الكاتب: importuser

  • خاطرة الجمعةالعجوز والبحر… ومضيق هرمز د علاء محمود التميمي

    د علاء محمود التميمي

    نيسان ٢٠٢٦

    هناك لحظات في التاريخ لا تُفهم عبر البيانات والتقارير، بل عبر الأدب. لحظات تحتاج إلى قصة، إلى استعارة، إلى رجلٍ وحيد في عرض البحر يواجه قدره.

    وهنا، تعود بنا الذاكرة إلى رواية «الشيخ والبحر»—ذلك النص المكثّف الذي كتبه إرنست همنغواي، حيث لا يحدث الكثير ظاهريًا، لكن كل شيء يحدث في الداخل.

    العجوز سانتياغو لا يخرج للصيد فقط.

    يخرج ليختبر نفسه، ليعيد تعريف معنى القوة، ومعنى الكرامة، ومعنى الصمود.

    إذا نقلنا هذه الصورة من بحر الرواية إلى واقعنا، نجد مشهدًا آخر، لا يقل كثافة:

    مضيق هرمز—ليس مجرد ممر مائي، بل نقطة تختصر العالم كله.

    هنا، لا تتحرك السفن فقط، بل تتحرك معها حسابات السياسة، وموازين القوة، وأعصاب الاقتصاد العالمي.

    وفي هذا المسرح، يمكن أن نرى أصداء الرواية تتكرّر:

    • البحر… لم يعد ماءً فقط، بل مجالًا للقوة والاختبار.

    • السمكة… لم تعد كائنًا حيًا، بل خصمًا عنيدًا، يرفض أن يُختزل إلى هدف سهل.

    • والعجوز… لم يعد صيادًا بسيطًا، بل إرادة سياسية تحاول أن تثبت نفسها في مواجهة واقع معقّد.

    في رواية همنغواي، لم تكن السمكة مجرد صيد.

    كانت خصمًا يفرض الاحترام، قوة صامتة، تُقاوم دون ضجيج، وتستنزف من يواجهها.

    وهذا بالضبط ما يجعل الاستعارة مغرية:

    في مضيق هرمز، ليست المواجهة دائمًا صاخبة، لكنها عميقة.

    هناك صراع لا يُحسم بضربة واحدة، بل يتشكّل عبر الزمن، عبر الصبر، عبر القدرة على التحمل.

    أما العجوز—ذلك الرجل الذي يرفض الاعتراف بالهزيمة—فهو أكثر الشخصيات إنسانية في الأدب الحديث.

    ليس لأنه انتصر، بل لأنه استمر.

    وفي عالم السياسة، نرى هذا النموذج يتكرّر:

    إرادة تُراهن على القوة، على الضغط، على فرض الإيقاع.

    لكن كما في الرواية، ليست المشكلة في بدء المعركة…

    بل في القدرة على تحمّل نهايتها.

    الدرس الذي تمنحنا إياه الرواية ليس بسيطًا، لكنه عميق:

    قد تنتصر…

    لكنك قد تعود بما يشبه الهيكل فقط.

    في النهاية، عاد سانتياغو ومعه عظمة السمكة، لا لحمها.

    انتصارٌ معنوي، وخسارةٌ مادية.

    كرامة محفوظة، وثمن مدفوع.

    أليس هذا ما يحدث كثيرًا في صراعات العالم؟

    ما يجعل «الشيخ والبحر» رواية خالدة ليس أحداثها، بل صدقها الداخلي.

    هي ليست عن البحر، بل عن الإنسان حين يُختبر.

    ليست عن الصيد، بل عن المعنى.

    ولهذا، حين ننظر إلى مضيق هرمز، أو إلى أي صراع معاصر، قد لا نجد في التحليل السياسي وحده ما يكفي.

    نحتاج إلى همنغواي لنفهم ما لا يُقال.

    ربما لهذا السبب، تبقى هذه الرواية دعوة مفتوحة:

    أن نقرأ العالم…

    كما لو كان قصة.

    وأن نعيد قراءة القصة…

    كما لو كانت العالم نفسه.

  • تكريمُ الأممِ لعلمائها… بين الذاكرة الحيّة والنسيان المؤلم

    د. علاء محمود التميمي

    نيسان ٢٠٢٦

    في مسيرة الأمم، لا تُقاس النهضة بما يُشيَّد من أبنية فحسب، بل بما يُشيَّد في الذاكرة الجماعية من تقديرٍ للعلم والعلماء. فالعالِم، في جوهره، ليس منتج معرفةٍ فحسب، بل صانعُ معنى، ومهندسُ مستقبل. ومن هنا، تتفاوت الأمم لا في عدد علمائها فقط، بل في قدرتها على صون إرثهم وترسيخه في الوعي العام.

    في أوروبا وأمريكا، لا يُترك العالِم طيَّ النسيان. هناك منظومة متكاملة تجعل من العلم جزءًا من الهوية الوطنية. في فرنسا، لا يُختصر تكريم العلماء في نصبٍ تذكاري أو شارعٍ يحمل اسمًا، بل يمتد إلى صميم المؤسسات الأكاديمية نفسها. فقد حملت جامعة باريس السادسة التي حصلت منها على شهادة الدكتوراه في الهندسة عام ١٩٨٥ اسم بيير وماري كوري، تخليدًا لإسهاماتهما في الفيزياء والكيمياء، وكأن كل طالبٍ يدخلها يمرّ أولًا عبر ذاكرة العلم. أما في بريطانيا، فإن إرث إسحاق نيوتن لا يقتصر على الكتب، بل يتجلى في مؤسسات علمية، ومنح دراسية، وتماثيل تُذكّر الأجيال بأن هذا الرجل غيّر فهمنا للكون.

    وفي الولايات المتحدة، يتحول العلماء إلى رموز وطنية حيّة: أسماء مثل توماس إديسون ونيكولا تسلا تُخلّد في المتاحف، وتُدرّس في المناهج، وتُستثمر في الثقافة الشعبية، حتى يصبح العلم جزءًا من الهوية الوطنية. الجامعات تُسمّي قاعاتها ومختبراتها بأسماء الرواد، والجوائز تُمنح بأسمائهم، والمدينة نفسها تحتفي بهم كأبناءٍ بارّين.

    هذه الممارسات ليست مجرد احتفاء رمزي، بل هي سياسة ثقافية عميقة: رسالة دائمة للأجيال بأن طريق التقدّم يمر عبر المعرفة، وأن العالِم هو أحد أعمدة الكرامة الوطنية.

    في المقابل، نجد في العراق – مع الأسف – أن هذا التقليد ضعيف أو شبه غائب. لدينا تاريخ زاخر بعلماء ومفكرين أسهموا في بناء المعرفة، قديمًا وحديثًا، لكن أسماءهم لا تحضر في الفضاء العام كما ينبغي.

    يكفي أن نستذكر من تراثنا العلمي أسماء خالدة مثل:

    • الخوارزمي، الذي أسّس علم الجبر وفتح الباب أمام الرياضيات الحديثة.

    • ابن الهيثم، رائد علم البصريات والمنهج العلمي التجريبي.

    • الرازي، أحد أعظم الأطباء في التاريخ.

    وفي العصر الحديث، برز علماء عراقيون كان لهم حضور علمي رفيع، منهم:

    • الدكتور عبد الجبار عبد الله، عالم الفيزياء ورئيس جامعة بغداد الأسبق عام ١٩٥٨ و الدكتور عبد العزيز الدوري اول رئيس لجامعة بغداد ١٩٤٩ و الدكتور جعفر ضياء جعفر، أحد أبرز علماء الفيزياء والدكتور مهدي حنتوش في الهيدروليك، ممن تركوا بصمات علمية واضحة في تخصصاتهم.

