سريعًا مشهدٌ بسيط في ظاهره: خصمٌ إقليمي كبير يتراجع، فتتنفس اسرائيل وبعض دول المنطقة الصعداء. لكن السياسة، مثل التاريخ، لا تُقرأ بهذه البساطة. فإيران ليست دولة هامشية يمكن أن تسقط من دون أن تهتزّ معها خرائط كثيرة. نحن نتحدث عن دولة يتجاوز عدد سكانها ٩٠ مليون نسمة، وتقع على واحد من أخطر مفاتيح الطاقة في العالم، وتملك امتدادات سياسية وأمنية في أكثر من ساحة إقليمية. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يسقط النظام؟ بل: إذا سقط، فهل تبقى الدولة أم تنهار معها؟

    هذا التمييز أساسي. فسقوط النظام يعني تغيّر السلطة السياسية، أما سقوط الدولة فيعني شيئًا آخر تمامًا وهو ما عشناه في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام ٢٠٠٣ حيث بسقوط الدولة حدث : اهتزاز المؤسسات، تراجع السيطرة على السلاح والحدود، ضعف الإدارة، وفتح الباب أمام قوى محلية أو مسلحة أو خارجية لتملأ الفراغ. وفي الشرق الأوسط، كثيرًا ما كانت لحظة “الانتصار” على نظام ما هي بداية مرحلة أطول من الفوضى، لا بداية الاستقرار. وهذه ليست مبالغة نظرية؛ فالمؤشرات الإنسانية نفسها داخل إيران بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، أدت إلى نزوح داخلي مؤقت يقدَّر بين ٦٠٠ ألف ومليون أسرة، أي ما يصل إلى ٣ مليون شخص. فإذا كانت هذه أرقام مرحلة التصعيد، فكيف يكون المشهد إذا انهار المركز السياسي والأمني للدولة نفسها؟

    من هنا، يصبح من الخطأ النظر إلى سقوط النظام الإيراني بوصفه حدثًا إيرانيًا داخليًا فقط. فإيران ليست جزيرة معزولة، بل عقدة جغرافية وسياسية واقتصادية. وهي تطل على مضيق هرمز، الذي عبره في ٢٠٢٤ نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل النفطية، أي ما يعادل نحو خمس الاستهلاك العالمي، كما مرّ عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ومعظمها من قطر والإمارات. لذلك فإن أي انهيار واسع داخل إيران لن يبقى أثره في طهران أو أصفهان أو تبريز، بل سينعكس فورًا على أمن الخليج، وعلى ثقة الأسواق، وعلى كلفة التأمين البحري، وعلى الاقتصاد العالمي كله.

    في السيناريو الأفضل، قد يسقط النظام وتبقى الدولة. أي أن تنجح المؤسستان العسكرية والإدارية، أو جزء معتبر منهما، في منع التفكك الكامل، فتحدث عملية انتقال مضطربة لكنها قابلة للاحتواء. في مثل هذه الحالة، يمكن تصور أن إيران تتراجع عن مشروعها الاقليمي وتنشغل بإعادة البناء الداخلي، وتفتح الباب أمام توازنات إقليمية أقل توترًا. هذا هو السيناريو الذي قد يراه بعض الخليجيين أو الغربيين “الخيار المثالي”: إضعاف المشروع الإيراني من دون تحويل إيران نفسها إلى مساحة فوضى مفتوحة. لكن هذا السيناريو يتطلب شروطًا صعبة: تماسكًا مؤسسيًا، وبديلًا سياسيًا قابلًا للحياة، وحدًا أدنى من التفاهم الداخلي، وكلها أمور لا يمكن افتراضها تلقائيًا في لحظة انهيار عنيف. وهذه الجملة الأخيرة استنتاج تحليلي، لا معلومة مؤكدة.

    أما السيناريو الأخطر، فهو أن يسقط النظام وتسقط معه الدولة المركزية. عندها لا تعود المنطقة أمام “إيران جديدة”، بل أمام إيران مفككة. وفي هذه الحالة، لا يختفي التهديد بل يتشظى. يظهر خطر الجماعات المنفلتة، والاقتصادات غير الرسمية، والتهريب، والاقتتال المحلي، والتنافس على الموانئ والحدود ومصادر الثروة. وهنا تظهر مفارقة قاسية لكنها واقعية: الدولة المعادية قد تكون أقل خطرًا من الدولة المنهارة. فالدولة، مهما اشتدت خصومتها، تبقى محكومة بحسابات الردع والكلفة والقرار المركزي. أما الانهيار، فلا مركز فيه، ولا سقف واضحًا لمخاطره. هذا استنتاج سياسي مبني على طبيعة الدول المنهارة، لا على تصريح من مصدر بعينه.

    أول من سيدفع الثمن في هذا السيناريو هو الجوار المباشر. دول الخليج قد ترى في ضعف إيران فرصة استراتيجية، لكنها ستكتشف سريعًا أن الفراغ على الضفة المقابلة أخطر من الخصومة المنظمة. فالخليج لا يحتاج فقط إلى خصم أضعف، بل يحتاج أيضًا إلى بيئة بحرية مستقرة، وممرات آمنة، وضمان أن لا تتحول السواحل المقابلة إلى مصدر تهديد مبعثر. وهذا مهم خصوصًا لأن وكالة الطاقة الدولية أكدت في شباط ٢٠٢٦ أن نحو ٩٣٪؜ من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال و ٩٦٪؜ من صادرات الإمارات من الغاز الطبيعي المسال تعبر مضيق هرمز، وهو ما يربط الأمن الخليجي مباشرة بالأمن الاقتصادي العالمي.

    ثم يأتي البعد الإنساني والديمغرافي. فإذا دخلت إيران في فوضى عميقة، فإن ملايين البشر لن ينتظروا طويلًا قبل أن يبحثوا عن النجاة، أولًا داخل البلاد، ثم في الدول المجاورة، ثم عبر مسارات أطول نحو أوروبا. والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين أشارت أصلًا، قبل اتساع النزاع الراهن، إلى أن إيران كانت تستضيف نحو ٨٠٠ ألف لاجئ مسجل، غالبيتهم من الأفغان، إلى جانب تقديرات بوجود نحو مليوني أفغاني غير موثقين داخلها. وهذا يعني أن أي انهيار واسع لن يضرب مجتمعًا وطنيًا فقط، بل سيصيب أيضًا بنية بشرية هشة ومركبة أصلًا، ما يزيد احتمالات النزوح المركّب والفوضى الإنسانية.

    وفي أوروبا، لا يُنظر إلى هذا الاحتمال من زاوية أخلاقية فقط، بل من زاوية سياسية داخلية أيضًا. فالقارة التي واجهت خلال العقد الماضي أزمات لجوء أقل حجمًا من هذا السيناريو الافتراضي تعرف أن موجات نزوح كبرى لا تغيّر سياسات الحدود وحدها، بل تغيّر المزاج السياسي، وتغذي اليمين الشعبوي، وتعيد طرح أسئلة الهوية والاندماج والدولة الوطنية. ولذلك فإن أوروبا لا تخشى فقط “إيران كخصم”، بل تخشى أكثر “إيران كمساحة انهيار بشري مفتوح”. وهذه خلاصة تحليلية منطقية لما تعنيه أرقام النزوح المحتملة في دولة بهذا الحجم.

    على مستوى الطاقة، تبدو الصورة أشد وضوحًا. فوكالة الطاقة الدولية قالت في تقريرها الشهري الصادر في اذار ٢٠٢٦ إن الحرب في الشرق الأوسط تسببت بالفعل في أكبر تعطّل للإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي، مع هبوط تدفقات الخام والمنتجات عبر هرمز من نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى مستويات شبه معدومة. هذا التطور وحده يكفي لشرح لماذا لا يمكن فصل مصير إيران عن الاقتصاد العالمي. فالمسألة هنا ليست سياسية فقط، بل تتعلق بسلاسل الإمداد، والتضخم، وأسعار النقل، وأمن الطاقة في آسيا وأوروبا معًا.

    لهذا كله، فإن السؤال الذي نبدأ به هذه السلسلة ليس سؤالًا دعائيًا من نوع: هل نريد سقوط إيران أم لا؟ بل سؤال أكثر جدية: ما الذي سيسقط بالضبط؟ النظام وحده، أم الدولة معه؟

    فإذا سقط النظام وبقيت الدولة، فقد نكون أمام أزمة كبيرة لكنها قابلة للاحتواء.

    أما إذا سقطت الدولة أيضًا، فإن المنطقة لن تدخل عصرًا جديدًا من الاستقرار، بل مرحلة طويلة من الانكشاف: في الخليج، وفي العراق وبلاد الشام، وفي أوروبا، وفي أسواق الطاقة العالمية.

    الخلاصة أن سقوط النظام الإيراني لا يمكن أن يُقرأ بمنطق التبسيط الأخلاقي أو الامنيات السياسية للبعض . ففي الجغرافيا السياسية، لا يكفي أن يضعف خصمك؛ الأهم ألا ينهار الإقليم معه. وحين نتحدث فنحن لا نتحدث عن عقدة محلية صغيرة، بل عن دولة كبيرة، وممر طاقة حاسم، ومركز ثقل يؤثر انهياره في ما هو أبعد من حدوده بكثير. ولهذا فإن السؤال عن ما بعد السقوط أهم من السقوط نفسه.

