تخطيط مدن العراق المستقبلية: دروس من تعداد 2025
د.علاء محمود التميمي
نيسان 2025

أفرز التعداد العام للسكان والمساكن في العراق (2024–2025) مؤشرات ديموغرافية شديدة الأهمية، ينبغي أن تكون حجر الأساس في رسم السياسات العمرانية والتنموية خلال السنوات القادمة. فالمسألة لم تعد مقتصرة على الأرقام، بل هي نوافذ مفتوحة على تحديات كبرى وفرص كامنة يمكن استثمارها بذكاء إذا أحسنت الإدارة والتخطيط.
أولًا: التوسع الحضري والضغط على المدن الكبرى
تشير بيانات التعداد إلى أن 70.17% من سكان العراق يعيشون في المناطق الحضرية، مقابل 29.83% فقط في الريف. هذا التوازن المختل يضع ضغطاً هائلًا على البنية التحتية للمدن من حيث النقل، الإسكان، شبكات المياه والصرف، والخدمات الصحية والتعليمية. من هنا، يصبح إعادة توزيع التنمية وتحفيز التوطين في المدن المتوسطة والصغيرة ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار تقني.
ثانيًا: التركيبة السكانية الفتية وضرورة الاستعداد للمستقبل
يشكل الأفراد تحت سن 15 عامًا نحو 36% من السكان، وهو مؤشر واضح على أن العراق يقف أمام موجة ديموغرافية ناشئة ستطالب قريبًا بالمزيد من المدارس والجامعات وفرص العمل. إن الاستثمار في الإنسان، منذ الطفولة وحتى دخوله سوق العمل، يجب أن يكون أولوية وطنية. كما أن خلق بيئة حضرية تشجع على الإبداع والإنتاج أمر لا يقل أهمية عن بناء الجدران والطرقات.
ثالثًا: ارتفاع معدل الإعالة وتحقيق التوازن الاقتصادي
يسجل معدل الإعالة العامة 627 معالاً لكل 1000 فرد نشط اقتصادياً، وهو رقم يعكس العبء الواقع على كاهل الفئة العاملة. هذه النسبة تشير إلى الحاجة إلى سياسات تحفز النمو الاقتصادي وتوسع قاعدة التوظيف، خاصة في القطاعات الإنتاجية والاقتصاد الأخضر، لتقليل الفجوة بين من يعملون ومن يعتمدون على غيرهم.
رابعًا: توازن ديموغرافي مستقر بين الجنسين
تكشف بيانات التعداد عن توازن نسبي في نسبة الذكور (50.22%) والإناث (49.78%)، ما يُتيح تخطيطًا متزنًا في توزيع الموارد والفرص بين الجنسين. هذا الاتزان يجب أن ينعكس على سياسات الإسكان، والتعليم، والصحة، والتمكين الاقتصادي، والاجتماعي.
خامسًا: ملامح شيخوخة ديموغرافية صاعدة
رغم أن نسبة كبار السن (65 سنة فأكثر) ما تزال منخفضة نسبيًا عند 3.66%، إلا أن المؤشرات تؤكد تصاعد هذه النسبة في العقود القادمة. الأمر يستدعي التحضير المسبق لنظم رعاية صحية متخصصة، وإسكان ميسر للمسنين، وضمان اجتماعي فعّال، بما يضمن كرامة الإنسان في مراحله العمرية المتقدمة.
ختامًا: نحو تخطيط حضري يستند إلى الواقع
إن قراءة هذه المؤشرات لا ينبغي أن تكون تمرينًا إحصائيًا مجردًا، بل دعوة حقيقية إلى نمط تخطيط حضري مرن، تشاركي، ومتجدد، يربط ما بين أرقام التعداد وسياسات الأرض والإسكان، وما بين الواقع الاجتماعي والرؤية الاقتصادية. فبدون استيعاب التغيرات الديموغرافية ومواكبتها في البنية التخطيطية، تبقى المدن العراقية أسيرة التراكم العشوائي والتفاوت التنموي.
-
لقد آن الأوان لأن نؤسس لمدن تتنفس من واقعها وتبني مستقبلها بعين التخطيط تعتمد على
-
توسيع المدن بطرق مستدامة مع الحد من العشوائيات.
-
التركيز على المدن المتوسطة والصغيرة لتقليل الضغط على المدن الكبيرة.
-
تشجيع التنمية الريفية وتحسين البنية التحتية فيها لتقليل الهجرة نحو المدن.