    كذلك الدكتور فيصل الوائلي عالم الآثار والدكتور كمال السامرائي في الطب، وغيرهم من الكفاءات التي خدمت الإنسانية من مواقع مختلفة.

    هذه الأسماء ليست مجرد شخصيات في كتب التاريخ، بل هي نماذج حيّة لما يمكن أن يقدّمه العقل العراقي حين تتوفر له البيئة المناسبة.

    لكن السؤال المؤلم: أين هي هذه الأسماء اليوم في فضائنا العام؟

    كم شارعًا يحمل اسم عبد الجبار عبد الله؟

    كم مؤسسة تعليمية تُخلّد ابن الهيثم؟

    وكم طالبًا يعرف اليوم من هو الدكتور مهدي حنتوش ؟

    المشكلة ليست في غياب العلماء، بل في غياب ثقافة التكريم المؤسسي. لقد انصرف الاهتمام العام، في كثير من الأحيان، إلى السياسيين أو نجوم الفن والرياضة، بينما بقي العلماء في الظل، رغم أن أثرهم هو الأعمق والأبقى.

    إن إعادة الاعتبار للعلماء ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة استراتيجية. فالأمة التي لا تُكرّم علمها، تُضعف دافع الإبداع لدى أبنائها. أما حين يرى الشاب أن العالِم يُحتفى به، وتُخلّد ذكراه، وتُروى سيرته، فإنه يدرك أن للعلم مكانة، وأن طريق الاجتهاد ليس طريقًا منسيًا.

    ما الذي يمكن فعله؟

    يمكن البدء بخطوات عملية واضحة:

    • تسمية الشوارع والمؤسسات التعليمية بأسماء العلماء العراقيين.

    • إدراج سيرهم وإنجازاتهم في المناهج الدراسية.

    • إنشاء جوائز علمية وطنية تحمل أسماءهم.

    • توثيق أعمالهم في متاحف ومراكز بحثية.

    • إنتاج محتوى إعلامي وثقافي يُعرّف بهم للأجيال الجديدة.

    إن تكريم العلماء هو في جوهره تكريم للعقل، وإعلانٌ بأن الأمة اختارت أن تبني مستقبلها على المعرفة لا على الضجيج. ولعل أول خطوة في هذا الطريق هي أن نستعيد أسماءنا المنسية، ونمنحها المكانة التي تستحقها في ذاكرة الوطن.

    رحم الله من رحل منهم، وحفظ من بقي، وجعل العلم في بلادنا قيمةً يُحتفى بها، لا ذكرى تُستعاد.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

  • حين تصبح الحماية الأمريكية عبئًا: تأملات في حربٍ تعيد صياغة العالم

    د.علاء محمود التميمي

    نيسان ٢٠٢٦

    في الحروب التقليدية، تُقاس النتائج بعدد الضحايا، ومساحة الخراب، وحجم الخسائر الاقتصادية. أما في الحروب التي تُخطئ في منطقها منذ البداية، فإن آثارها تمتد أبعد من ذلك بكثير؛ إذ لا تكتفي بإعادة رسم خرائط القوة، بل تُعيد تشكيل الثقة ذاتها التي يقوم عليها النظام الدولي. وهذا بالضبط ما نلمسه اليوم في تداعيات الحرب بين امريكا واسرائيل وايران المتوقفة حاليا بهدنة لمدة ١٥ يوم .

    الجميع يتسائل عن تضرر دول الخليج العربية و ماذا يحدث حين تتوقف الحرب باتفاق بين امريكا وايران و تكتشف هذه الدول أن الحماية التي اعتمدت عليها لعقود قد تحولت، في لحظة ما، إلى مصدر خطر؟

    على امتداد عقود، قامت معادلة الخليج على افتراض واضح: الأمن مقابل التحالف. كانت الولايات المتحدة تمثل المظلة التي تضمن الاستقرار، وتُوازن التهديدات الإقليمية، وتمنح حلفاءها هامشًا واسعًا من الطمأنينة الاستراتيجية. غير أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة هذه المعادلة، حين بدا أن ذات القوة التي يُفترض أن تحمي، قادرة أيضًا—بقرار واحد—على جرّ المنطقة إلى مواجهة واسعة، دون أن تكون دولها طرفًا في قرارها.

    هنا يبدأ التحول الحقيقي.

    فالدول لا تُعيد حساباتها بسبب الخسائر فقط، بل بسبب انكشاف الفرضيات التي قامت عليها سياساتها. والخليج اليوم، كما يبدو، يقف أمام معضلة مركبة: لا يستطيع الانفصال عن الولايات المتحدة، لكنه لم يعد قادرًا على الوثوق الكامل بها. وبين هذا وذاك، ينشأ فراغ استراتيجي بالغ الخطورة.

    في مثل هذه اللحظات، لا تبحث الدول عن الحلفاء بقدر ما تبحث عن تقليل المخاطر. ولهذا، ليس من المستغرب من ناحية الواقعية السياسية أن تتجه بعض العواصم الخليجية مستقبلا إلى تخفيف التوتر مع إيران، لا بدافع التقارب الأيديولوجي، بل من باب البراغماتية الصرفة: تجنب الخسائر إذا تكررت الكارثة.

    لكن المفارقة أن هذا التحول لا يعكس قوة في القرار بقدر ما يعكس ضيق الخيارات. فالعالم الذي يتشكل اليوم لا يقدم بدائل جاهزة. الصين، رغم حضورها الاقتصادي، لم تتحول بعد إلى مظلة أمنية. وأوروبا، الغارقة في أزماتها، تبدو أبعد من أن تكون شريكًا استراتيجيًا كاملاً. وهكذا تجد دول الخليج نفسها في منطقة رمادية: بين تحالف لم يعد موثوقًا بالكامل، وبدائل لم تكتمل شروطها بعد.

    غير أن تداعيات هذه الحرب لا تتوقف عند حدود الخليج . فحين تنقل الولايات المتحدة خلال هذه الحرب مواردها العسكرية من اليابان وكوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، فإنها لا تُعيد ترتيب أولوياتها فحسب، بل تُرسل رسالة ضمنية إلى حلفائها في أماكن أخرى: أن التزاماتها قابلة لإعادة التفسير وفقًا لاعتبارات اللحظة.

    وهنا يبدأ التآكل البطيء في الثقة.

    اليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، قد لا تعلنان شكوكهما صراحة، لكنهما تدركان أن المظلة الأمنية—بما في ذلك النووية—لم تعد بالصلابة التي كانت تُفترض. أما أوروبا، التي تعيش أصلًا توترًا متصاعدًا مع واشنطن، فقد تجد في هذه الحرب دليلًا إضافيًا على ضرورة إعادة تعريف علاقتها عبر الأطلسي، وربما التحرر التدريجي من تبعيتها الاستراتيجية.

    إنها لحظة يعاد فيها طرح سؤال قديم بصيغة جديدة:

    هل يمكن لحليف أن يكون مصدر تهديد؟

    في العمق، تكشف هذه الحرب عن خلل أعمق من مجرد سوء تقدير عسكري. إنها أزمة في منظومة اتخاذ القرار ذاتها. فالأدبيات الاستراتيجية، منذ عقود، تُحذر من محدودية القوة الجوية في تحقيق تغيير سياسي جذري. وتجارب التاريخ—من فيتنام إلى العراق—تؤكد أن إسقاط الأنظمة ليس عملية تقنية تُنجز بالقصف، بل معادلة معقدة تتشابك فيها السياسة والمجتمع والهوية.