    إذا انتصرت إسرائيل: ماذا يتغيّر في المنطقة والخليج والعالم والطاقة؟

  • ما بعد حرب إيران: لماذا هذه السلسلة؟ ولماذا نبدأ من سؤال السقوط والانتصار؟

    د. علاء محمود التميمي

    آذار ٢٠٢٦

    في لحظات التحول الكبرى، لا تكفي الأخبار العاجلة، ولا التصريحات المتسرعة، ولا الانفعالات السياسية لفهم ما يجري. فالأحداث الكبرى، ولا سيما في الشرق الأوسط، لا تُقاس فقط بما يقع في يومٍ أو أسبوع، بل بما تفتحه من احتمالات لما بعده: احتمالات الاستقرار أو الفوضى، احتمالات إعادة التوازن أو تفكك الإقليم، واحتمالات أن يمتد الأثر من حدود المنطقة إلى أوروبا والعالم وأسواق الطاقة.

    من هنا تأتي هذه السلسلة الجديدة، التي أحاول من خلالها أن أتناول، على حلقات متتابعة، واحدًا من أكثر الأسئلة حساسية وتعقيدًا في هذه المرحلة: ماذا لو خسرت إيران؟ ماذا لو سقط نظامها؟ وماذا لو خرجت إسرائيل من هذه المواجهة وهي الطرف المنتصر استراتيجيًا؟ وكيف سينعكس ذلك على الخليج، وعلى العراق وبلاد الشام، وعلى أوروبا، وعلى الطاقة العالمية، وعلى شكل النظام الإقليمي والدولي كله؟

    ليس الهدف من هذه السلسلة أن ننجرّ إلى منطق التشجيع السياسي الساذج، وكأننا أمام مباراة تنتهي بإعلان فائز وخاسر، ثم يعود كل شيء إلى طبيعته. فالصراعات الكبرى لا تنتهي بهذه البساطة. وقد علمتنا تجارب العقود الأخيرة أن سقوط الأنظمة لا يعني دائمًا قيام الاستقرار، وأن انتصار القوى العسكرية لا يعني بالضرورة نشوء نظامٍ أكثر أمنًا أو عدلًا أو توازنًا.

    ما أسعى إليه هنا هو قراءة أكثر هدوءًا وواقعية، تحاول أن تذهب إلى ما وراء العناوين المباشرة، وتسأل الأسئلة التي غالبًا ما تُؤجل أو تُهمَل في خضم الصراع:

    ماذا يحدث بعد الهزيمة؟

    من يملأ الفراغ؟

    هل يؤدي ضعف إيران إلى استقرار المنطقة أم إلى انفجار تنافسات جديدة؟

    وهل يعني صعود إسرائيل حسمًا استراتيجيًا طويل الأمد، أم أنه يفتح الباب أمام اختلالات أخطر في المدى الأبعد؟

    وماذا يحدث لأسواق النفط والغاز، ولأمن الممرات البحرية، إذا اهتزّ أحد أكبر مراكز التوازن والاضطراب في آن واحد داخل الشرق الأوسط؟

    أولًا: لماذا نبدأ من السؤال الإيراني؟

    لأن إيران ليست دولة عادية في الإقليم، وليست مجرد نظام سياسي يمكن عزله عن بيئته. إنها دولة كبرى من حيث السكان، والجغرافيا، والموارد، والبنية العسكرية، والامتداد السياسي في عدد من ساحات الشرق الأوسط. ولهذا فإن أي هزيمة كبرى تتعرض لها، أو أي سقوط داخلي مفاجئ لنظامها، لن يبقى شأنًا إيرانيًا داخليًا، بل سيتحول مباشرة إلى حدث إقليمي ودولي.

    لكن التحليل الجاد يبدأ من تمييز بالغ الأهمية: سقوط النظام ليس هو سقوط الدولة.

    قد يسقط النظام وتبقى الدولة، بما فيها من مؤسسات وجيش وإدارة وحدود وقدرة على ضبط الداخل. وفي هذه الحالة، ورغم الصعوبات، يبقى هناك مجال لانتقال مضطرب لكنه قابل للاحتواء.

    أما إذا سقط النظام بطريقة عنيفة، وانهارت معه الدولة المركزية، فإننا لا نكون أمام تحول سياسي فحسب، بل أمام زلزال جيوسياسي مفتوح على احتمالات الفوضى، والنزوح، والتمزق الداخلي، والتدخلات الخارجية.

    ولهذا فإن السؤال الأول في هذه السلسلة لن يكون: هل يسقط النظام الإيراني؟

    بل: إذا سقط، فكيف يسقط؟ وماذا يبقى بعده؟

    ثانيًا: لماذا يجب أن نضيف سؤال انتصار إسرائيل؟

    لأن الصورة لا تكتمل إذا نظرنا إلى خسارة إيران وحدها. فكل خسارة كبرى في السياسة يقابلها طرف يرى نفسه رابحًا، أو يُنظر إليه بوصفه المستفيد الأكبر. وإذا انتهت المواجهة إلى إضعاف إيران بشدة، أو إلى تقويض مشروعها الإقليمي، فإن إسرائيل ستكون المرشح الأول لاعتبار ذلك نصرًا استراتيجيًا.

    لكن السؤال هنا أيضًا ليس بسيطًا.

    هل يعني انتصار إسرائيل قيام شرق أوسط أكثر استقرارًا؟

    أم يعني انتقال إسرائيل من دولة متفوقة عسكريًا إلى قوة مهيمنة نسبيًا، بما يثير ردود فعل جديدة، ويعمّق اختلال التوازن في المنطقة، ويجعل الصراع يأخذ أشكالًا مختلفة بدل أن ينتهي؟

    إن انتصار إسرائيل، إذا تحقق، لن يكون حدثًا عسكريًا محضًا، بل تحوّلًا في ميزان القوة الإقليمي كله. فهو قد يضعف خصمًا رئيسيًا، ويقلص نفوذًا ممتدًا في أكثر من ساحة، لكنه في الوقت نفسه قد يفتح الباب أمام أسئلة أشد تعقيدًا:

    من يملأ الفراغ في العراق وسوريا ولبنان واليمن؟

    كيف تنظر دول الخليج إلى صعود إسرائيل من موقع التفوق إلى موقع الهيمنة؟

    وهل يستطيع الإقليم أن يتحمل اختلالًا أكبر في ميزان القوة من دون أن يُنتج مقاومات جديدة، أو تحالفات مضادة، أو أشكالًا غير تقليدية من الرد؟

    ثالثًا: الخليج ليس متفرجًا

    في كثير من القراءات السريعة، يبدو الخليج وكأنه المستفيد الطبيعي من تراجع إيران. وهذا صحيح جزئيًا، لكنه ليس الحقيقة كلها. فدول الخليج لا تتعامل فقط مع فكرة “خصم يضعف”، بل مع احتمال أن تتحول الضفة المقابلة من الخليج إلى مساحة اضطراب مزمن، أو أن يتغير ميزان القوة الإقليمي لمصلحة طرف آخر يملك فائضًا متزايدًا من القوة والنفوذ.

    من هنا، فالسؤال الخليجي في هذه السلسلة سيكون مزدوجًا:

    هل يعني تراجع إيران فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن والوزن الإقليمي؟

    أم أن انهيارها — أو حتى مجرد إضعافها الشديد — قد يطلق مخاطر جديدة تتعلق بالملاحة، والطاقة، والجماعات المنفلتة، وإعادة تشكيل التوازنات في الإقليم؟

    ثم إن الخليج ليس معنيًا بالأمن فقط، بل بالطاقة أيضًا. ففي منطقة ترتبط فيها السياسة بالنفط والغاز والممرات البحرية، لا يمكن فصل ميزان القوى العسكري عن استقرار الاقتصاد العالمي. وأي تحوّل كبير في إيران أو حولها سينعكس على أسعار الطاقة، وعلى ثقة الأسواق، وعلى كلفة التأمين البحري، وعلى قدرة العالم على الوصول المنتظم إلى إمداداته الحيوية.

    رابعًا: أوروبا والعالم ليسا بعيدين

    قد يبدو الصراع للوهلة الأولى شرق أوسطيًا، لكن نتائجه لا تبقى داخل خرائط المنطقة. فإذا سقطت إيران أو دخلت في فوضى عميقة، فإن أثر ذلك لن يتوقف عند حدود الجوار المباشر. أوروبا ستجد نفسها أمام أسئلة الهجرة، واللجوء، والأمن، وصعود اليمين الشعبوي. والاقتصاد العالمي سيتأثر بأي اضطراب في الطاقة أو في الممرات البحرية. أما النظام الدولي، فسيواجه اختبارًا جديدًا حول من يملك القدرة على إدارة الأزمات الكبرى، ومن يملأ الفراغ حين تنكسر إحدى القوى الإقليمية الرئيسية.

    لهذا، فإن هذه السلسلة لن تنظر إلى ما يحدث بوصفه شأناً إقليميًا معزولًا، بل باعتباره عقدة تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد، والطاقة مع الأمن، والهجرة مع الهوية السياسية، والتفوق العسكري مع حدود القدرة على إنتاج الاستقرار.