-
تطوير سياسات إسكان مرنة ومتعددة المستويات العمرية.
-
ربط التعداد السكاني بالتخطيط الاقتصادي والبيئي لضمان التوازن بين العرض والطلب في الموارد.
“Less is more” دعوة لاستعادة احترام البساطة المدروسة

الدكتور علاء التميمي٢٤ آذار ٢٠٢٥
لطالما أثارت اهتمامي مقولة المعماري الشهير ميس فان دير روه: “الأقل هو الأكثر”. قد تبدو هذه العبارة متناقضة من الوهلة الأولى، لكنها في جوهرها تعبّر عن فلسفة شاملة في التصميم والتخطيط، لا تنطبق على العمارة فحسب، بل على كيفية بناء المدن وكيفية إدارة الحياة فيها.
ومن بين المدن التي تحتاج بشدّة إلى هذه الفلسفة، تبرز بغداد، المدينة التي شهدت على مدى قرون مزيجًا من العبقرية العمرانية والارتجال العشوائي، والتي باتت اليوم في أمسّ الحاجة إلى استعادة بساطتها الوظيفية وروحها الحضرية.
تعاني بغداد منذ زمن طويل من بنية تنظيمية وفنية معقّدة أثقلت كاهلها، بدءًا من شبكات الطرق غير المتوازنة، ومرورًا بتداخل الصلاحيات بين أمانة بغداد ومحافظة بغداد، وصولًا إلى بنية تحتية متهالكة تثقل كاهل السكان والبلدية معًا.
تطبيق مبدأ “الأقل هو الأكثر” في هذا السياق يعني التركيز على المشكلات الحضرية الأكثر إلحاحًا في بغداد: كالانتشار الأفقي غير المنضبط الذي يلتهم الأراضي الزراعية ويزيد من الاعتماد على السيارات، مما يفاقم أزمات المرور والتلوث.
بغداد لا تحتاج إلى توسعات جديدة، بل إلى إعادة إحياء مركزها الحضري، وزيادة الكثافة السكانية بشكل مدروس في مراكزها، وتعزيز مفهوم “المدينة القريبة” الذي يقلل من المسافات ويعيد الحياة إلى الأحياء.
فبين الأرصفة المُستولى عليها وندرة المساحات العامة الصالحة للتنزه، فقدت بغداد جزءًا كبيرًا من روحها الاجتماعية والتواصلية.
تطبيق هذه الفلسفة في بغداد يعني إعادة التفكير في شوارعها لتصبح أكثر ملاءمة للمشاة، ليس فقط بإزالة السيارات من الأرصفة والأسواق، بل أيضًا بتطوير الأرصفة، وإنشاء مسارات للدراجات، وربط أحياء بغداد بوسائل نقل عامة فعالة ومتكاملة من خلال تخصيص مسارات للنقل العام والحافلات، مع التركيز على الهوية المعمارية لبغداد.
إن البحث عن نماذج معمارية أجنبية، وبناء ناطحات السحاب، وتقليد الطرز العالمية بشكل عشوائي، أفقد بعض أحياء بغداد طابعها الأصيل.
وإذا كانت الحلول تكمن في العودة إلى عمارة مستوحاة من البيئة المحلية، فإن البساطة هنا ليست مسألة جمالية فقط، بل هوية حضرية تقاوم التلاشي.
بغداد بحاجة إلى تخطيط عمراني مرن وواضح. ما يعيق تطورها ليس غياب القوانين، بل تعقيدها وتناقضها أحيانًا، وغياب رؤية عمرانية موحّدة.
الانتقال إلى تخطيط عمراني بسيط وواضح، يفتح المجال للإبداع والمبادرات المحلية، قد يُطلق الطاقات الكامنة في المدينة ويوجهها نحو إعادة إعمار ذكية.
أختم بالقول إن بغداد مدينة للحياة، وليست مجرد نقطة عبور. في زمن تتصاعد فيه التحديات المناخية والاقتصادية، لا يمكن لبغداد أن تستمر بالسير في الاتجاه نفسه.
فلسفة “الأقل هو الأكثر” ليست ترفًا نظريًا، بل دعوة لإعادة تشكيل المدينة كمكانٍ للحياة والتفاعل والانتماء.
بغداد التي نريدها ليست متحفًا مغلقًا، وليست فوضى من الأبراج، بل مدينة بسيطة، مرنة، وعميقة… كالنهر الذي يشقّها.
فلنجعل من بغداد مكانًا نعيش فيه حقًا… لا مجرّد محطة في طريقنا.