    ومع ذلك، جرى اتخاذ القرار وكأن هذه الحقائق غير موجودة و تصبح الحرب أقرب إلى مقامرة منها إلى استراتيجية. وهنا، لا يكون الفشل احتمالًا، بل نتيجة شبه حتمية.

    ولعل من نتائج هذه الحرب ايضا أنها لا تُضعف خصمًا بعينه بقدر ما تُضعف الهيمنة الأمريكية فحين يشعر الحلفاء بالقلق، والخصوم بالجرأة، والفاعلون الدوليون بالحيرة، فإن التوازن الذي حكم العالم لعقود يبدأ في التفكك، ولو ببطء.

    في مثل هذا السياق، يستعيد المرء مقولة قديمة تُنسب إلى كيسنجر:

    “ليس هناك ما هو أسوأ من أن تكون عدوًا للولايات المتحدة… إلا أن تكون حليفًا لها.”

    قد تبدو العبارة مبالغًا فيها، لكنها تكتسب اليوم معنى جديدًا. ليس لأن الحلف أصبح عبئًا دائمًا، بل لأنه لم يعد ضمانة مطلقة. وهذا التحول، بحد ذاته، كفيل بإعادة تشكيل سلوك الدول، وربما رسم ملامح نظام دولي جديد .

    في النهاية، قد تتوقف هذه الحرب، وقد تُرمم بعض الجسور، وقد تعود الأمور ظاهريًا إلى ما كانت عليه. لكن ما انكسر في العمق—وهو الثقة—لا يُعاد بناؤه بسهولة.

    ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من ربح هذه الحرب؟

    بل: أي عالمٍ سنستيقظ عليه بعدها؟

    نشر المقال في مدونة الدكتور علاء التميمي

  • بين المستنصرية وهارفارد: من أسّس فكرة الجامعة… ومن طوّرها؟

    بين المستنصرية وهارفارد: من أسّس فكرة الجامعة… ومن طوّرها؟

    ا.د علاء محمود التميمي

    نيسان ٢٩٢٦

    حين يُذكر التعليم العالي في الوعي المعاصر، تقفز إلى الذهن أسماء الجامعات الغربية الكبرى، وفي مقدمتها هارفارد، بوصفها رمزًا للمعرفة الحديثة، والبحث العلمي، والنخبة الأكاديمية. غير أن هذا التصور، على وجاهته في جانب منه، يبقى ناقصًا إذا أغفل سؤالًا أكثر عمقًا: هل الجامعة الحديثة اختراع غربي خالص، أم أن جذورها الحضارية أقدم وأوسع من ذلك؟

    هنا تبرز المدرسة المستنصرية في بغداد، لا باعتبارها أثرًا معماريًا أو صفحة من التاريخ العباسي فحسب، بل باعتبارها شاهدًا على أن العالم الإسلامي قد عرف، قبل قرون طويلة من نشوء كثير من الجامعات الغربية الحديثة، نموذجًا مؤسسيًا متقدمًا للتعليم، جمع بين العلم والعمارة والخدمة الاجتماعية والهوية الحضارية. فالمدرسة المستنصرية أُسست سنة 1233م في بغداد في عهد الخليفة العباسي المستنصر بالله، في حين تأسست جامعة هارفارد سنة 1636م، أي بعد المستنصرية بنحو أربعة قرون.

    ليست المقارنة هنا دعوة إلى مفاخرة عاطفية، ولا محاولة لإلغاء ما أنجزه الغرب الحديث في تنظيم المعرفة وتطوير البحث العلمي، بل هي محاولة لإعادة ترتيب الذاكرة: من العدل أن نقر بأن المستنصرية تمثل مرحلة مبكرة وناضجة في تاريخ الجامعة بوصفها مؤسسة حضارية، بينما تمثل هارفارد مرحلة متقدمة من تطور الجامعة الحديثة بوصفها مؤسسة بحثية عالمية.

    الجامعة كفكرة حضارية

    في المستنصرية، لم يكن التعليم نشاطًا معزولًا عن روح المجتمع والدولة والعمران. المبنى نفسه كان يعبر عن الفكرة: فناء مركزي، إيوانات، غرف للدارسين، انتظام داخلي، وتكامل بين الوظيفة والجمال. لقد كانت الجامعة هنا مكانًا لتكوين الإنسان، لا مجرد مرفق لمنح الشهادات. كانت المعرفة جزءًا من رؤية كبرى للعالم، يتجاور فيها العلم والدين، والعقل والقيمة، والمعمار والرسالة.

    أما هارفارد، فقد نشأت في سياق مختلف: سياق الدولة الحديثة، والتوسع المؤسسي، والتخصصات الأكاديمية الدقيقة، ثم تحولت مع الزمن إلى واحد من أهم مراكز إنتاج المعرفة في العالم. قوتها لا تكمن فقط في تاريخها، بل في قدرتها على تطوير البحث، وصناعة النخب، وربط الجامعة بالاقتصاد والدولة والتأثير العالمي. وإذا كانت المستنصرية تمثل الجامعة بوصفها مركز إشعاع حضاري، فإن هارفارد تمثل الجامعة بوصفها محركًا استراتيجيًا لإنتاج المعرفة والسلطة الناعمة.

    من العمارة إلى الفلسفة

    الفرق بين المؤسستين ليس زمنيًا فقط، بل فلسفي أيضًا. فالمستنصرية تعكس عالمًا يرى العلم جزءًا من انتظام الكون والمجتمع، لذلك جاء تخطيطها المعماري منغلقًا على مركزه، وكأن المعرفة تبدأ من الداخل، من السكينة، من النظام، من الانتماء. أما الجامعات الحديثة الكبرى، مثل هارفارد، فتعكس عالمًا أكثر انفتاحًا وتشعبًا وتخصصًا؛ عالمًا تتحرك فيه الكليات والمختبرات ومراكز الأبحاث ضمن شبكة واسعة من العلاقات المحلية والعالمية.

    في المستنصرية، كان الحيز المعماري يحمل المعنى؛ الجدران السميكة، الصحن الداخلي، الظلال، والزخارف كلها لم تكن ترفًا شكليًا، بل جزءًا من فلسفة المكان. وفي هارفارد، يغلب على الحرم الجامعي منطق التوسع الوظيفي والتعدد المعرفي والانفتاح المكاني. هناك فرق بين جامعة تريد أن تصوغ عالمًا متكاملًا داخل جدرانها، وجامعة تريد أن تتفاعل مع عالم مفتوح بلا حدود.

    من سبق من؟

    إذا كان المقصود بالسؤال: من سبق في إنشاء مؤسسة تعليم عالٍ منظمة، فإن المستنصرية تقف بوضوح في موقع متقدم تاريخيًا. أما إذا كان المقصود: من نجح في تطوير الجامعة الحديثة إلى ذروة عالمية في البحث والتأثير، فإن هارفارد تمثل هذا الإنجاز دون شك. من هنا، فإن المقارنة النزيهة لا تقوم على نفي أحد الطرفين، بل على فهم اختلاف المرحلة والوظيفة والسياق.

    لقد سبقت المستنصرية هارفارد زمنيًا، لكن هارفارد سبقت كثيرًا من جامعات العالم المعاصر في تحويل الجامعة إلى مؤسسة عالمية التأثير. الأولى تعلمنا أن الحضارة الإسلامية لم تكن هامشًا في تاريخ المعرفة، والثانية تعلمنا أن من يطوّر المؤسسة ويجددها يملك القدرة على قيادة العصر.