    خامسًا: ما الذي ستتناوله هذه السلسلة؟

    ستنطلق هذه الحلقات من مجموعة أسئلة مترابطة، أبرزها:

    • هل يعني سقوط النظام الإيراني نهاية أزمة، أم بداية فوضى أكبر؟

    • ماذا يحدث إذا خرجت إسرائيل من الصراع منتصرة استراتيجيًا؟

    • هل يكون الخليج أمام فرصة تاريخية، أم أمام بيئة أكثر هشاشة؟

    • كيف تنعكس خسارة إيران وربح إسرائيل على العراق وبلاد الشام؟

    • ماذا سيحدث لأسواق النفط والغاز والطاقة العالمية؟

    • كيف ستتعامل أوروبا مع ارتدادات الهجرة والاضطراب؟

    • وهل نحن أمام شرق أوسط جديد، أم أمام فوضى متعددة المراكز؟

    خاتمة البداية

    لهذا، لا أرى أن السؤال الصحيح هو: من نريد أن ينتصر؟

    بل: أي نوع من الانتصار؟ وأي نوع من الهزيمة؟ وماذا سيبقى من المنطقة بعد ذلك؟

    فالسياسة الجادة لا تقف عند لحظة السقوط، بل تبدأ منها. ولا تنشغل فقط بمن يهزم من، بل بما إذا كانت الهزيمة ستُغلق بابًا من أبواب الأزمات، أو ستفتح أبوابًا أكبر منها. وكذلك لا تنبهر بمجرد صعود طرفٍ ما، بل تسأل: هل يستطيع هذا الصعود أن ينتج نظامًا أكثر استقرارًا، أم أنه سيولد أشكالًا جديدة من الاختلال والتوتر؟

    من هنا تبدأ هذه السلسلة.

    وسنبدأ أولًا بالسؤال الجوهري:

    هل يعني سقوط النظام الإيراني نهاية أزمة، أم بداية فوضى أكبر؟

    نشرت في مدونة الدكتور المهندس علاء محمود التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • الحرب التي لا مخرج منها

    الحرب التي لا مخرج منها

    د. علاء محمود التميمي

    آذار ٢٠٢٦

    ليست كل الحروب تُخاض من أجل النصر، ولا كل التصعيدات تُبنى على حسابات عقلانية متماسكة. فبعض الحروب تبدأ بوهم التفوق السريع، ثم لا تلبث أن تتحول إلى مأزق استراتيجي مفتوح، تتراكم فيه الأخطاء أكثر مما تتراكم المكاسب. وهذا، على ما يبدو، هو ما يحدث اليوم في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ومعها إسرائيل بوصفها طرفاً أساسياً في إشعال النار وتوسيع مداها.

    القراءة المتأنية لمسار الحرب تشير إلى أن الرهان الأول قام على فرضية قديمة تتكرر كثيراً في التاريخ السياسي والعسكري: توجيه ضربة قاسية ومباغتة إلى رأس النظام، ثم انتظار انهياره من الداخل. غير أن هذه الفرضية، التي بدت مغرية لبعض دوائر القرار، اصطدمت بواقع مختلف تماماً. فالدولة الإيرانية، على الرغم من أزماتها وتعقيداتها، لم تنهَر، ولم تنفجر من الداخل، ولم يتحول الضغط العسكري الخارجي إلى انتفاضة شعبية حاسمة. وهكذا سقطت فرضية “الحسم السريع”، ووجدت واشنطن نفسها في مواجهة حرب أطول، أكثر كلفة، وأقل قابلية للسيطرة.

    المشكلة الكبرى في هذا النوع من الحروب أن لحظة الفشل الأولى لا تبقى مجرد إخفاق تكتيكي، بل تتحول سريعاً إلى مأزق سياسي. فحين تفشل الضربة الأولى في إنتاج النتيجة الموعودة، يصبح السؤال الأصعب: ماذا بعد؟ هل يكون التصعيد هو الحل؟ أم التراجع؟ أم البحث عن مخرج تفاوضي؟ غير أن التصعيد قد يفتح أبواباً لا يمكن إغلاقها، والتراجع يكلّف هيبة سياسية كبيرة، أما التفاوض فيبدو مستحيلاً حين تكون شروط الطرفين متناقضة إلى هذا الحد. وهنا تحديداً تتجلى خطورة الموقف: حرب لا نصر سريع فيها، ولا سلام قريب لها، ولا انسحاب مريح منها.

    إيران، من جانبها، لا تبدو في عجلة من أمرها لإنهاء الحرب. فكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت كلفتها على خصومها، واتسعت آثارها على الاقتصاد العالمي، وازدادت الضغوط السياسية داخل الغرب نفسه. ومن منظور استراتيجي بحت، فإن الزمن هنا لا يعمل بالضرورة ضد طهران، بل قد يكون أحد أسلحتها الأساسية. فالحرب الطويلة لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات، بل أيضاً بما تفعله بأسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، وبمزاج المجتمعات التي تبدأ بالتململ كلما ارتفعت الكلفة المعيشية.

    ومن هنا نفهم لماذا لا تكمن خطورة هذه الحرب في بعدها العسكري وحده، بل في قدرتها على الانتقال من ساحة القتال إلى بنية الاقتصاد الدولي. فإذا توسعت الضربات لتطال منشآت الطاقة أو الممرات الحيوية أو محطات التحلية والبنية التحتية الحساسة في الخليج، فإن المنطقة لن تكون وحدها من يدفع الثمن، بل العالم بأسره. ذلك أن الخليج ليس مجرد جغرافيا نفطية، بل عقدة مركزية في معادلة الطاقة والتجارة والاستقرار العالمي. وأي عبث واسع بهذه المعادلة قد يدفع الاقتصاد الدولي إلى حافة اضطراب خطير، لا سيما في الدول الأشد هشاشة وفقراً.

    أما إسرائيل، التي دفعت بقوة في اتجاه التصعيد، فهي ليست بمنأى عن نتائج ما جرى. فالحروب التي تُشعلها الدول باعتبارها أداة ردع قد ترتد عليها عندما يتبين أن الخصم لا ينهار، وأن الجبهة الداخلية نفسها ليست محصّنة كما كان يُظن. وإذا وجدت تل أبيب نفسها في مواجهة استنزاف متواصل، مع دفاعات مثقلة وضربات متبادلة، فإنها قد تميل إلى توسيع بنك الأهداف باتجاه البنية الاقتصادية الإيرانية، في خطوة قد تكون أخطر حلقات التصعيد وأكثرها اقتراباً من الانفجار الإقليمي الشامل.

    ما يزيد المشهد قتامة أن المخرج الدبلوماسي لا يبدو ناضجاً. فإيران تريد رفع العقوبات، وضمانات، وتغييراً جوهرياً في قواعد الاشتباك، فيما تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على تقليص قدرات إيران الصاروخية والنووية والإقليمية. وبين هذين السقفَين، لا توجد حتى الآن أرضية حقيقية للتسوية. لذلك لا يبدو الحديث عن مفاوضات جادة أكثر من محاولة لشراء الوقت، أو تهدئة الأسواق، أو إدارة الانطباع العام، لا أكثر.

    والأخطر من كل ذلك أن الحروب حين تدخل منطقة اليأس السياسي تصبح أكثر قابلية للمقامرة. فالقائد الذي يشعر بأنه عالق، وأن الزمن لا يعمل لصالحه، قد يلجأ إلى خطوات غير محسوبة، ليس لأنها تضمن النجاح، بل لأنه لم يعد يرى بديلاً مقبولاً عنها. والتاريخ مليء بأمثلة قادة دفعهم الإحباط إلى توسيع الحروب بدل احتوائها. وفي هذه اللحظة بالذات، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط في قوة السلاح، بل في هشاشة القرار.

    إن ما نشهده اليوم ليس مجرد جولة أخرى في صراع شرق أوسطي تقليدي، بل اختبار قاسٍ لفكرة القوة نفسها: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تفرض ترتيباً سياسياً جديداً؟ أم أنها، حين تُستخدم من دون فهم عميق للمجتمع والتاريخ والجغرافيا، تتحول إلى أداة لإنتاج الفوضى لا الحسم؟ ما يجري حتى الآن يوحي بأن من أشعل الحرب لم يحسن تقدير حدودها، ولا طبيعة خصمه، ولا حجم التداعيات التي قد تخرج من رحمها.

    الخلاصة أن الحرب دخلت منطقة الخطر الحقيقي: لا نصر حاسماً في الأفق، ولا تسوية ناضجة، ولا تراجع بلا كلفة. وكل يوم يمرّ يجعل كلفة الاستمرار أكبر، لكنه لا يجعل قرار التوقف أسهل. ولهذا فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس ما وقع حتى الآن، بل ما قد يقع عندما يقتنع أحد الأطراف أن الهروب إلى الأمام هو خياره الوحيد.