    الحاجة إلى استعادة التوازن

    المشكلة في وعينا الثقافي اليوم ليست أننا نعترف بتميز الجامعات العالمية الحديثة، بل أننا نفعل ذلك أحيانًا على حساب ذاكرتنا الحضارية. نحن لا نحتاج إلى تمجيد الماضي على حساب الحاضر، ولا إلى تمجيد الحاضر على حساب الماضي؛ نحن نحتاج إلى تركيب فكري يعترف بأن الأمة التي أنشأت المستنصرية قادرة، من حيث المبدأ، على أن تنشئ جامعة معاصرة تضاهي هارفارد، إذا استعادت شروط الفعل: الرؤية، والإدارة، والحرية، والبحث، والاستثمار في الإنسان.

    المستنصرية تقول لنا إننا كنا نملك فكرة الجامعة. وهارفارد تقول لنا إن النجاح لا يكفي أن يبدأ مبكرًا، بل يجب أن يستمر ويتطور ويتجدد. بينهما درس بالغ الأهمية: الحضارات لا تُقاس فقط بمن بدأ أولًا، بل بمن حافظ على الفكرة وطوّرها وأعاد إنتاجها في كل عصر.

    خاتمة

    ليست المقارنة بين المستنصرية وهارفارد مسابقة بين أنقاض الماضي ومختبرات الحاضر، بل هي حوار بين مرحلتين من تاريخ العقل الإنساني. المستنصرية دليل على أن بغداد كانت يومًا منارة للعلم والعمران والجامعة. وهارفارد دليل على أن المؤسسة التعليمية، حين تجد من يراكم عليها ويحدثها، تستطيع أن تتحول إلى قوة عالمية.

    الإنصاف يقتضي أن نقول:

    المستنصرية أسست مبكرًا معنى الجامعة الحضارية، وهارفارد طورت باقتدار معنى الجامعة الحديثة.

    وبين هذين المعنيين، تقف أمتنا اليوم أمام سؤال مصيري:

    هل نكتفي بالافتخار بأننا بدأنا مبكرًا، أم نبدأ من جديد لنصنع جامعة تليق بتاريخنا وعصرنا معًا؟

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

  • هدنة ال ١٥ يوم : قراءة في توازن القلق بين واشنطن وطهران

    د. علاء محمود التميمي

    نيسان ٢٠٢٦

    في لحظةٍ بدت فيها المنطقة على حافة انزلاقٍ واسع نحو مواجهة مفتوحة، جاء الإعلان المتزامن من واشنطن وطهران عن هدنة لمدة خمسة عشر يومًا، يترافق – كالمعتاد – مع إعلان الطرفين تحقيق “النصر”. غير أن القراءة الهادئة، خارج ضجيج الخطاب السياسي، تكشف أن ما جرى لا يندرج في خانة الانتصارات، بل في نطاقٍ أكثر تعقيدًا: إدارة التراجع دون الاعتراف به.

    هذه الهدنة، في جوهرها، ليست اتفاقًا، بل تعليقٌ مؤقت لصراعٍ بلغ سقف كلفته. فحين تتقاطع حدود القوة مع حدود الاحتمال، يصبح التوقف ليس خيارًا أخلاقيًا أو سياسيًا، بل ضرورة عملياتية. لا أحد هنا انتصر، لكن الجميع أدرك أن الاستمرار قد يقود إلى ما لا يمكن احتواؤه.

    من الناحية الاستراتيجية، يمكن توصيف هذه اللحظة بأنها توازن ردع هش:

    الولايات المتحدة – ومعها إسرائيل – لم تتمكن من فرض حسم سريع يعيد تشكيل قواعد الاشتباك، وإيران، رغم قدرتها على الإيلام، لم تملك أدوات نقل المعركة إلى مستوى يغيّر ميزان القوى جذريًا. وهكذا، وجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة كلاسيكية: القدرة على التصعيد موجودة، لكن كلفته تتجاوز العائد المتوقع.

    أما إعلان “النصر” من كلا الجانبين، فلا ينبغي أن يُقرأ كتناقض بقدر ما هو انعكاس لقانون ثابت في الحروب الحديثة: إدارة الرواية لا تقل أهمية عن إدارة الميدان. في الداخل الأمريكي، لا بد من تأكيد الهيبة ومنع انطباع التراجع. وفي الداخل الإيراني، لا بد من تثبيت سردية الصمود والردع. وبين السرديتين، تضيع الحقيقة البسيطة: لم يُهزم أحد، لكن أحدًا لم ينتصر.

    اللافت أن مدة الهدنة – خمسة عشر يومًا فقط – تحمل دلالتها بوضوح. فهي ليست زمنًا لبناء الثقة، بل فترة اختبار نوايا، أقرب إلى “استراحة مسلحة” منها إلى مسار تهدئة مستقر. إنها مهلة لإعادة التموضع، سياسيًا وعسكريًا، وربما اقتصاديًا، في ظل إدراك عميق لدى الطرفين بأن أي خطأ في الحساب قد يعيد إشعال المواجهة بوتيرة أعلى.

    في العمق، تعكس هذه الهدنة تحوّلًا مهمًا في طبيعة الصراع: من البحث عن الحسم إلى إدارة المخاطر. فالمسألة لم تعد من يربح الحرب، بل من يستطيع منعها من التوسع. وهنا تحديدًا تتقاطع حسابات الطاقة، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الأسواق العالمية، مع الحسابات العسكرية البحتة. إن مضيق هرمز، في هذا السياق، ليس مجرد ممر مائي، بل خط تماس عالمي، وأي عبث به يتجاوز الإقليم ليطال النظام الاقتصادي الدولي برمّته.

    لذلك، يمكن القول إن هذه الهدنة تمثل لحظة إدراك مشتركة – وإن لم يُعلن عنها – بأن الصراع خرج من نطاق السيطرة التقليدية، وأن أدوات القوة الصلبة لم تعد كافية لتحقيق أهداف سياسية دون أثمان باهظة.

    ما نشهده باختصار ليس نهاية مواجهة، ولا حتى بداية سلام، بل:

    تجميدٌ مؤقت لصراعٍ مفتوح، فرضه توازن الردع وخشية الانزلاق إلى حربٍ لا يملك أيٌّ من أطرافها القدرة على احتوائها.

    وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس النجاح بما تحقق، بل بما تمّ تفاديه.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

  • حين تدخل مفردة تدمير الحضارة في خطاب الحربقراءة في أخطر تعبير سياسي معاصر

    د علاء محمود التميمي

    نيسان ٢٠٢٦

    ليست المشكلة في الحروب الحديثة أنها تقتل البشر فقط، أو تدمر الجسور والمطارات ومحطات الكهرباء، بل في أنها بدأت تُصاغ بلغة تتجاوز حدود الحرب نفسها، لتلامس معنى الوجود الإنساني كله. وهذا بالضبط ما يجعل العبارة التي وردت في تغريدة امس للرئيس ترامب

    “civilization will die”.

    هذه ليست جملة عابرة في سياق سجال سياسي. إنها عبارة تضعنا مباشرة أمام مفردة نادرًا ما تُستعمل في الخطاب اليومي للقادة: قتل الحضارة. فحين ينتقل الكلام من هزيمة خصم، أو معاقبة دولة، أو حتى إسقاط نظام، إلى الحديث عن “قتل الحضارة”، فإننا لا نكون أمام تهديد عسكري تقليدي، بل أمام لغة أبوكاليبسية، Apocalyptic من اليونانية تعني خطاب يستخدم مفردات قصوى لوصف الأحداث وهي مفردة تعني الصورة النهاية الشاملة، لا مجرد النصر أو الهزيمة.

    هذه العبارة لم تستخدم من رئيس في وقت الحرب في التاريخ الحديث

    وهذا التوصيف، على شدته، يعكس إدراكًا بأن الخطر لم يعد في القرار العسكري وحده، بل في الخيال السياسي الذي يسبق القرار ويبرره.

    ماذا يعني أن يتحدث إنسان، أيًّا كان موقعه، بلغة توحي بامتلاك قدرة تقرير مصير الحضارة؟

    وهنا تكمن جوهر المسألة: الإنسان المعاصر، بفضل القوة العسكرية والتكنولوجية، بات قادرًا على إلحاق دمار هائل بالحياة، لكنه ما يزال عاجزًا عن ادعاء الحكمة التي تمنحه حق استخدام تلك القدرة بلا حدود.

    ومن هنا أيضًا يمكن الربط المباشر بين هذا النوع من الخطاب وبين شبح السلاح النووي. أن فتح الباب أمام هذا المستوى من التهديد هو اللحظة التي يصبح فيها الحديث عن الإنسانية نفسها مشروعًا وضروريًا.

    أي أن المسألة لم تعد خلافًا جيوسياسيًا بين دول، بل احتمال انزلاق البشرية إلى نقطة تفقد فيها السياسة عقلها، ويتحول الردع إلى تهور، والقوة إلى غواية تدمير شامل لعصر صار فيه القرار بيد قلة من البشر قادرًا على تهديد مدن كبرى، وشعوب كاملة، وتراكمات تاريخية وثقافية عمرها قرون. فالحضارات لا تختصر في الأبنية والمتاحف، بل في الذاكرة، واللغة، والرمز، والقدرة الجمعية على الاستمرار. وعندما تدخل هذه كلها في مرمى التهديد، يصبح من المشروع أن نسأل: هل ما زلنا في حقل السياسة، أم أننا دخلنا منطقة العدم؟

    وهنا أُشير إلى قصة نبوءة دلفي وهي مجموعة من التنبؤات أو الإجابات الغامضة التي كانت تصدر عن كاهنة تُعرف باسم بيثيا (Pythia) في معبد الإله أبولو بمدينة دلفي في اليونان القديم.أوهمت دلفي الملك كرويسوس بأنه إذا عبر النهر سيدمر إمبراطورية عظيمة، لكنه اكتشف لاحقًا أن الإمبراطورية التي دُمّرت كانت إمبراطوريته .

    وهذه الإشارة، على بساطتها، تذكّر بحقيقة قديمة تتكرر في كل عصر: من يندفع إلى تدمير الآخرين بلغة الغطرسة، قد يكون في الحقيقة يكتب بداية تدمير نفسه فالتاريخ لا يرحم من يظن أن القوة تكفي وحدها لتقرير مصير الأمم .

    إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب ليس فقط ما يعلنه، بل ما يكشفه عن تحول في أخلاقيات السلطة. فعندما يصبح الحديث عن الحضارة الإنسانية جزءًا من قاموس الحرب، نكون قد تجاوزنا منطق المصالح إلى منطق أكثر ظلمة: منطق الاستباحة الشاملة، حيث يُعاد تعريف البشر والثقافات والمدن بوصفها عناصر قابلة للمحو في لعبة القوة.

    لهذا فإن الواجب الفكري والأخلاقي اليوم ليس الاصطفاف الأعمى لهذا الطرف أو ذاك، بل الدفاع عن مبدأ يطبق على الجميع: أن الحضارة الإنسانية ليست مادة للابتزاز السياسي ولا للتهديد العسكري. وأن من يتحدث عن إفناء الحضارة، أو يلوّح بما يقود إلى ذلك، لا يكشف فقط عن عنف في الموقف، بل عن خلل في تصور الإنسان لحدود سلطته على العالم.

    في النهاية، قد تكون الحروب قديمة قدم التاريخ، لكن الجديد في عصرنا أن الإنسان صار قادرًا على تدمير ما لم تستطع جيوش القرون الماضية تدميره. ولهذا فإن أخطر سلاح ليس الصاروخ وحده، بل اللغة التي تبرر إطلاقه. وحين تدخل “الحضارة” في خطاب الحرب، يصبح من حقنا أن نقلق، لا على دولة بعينها فقط، بل على المعنى نفسه الذي يجعلنا بشرًا.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • مهلة ترامب…وبداية الفصل الأخطر

    د. علاء محمود التميمي

    نيسان ٢٠٢٦

    ليست المشكلة في مهلة يطلقها رئيس أمريكي، ثم تنتهي عند ساعة محددة. المشكلة الحقيقية هي ما الذي يحدث حين تتحول المهلة السياسية إلى عتبة عسكرية، وحين يصبح التهديد العلني بتدمير البنية التحتية لدولة كبيرة جزءًا من إدارة الحرب نفسها. حتى صباح الثلاثاء 7 نيسان 2026، المعطيات المعلنة تقول إن ترامب عدّ مهلة مساء الثلاثاء نهائية، وربط عدم فتح مضيق هرمز بهجمات واسعة على منشآت إيرانية، بينما رفضت طهران وقفًا مؤقتًا للنار وأصرت على تسوية دائمة بشروطها.

    من منظور عسكري بحت، لا تعني نهاية المهلة أن الحرب ستُحسم، بل تعني على الأرجح أنها ستنتقل من طور الضغط والردع إلى طور آخر أكثر قسوة: طور كسر الإرادة الوطنية والبنية التشغيلية للدولة. فحين يجري التلويح بضرب الجسور ومحطات الكهرباء وسائر العقد الحيوية، فإن الهدف لا يكون احتلال الأرض، بل إنهاك الدولة، وشل الحياة اليومية، ودفع القيادة السياسية إلى التراجع تحت ضغط الألم العام. لكن هذا النوع من القوة، مهما كان تدميريًا، لا يساوي تلقائيًا نصرًا سياسيًا. بالعكس، قد يدفع الطرف المقابل إلى مزيد من الصلابة، خصوصًا إذا شعر أن المطلوب ليس تعديل السلوك بل الإذلال أو الإخضاع. وقد ربطت تقارير صحفية التهديدات الأمريكية مباشرة بإمكانية ضرب منشآت مدنية واسعة، مع تحذيرات أممية وقانونية من تداعيات ذلك.

    الخطأ الذي تقع فيه القوى الكبرى غالبًا هو الاعتقاد بأن التفوق في التدمير يساوي القدرة على الحسم. هذا ليس صحيحًا دائمًا. يمكن للولايات المتحدة أن تُلحق بإيران أضرارًا هائلة، لكن فتح مضيق هرمز بالقوة شيء آخر تمامًا. فالمضيق ليس مجرد شريط مائي يُؤمَّن بقرار سياسي أو بغارة جوية؛ إنه بيئة عمليات بحرية معقدة، تتداخل فيها الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والتهديد المستمر للملاحة التجارية والعسكرية. ولهذا تحديدًا، كانت تقارير رويترز تشير إلى أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية لا ترى أن إيران ستتخلى قريبًا عن ورقة هرمز، لأنها تعدّها إحدى أثمن أوراقها الاستراتيجية.

    إذا نُفذ التهديد الأمريكي فعلًا، فأرجح ما سنراه ليس ضربة وحيدة تنهي كل شيء، بل سلسلة ضربات واسعة لكن مضبوطة الإيقاع: ما يكفي لإظهار الجدية، وما لا يكفي بعدُ للانزلاق الفوري إلى حرب برية شاملة أو مشروع إسقاط نظام. هذا هو السيناريو الأقرب معاقبة قاسية، ورسالة ردع، مع إبقاء باب المساومة مفتوحًا. لكن هذا السيناريو، حتى لو تحقق، لن يفتح المضيق فورًا، ولن يعيد الأسواق إلى الهدوء، ولن يمنع إيران من نقل المعركة إلى ساحات أخرى أقل كلفة عليها وأكثر إيلامًا لخصومها.