    في مثل هذه اللحظات، لا تعود القضية مجرد صراع بين دولتين أو مشروعين، بل تصبح سؤالاً عن قدرة العالم على منع الانزلاق إلى كارثة أكبر. أما إذا استمر الرهان على كسر الإرادات بالقوة وحدها، فإن الشرق الأوسط قد لا يكون أمام حرب قصيرة، بل أمام مرحلة جديدة من الفوضى الطويلة، يدفع ثمنها الجميع، وفي المقدمة الشعوب التي لم تُستشر أصلاً في إشعالها.

    www.altamimialaablog.com

  • بعد أربعة أسابيع من الحرب: ما الذي تقوله الوقائع لا الرغبات؟

    حين تندلع الحروب، يسارع كثيرون إلى بناء مواقفهم على ما يحبّون أن يحدث، لا على ما يحدث فعلاً. بعضهم يعلن النصر منذ اليوم الأول، وبعضهم يوزّع الهزيمة باكراً، وكأن الحرب بيان سياسي لا مسار ميداني متقلب. لكن بعد دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى أسبوعها الرابع، لم يعد مفيداً أن نقرأ المشهد بلغة التمنّي. الأجدى أن نقرأه كما هو: حرب اتسعت، وكلفتها ارتفعت، ونتائجها ما زالت مفتوحة. وتشير التقارير إلى أن هذه الحرب بدأت في 28 شباط 2026، ثم أخذت تتوسع تدريجياً من ضربات عسكرية مباشرة إلى أزمة طاقة وممرات ومخاطر إقليمية أوسع.

    أول ما تكشفه الوقائع أن الحرب لم تبقَ محصورة في تبادل الضربات الجوية أو الصاروخية بين طرفين معروفين، بل تحولت إلى نزاع متعدد الطبقات: ضربات على الداخل الإيراني، صواريخ على إسرائيل، توتر على جبهة لبنان، وتهديد مباشر للبنية التحتية الحيوية في الخليج. هذا وحده كافٍ لنسف السردية السهلة التي تختزل المشهد في “جولة محدودة” أو “رسالة محسوبة”. ما نراه الآن هو توسع أفقي وعمودي في آن واحد: توسع في الجغرافيا، وتوسع في نوع الأهداف.

    الوقائع الميدانية لا تدعم أيضاً فكرة أن إيران انهارت سريعاً، كما لا تدعم فكرة أنها حسمت الحرب لصالحها. فالتقارير الغربية نفسها تتحدث عن استمرار قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وعن ضربات وصلت إلى مناطق حساسة في جنوب إسرائيل، منها محيط ديمونا وعراد، مع وقوع إصابات وأضرار ملموسة. وفي المقابل، تتحدث المصادر ذاتها عن خسائر بشرية كبيرة داخل إيران، وعن ضربات أميركية وإسرائيلية متواصلة تستهدف قدراتها العسكرية والنووية والبنى المرتبطة بها. المعنى هنا واضح: القدرة على الإيذاء ما زالت قائمة عند الطرفين، لكن القدرة على الحسم السريع غير ظاهرة حتى الآن.

    غير أن التطور الأخطر في الأسبوع الرابع ليس عدد الصواريخ وحده، بل انتقال الحرب إلى مستوى آخر: مستوى الطاقة والممرات. مضيق هرمز لم يعد مجرد خلفية جغرافية للصراع، بل صار في قلبه. خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت التهديدات المتبادلة حول إبقاء المضيق مفتوحاً أو إغلاقه بالكامل، مع إنذار أميركي لإيران بفتح الممر خلال 48 ساعة، ورد إيراني بأن أي استهداف جديد لمنشآتها سيقابله إغلاق كامل للمضيق وضرب لبنى الطاقة والمياه في الجوار الخليجي. هنا دخلت الحرب منطقة بالغة الخطورة: منطقة الاقتصاد العالمي، لا الاقتصاد الإقليمي فقط.

    ومن يراجع تطورات سوق الغاز المسال يفهم لماذا لم تعد هذه الحرب شأناً عسكرياً فحسب. فالهجمات الأخيرة على منشآت رأس لفان في قطر، وهي من أكبر مراكز الغاز المسال في العالم، تسببت وفق رويترز وفايننشال تايمز في تعطيل نحو 17 في المئة من طاقة قطر التصديرية لمدى قد يمتد بين ثلاث وخمس سنوات، مع لجوء قطر إلى القوة القاهرة في بعض العقود طويلة الأجل. كما أن توقف أو تعثر شحنات الغاز الخارجة من الخليج جعل دولاً آسيوية شديدة الاعتماد على الغاز القطري، مثل باكستان وبنغلادش وتايوان، تدخل طور القلق الحقيقي من نقص الإمدادات، وارتفاع الأسعار، والاضطرار إلى العودة إلى الفحم أو الوقود الأكثر كلفة وتلويثاً.

    هنا بالتحديد تظهر نقطة كثيراً ما يغفلها المراقبون المنحازون: ليست المسألة من أطلق صواريخ أكثر، بل من نجح في نقل الحرب من ميدان السلاح إلى ميدان الأعصاب العالمية. حين يصبح نحو خُمس تجارة الطاقة العابرة من المنطقة في مهب التهديد، وحين تتحدث العواصم الصناعية عن تأمين الإمدادات لا عن مجرد متابعة الأخبار، فهذا يعني أن الحرب خرجت من حدودها التقليدية. وقد دفعت هذه المخاطر مجموعة السبع إلى إعلان استعدادها للتحرك لحماية إمدادات الطاقة وأمن الملاحة، وهو إعلان يكشف أن الملف لم يعد يُدار بوصفه اشتباكاً إقليمياً محدوداً.

    لكن من الخطأ، في المقابل، أن تُفهم هذه القدرة الإيرانية على التعطيل على أنها نصر استراتيجي مكتمل. نعم، إيران أثبتت أنها قادرة على إرباك خصومها وإيلامهم وإرباك السوق العالمية، لكن هذا النوع من التفوق يختلف عن الحسم. فكلما توسعت دائرة الأذى، توسعت معها دائرة الخصوم والمتضررين. إغلاق هرمز أو تعطيله لا يضغط على واشنطن وتل أبيب ودول الخليج فقط، بل يضغط أيضاً على الصين واليابان وأوروبا وآسيا المستوردة للطاقة. وهذه نقطة جوهرية: من يستخدم الجغرافيا سلاحاً يربح ورقة ضغط كبيرة، لكنه يفتح على نفسه أيضاً ضغوطاً دولية أكبر.

    من جهة أخرى، كشفت الحرب حدود البدائل المتاحة أمام دول المنطقة. السعودية مثلاً رفعت صادراتها عبر البحر الأحمر مستفيدة من خط الشرق-الغرب، ووصلت شحناتها من ينبع إلى مستويات مرتفعة هذا الشهر، لكن هذه القدرة لا تعني أن المنطقة كلها قادرة على الالتفاف السهل على هرمز. العراق والكويت والإمارات يبقون أكثر حساسية لهذا الاختناق، حتى مع وجود بعض المسارات البديلة المحدودة. وهذا يعيدنا إلى درس قديم يتكرر في كل أزمة: الثروة وحدها لا تكفي إذا كانت ممراتها قليلة ومكشوفة.

    سياسياً، لا تبدو الحرب حتى اليوم حرب أهداف واضحة بقدر ما تبدو حرب تصعيد متبادل. الخطاب الأميركي والإسرائيلي يركز على كسر القدرات النووية والعسكرية الإيرانية وردع طهران، فيما تركز إيران على إظهار قدرتها على الصمود والرد وتوسيع كلفة الحرب على خصومها ومحيطهم. لكن بعد أربعة أسابيع، لا يوجد ما يشير إلى أن أياً من الطرفين حقق الغاية النهائية التي يفترض أنه دخل الحرب من أجلها. ما تحقق حتى الآن هو توسيع ميدان النار، وإدخال الاقتصاد العالمي في حالة قلق، ورفع الأكلاف الإنسانية والمادية، وتكريس منطق أن كل خطوة جديدة تحمل احتمال الانفلات أكثر مما تحمل فرصة الإغلاق السريع.

    لهذا كله، فإن أكثر ما ينبغي الحذر منه اليوم هو القراءة الرغبوية للحرب. من يريد هزيمة إيران سيجد في الضربات عليها ما يؤيد رغبته، ومن يريد هزيمة أميركا وإسرائيل سيجد في أزمة الطاقة وتعثر الملاحة ما يدعم سرديته. لكن المراقب الذي يحترم الوقائع لا يستطيع أن يقول إن الحرب حُسمت، ولا أن يصفها بأنها مجرّد استعراض. نحن أمام حرب دخلت أسبوعها الرابع وهي أكثر اتساعاً، وأكثر كلفة، وأكثر قابلية للخروج عن السيطرة. وهذه، في حد ذاتها، حقيقة ثقيلة ينبغي أن تُقال بوضوح.

    أما العراق، الذي خبر الحروب أكثر من غيره، فمصلحته لا تكمن في الانحياز العاطفي لهذه الرواية أو تلك، بل في قراءة باردة لمآلات الصراع: أمن الطاقة، سلامة الممرات، تحييد أراضيه، وحماية اقتصاده من ارتدادات حرب لا يملك قرارها. فالذين دفعوا أثمان الحروب لعقود يعرفون أن البداية كثيراً ما تكون صاخبة، أما النهاية فتُقاس بما يبقى من خراب، لا بما يُقال في نشرات الأخبار.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

    www.altamimialaablog.cm

  • ترامب ومضيق هرمز: قراءة في تناقض التصريحات

    ترامب ومضيق هرمز: حين تتناقض التصريحات وتفضح ارتباك الاستراتيجية

    د. علاء محمود التميمي

    آذار ٢٠٢٦

    في الحروب الكبرى لا تكون المشكلة في السلاح وحده، بل في اللغة التي تُدار بها الحرب أيضًا. فالكلمات، حين تصدر عن رئيس دولة عظمى، ليست مجرد تصريحات إعلامية، بل إشارات استراتيجية تقرأها الأسواق، وتراقبها الجيوش، وتبني عليها الدول حساباتها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مضيق هرمز مثالًا واضحًا على التناقض بين خطاب التهديد وخطاب التهوين، وبين استعراض القوة وغياب الرؤية المستقرة.

    فخلال الساعات الأخيرة، صعّد ترامب لهجته إلى حدٍّ غير مسبوق، مهددًا إيران بأنها إن لم تُعد فتح مضيق هرمز بالكامل خلال 48 ساعة فإن الولايات المتحدة ستضرب محطات الكهرباء ومنشآت الطاقة الإيرانية، مع حديث واضح عن “إبادة” هذه الأهداف إذا استمر الإغلاق. وقد نقلت وكالات دولية كبرى هذا التهديد باعتباره إنذارًا مباشرًا مرتبطًا بأزمة الطاقة العالمية، بعد أن تسبب تعطّل الملاحة في المضيق بارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز وبقلق واسع في الأسواق الدولية.

    لكن المشكلة لا تكمن في قسوة التهديد وحدها، بل في أنه يأتي بعد سلسلة طويلة من التصريحات المتناقضة. فترامب نفسه كان قد أوحى في تصريحات سابقة بأن الحرب شارفت على نهايتها، وأن إيران تعرضت لضربات قاصمة أفقدتها معظم قدرتها البحرية والعسكرية، بل وتحدث بصيغة المنتصر الذي يملك زمام المبادرة في المضيق. وفي الوقت نفسه، عاد ليرفع سقف التهديد من جديد، وكأن الحرب لم تُحسم، وكأن السيطرة على الممر البحري الأهم في العالم لم تتحقق بعد. هذا التباين بين إعلان التفوق العسكري وبين التلويح المستمر بتوسيع بنك الأهداف، يكشف أن واشنطن لم تصل إلى معادلة ردع مستقرة، وأن ما يُقال للإعلام لا ينسجم دائمًا مع ما يفرضه الميدان.

    الأكثر دلالة أن الإدارة الأمريكية لم تكتفِ بالتهديد العسكري، بل اضطرت في الوقت نفسه إلى اتخاذ إجراءات تخفف من أزمة الطاقة، من بينها تخفيف بعض القيود على النفط الإيراني الموجود أصلًا في البحر بهدف تهدئة ضغوط الإمداد والأسعار. وهذا وحده يكشف تناقضًا جوهريًا: كيف تبرر واشنطن حربًا لتقويض إيران، ثم تضطر اقتصاديًا إلى السماح بتدفقات نفطية مرتبطة بها لتخفيف الصدمة عن السوق العالمية؟ إن هذا السلوك لا يعكس قوة استراتيجية بقدر ما يعكس مأزقًا سياسيًا واقتصاديًا، لأن إغلاق مضيق هرمز لا يضغط على إيران وحدها، بل يضغط كذلك على الاقتصاد العالمي وعلى الغرب نفسه.

    ومن هنا يصبح مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر بحري. إنه نقطة اختبار حقيقية لمصداقية الخطاب الأمريكي. فإذا كانت واشنطن قادرة فعلًا على فرض فتحه سريعًا، فلماذا استمرت الأزمة وتفاقمت أسعار الطاقة؟ وإذا كانت غير راغبة في توسيع الحرب، فلماذا تُهدد الآن بضرب البنية الكهربائية ومنشآت الطاقة، وهي أهداف لا تمثل مجرد رسالة عسكرية، بل خطوة نحو إنهاك دولة كاملة ودفع المنطقة كلها إلى مستوى أخطر من التصعيد؟ الواقع أن استهداف الطاقة لا يعني فقط ضرب الاقتصاد الإيراني، بل يعني فتح الباب أمام ردود قد تطال منشآت وممرات حيوية في الخليج كله، بما يجعل العالم أمام حرب استنزاف للطاقة لا أمام عملية ردع محدودة.

    وإذا كان ترامب يقدّم نفسه بوصفه رجل الحسم، فإن تصريحاته بشأن هرمز تكشف شيئًا مختلفًا: رجل يرفع السقف كلما استعصت النتائج. فهو يدعو أحيانًا إلى أن تتحمل دول أخرى عبء حماية المضيق، ثم يعود ليتحدث بلغة أمريكية منفردة. ويعلن أحيانًا أن الحرب في طور الانحسار، ثم يعود ليهدد بضربات أوسع. وهذا ليس مجرد اختلاف في الأسلوب، بل خلل في تعريف الهدف نفسه: هل المطلوب ردع إيران فقط؟ أم فتح المضيق؟ أم تحطيم بنيتها الاستراتيجية؟ أم إدارة الأزمة حتى الانتخابات والأسواق؟ حين تتعدد الرسائل بهذا الشكل، تتراجع الهيبة بدل أن تتعزز، لأن الخصم والحليف معًا يبدآن في الشك بأن القرار السياسي لم يعد محكومًا برؤية متماسكة.

    إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط احتمال ضرب منشآت الطاقة الإيرانية خلال 48 ساعة، بل أن هذا التهديد نفسه يأتي في سياق ارتباك استراتيجي أمريكي ظاهر. فالإدارة التي تقول إن الحرب تحقق أهدافها، هي نفسها التي تبدو خائفة من انعكاسات إغلاق المضيق على الاقتصاد العالمي. والرئيس الذي يتحدث بلغة النصر، هو نفسه الذي يعود إلى لغة الإنذار والمهلة والوعيد. وهذا يعني أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ورقة ضغط إيرانية، بل أصبح أيضًا مرآة تعكس حدود القوة الأمريكية حين تواجه ممرًا بحريًا لا تُحسم معادلته بالتصريحات وحدها.

    الخلاصة أن ما نشهده اليوم ليس تناقضًا لفظيًا عابرًا في كلام ترامب، بل تعبيرًا عن مأزق أعمق: القدرة على التدمير شيء، والقدرة على إنتاج استقرار سياسي واقتصادي شيء آخر تمامًا. والولايات المتحدة، مهما امتلكت من سلاح، لا تستطيع أن تفرض الأمن في مضيق هرمز بخطاب متقلب، ولا أن تطمئن الأسواق بتهديدات تتوسع كلما ازداد الارتباك. فحين تتناقض التصريحات، يصبح السؤال ليس فقط: ماذا ستفعل واشنطن؟ بل: هل تعرف واشنطن نفسها إلى أين تريد أن تصل؟

    نشر على مدونة الدكتور علاء التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • ضيق هرمز: حيث تضيق الجغرافيا ويتّسع التاريخ

    ضيق هرمز: حيث تضيق الجغرافيا ويتّسع التاريخ

    مضيق هرمز: حيث تضيق الجغرافيا ويتّسع التاريخ

    د. علاء محمود التميمي

    آذار ٢٠٢٦

    في لحظات نادرة من التاريخ، تتكثف الجغرافيا حتى تكاد تتحول إلى فكرة، وتضيق المسافات حتى تختصر مسار العالم كله في ممر واحد. هناك، لا تعود الخرائط مجرد خطوط، بل تصبح اختبارًا للقوة، وللمعنى، ولمن يملك حق تعريف النظام الذي يعيش فيه الجميع. ومضيق هرمز، في هذه اللحظة الدولية المربكة، يبدو كأنه واحد من تلك المواضع التي تتجاوز حجمها، لتغدو مرآة لزمن كامل.

    ليس لأن المياه التي تعبره أكثر أهمية من غيرها، بل لأن ما يمر فيه ليس النفط فقط، بل الثقة. الثقة في أن العالم، رغم اضطرابه، ما يزال محكومًا بقواعد يمكن التنبؤ بها، وأن هناك قوة قادرة على حماية شرايينه الحيوية، وعلى منع الفوضى من التحول إلى نظام بديل.

    نحن لا نشهد أزمة عابرة، بل نعيش على تخوم مرحلة تاريخية تتراكم فيها الضغوط حتى تفرض لحظة اختبار لا يمكن تأجيلها. العالم، الان يقف في منتصف “الدورة الكبرى” التي كثيرًا ما انتهت في السابق إلى إعادة توزيع للقوة، لا عبر التفاوض فقط، بل عبر الاحتكاك الحاد، وربما الصدام.

    تتوالى المؤشرات: قوى كبرى تعيد تعريف علاقتها ببعضها بعضًا، اقتصاد عالمي مثقل بديون تكاد تفوق قدرته على الاحتمال، مجتمعات تنقسم على نفسها حتى تفقد وضوح الاتجاه، ونزاعات إقليمية تتحول تدريجيًا إلى ساحات تصفية حسابات أوسع. وفوق ذلك كله، نظام دولي لم يعد قادرًا على إخفاء ارتباكه كما كان يفعل في السابق.

    في مثل هذه اللحظات، لا يحتاج التاريخ إلى مساحات واسعة ليُكتب. يكفيه موضع واحد، شرط أن يكون حساسًا بما يكفي. ومضيق هرمز هو بالضبط هذا الموضع: نقطة ضيقة تحمل فوقها عبئًا لا يتناسب مع حجمها، لكنها تتناسب تمامًا مع هشاشة العالم الذي يعتمد عليها.

    إذا تعطّل هذا الممر، لا ترتفع أسعار النفط فقط، بل تنكشف طبقات أعمق من الاعتماد المتبادل الذي يربط العالم ببعضه. فجأة، تبدو الأسواق أقل ثقة، والتحالفات أقل صلابة، والوعود السياسية أقل مصداقية. وكأن العالم يكتشف، في لحظة واحدة، أن استقراره لم يكن صلبًا كما تخيّل، بل كان قائمًا على توازن دقيق يمكن اختلاله عند نقطة واحدة.

    لكن السؤال الذي يطرح ليس اقتصاديًا بقدر ما هو وجودي في معناه السياسي: من يملك القدرة على حماية هذا التوازن؟ من يستطيع أن يضمن أن نقاط الاختناق لن تتحول إلى أدوات ابتزاز؟ ومن يثبت، بالفعل لا بالخطاب، أنه ما يزال القوة التي يُبنى عليها النظام العالمي؟

    إذا عجزت القوة المهيمنة عن حماية مضيق بهذه الأهمية، فإن الرسالة التي ستتردد في العواصم والأسواق لن تكون مجرد قراءة عسكرية. ستكون إعلانًا ضمنيًا بأن زمن الهيمنة الواضحة يقترب من نهايته، وأن العالم يدخل منطقة أكثر ضبابية، حيث لا توجد جهة واحدة قادرة على فرض القواعد. أما إذا نجحت في فرض الأمن وإبقاء التدفق مستمرًا، فإنها لا تحمي ممرًا مائيًا فحسب، بل تعيد تثبيت فكرة النظام ذاته.

    من هنا، يتحول مضيق هرمز إلى ما هو أبعد من موقع استراتيجي؛ يصبح سؤالًا مفتوحًا عن شكل العالم. ليس لأن نتيجته وحدها ستحدد كل شيء، بل لأنها ستكشف اتجاهًا: هل ما زال العالم يسير وفق منطق القوة المهيمنة، أم أنه ينزلق، ببطء ولكن بثبات، نحو تعددية مضطربة لا تملك مركزًا واضحًا؟

    قد يبدو مبالغًا أن نحمّل ممرًا ضيقًا هذا القدر من المعنى، لكن التاريخ، في لحظاته الحاسمة، يحب الاختصار. لا يظهر نفسه دائمًا في ساحات واسعة أو حروب كبرى معلنة، بل يتسلل أحيانًا عبر نقاط محدودة، ثم يكشف لاحقًا أنه كان يعيد ترتيب كل شيء من خلالها.

    في هذا المعنى، لا يكون مضيق هرمز سبب التحول، بل علامته. ليس أصل الأزمة، بل مكان ظهورها. هناك، حيث تلتقي الجغرافيا بالاقتصاد بالقوة، يتكثف السؤال الذي يواجه العالم اليوم: من يملك القدرة، لا على إدارة الاستقرار فحسب، بل على تعريفه؟

    ربما لن يُكتب مستقبل العالم في هذا المضيق وحده، لكن ما سيحدث فيه قد يجعل ذلك المستقبل أكثر وضوحًا مما نظن. ففي الأماكن التي تضيق فيها الجغرافيا إلى هذا الحد، يتسع التاريخ بما يكفي ليكشف نفسه دفعة واحدة.

    www. altamimialaablog.com

  • متى تفقد القوة هيبتها

    متى تفقد القوة هيبتها

    ✍️ د. علاء محمود التميمي

    آذار ٢٠٢٦

    قد تبدأ الحروب بقرار عسكري، لكنها كثيراً ما تنتهي بكشف حدود القوة التي أشعلتها.

    تكشف النقاشات الجارية في مراكز التفكير الغربية حول الحرب مع إيران حقيقة لافتة: القصف الجوي، مهما كان واسعاً، لا يستطيع وحده أن يصنع نصراً سياسياً حاسماً. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن تغيير الأنظمة يتطلب وجوداً برياً واحتلالاً مباشراً، وهو خيار يدرك الجميع صعوبة تطبيقه في بلد بحجم إيران وتعقيداته.

    لكن الأخطر من البعد العسكري هو ما قد تتركه هذه الحرب من آثار أوسع على النظام الدولي. فاضطراب الخليج يعني اضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط قد يعيد توزيع المكاسب بين القوى الكبرى، بينما قد تجد ملفات دولية أخرى نفسها في الظل.

    لهذا لا تقاس قوة الدول بعدد حاملات الطائرات أو حجم الترسانة العسكرية فحسب، بل بقدرتها على إدارة القوة من دون أن تتحول إلى عبء على صاحبها. فالتاريخ يذكّرنا دائماً بأن اللحظة التي تفقد فيها القوة حكمتها، هي غالباً اللحظة التي تبدأ فيها هيبتها بالتآكل

    ولهذا قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: من سينتصر عسكرياً في هذه الحرب؟

    بل: ماذا سيبقى من صورة القوة في عالم بدأ يشك أكثر فأكثر في قدرة الحروب على صناعة الاستقرار.

  • ‎حين يتحول “النجاح العسكري” إلى وصفة لحرب أطول

    د. علاء محمود التميمي

    آذار ٢٠٢٦

    في أزمنة التوتر والحروب، يكثر الحديث عن “العمليات الناجحة” و“الضربات الحاسمة” و“الإنجازات العسكرية الكبرى”. لكن التجربة الحديثة، في الشرق الأوسط وفي غيره، تعلمنا درساً مختلفاً: ليس كل نجاح عسكري يفتح باب السلام، بل إن بعض النجاحات التكتيكية القصيرة تتحول سريعاً إلى هزائم سياسية واستراتيجية بعيدة المدى.

    هذا بالضبط ما ينبغي التوقف عنده في أي مواجهة كبرى مع دولة بحجم إيران وموقعها وقدراتها وشبكة امتداداتها الإقليمية. فالحرب، مهما بدا لبعضهم أنها تحقق مكاسب عاجلة، قد تنتج في الواقع بيئة أكثر خطورة، وأشد توتراً، وأقل قابلية للتسوية.

    إن قتل القيادة السياسية أو الرمزية في أي دولة لا يعني بالضرورة إسقاط النظام أو إنهاء الأزمة. ففي كثير من الأحيان، يتحول القائد المقتول إلى رمز تعبوي، وتظهر من بعده قيادات أشد صلابة وأقل استعداداً للتراجع أو التفاوض. وهكذا لا تنتهي المشكلة، بل تنتقل إلى طور أكثر حدة. فالحرب لا تقتل الأشخاص فقط، بل قد تقتل معها فرص الاعتدال، وتدفع بالمشهد كله نحو مزيد من التشدد والانغلاق.

    وفي لحظات الصدمة الوطنية، تميل المجتمعات والدول إلى الالتفاف حول المؤسسات الأكثر صلابة وخشونة، لا حول الأصوات المدنية أو الإصلاحية. وهذا يعني أن الحرب الخارجية قد تعطي دفعة كبرى للمؤسسات العسكرية والأمنية والعقائدية، فتزيد نفوذها وتراجع مساحة السياسة والعقل والتسوية. ومن هنا فإن من يظن أن القصف وحده كفيل بإنتاج شرق أوسط أكثر أمناً، يتجاهل أن القوة العارية كثيراً ما تعيد إنتاج خصوم أكثر تصلباً، لا أقل.

    ثم إن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ أو حاملات الطائرات، بل بقدرة الطرف الأضعف على إرباك الطرف الأقوى بكلفة منخفضة. لقد أصبح ممكناً اليوم للطائرات المسيّرة الرخيصة، وللهجمات غير المتماثلة، وللضربات التي تستهدف الاقتصاد والبنية التحتية والممرات البحرية، أن تُحدث أثراً يفوق أحياناً كلفة السلاح المستخدم بمئات المرات. وهذا بحد ذاته يثبت أن منطق الحرب لم يعد مضمون النتائج، وأن التفوق العسكري التقليدي لم يعد يعني بالضرورة قدرة كاملة على التحكم بمسار الأحداث.

    ومن أخطر ما تكشفه هذه الحروب أن الاقتصادات الإقليمية الهشة، أو حتى القوية، ليست بمنأى عن الخطر. فحين تصبح الموانئ، والمنشآت النفطية، والمطارات، وطرق التجارة، والممرات البحرية أهدافاً محتملة، فإن آثار الحرب لا تبقى في ساحة القتال، بل تمتد إلى حياة الناس اليومية: إلى أسعار الطاقة، والتأمين، والنقل، والغذاء، والاستثمار، والاستقرار الاجتماعي. وهنا يصبح المدنيون، مرة أخرى، هم الذين يدفعون الثمن الأكبر، حتى لو لم يكونوا طرفاً في القرار ولا في المعركة.

    وإذا كانت بعض الحروب تُشن تحت عنوان منع الانتشار النووي، فإن المفارقة المؤلمة هي أنها قد تدفع في الاتجاه المعاكس تماماً. فالدولة التي تتعرض لضربات قاسية، وترى أن الاتفاقات لا تحميها، وأن التفاوض لا يردع خصومها، قد تخرج باستنتاج بالغ الخطورة: أن الضمانة الوحيدة للبقاء هي امتلاك أقصى درجات الردع. وبهذا تتحول الحرب من أداة معلنة لمنع السلاح النووي إلى حافز فعلي للسعي إليه.

    كذلك فإن أي ضربة عسكرية واسعة لا تصيب الجغرافيا فقط، بل تصيب السياسة نفسها. فعندما يشعر الطرف المستهدف أن باب التفاوض لم يكن جدياً، أو أن الدبلوماسية لم تكن سوى غطاء مؤقت، تتراجع فرص العودة إلى الطاولة، ويصبح الخطاب الغالب هو خطاب القوة والثأر والردع. وهكذا تُغلق النوافذ الصغيرة التي كانت ما تزال تسمح بإمكانية الاحتواء، وتدخل المنطقة في زمن سياسي أكثر ظلاماً، حيث تتراجع اللغة العقلانية لمصلحة لغة السلاح.

    ومن الوهم أيضاً الاعتقاد أن الحرب ستظل محصورة داخل حدود معينة أو تحت سقف مضبوط. فالمنطقة مترابطة: اقتصاداً، وطاقةً، وممراً بحرياً، وتحالفاتٍ، ومخاوفَ أمنية. ولذلك فإن أي حرب كبرى لن تبقى شأناً ثنائياً بين طرفين فقط، بل ستُلقي بظلالها على الخليج كله، وعلى أسواق العالم، وعلى حسابات الدول الكبرى، وعلى استقرار مجتمعات بأكملها. والحروب، كما علمتنا التجارب، تبدأ غالباً بخطة، لكنها نادراً ما تنتهي وفق الخطة نفسها.

    لهذا كله، فإن الاحتفاء بالحرب بوصفها “نجاحاً” قد يكون في الحقيقة نوعاً من قصر النظر السياسي. النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف التي ضُربت، ولا بعدد القادة الذين قُتلوا، بل بقدرة الفعل السياسي على تقليل احتمالات الانفجار، وتوسيع فرص التسوية، وحماية المدنيين، ومنع الإقليم من الانزلاق إلى دوامة لا تنتهي من الردود والردود المضادة.

    إن الشرق الأوسط لا يحتاج اليوم إلى حرب جديدة تُسوَّق على أنها خلاص، بل إلى شجاعة سياسية تعترف بأن القوة وحدها لا تصنع سلاماً. فالسلام العادل لا يولد من ركام المدن، ولا من إذلال الشعوب، ولا من توسيع مشاعر الثأر والكراهية، بل من فهم عميق لحقيقة المنطقة، ولمحدودية الحلول العسكرية، ولضرورة بناء ترتيبات أمنية وسياسية تقلل أسباب الانفجار بدلاً من إعادة إنتاجها.

    ضد الحرب نقف، لا لأننا نتوهم براءة الأنظمة أو نغفل أخطاءها، بل لأننا نعرف أن الحرب، حين تبدأ، لا تميز كثيراً بين مذنب وبريء، ولا بين هدف عسكري وإنسان عادي، ولا بين نصر سريع وكارثة طويلة. والحكمة ليست في إطلاق النار متى استطعنا، بل في منع الحريق قبل أن يلتهم الجميع.

  • “حين تتحدث الحرب بثلاثة أصوات

    د علاء التميمي

    آذار ٢٠٢٦

    ك

    في زمن الحرب يبدو المشهد وكأنه حديثٌ واحد، لكنه في الحقيقة حوارٌ بين عوالم مختلفة.

    فليس كل من يتكلم عن الحرب يقصد الشيء نفسه، ولا ينطلق من المكان نفسه.

    الدول يفترض ان تنظر إلى الأحداث بميزانٍ لا يرى العواطف بقدر ما يرى الأرقام والنتائج.

    هناك حسابٌ دقيق لما يمكن كسبه أو خسارته، ولما يجب قوله أو الصمت عنه.

    ولهذا قد تبدو مواقف الحكومات الرصينة باردة أو مترددة، لكنها في الغالب نتاج حسابات طويلة لا مكان فيها للاندفاع.

    أما الناس، فلهم ميزان آخر.

    قلوبهم تتحرك أسرع من حساباتهم، وصور الألم أو الظلم توقظ فيهم شعوراً فورياً بالتعاطف أو الغضب.

    لهذا تمتلئ الساحات بالانفعالات، وتتبدل المواقف أحياناً مع خبرٍ جديد أو صورةٍ عابرة، لأن الشعوب ترى العالم من نافذة الشعور قبل أي شيء آخر.

    وفي مكانٍ بين هذين العالمين تقف النخب.

    تحاول أن تفكك الحدث وتقرأ خلفياته، فتكتب وتجادل وتفسّر.

    لكن حتى هذه القراءات لا تخلو من أثر الدين والطائفة و القناعات المسبقة أو المواقف الفكرية التي يحملها أصحابها.

    وهكذا، حين تشتعل الحروب، لا يتحدث الجميع اللغة نفسها.

    هناك من يتكلم بمنطق المصلحة، ومن يتكلم بلهجة القلب، ومن يحاول أن يقرأ المشهد بعين الفكر.

    ولهذا فإن أول خطوة لفهم ما يجري ليست أن تسأل:

    من على حق؟

    بل أن تسأل سؤالاً أبسط وأعمق:

    من أي زاوية ينظر هذا المتكلم إلى الحرب؟

    فعندها فقط يصبح الضجيج أقل، وتصبح الرؤية أوضح.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

    www. altamimialaablog.com

  • حين يهتز الخليج… لا ترتفع الأسعار فقط، بل يهتز الاقتصاد العالمي

    حين يهتز الخليج… لا ترتفع أسعار النفط فقط، بل يختل توازن العالم

    في كثير من النقاشات العامة، يجري اختزال أي توتر في الخليج العربي في سؤال واحد: كم سيرتفع سعر النفط؟

    لكن هذا الاختزال، على شيوعه، لا يكشف إلا جانباً صغيراً من الصورة. فالأزمة في الخليج، إذا تحولت إلى تعطيل واسع للموانئ والمنشآت وخطوط الملاحة، لا تبقى أزمة طاقة فحسب، بل تصبح أزمة مركبة تمس التجارة والغذاء والصناعة والمال والاستقرار الاجتماعي، ليس في المنطقة وحدها بل في العالم بأسره.

    الخليج اليوم ليس مجرد بقعة جغرافية غنية بالنفط، بل هو عقدة مركزية في النظام الاقتصادي الدولي. ومن هنا فإن أي اضطراب كبير فيه لا ينعكس فقط على برميل النفط، بل على سلسلة طويلة من الأنشطة التي تبدأ بالطاقة ولا تنتهي عند الغذاء والدواء والنقل وسوق العمل.

    أولاً: لماذا لا يمكن النظر إلى الخليج بوصفه مجرد “ممر نفطي”؟

    القراءة القديمة للخليج كانت تربطه بالنفط الخام فقط. أما القراءة الحديثة فتفرض علينا أن نراه باعتباره منظومة متكاملة تشمل:

    • إنتاج النفط وتصديره

    • الغاز الطبيعي والغاز المسال

    • الوقود المكرر ومشتقاته

    • الموانئ التجارية

    • النقل البحري والجوي

    • مراكز التخزين وإعادة التصدير

    • سلاسل الإمداد التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا

    لذلك فإن أي تعطيل في منطقة الخليج لا يصيب سلعة واحدة، بل يضرب شبكة مترابطة من المصالح العالمية. وهذا ما يجعل أثره مضاعفاً وسريع الانتشار.

    ثانياً: النفط ليس البداية الوحيدة… وليس النهاية

    حين تتعرض منشآت كبرى أو ممرات بحرية استراتيجية للشلل، تكون أول ردة فعل في الأسواق هي مراقبة أسعار النفط. لكن النفط يختلف عن غيره في نقطة مهمة: يمكن تخزينه نسبياً بصورة أفضل من بعض السلع الأخرى. ولهذا قد لا تكون صدمة النفط، في أيام الأزمة الأولى، هي الأشد مقارنة بقطاعات أخرى أكثر هشاشة.

    الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول الأزمة من اضطراب مؤقت إلى تعطيل مستمر. هنا تظهر أسئلة أكثر خطورة:

    • إلى متى تستطيع الدول المنتجة الاستمرار في الضخ إذا امتلأت السعات التخزينية؟

    • ما الذي يحدث للمنشآت إذا توقف التصدير لفترة طويلة؟

    • كيف ستتصرف الأسواق إذا بدا أن المشكلة ليست أمنية عابرة بل خلل مستدام؟

    عند هذه النقطة، لا يعود الحديث عن “ارتفاع سعر” فقط، بل عن إعادة رسم سلوك الأسواق وخطط الاستثمار والتأمين والنقل.

    ثالثاً: الغاز أكثر حساسية من النفط

    من أهم النقاط التي يغفلها كثيرون أن الغاز أكثر حساسية للأزمات من النفط.

    فالنفط سلعة عالمية مرنة نسبياً من حيث التخزين والنقل وتعدد المناشئ، أما الغاز—خصوصاً المسال منه—فيعتمد على بنية تحتية أكثر تعقيداً: منشآت تسييل، موانئ متخصصة، ناقلات خاصة، ومحطات استقبال.

    ولهذا فإن أي اضطراب في منشآت الغاز الكبرى أو طرق تصديره يمكن أن ينعكس بسرعة أكبر على الأسعار، وعلى الدول والصناعات المعتمدة عليه. وهذه ليست مسألة رفاهية، لأن الغاز يدخل في:

    • توليد الكهرباء

    • الصناعة الثقيلة

    • التدفئة في بعض الدول

    • تشغيل مصانع عديدة مرتبطة بسلاسل إنتاج عالمية

    بمعنى آخر، فإن أزمة الغاز لا تضرب فواتير الطاقة فقط، بل تضرب الإنتاج الصناعي نفسه.

    رابعاً: من الطاقة إلى السماد والغذاء

    هنا تبدأ الأزمة في كشف وجهها الأخطر.

    فالعلاقة بين الخليج والعالم لا تمر فقط عبر الوقود، بل عبر المواد الوسيطة التي يحتاجها الاقتصاد العالمي لكي يستمر. ومن أبرزها الأسمدة.

    أي اضطراب في مرور المواد الأولية أو في إنتاجها أو نقلها ينعكس على قطاع الزراعة العالمي. ومع ارتفاع كلفة الأسمدة، ترتفع كلفة الإنتاج الزراعي، ثم ترتفع أسعار الغذاء، ثم تدفع المجتمعات الأشد فقراً الثمن أولاً.

    وهنا يظهر التفاوت الأخلاقي القاسي في العالم:

    فالأزمة قد تبدأ في ممر بحري أو منشأة طاقة، لكن أثرها النهائي قد يظهر في مائدة أسرة فقيرة في بلد بعيد لا علاقة له بالحرب.

    لهذا لا ينبغي النظر إلى أمن الخليج على أنه مسألة تخص الدول المنتجة وحدها، بل على أنه جزء من الأمن الغذائي العالمي.

    خامساً: الاقتصاد الحديث يقوم أيضاً على سلع “غير مرئية”

    من الأخطاء الشائعة في التفكير الاقتصادي أننا نركز على السلع الكبيرة الظاهرة—النفط، الغاز، القمح—وننسى سلعاً أخرى أقل حضوراً في الخطاب العام لكنها شديدة الأهمية في الواقع، مثل:

    • الهيليوم

    • الأحماض الصناعية

    • المواد الداخلة في التكرير والتعدين

    • المواد الكيميائية الوسيطة

    هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية، بل أعمدة خفية في الاقتصاد المعاصر.

    فالهيليوم مثلاً ليس سلعة ترفيهية؛ بل له استخدامات طبية وبحثية وتقنية. وكذلك بعض المواد الكيميائية تدخل في التعدين والصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة.

    ومن هنا فإن تعطّل الخليج لا يعني فقط أن العالم سيدفع أكثر في محطة الوقود، بل يعني أيضاً أن قطاعات الطب والبحث والتصنيع قد تواجه نقصاً أو كلفة أعلى أو تأخيراً في التوريد.

    سادساً: الموانئ وسلاسل الإمداد… الشريان الذي لا يقل أهمية عن النفط

    في العقود الأخيرة، نشأ اقتصاد عالمي يقوم على السرعة والانسياب. البضائع لا تُخزن طويلاً كما في الماضي، بل تتحرك ضمن سلاسل إمداد دقيقة، وأي اختناق في الموانئ أو الشحن يربك هذه المنظومة كلها.

    إذا تعطلت موانئ رئيسية أو انخفضت قدرتها التشغيلية، فإن النتائج تكون سريعة:

    • تأخر الشحنات

    • ارتفاع تكاليف النقل

    • زيادة كلفة التأمين

    • نقص بعض السلع في الأسواق

    • اضطراب جداول المصانع والمتاجر والخطوط الجوية

    وهنا يصبح الخليج ليس فقط مركز طاقة، بل عقدة لوجستية عالمية.

    وأي خلل في هذه العقدة ينعكس على تجارة تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا وأفريقيا.

    سابعاً: الأثر الإقليمي داخل الخليج قد يكون أعمق من الأثر العالمي خارجه

    العالم سيتأثر بلا شك، لكن سكان الخليج أنفسهم قد يواجهون أسئلة أكثر مباشرة وخطورة.

    فدول الخليج الحديثة بنت ازدهارها على ثلاثة أعمدة:

    • انسياب التجارة

    • أمن الطاقة والمنشآت

    • الثقة بالاستقرار

    إذا اهتزت هذه الأعمدة معاً، فإن التأثير لا يقف عند حدود الأسعار، بل يمس:

    • الوظائف

    • الخدمات

    • الغذاء

    • الثقة في المستقبل

    • حركة السكان والاستثمارات

    كما أن عدداً من اقتصادات الخليج يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة. وأي شعور طويل الأمد بعدم الاستقرار قد يدفع شرائح من هذه العمالة إلى المغادرة أو التردد في البقاء، ما يخلق اختلالاً اقتصادياً واجتماعياً واسعاً.

    بمعنى آخر:

    العالم الخارجي قد يشعر بارتفاع الأسعار، لكن المجتمعات الخليجية نفسها قد تشعر بقلق وجودي حول استمرارية النموذج الاقتصادي الذي قامت عليه خلال العقود الماضية.

    ثامناً: الحرب الحديثة لا تدمر الجبهة فقط… بل تدمر الثقة

    هذه نقطة شديدة الأهمية.

    فالاقتصاد لا يقوم على السلع وحدها، بل يقوم أيضاً على الثقة:

    • ثقة المستثمر

    • ثقة شركات التأمين

    • ثقة الشاحن

    • ثقة المصرف

    • ثقة العامل والمقيم

    وعندما تدخل منطقة حيوية مثل الخليج في دائرة الاستهداف المستمر، فإن الضرر قد لا يكون فقط في المنشأة المصابة، بل في انكماش الثقة نفسها. وعندما تتراجع الثقة، ترتفع كلفة كل شيء:

    • التمويل

    • التأمين

    • الشحن

    • التشغيل

    • الاستثمار المستقبلي

    وهذا هو الضرر الذي قد يمتد حتى بعد انتهاء الأزمة العسكرية الظاهرة.

    تاسعاً: الخليج ليس قصة نفط… بل اختبار لهشاشة العولمة

    ما تكشفه هذه الأزمات في الحقيقة هو أن العولمة، رغم قوتها، ما زالت هشة.

    فالعالم الذي يبدو مترابطاً ومتيناً، قد يتعثر بسبب اختناق في نقطة بحرية واحدة، أو توقف منشأة واحدة، أو ارتباك في عدة موانئ رئيسية.

    هذه الهشاشة لا تعني أن النظام العالمي سينهار فوراً، لكنها تعني أن كثيراً من التصورات التي بنتها الأسواق عن “الاستقرار الدائم” قد تكون مبالغاً فيها. وقد تدفع مثل هذه الأزمات الدول والشركات إلى:

    • تنويع مصادر التوريد

    • زيادة المخزون الاستراتيجي

    • إعادة توزيع مراكز الإنتاج

    • مراجعة الاعتماد المفرط على ممرات محددة

    أي أن الأزمة لا تغير الأسعار فقط، بل قد تغير فلسفة الاقتصاد العالمي نفسه.

    عاشراً: ماذا نتعلم سياسياً من ذلك؟

    الدرس الأهم أن الحروب في المناطق الحيوية لم تعد شأناً عسكرياً محدوداً.

    فكل صاروخ أو طائرة مسيّرة أو تعطيل لميناء في الخليج لم يعد حدثاً إقليمياً معزولاً، بل صار رسالة مباشرة إلى الاقتصاد العالمي كله.

    ومن هنا فإن استقرار الخليج ليس مطلباً أخلاقياً فقط، بل ضرورة استراتيجية واقتصادية للعالم بأسره.

    كما أن أي طرف يستهين بإشعال هذه الجبهة يغامر بإطلاق سلسلة من الآثار قد لا يستطيع لاحقاً التحكم بها، لأن الأسواق، حين تفقد الطمأنينة، تتصرف بمنطق الخوف لا بمنطق الحسابات الهادئة.

    خاتمة

    الخليج إذا اهتز، لا يهتز بسبب النفط وحده، بل لأن العالم كله أصبح مشدوداً إليه بخيوط لا يراها الجميع: الطاقة، الغذاء، الغاز، التجارة، الطب، الصناعة، الملاحة، الثقة، والعمالة.

    لهذا فإن الأزمة في الخليج ليست مجرد عنوان عن ارتفاع الأسعار، بل مرآة تكشف إلى أي حد صار العالم مترابطاً، وإلى أي حد صار هذا الترابط نفسه مصدراً للضعف حين تضربه الحرب.

    وفي تقديري، فإن أخطر ما في أي اضطراب واسع في الخليج ليس فقط ما يدمره مباشرة، بل ما يكشفه من حقيقة كبرى:

    أن العالم الحديث، رغم ضخامته، قد يصبح هشاً جداً إذا اختنق أحد شرايينه الرئيسية.