    ومن هنا تبدأ العقدة الحقيقية. فإيران، حتى لو عجزت عن تغيير ميزان القوة العام، قادرة على تغيير كلفة الحرب ومعناها. لا تحتاج إلى تدمير أمريكا كي تُربك حساباتها؛ يكفيها أن تجعل النصر باهظًا، وأن تُبقي الملاحة مهددة، وأن توسع دائرة القلق في الخليج، وأن تضرب حيث تكون البنية التحتية أكثر حساسية وأقل قدرة على الاحتمال. تقارير وكالات رويترز وAP أشارت إلى أن طهران رفضت المقترحات المؤقتة، ولوّحت عمليًا بربط أي تهدئة بشروط أوسع، فيما ظل المضيق شبه مغلق والأسواق النفطية متوترة عند مستويات مرتفعة تجاوز فيها الخام الأمريكي 112 دولارًا للبرميل واقترب برنت من 110–111 دولارات.

    وهنا يجب قول ما يتهرب كثيرون من قوله: الخليج هو الحلقة الأكثر هشاشة في أي تصعيد لاحق. فالدول الغنية ليست بالضرورة دولًا منيعة. الثراء لا يمنع الهشاشة إذا كانت البنية الحيوية شديدة التركّز: محطات تحلية، مرافئ، منشآت طاقة، شبكات لوجستية قليلة العدد وعالية القيمة. وعندما يصبح الرد الإيراني منصبًا على رفع الكلفة الإقليمية، فإن ساحة الحرب لا تبقى محصورة في إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة، بل تتمدد إلى المجال الخليجي كله، ولو على شكل تهديد دائم أكثر منه احتلالًا أو مواجهة تقليدية. وهذا هو أخطر ما في اللحظة الراهنة: أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش، بل تهديدًا مباشرًا للهياكل التي تقوم عليها الحياة الاقتصادية اليومية في المنطقة.

    من الناحية السياسية العسكرية، لا تبدو واشنطن وتل أبيب حتى الآن وكأنهما حققتا ما يمكن تسميته نقطة التحول الحاسمة. نعم، لديهما تفوق جوي وقدرة نارية هائلة، لكن الحرب لا تُقاس فقط بحجم النار، بل بما إذا كانت هذه النار تُنتج واقعًا سياسيًا أكثر استقرارًا أو أكثر قابلية للإدارة. وإذا كانت المهلة تنتهي اليوم، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستقصف أمريكا؟ بل: هل تملك، بعد القصف، تصورًا واقعيًا لما بعد القصف؟ لأن التاريخ يعلمنا أن تدمير المنشآت أسهل بكثير من إعادة تشكيل السلوك السياسي لدولة كبيرة ذات عمق جغرافي ومجتمع تعبوي ونظام مستعد لتحمل الخسائر.

    لهذا، فإن التقدير الأكثر واقعية هو الآتي: إذا انتهت المهلة بلا اتفاق، فالأرجح أن تبدأ المرحلة الأخطر من الحرب لا المرحلة الأخيرة منها. قد نرى ضربة أمريكية كبيرة، يتبعها رد إيراني موزع ومدروس، ثم جولة جديدة من الاستنزاف، لا نصرًا خاطفًا ولا انهيارًا فوريًا. وفي هذا النوع من الحروب، لا ينتصر من يضرب أولًا أو أكثر فقط، بل من ينجح في منع القوة من الانقلاب إلى عبء استراتيجي عليه.

    بكلمة واحدة:

    بعد انتهاء المهلة، قد تبدأ الحرب الحقيقية الآن.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

  • حين تُضرب المراكز… وتُشعل الأطراف

    حين تُضرب المراكز… وتُشعل الأطراف

    حين تُضرب المراكز… وتُشعل الأطراف

    د. علاء محمود التميمي

    نيسان ٢٠٢٦

    في عالم الاستراتيجية العسكرية، تُعد نظرية جون واردن المعروفة بـ“الحلقات الخمس” من أكثر الأفكار تأثيرًا في الحروب الحديثة. تقوم هذه النظرية على فكرة بسيطة لكنها عميقة: الدولة ليست مجرد جيش، بل نظام متكامل يتكون من القيادة، والأنظمة الحيوية (كالطاقة والاقتصاد)، والبنية التحتية، والسكان، والقوات المسلحة. ويرى واردن أن الطريق الأسرع لهزيمة الخصم ليس عبر استنزاف جيشه في الميدان، بل عبر ضرب مركز هذا النظام—أي القيادة وما يحيط بها من عناصر حيوية—لشلّ قدرته على العمل من الداخل.

    هذه الفكرة تبدو حاضرة بوضوح في الحرب الجارية منذ 28 شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالحملة العسكرية ركزت، على استهداف القيادة الإيرانية والبنية الحيوية، في محاولة لإضعاف قدرة الدولة على اتخاذ القرار والاستمرار. لكن ما يجعل هذه الحرب مختلفة هو أن إيران لم تتعامل معها كهدف سلبي، بل ردّت بخطة مضادة قلبت المعادلة رأسًا على عقب.

    بدل أن تواجه الضربات بضربات مماثلة داخل اسرائيل ولعدم تمكنها من الوصول إلى الأراضي الأمريكية—وهو أمر غير ممكن عمليًا—اختارت إيران أن تنقل المعركة إلى نقطة حساسة في النظام العالمي: مضيق هرمز. هذا المضيق ليس مجرد ممر بحري، بل شريان يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية. وبالتالي، فإن تعطيله لا يؤثر على دولة واحدة، بل على الاقتصاد العالمي بأكمله.

    هنا يظهر التحول الذكي في الاستراتيجية: إذا كانت خطة واردن تقوم على شلّ الدولة من الداخل، فإن الخطة الإيرانية تقوم على شلّ بيئة الخصم من الخارج. بمعنى آخر، إيران تقول: “قد لا أستطيع منعكم من ضربي، لكنني أستطيع أن أجعل كلفة هذه الحرب عليكم وعلى العالم مرتفعة جدًا.” ولذلك، لم تقتصر الردود الإيرانية على الداخل، بل شملت تهديد الملاحة، واستهداف مصالح أمريكية في الخليج، وإدخال المنطقة كلها في دائرة التوتر.

    هذا التباين يكشف أن ما يجري ليس مجرد حرب تقليدية، بل صراع بين نموذجين مختلفين في التفكير. النموذج الأول—الأمريكي الإسرائيلي—يعتمد على الضربات الدقيقة التي تستهدف مراكز القرار والبنية الحيوية. أما النموذج الثاني—الإيراني—فيعتمد على الاستنزاف، وتوسيع ساحة الحرب، ونقلها إلى الاقتصاد العالمي، بحيث لا تبقى محصورة داخل حدود الدولة المستهدفة.

    ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك القوة العسكرية الأكبر؟ بل: من يستطيع تحمّل الكلفة الأطول؟ فحتى الآن، تشير المعطيات إلى أن إيران متماسكة من الداخل، رغم شدة الضربات. ول نجحت في جعل الحرب مكلفة ومفتوحة، خصوصًا مع استمرار التوتر في مضيق هرمز وتأثيره على الأسواق العالمية.

    من هنا، يمكن فهم طبيعة هذه الحرب بشكل أوضح: الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان تحقيق حسم سريع عبر ضرب “القلب”، بينما تحاول إيران منع هذا الحسم عبر إشعال “الأطراف”. الأولى تراهن على الشلل، والثانية تراهن على الاستنزاف. والنتيجة حتى الآن لا انتصار حاسم، ولا هزيمة كاملة، بل صراع يتسع ويزداد تعقيدًا مع مرور الوقت.

    الخلاصة اهي أن نظرية جون واردن لا تزال حاضرة في طريقة التفكير العسكري الغربي، لكنها لم تعد كافية وحدها لفهم الحروب الحديثة. فحين يكون الخصم قادرًا على نقل المعركة إلى خارج حدوده، وعلى التأثير في الاقتصاد العالمي، فإن الحرب لا تُحسم فقط في السماء أو على الأرض، بل في الممرات البحرية، والأسواق، وقدرة الدول على تحمّل الألم. وفي هذه الحرب تحديدًا، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول إيران، بل حول من سيفرض على الآخر كلفة لا يستطيع الاستمرار في تحملها.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

  • بين درس العراق 2003 وحرب إيران الجارية: هل يعيد الشرق الأوسط إنتاج الكارثة نفسها؟

    دخلت الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة واسرائيل أسبوعها الخامس وبدأت آثاره تتجاوز الميدان العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والملاحة الدولية وتوازنات الإقليم بأسره. ومن هنا، فإن استدعاء تجربة العراق بعد احتلال عام 2003 لم يعد ترفًا تحليليًا، بل ضرورة لفهم ما الذي يحدث للمنطقة حين تُستهدف دولة مركزية كبرى، وكيف تتحول أوهام “الحسم السريع” إلى فوضى ممتدة يدفع ثمنها الجميع.

    لقد تعلّم العرب من كارثة العراق أن إسقاط التوازن لا يعني إنتاج الاستقرار، وأن تدمير الدولة أو إنهاكها لا يفتح الباب تلقائيًا أمام نظام إقليمي أكثر أمنًا، بل قد يطلق سلسلة من الاختلالات المتراكمة: فراغات أمنية، تصاعد نفوذ الفاعلين المسلحين، تمدد الاستقطاب المذهبي، وتدويل أعمق لمصير المنطقة.

    ما جرى بعد 2003 لم يبقَ داخل العراق، بل أعاد رسم خرائط النفوذ والتوتر في المشرق والخليج، وحوّل دولةً مركزيةً إلى ساحة صراع مفتوح. ولهذا فإن النظر إلى الحرب الجارية على إيران بعين الرغبة أو الشماتة أو الحسابات الضيقة يعيد إنتاج الخطأ ذاته، لأن السؤال الاستراتيجي الصحيح ليس من نؤيد ومن نعارض، بل: ماذا يفعل تحطيم دولة كبيرة ببنية الإقليم كله؟

    اليوم، وبعد خمسة أسابيع من الحرب، تظهر الصورة أكثر تعقيدًا من الخطابات الانفعالية التي روّجت لفكرة الحسم الخاطف. فالتصريحات الأمريكية نفسها تشير إلى أن الحرب لم تنتهِ بعد، رغم حديث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن إمكان رؤية “خط النهاية”، ورغم قول الرئيس دونالد ترامب إن العمليات قد تنتهي خلال “أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع”. هذه اللغة السياسية بذاتها تكشف أن الحسم لم يتحقق، وأن الحرب انتقلت من مرحلة الضربة إلى مرحلة الاستنزاف ومحاولة فرض شروط النهاية وليس بعيد ان يعلن ترامب اليوم ٤/١ في خطابه إلى الأمة الذي اعلن عنه عن ايقافه الحرب لأنه حقق أهدافه .

    وهنا تظهر المقارنة مع العراق بوضوح أشد. ففي 2003 قُدّم الاحتلال على أنه مدخل لإعادة ترتيب المنطقة وإنهاء مصادر التهديد، لكن ما حدث فعليًا كان انهيارًا لبنية الدولة العراقية، وصعودًا لقوى ما دون الدولة، واتساعًا للتدخلات الخارجية، ثم موجات عنف لم تتوقف آثارها عند الحدود العراقية. أما في الحرب الجارية اليوم، فإن الخطر لا يقتصر على إيران وحدها، بل يتسع ليطال بنية الأمن الإقليمي نفسها، لأن المواجهة لم تعد ملفًا عسكريًا صرفًا، بل صارت أزمة طاقة وممرات بحرية وأسواق عالمية وحسابات تحالفات دولية.

    ومن يظن أن خسارة إيران في هذه الحرب ستعني تلقائيًا راحةً استراتيجيةً للخليج العربي، يكرر وهمًا شبيهًا بما قيل عن العراق قبل احتلاله: إزالة الخصم الكبير ستفتح الطريق إلى الاستقرار. لكن الوقائع الجارية حتى الآن توحي بالعكس. فإغلاق مضيق هرمز وما ترتب عليه من اضطراب في شحنات النفط والغاز، وتحذيرات وكالة الطاقة الدولية من أن خسائر الإمدادات تتفاقم في نيسان ، يؤكدان أن أي تصعيد واسع ضد دولة بحجم إيران لا يبقى داخل حدودها، بل يضرب القلب الاقتصادي للمنطقة والعالم.

    لقد بدأت آثار ذلك بالفعل في الأسواق العالمية والإقليمية. وكالة رويترز تحدثت عن صعود أسواق الخليج على خلفية آمال التهدئة، لا بسبب زوال الخطر، فيما أظهرت تقارير أخرى أن الحرب رفعت كلفة التصنيع عالميًا وعطلت سلاسل الإمداد، وأن الاقتصاد الإقليمي يواجه خسائر قد تصل إلى 194 مليار دولار، مع احتمال فقدان 3.64 مليون وظيفة وارتفاع الفقر بما يصل إلى أربعة ملايين شخص بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي التي نقلتها وول ستريت جورنال. هذا يعني أن الحرب لم تعد مواجهةً بين جيوش فقط، بل أزمةً تنمويةً شاملة تضرب البنية الاجتماعية والاقتصادية للشرق الأوسط.

    أما الخليج العربي، فهو ليس متفرجًا على هذه الحرب، بل أحد أكثر الأقاليم انكشافًا عليها. فالممرات البحرية، وأسواق الطاقة، وثقة المستثمرين، وكلفة التأمين، وسلامة المنشآت الحيوية، كلها دخلت دائرة التهديد المباشر. حتى حين ترتفع البورصات على وقع تصريحات التهدئة، فإن ذلك لا يعكس استقرارًا حقيقيًا، بل هشاشةً شديدة ترتبط بأي إشارة سياسية أو عسكرية جديدة. وبعبارة أوضح: إن أمن الخليج في هذه الحرب ليس مسألة موقف سياسي فقط، بل مسألة بنيوية تمس اقتصاده وسيادته واستقراره الداخلي.

    وفي ما يخص المنطقة العربية الأوسع، فإن الخطر لا يكمن فقط في نتائج المعارك الجارية، بل في اليوم التالي لها. هذا هو جوهر الدرس العراقي. فالحرب قد تُضعف القدرات العسكرية لدولة ما، لكنها لا تقدّم تلقائيًا جوابًا عن سؤال: من يملأ الفراغ؟ ومن يمنع التشظي؟ ومن يضبط الارتدادات عبر الحدود؟ ومن يحول دون تحوّل الصراع إلى حروب وكالة أكثر شراسة؟ وإذا كان العراق بعد 2003 قد قدّم أوضح مثال على أن إسقاط المركز يطلق فوضى الأطراف، فإن الحرب الجارية اليوم تضع المشرق والخليج أمام احتمال مماثل، ولكن على نطاق أوسع وأشد تداخلًا.

    ولهذا فإن التفكير الاستراتيجي الرصين لا ينبغي أن ينطلق من منطق الرغبة في “هزيمة إيران” بوصفها غاية مجردة، بل من تقدير كلفة الحرب على البيئة العربية المحيطة. فحتى الآن لا تظهر المعطيات المتاحة أن الحرب أنتجت نظامًا إقليميًا أكثر استقرارًا، بل العكس: اقتصاد عالمي مضطرب، ضغوط على الطاقة، توتر في الممرات البحرية، ومخاوف من اتساع النزاع، بينما تظل الأهداف السياسية للحرب نفسها موضع تباين وحديث عن اتصالات ومخارج تفاوضية لم تنضج بعد.

    إن المقارنة بين ما جرى للعالم العربي بعد احتلال العراق عام 2003 وما يجري اليوم في الحرب على إيران تفضي إلى نتيجة مركزية واحدة: الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لا تمنح المنطقة انتصارًا نظيفًا، بل تعيد توزيع الخسائر والفراغات والفوضى على الجميع. وقد يكون من السهل، في لحظة الخصومة السياسية، تمني إنهاك الخصم أو سقوطه، لكن التجربة التاريخية تقول إن انهيار الدول المركزية لا ينتج بالضرورة أمن الجوار، بل كثيرًا ما ينتج ذعر الجوار وانكشافه.

    من هنا، فإن الحكمة العربية المطلوبة اليوم ليست في الاحتفال بالحرب، ولا في اختزالها إلى ثنائية مذهبية و رابح وخاسر، بل في قراءة عواقبها على المدى المتوسط والبعيد. فالمنطقة دفعت ثمنًا هائلًا بعد 2003 حين ظنّ بعضهم أن تدمير العراق سيعيد التوازن. واليوم، وهي تراقب حربًا دخلت أسبوعها الخامس ضد إيران، عليها أن تسأل نفسها بجدية: هل نريد تكرار الدرس نفسه بصورة أكبر، أم نبحث عن كيفية حماية أوطاننا من أن تتحول مرة أخرى إلى ساحات ارتداد لحرب لا يملك العرب قرارها الكامل، لكنهم غالبًا سيدفعون فاتورتها الأثقل؟

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

  • قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران

    قراءة هادئة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران

    د. علاء محمود التميمي

    اذار ٢٠٢٦

    ليس من الصعب، في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، أن تطغى لغة الأرقام: عدد الضربات، حجم الخسائر، وعدد الأهداف التي تم تدميرها. غير أن التاريخ العسكري يعلمنا أن الانتصار لا يُقاس بما يمكن عده، بل بما يمكن تحقيقه سياسيًا.

    وهنا تبدأ المشكلة.

    أولاً: سؤال الهدف… قبل سؤال القوة

    أي استراتيجية عسكرية، لكي تكون قابلة للحكم، يجب أن تجيب عن سؤال بسيط:

    ما الهدف النهائي؟ وهل هو قابل للتحقيق؟

    في الحالة الراهنة، تبدو الأهداف المطروحة غير مستقرة بين:

    • إضعاف إيران عسكريًا

    • ردعها إقليميًا

    • أو الذهاب أبعد من ذلك نحو تغيير النظام

    لكن التجربة التاريخية، من العراق إلى أفغانستان، تشير بوضوح إلى أن تغيير الأنظمة بالقوة الخارجية ليس هدفًا عسكريًا بقدر ما هو مقامرة سياسية عالية الكلفة.

    ثانياً: تغير طبيعة الحرب

    ما يجري اليوم لا يشبه الحروب التقليدية التي بنت عليها الولايات المتحدة تفوقها منذ الحرب العالمية الثانية.

    نحن أمام نمط مختلف يقوم على:

    • الصواريخ الدقيقة

    • الطائرات المسيّرة

    • أنظمة المراقبة المستمرة

    في هذا السياق، لم تعد السيطرة الجوية وحدها كافية، ولا الضربات المكثفة تضمن الحسم.

    بل إن الطرف الأضعف تقليديًا يمكنه، عبر أدوات منخفضة الكلفة، أن يفرض تكلفة عالية ومستمرة على خصمه.

    وهنا تكمن مفارقة الحرب الحديثة:

    التفوق لا يعني الحسم، بل إدارة الكلفة.

    ثالثاً: بين الأرقام والنتائج

    الخطاب العسكري يميل بطبيعته إلى إبراز الأرقام:

    • آلاف الضربات

    • مئات الأهداف

    • تدمير قدرات متعددة

    لكن السؤال الأهم ليس: كم ضُرب؟

    بل: ماذا تغيّر؟

    التجارب السابقة، خاصة في فيتنام وكوسوفو، أظهرت أن:

    • تضخيم الإنجازات الرقمية لا يعني تحقيق تحول استراتيجي

    • وقد يؤدي إلى قراءة مضللة للواقع

    رابعاً: الجغرافيا… العامل الصامت

    يُعد مضيق هرمز مثالًا كلاسيكيًا على تعقيد العلاقة بين الجغرافيا والاستراتيجية.

    فالسيطرة عليه لا تعني مجرد وجود عسكري، بل تتطلب:

    • تحكمًا طويل الأمد

    • قدرة على مقاومة ضربات صاروخية مستمرة

    • وإدارة بيئة جغرافية صعبة (مرتفعات، سواحل ضيقة)

    التاريخ يقدم لنا مثالًا واضحًا في حملة غاليبولي Gallipoli Campaign، السيطرة على مضيق الدردنيل خلال الحرب العالمية الأولى

    حيث تحولت محاولة السيطرة على مضيق استراتيجي إلى استنزاف طويل دون حسم.

    خامساً: البعد السياسي… ما بعد المعركة

    حتى لو تحقق نجاح عسكري جزئي، يبقى السؤال الأهم:

    من يدير ما بعد الحرب؟

    إضعاف دولة بحجم إيران لا يعني بالضرورة:

    • استقرارًا إقليميًا

    • أو نظامًا بديلًا أكثر انسجامًا مع التوازنات الدولية

    بل قد يؤدي إلى:

    • فراغ سياسي

    • تصاعد الفوضى

    • أو إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيدًا

    وهذا ما يجعل من النجاح العسكري غير المكتمل خطرًا بحد ذاته.

    سادساً: الاقتصاد… العامل الحاسم غير المعلن

    الحروب الحديثة لا تُحسم فقط في الميدان، بل في الاقتصاد.

    مضيق هرمز ليس مجرد موقع جغرافي، بل:

    • شريان حيوي للطاقة العالمية

    • نقطة ضغط على الاقتصاد الدولي

    أي اضطراب فيه قد يؤدي إلى:

    • ارتفاع أسعار النفط

    • اضطراب سلاسل الإمداد

    • ضغط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية

    وفي المقابل:

    • إيران تعتمد على اقتصاد متأثر بالعقوبات

    • لكنها تملك أدوات لرفع كلفة المواجهة على خصومها

    وهكذا تتحول الحرب إلى معادلة كلفة متبادلة، لا انتصار حاسم.

    سابعاً: حدود القوة في عالم متغير

    ربما تكمن الإشكالية الأعمق في اعتماد نماذج قديمة لفهم صراع جديد.

    القوة العسكرية، مهما بلغت، تواجه اليوم ثلاث قيود أساسية:

    1. تعقيد الجغرافيا

    2. تطور أدوات الحرب غير التقليدية

    3. تشابك الاقتصاد العالمي

    في هذا السياق، يصبح السؤال ليس:

    هل يمكن الانتصار؟ بل:ما معنى الانتصار أصلًا؟

    خاتمة

    في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا، لم يعد الحسم السريع قاعدة، بل الاستثناء.

    ما يجري في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لنموذج كامل في فهم القوة وحدودها.

    وقد يكون الدرس الأهم هو أن:

    القوة التي لا تُعرّف أهدافها بدقة، قد تنجح تكتيكيًا… لكنها تفشل استراتيجيًا.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي