بين الأمنيات والوقائعكيف نقرأ المواجهة الأمريكية–الإيرانية؟
خاطرة الجمعة
بين الأمنيات والوقائع
كيف نقرأ المواجهة الأمريكية–الإيرانية؟
د. علاء محمود التميمي
تموز 2026
منذ أن بدأت المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في نهاية شباط ومطلع آذار الماضي، لم تقتصر الحرب على الصواريخ والطائرات والممرات البحرية، بل رافقتها حرب أخرى لا تقل ضراوة: حرب الروايات والتوقعات والأمنيات.
في الأيام الأولى، قيل إن الحرب لن تطول. ثم أصبح الحديث عن أربعة أو خمسة أسابيع، مع احتمال أن تمتد إلى ما هو أبعد. وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر، ما زالت المواجهة مستمرة، وإن تبدلت وتيرتها وانتقلت بين التصعيد والتهدئة، وبين الضربات العسكرية والمفاوضات والاتفاقات المؤقتة.
كانت الأهداف الأمريكية المعلنة واسعة :منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتدمير قدراتها الصاروخية والهجومية، وتقليص قوتها البحرية، وضرب بنيتها العسكرية والصناعية، إضافة إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وقد عبّرت الإدارة الأمريكية عن بعض هذه الأهداف بشعار شديد الوضوح: لا سلاح نووي، ولا قوة بحرية تهدد الملاحة، وتفكيك البرنامج الصاروخي والقاعدة الصناعية العسكرية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من أربعة أشهر ليس: من أعلن النصر؟ بل: ما الذي تحقق فعلاً؟
فالإعلان السياسي عن تحقيق الأهداف شيء، وقياس النتائج على الأرض شيء آخر. وحتى منتصف حزيران، كانت تقديرات الاستخبارات الأمريكية تشير إلى أن قدرة إيران النووية لم تتغير تغيراً حاسماً، وأن المدة التي قد تحتاجها لإنتاج سلاح نووي ظلت قريبة من تقديرات ما قبل الحرب.
كما أن إيران، رغم الخسائر العسكرية والاقتصادية والضغط الشديد الذي تعرضت له، لم تستسلم، ولم تتوقف تماماً عن إطلاق الصواريخ والمسيّرات أو تهديد الملاحة والمصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. وقد عادت الولايات المتحدة في تموز إلى توجيه ضربات جديدة، قالت إن هدفها إضعاف قدرة إيران على تهديد حرية الملاحة في مضيق هرمز، بعد انهيار التهدئة المؤقتة واستئناف الهجمات المتبادلة.
ولعل هذه العودة إلى الضربات لا تعني بالضرورة العودة إلى حرب شاملة ومتواصلة بالمفهوم التقليدي. فقد تكون أمامنا مرحلة مختلفة: ضربات متقطعة ومحسوبة، تهدف إلى إبقاء الضغط العسكري قائماً، من دون الانزلاق إلى احتلال بري أو حرب مفتوحة لا يمكن التحكم بنهايتها.
وهنا يدخل العامل الداخلي الأمريكي في الحساب. فالولايات المتحدة تتجه نحو انتخابات التجديد النصفي في الثالث من تشرين الثاني، والحرب أصبحت عبئاً سياسياً واقتصادياً على الإدارة، ولا سيما مع اضطراب أسواق الطاقة وتراجع التأييد الشعبي لاستمرارها. ومن المشروع، لذلك، التساؤل عما إذا كانت بعض الضربات الأخيرة تحمل، إلى جانب أهدافها العسكرية، وظيفة سياسية وانتخابية: إظهار الحزم، وتجنب صورة التراجع، وإقناع الناخب الأمريكي بأن الإدارة ما زالت ممسكة بزمام المبادرة. وهذا استنتاج سياسي محتمل، لا حقيقة مثبتة، لكنه يستحق أن يوضع ضمن عناصر التحليل.
في المقابل، ما زال بعض المحللين في منطقتنا يتعاملون مع الحرب كأن نهايتها حُسمت، وأن إيران انتهت، وأن النظام يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأن الاستسلام الكامل أصبح قاب قوسين أو أدنى.
قد يحدث ذلك، فالأنظمة ليست خالدة، والحروب قد تسرّع انهيارها. لكن التحليل المسؤول لا يقوم على كلمة «قد»، بل على الأدلة والمؤشرات.
هل انهارت القيادة الإيرانية؟
هل تفككت مؤسسات الدولة؟
هل فقد الجيش والحرس قدرتهما على القيادة والرد؟
هل خرجت المدن الكبرى عن سيطرة النظام؟
هل حدث انشقاق واسع داخل مؤسسات الحكم؟
هل ظهرت قوة سياسية بديلة قادرة على إدارة الدولة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق إعلان قرب السقوط. أما استبدال الأدلة بالرغبات، فهو انتقال من التحليل السياسي إلى التمنّي.
وتزداد المشكلة حين يُقرأ الصراع بعين طائفية. فبعض الناس لا ينظر إلى الحرب من زاوية مصالح الدول وتوازنات القوة، بل من زاوية موقفه المذهبي من إيران أو من خصومها. فإذا كره النظام الإيراني، صدّق كل خبر عن انهياره، وإذا عادى الولايات المتحدة، رأى في كل ضربة إيرانية نصراً تاريخياً.
وهكذا تتحول الأخبار إلى أدوات لتأكيد القناعات القديمة، بدلاً من أن تكون القناعات قابلة للمراجعة على ضوء الأخبار الجديدة.
إن رفض سياسات النظام الإيراني وتدخلاته الإقليمية لدى البعض لا يوجب علينا أن نقلل من قدرته على الصمود أو أن نعلن سقوطه قبل أن يسقط. كما أن رفض الحرب الأمريكية لا يعني إنكار الخسائر التي لحقت بإيران، أو تجاهل مسؤولية قيادتها عن سياسات أدخلت شعبها والمنطقة في هذه المواجهة الخطرة.
الموضوعية لا تعني الوقوف على مسافة متساوية أخلاقياً من كل الأطراف، وإنما تعني عدم تزوير الواقع خدمةً للموقف الذي نفضله.
لقد أثبتت تجارب العراق وأفغانستان وفيتنام وغيرها أن التفوق العسكري قادر على تدمير الجيوش والمنشآت وإسقاط الحكومات، لكنه لا يضمن دائماً تحقيق الأهداف السياسية. وقد تبدأ الحرب بضربة تبدو حاسمة، ثم تتحول إلى نزاع طويل يبحث كل طرف فيه عن مخرج يحفظ به صورته أكثر مما يحقق أهدافه الأولى.
ولذلك فإن استمرار المواجهة أكثر من أربعة أشهر لا يثبت انتصار إيران، كما لا يثبت فشل الولايات المتحدة الكامل. لكنه يثبت، على الأقل، أن التوقعات الأولى عن حرب قصيرة وحاسمة لم تكن دقيقة، وأن إيران لم تنهَر بالسرعة التي تحدث عنها بعضهم، وأن القوة العسكرية، مهما عظمت، لا تختصر دائماً الطريق إلى النتيجة السياسية.
نحن اليوم أمام مواجهة لم تبلغ نهايتها بعد. الولايات المتحدة قادرة على إلحاق أضرار عسكرية واقتصادية هائلة بإيران، وإيران ما زالت قادرة على جعل الحرب مكلفة، وتهديد الملاحة، وضرب المصالح والقواعد الأمريكية وحلفائها في المنطقة. وبين الطرفين تستمر قنوات الوساطة والحديث عن التسويات، حتى في أشد لحظات التصعيد.
وقد تكون النهاية اتفاقاً لا يستطيع أي طرف وصفه بالنصر الكامل، فيعلنه كل منهما انتصاراً لجمهوره. وقد تدخل المواجهة مرحلة أطول من الضربات المحدودة والتفاوض المتقطع. وقد تقع أخطاء في الحسابات تدفع المنطقة إلى تصعيد أكبر.
كل الاحتمالات مفتوحة، ولهذا ينبغي ألا نتعامل مع أحدها كأنه حقيقة نهائية.
في الدين نقول: إنما الأعمال بالنيات. أما في السياسة، فإن الأعمال تُقاس في النهاية بالنتائج.
والنتائج حتى اليوم تقول إن إيران تضررت كثيراً، لكنها لم تنتهِ؛ وإن الولايات المتحدة تفوقت عسكرياً، لكنها لم تحقق بعد جميع أهدافها المعلنة؛ وإن الحرب التي قيل إنها ستستغرق أسابيع تجاوزت أربعة أشهر؛ وإن الشعوب، لا القادة وحدهم، هي التي تدفع الثمن الأكبر.
ليس مطلوباً من المحلل أن يحب إيران أو الولايات المتحدة، ولا أن يقف في منتصف الطريق بينهما. المطلوب أن يرى الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون.
فالعاطفة قد تصنع موقفاً، والأمنيات قد تمنحنا عزاءً مؤقتاً، لكنهما لا تصنعان تحليلاً.
أما التاريخ، فلا يدوّن ما تمنيناه، بل ما حدث بالفعل.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
خاطرة 14 تموز بين النوايا والنتائج د. علاء محمود التميمي 14 تموز 2026
تمرّ ذكرى الرابع عشر من تموز كل عام، فيعود الجدل العراقي القديم من جديد. فريقٌ يراه ثورةً حررت العراق من النظام الملكي وفتحت باب الجمهورية، وفريقٌ آخر يراه بداية سلسلة من الانقلابات والاضطرابات التي ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم.
وربما آن الأوان، بعد ما يقارب سبعة عقود، أن ننظر إلى تلك اللحظة بعين التاريخ لا بعين الانفعال.
في الدين، يُحاسَب الإنسان على نيته، ويقال: “إنما الأعمال بالنيات.” أما في السياسة، فإن الشعوب تعيش النتائج قبل أن تقرأ النوايا. فقد تكون النوايا صادقة، لكن الحكم النهائي يبقى لما آل إليه الواقع.
لقد كان العراق الملكي، كغيره من الدول الحديثة آنذاك، يواجه تحديات حقيقية: تفاوتًا اجتماعيًا، ومطالب بالإصلاح، وتأثيرًا بريطانيًا واضحًا، وصراعًا بين قوى سياسية متعددة. وكان كثير من العراقيين يتطلعون إلى تغيير يحقق عدالة أكبر، وسيادة أوسع، وتنمية أسرع.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا وقع التغيير؟ بل: ماذا كانت حصيلته؟
بعد عام 1958 شهد العراق إنجازات لا يمكن إنكارها في بعض المراحل؛ توسعت مؤسسات الدولة، وازدادت فرص التعليم، ونُفذت مشاريع تنموية مهمة، وبرزت طموحات وطنية كبيرة.
وفي المقابل، شهد أيضاً سلسلة طويلة من الانقلابات، والعنف السياسي، والإعدامات، والحروب، والحصار، والاحتلال، والانقسامات، وهجرة ملايين العراقيين، واستنزاف ثروات هائلة كان يمكن أن تجعل العراق في مصاف الدول الأكثر تقدماً.
ولذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا نختزل التاريخ في شخص، ولا في يوم واحد، ولا في شعار واحد.
فلا الملكية كانت جنةً كاملة، ولا الجمهورية كانت فشلاً مطلقاً. كما أن عبد الكريم قاسم، شأنه شأن غيره من قادة العراق، له ما يُحسب له وله ما يُؤخذ عليه. والتاريخ لا يكتبه المحبون وحدهم، ولا الخصوم وحدهم، بل تكتبه الوقائع.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن يصل إلى الأجيال الجديدة هو أن تغيير النظام ليس غايةً بحد ذاته. فالأهم من إسقاط نظام هو القدرة على بناء نظام أفضل منه. والتاريخ يعلمنا أن هدم المؤسسات أسهل كثيراً من بنائها، وأن الاستقرار والتنمية يحتاجان إلى دولة قوية، ودستور محترم، وقضاء مستقل، وتداول سلمي للسلطة، ومجتمع يؤمن بالاختلاف.
إن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تنتصر لرواية الماضي، بل تلك التي تتعلم منه.
ولهذا، فإن ذكرى الرابع عشر من تموز ينبغي ألا تكون مناسبة لتجديد الخصومات بين العراقيين، بل فرصة لطرح سؤال أكثر أهمية:
كيف نبني عراقاً لا يحتاج أبناؤه، بعد سبعين عاماً أخرى، إلى أن يختلفوا من جديد حول الماضي، لأنهم سيكونون منشغلين ببناء المستقبل؟
ذلك، في تقديري، هو الدرس الذي يستحق أن يبقى.
يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تمنحه لنا ذكرى الرابع
عشر من تموز: أن نجاح أي مشروع سياسي لا يُقاس بلحظة انتصاره، وإنما بما يتركه للأجيال التي تأتي بعده.
فالتاريخ قد يختلف في تفسير البدايات، لكنه يكاد يتفق دائمًا على الحكم من خلال النتائج.
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي
عندما ارتفع علم العراق
في خضم أجواء كأس العالم، وبين آلاف الأعلام والألوان والأناشيد، استوقفني مشهد العلم العراقي وهو يُرفع عالياً في الملعب، محمولاً بالأيدي لا مفروشاً على الأرض كبقية الأعلام للدول المشاركة في المونديال . قد يبدو الأمر للبعض تفصيلاً صغيراً، لكنه بالنسبة لكثير من العراقيين يحمل معنى أعمق من مجرد بروتوكول رياضي.
فالعلم ليس قطعة قماش بألوان ثلاثة تتوسطها كلمات. إنه اختصار لتاريخ طويل من الأفراح والآلام والانتصارات والانكسارات التي عاشها شعب كامل. وحين يحمل العلم عبارة «الله أكبر»، فإن التعامل معه يكتسب عند كثيرين بعداً إضافياً من الاحترام والتقدير.
لقد مرّ العراق خلال العقود الماضية بحروب وحصار واحتلال وصراعات داخلية، وتبدلت حكومات وأنظمة وأجيال، لكن العلم بقي رمزاً لوطن أكبر من خلافات السياسة وتقلبات الزمن. ولهذا فإن رؤية العلم العراقي مرفوعاً في محفل عالمي لا تعني مجرد مشاركة منتخب في بطولة رياضية، بل تعني حضور العراق نفسه بين أمم العالم.
ولعل أجمل ما في المشهد أن الاحترام لم يكن موجهاً إلى الكلمات المكتوبة على العلم فحسب، بل إلى المعنى الذي يجسده. فالعلم في نهاية المطاف هو ذاكرة وطن، ومرآة شعب، وعنوان سيادة لا تُقاس بمساحة الأرض أو عدد السكان، بل بما يحمله الناس في قلوبهم من انتماء.
في زمن تتسارع فيه الأخبار وتختلط فيه الرموز بالضجيج اليومي، تظل بعض المشاهد قادرة على التذكير بمعانٍ بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الأوطان تُحترم عندما نحترم رموزها، وأن الوحدة الوطنية تبدأ أحياناً من التفاف الناس حول علم واحد، مهما اختلفت آراؤهم وانتماءاتهم.
ولذلك لم يكن المشهد بالنسبة لكثير من العراقيين مجرد لحظة في مباراة لكرة القدم، بل رسالة صامتة تقول إن العراق، بكل تنوعه وتاريخه وآلامه وآماله، ما زال
القدرة والإرادة: لماذا لا ينتصر الأقوى دائماً؟
بقلم: د. علاء محمود التميمي
حزيران ٢٠٢٦
في العاشر من أيار 2026 نشرت مجلة The Atlantic الأمريكية مقالاً للمفكر والمؤرخ الأمريكي روبرت كاغان بعنوان “Checkmate in Iran” (كش ملك في إيران)، أثار فيه تساؤلات مهمة حول طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وحول ما إذا كانت القوة العسكرية وحدها كافية لتحقيق الأهداف السياسية.
ورغم أن المقال تناول الحالة الإيرانية بصورة خاصة، فإن أهميته الحقيقية لا تكمن في موقفه من إيران أو الولايات المتحدة، بل في السؤال الأعمق الذي يطرحه بصورة غير مباشرة:
هل ينتصر الأقوى دائماً؟
فعندما نتابع الحروب والصراعات الدولية، نميل إلى الاعتقاد بأن الطرف الذي يمتلك أكبر عدد من الطائرات والصواريخ وحاملات الطائرات هو الطرف الأقرب إلى النصر. لكن التاريخ الحديث يقدم لنا صورة أكثر تعقيداً.
فالولايات المتحدة كانت أقوى من فيتنام الشمالية، ومع ذلك لم تحقق أهدافها السياسية هناك.
وكان الاتحاد السوفيتي أقوى من المقاتلين الأفغان الذين واجههم في الثمانينيات، لكنه اضطر إلى الانسحاب.
وبعد ذلك بسنوات وجدت الولايات المتحدة نفسها تغادر أفغانستان بعد حرب استمرت عشرين عاماً، لتعود حركة طالبان إلى السلطة.
فكيف يحدث ذلك؟
كيف يمكن لطرف أضعف عسكرياً أن يصمد في مواجهة قوة عظمى؟
الجواب يكمن في فهم الفرق بين مفهومين غالباً ما يتم الخلط بينهما: القدرة والإرادة.
القوة ليست شيئاً واحداً
عندما نتحدث عن القوة، فإننا نفكر عادة في حجم الاقتصاد وعدد الجنود والطائرات والصواريخ والتكنولوجيا العسكرية.
هذه هي القدرة.
لكن هناك نوعاً آخر من القوة أقل ظهوراً وأكثر تأثيراً، وهو الإرادة.
الإرادة هي مقدار ما يكون الطرف مستعداً لتحمله من خسائر وآلام وتضحيات من أجل تحقيق هدفه.
فالقدرة تحدد ما تستطيع فعله، أما الإرادة فتحدد ما أنت مستعد لدفعه من ثمن.
وهنا يبدأ الفرق بين الحسابات العسكرية والحسابات السياسية.
ما الذي قصده كاغان؟
يرى روبرت كاغان أن المشكلة الأساسية في التعامل الأمريكي مع إيران لا تكمن في نقص القوة العسكرية، بل في محدودية الاستعداد السياسي لاستخدام تلك القوة على نطاق واسع ولمدة طويلة.
فإيران، بحسب تحليله، أدركت أن الولايات المتحدة تتردد في الانخراط في حرب إقليمية شاملة، وأن كلفة مثل هذه الحرب قد تكون أعلى من استعداد واشنطن لتحملها.
وسواء اتفقنا مع هذا الاستنتاج أو اختلفنا معه، فإنه يعيدنا إلى سؤال أكثر عمومية:
هل تتحدد نتائج الصراعات بحجم القوة فقط، أم بمدى استعداد الأطراف لاستخدامها وتحمل نتائجها؟
معادلة الصراع الحقيقية
يمكن تلخيص كثير من الصراعات الحديثة بمعادلة بسيطة:
القدرة تمنحك إمكانية القتال.
الإرادة تمنحك القدرة على الاستمرار.
والزمن يكشف أي الطرفين أكثر استعداداً لتحمل الكلفة.
ولهذا فإن نتائج الحروب لا تتحدد دائماً بما تملكه الأطراف من أسلحة، بل بما تملكه من صبر واستعداد لتحمل الأعباء السياسية والاقتصادية والبشرية.
فقد يمتلك طرف ما قدرة عسكرية هائلة، لكنه لا يكون مستعداً لخوض حرب طويلة ومكلفة.
بينما يمتلك الطرف الآخر إمكانات محدودة، لكنه مستعد للاستمرار سنوات طويلة لأنه يعتبر الصراع قضية وجودية.
وهنا تتحول الإرادة إلى عنصر حاسم في تحديد النتائج.
ولدينا دروس من التاريخ فالحروب الكبرى مليئة بهذه الأمثلة.
في فيتنام لم تستطع القوة العسكرية الأمريكية ترجمة تفوقها إلى نصر سياسي.
وفي أفغانستان لم يتمكن الاتحاد السوفيتي ثم الولايات المتحدة من فرض نتائج دائمة رغم تفوقهما العسكري الساحق.
وفي كثير من النزاعات الحديثة يتكرر المشهد نفسه بأشكال مختلفة.
فالقوة العسكرية قد تكسب المعارك، لكنها لا تضمن دائماً كسب الحرب.
ربما يكون أهم ما يمكن استخلاصه من النقاش الذي أثاره روبرت كاغان أن فهم السياسة الدولية يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الصواريخ والطائرات والجيوش.
فالقوة ليست ما تملكه الدول من أدوات فقط، بل ما تملكه من استعداد لاستخدام تلك الأدوات وتحمل نتائج استخدامها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في كثير من الصراعات ليس:
من يملك السلاح الأقوى؟
بل:
من يمتلك الإرادة الأطول نفساً؟
ففي التاريخ، لم ينتصر الأقوى دائماً، بل انتصر في أحيان كثيرة الطرف الذي استطاع الصمود مدة أطول.
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي
حين تفشل القوة
حين تفشل القوة
د.علاء محمود التميمي
مايس ٢٠٢٦
الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومحور حلفائها من جهة أخرى، تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب حجم التصعيد العسكري، بل لأنها كشفت عن تحولات عميقة في طبيعة القوة والردع والتوازنات الدولية.
فعلى مدى عقود، بُني التصور الأمريكي للقوة العسكرية على فرضية أساسية مفادها أن التفوق الجوي والتكنولوجي كفيل بحسم أي مواجهة خلال فترة قصيرة.
هذا النموذج نجح نسبيًا في حروب مثل العراق عام 1991 أو حرب كوسوفو أو حتى غزو العراق عام 2003، حيث واجهت الولايات المتحدة جيوشًا تقليدية منهكة أو معزولة.
لكن المواجهة الحالية مع إيران أظهرت أن هذا النموذج لم يعد يعمل بالكفاءة ذاتها.
إيران ليست قوة عظمى، لكنها أيضًا ليست دولة قابلة للانهيار السريع.
فهي تمتلك عمقًا جغرافيًا واسعًا، وصناعة عسكرية محلية، وقدرات متطورة في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى شبكة إقليمية من الحلفاء والقوى المتحالفة معها.
الأهم من ذلك أن طهران خاضت خلال السنوات الماضية عملية طويلة لتكييف استراتيجيتها العسكرية مع واقع التفوق الأمريكي، فاعتمدت على حرب الاستنزاف، والضربات غير المتماثلة، وتوزيع القدرات العسكرية بدل تركيزها في أهداف ثابتة يسهل تدميرها.
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج الحرب الحالية:
التفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي لم يعد كافيًا لتحقيق الحسم السياسي.
صحيح أن الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على إلحاق دمار هائل بالبنية التحتية الإيرانية، لكن القدرة على التدمير لا تعني القدرة على فرض الاستسلام أو إعادة تشكيل النظام السياسي الإيراني.
بل إن استمرار الحرب لفترة طويلة يحمل مخاطر استراتيجية متزايدة على واشنطن وتل أبيب معًا، خصوصًا في ظل هشاشة أسواق الطاقة العالمية واعتماد الاقتصاد الدولي على استقرار الخليج.
الحرب كشفت أيضًا عن تحول مهم في طبيعة الردع.
فالقواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج ، أصبحت اليوم أهدافًا معرضة للخطر في أي تصعيد واسع.
الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة غيّرت المعادلة بالكامل، وأصبح استهداف المنشآت العسكرية والقواعد الثابتة أكثر سهولة من أي وقت مضى.
هذا التحول لا يخص إيران وحدها، بل يعكس تغيرًا عالميًا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث باتت التكنولوجيا الرخيصة نسبيًا قادرة على تهديد أكثر المنظومات العسكرية تطورًا.
أما إسرائيل، فتبدو اليوم أمام معضلة استراتيجية حقيقية.
فهي من جهة لا تستطيع القبول ببقاء إيران قوة إقليمية تمتلك برنامجًا صاروخيًا و مشروعا نوويا ، لكنها من جهة أخرى لا تملك القدرة على خوض حرب استنزاف طويلة دون دعم أمريكي مباشر ومفتوح.
الحرب في غزة وما تبعها من توسع للمواجهة الإقليمية أظهرت كذلك أن إسرائيل تواجه أزمة متعددة الأبعاد:
• أزمة عسكرية مرتبطة بتعدد الجبهات،
• أزمة سياسية داخلية،
• وأزمة صورة وشرعية على المستوى الدولي.
لقد تراجعت قدرة إسرائيل على تقديم نفسها كدولة “ضحية” في الرأي العام العالمي، خصوصًا مع حجم الدمار الإنساني الهائل في غزة.
وهذا التغير في المزاج الدولي قد لا يوقف الحرب فورًا، لكنه سيؤثر بمرور الوقت على البيئة السياسية التي تتحرك فيها إسرائيل والولايات المتحدة.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن إيران أيضًا تدفع ثمنًا باهظًا.
فالاقتصاد الإيراني يعاني أصلًا من العقوبات والضغوط، وأي حرب طويلة ستزيد الأعباء الداخلية بشكل كبير.
لكن ما تراهن عليه طهران هو أن قدرتها على الصمود أطول من قدرة خصومها على تحمل كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المرحلة الحالية.
فلا الولايات المتحدة قادرة بسهولة على تحقيق نصر حاسم، ولا إيران مستعدة للاستسلام، ولا إسرائيل تستطيع التراجع دون الشعور بأنها فقدت الردع.
وهذا يعني أن المنطقة دخلت في معادلة استنزاف مفتوحة، قد تتوسع في أي لحظة إلى صدامات أوسع تشمل الخليج وشرق المتوسط وربما خطوط الطاقة العالمية.
إن أخطر ما تكشفه الحرب الحالية هو أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة يمكن التحكم بها عبر التفوق العسكري التقليدي وحده.
لقد دخلت المنطقة مرحلة جديدة تتداخل فيها الصواريخ والطاقة والاقتصاد والتحالفات الدولية والحرب الإعلامية والسيبرانية في معركة واحدة معقدة ومفتوحة على إحتمالات يصعب التنبؤ بنهايتها.
وقف إطلاق النار: عندما تتوقف المدافع… ولا تتوقف الحرب
وقف إطلاق النار: عندما تتوقف المدافع… ولا تتوقف الحرب
د علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
مع إعلان الرئيس الأمريكي ترامب تمديد وقف إطلاق النار مع ايران إلى أجل غير محدد في ٢٢ نيسان ٢٠٢٦ بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه انتقال نحو التهدئة. غير أن القراءة الدقيقة، تشير إلى واقع أكثر تعقيدًا: الحرب لم تنتهِ، بل تغير شكلها فقط.
الأهداف الحقيقية للحرب: ما الذي سعت إليه واشنطن؟
مع انطلاق الضربة العسكرية في ٢٨ شباط ٢٠٢٦ من قبل أمريكا واسرائيل كانت الأهداف جزءًا من تصور استراتيجي واضح حيث اعلن ترامب الأهداف التالية :
أولًا، منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية فعّالة، عبر ضرب البنية التحتية وتعطيل البرنامج.
ثانيًا، إضعاف قدرات الضرب بعيدة المدى، خصوصًا الصواريخ والمسيّرات.
ثالثًا، تقليص النفوذ الإقليمي الإيراني عبر الضغط على شبكات الحلفاء.
رابعًا، إعادة فرض الردع وتعديل ميزان القوة بما يفرض شروط تفاوض جديدة.
خامسا,ورغم أن إسقاط النظام لم يُعلن رسميًا صراحة ، إلا أن تغريدات ترامب المتكررة والطلب من الإيرانين النزول للشوارع فالمدد قادم وتحريضات نتنياهو وجواسيسه داخل ايران على الاستيلاء على المقرات الحكومية و نمط العمليات العسكرية يوحي بأن إسقاط النظام الإيراني كان ضمن أهداف الحرب .
ماذا تحقق فعليًا؟
بعد أكثر من شهر من العمليات، يمكن القول إن النتائج جاءت دون مستوى الحسم:
• البرنامج النووي تأثر، لكنه لم يُنهَ ولا معلومات عن ٤٤٥ كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب
• القدرات الصاروخية تضررت، لكنها لم تُشل بل تم استخدام أنواع جديدة من الصواريخ الانشطارية البالستية
• النفوذ الإقليمي لايران عبر مؤيديها في المنطقة لم يتغير
• الردع لم يتحقق بشكل واضح ، لفرض شروط تفاوضية جديدة
• لم يتم إسقاط النظام
بمعنى آخر: لم يتحقق شيئ واضح لحد الان
قرار وقف إطلاق النار الدائمي الحالي يحمل في طياته مفارقة واضحة:
• من جهة، هو نجاح تكتيكي يوقف التصعيد ويمنع الانزلاق إلى حرب واسعة
• ومن جهة أخرى، هو هش استراتيجيًا لأنه لم يعالج جذور الصراع
• تاثر دول الخليج العربي اقتصاديا لعدم تصدير النفط والغاز
الأهم من ذلك أن الحصار البحري الأمريكي لخنق ايران لا يزال قائمًا، وهو ما يجعل الوضع أقرب إلى:
“وقف إطلاق نار فوق ساحة لم تُنزَع منها أدوات الحرب”
هذا النوع من التوازن يُعرف عسكريًا بأنه استقرار قابل للانهيار.
مع تراجع احتمالات الحرب المباشرة، سيبرز نمط جديد:
• عمليات سيبرانية
• تحركات عبر وكلاء
• احتكاكات بحرية محدودة
• استنزاف منخفض الكثافة طويل الأمد
أي أن الصراع انتقل من حرب مرئية عالية الكلفة إلى
مواجهة خفية أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا
رغم التهدئة الحالية، لم تشهد الأسواق لعودة إلى أسعار ٢٨ شباط ، بل تراجعًا محدودًا فقط عن الأسعار العالية الحالية والسبب بسيط:
السوق لا يسعّر فقط احتمال الحرب، بل يسعّر أيضًا استقرار الإمدادات.
ما يعيشه السوق اليوم:
• الخوف من الحرب تراجع
• لكن اضطراب الإمدادات مستمر، خصوصًا في مضيق هرمز
لذلك فإن ما حدث هو:
انخفاض في القلق… دون عودة إلى التوازن
وهذا يفسر استمرار الضغط على الاقتصاد العالمي، خاصة في الدول المستوردة للطاقة.
إلى أين يتجه الوضع؟
المشهد الحالي يفتح أربعة مسارات محتملة:
• تهدئة هشة مع مفاوضات متقطعة (الأرجح)
• عودة تصعيد محدود نتيجة حادث أو فشل تفاوضي
• تحول الصراع إلى حرب ظل طويلة
• تسوية شاملة (وهو احتمال ضعيف حاليًا)
لكن القاسم المشترك بين هذه السيناريوهات هو أن:الاستقرار الحقيقي لم يتحقق بعد فالحرب مؤجلة وليست منتهية حيث لم تحقق الولايات المتحدة حسمًا عسكريا استراتيجيًا، ولم تُنكسر إرادة إيران .
وفي المقابل، لم يعد أي طرف راغبًا في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
النتيجة:
حالة وسطية خطرة: لا حرب كاملة… ولا سلام حقيقي
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون السؤال:
“هل انتهت الحرب؟”
بل:
“متى ستعود… وبأي شكل؟”
حين تصبح الحماية الأمريكية عبئًا: تأملات في حربٍ تعيد صياغة العالم
د.علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
في الحروب التقليدية، تُقاس النتائج بعدد الضحايا، ومساحة الخراب، وحجم الخسائر الاقتصادية. أما في الحروب التي تُخطئ في منطقها منذ البداية، فإن آثارها تمتد أبعد من ذلك بكثير؛ إذ لا تكتفي بإعادة رسم خرائط القوة، بل تُعيد تشكيل الثقة ذاتها التي يقوم عليها النظام الدولي. وهذا بالضبط ما نلمسه اليوم في تداعيات الحرب بين امريكا واسرائيل وايران المتوقفة حاليا بهدنة لمدة ١٥ يوم .
الجميع يتسائل عن تضرر دول الخليج العربية و ماذا يحدث حين تتوقف الحرب باتفاق بين امريكا وايران و تكتشف هذه الدول أن الحماية التي اعتمدت عليها لعقود قد تحولت، في لحظة ما، إلى مصدر خطر؟
على امتداد عقود، قامت معادلة الخليج على افتراض واضح: الأمن مقابل التحالف. كانت الولايات المتحدة تمثل المظلة التي تضمن الاستقرار، وتُوازن التهديدات الإقليمية، وتمنح حلفاءها هامشًا واسعًا من الطمأنينة الاستراتيجية. غير أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة هذه المعادلة، حين بدا أن ذات القوة التي يُفترض أن تحمي، قادرة أيضًا—بقرار واحد—على جرّ المنطقة إلى مواجهة واسعة، دون أن تكون دولها طرفًا في قرارها.
هنا يبدأ التحول الحقيقي.
فالدول لا تُعيد حساباتها بسبب الخسائر فقط، بل بسبب انكشاف الفرضيات التي قامت عليها سياساتها. والخليج اليوم، كما يبدو، يقف أمام معضلة مركبة: لا يستطيع الانفصال عن الولايات المتحدة، لكنه لم يعد قادرًا على الوثوق الكامل بها. وبين هذا وذاك، ينشأ فراغ استراتيجي بالغ الخطورة.
في مثل هذه اللحظات، لا تبحث الدول عن الحلفاء بقدر ما تبحث عن تقليل المخاطر. ولهذا، ليس من المستغرب من ناحية الواقعية السياسية أن تتجه بعض العواصم الخليجية مستقبلا إلى تخفيف التوتر مع إيران، لا بدافع التقارب الأيديولوجي، بل من باب البراغماتية الصرفة: تجنب الخسائر إذا تكررت الكارثة.
لكن المفارقة أن هذا التحول لا يعكس قوة في القرار بقدر ما يعكس ضيق الخيارات. فالعالم الذي يتشكل اليوم لا يقدم بدائل جاهزة. الصين، رغم حضورها الاقتصادي، لم تتحول بعد إلى مظلة أمنية. وأوروبا، الغارقة في أزماتها، تبدو أبعد من أن تكون شريكًا استراتيجيًا كاملاً. وهكذا تجد دول الخليج نفسها في منطقة رمادية: بين تحالف لم يعد موثوقًا بالكامل، وبدائل لم تكتمل شروطها بعد.
غير أن تداعيات هذه الحرب لا تتوقف عند حدود الخليج . فحين تنقل الولايات المتحدة خلال هذه الحرب مواردها العسكرية من اليابان وكوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، فإنها لا تُعيد ترتيب أولوياتها فحسب، بل تُرسل رسالة ضمنية إلى حلفائها في أماكن أخرى: أن التزاماتها قابلة لإعادة التفسير وفقًا لاعتبارات اللحظة.
وهنا يبدأ التآكل البطيء في الثقة.
اليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، قد لا تعلنان شكوكهما صراحة، لكنهما تدركان أن المظلة الأمنية—بما في ذلك النووية—لم تعد بالصلابة التي كانت تُفترض. أما أوروبا، التي تعيش أصلًا توترًا متصاعدًا مع واشنطن، فقد تجد في هذه الحرب دليلًا إضافيًا على ضرورة إعادة تعريف علاقتها عبر الأطلسي، وربما التحرر التدريجي من تبعيتها الاستراتيجية.
إنها لحظة يعاد فيها طرح سؤال قديم بصيغة جديدة:
هل يمكن لحليف أن يكون مصدر تهديد؟
في العمق، تكشف هذه الحرب عن خلل أعمق من مجرد سوء تقدير عسكري. إنها أزمة في منظومة اتخاذ القرار ذاتها. فالأدبيات الاستراتيجية، منذ عقود، تُحذر من محدودية القوة الجوية في تحقيق تغيير سياسي جذري. وتجارب التاريخ—من فيتنام إلى العراق—تؤكد أن إسقاط الأنظمة ليس عملية تقنية تُنجز بالقصف، بل معادلة معقدة تتشابك فيها السياسة والمجتمع والهوية.
ومع ذلك، جرى اتخاذ القرار وكأن هذه الحقائق غير موجودة و تصبح الحرب أقرب إلى مقامرة منها إلى استراتيجية. وهنا، لا يكون الفشل احتمالًا، بل نتيجة شبه حتمية.
ولعل من نتائج هذه الحرب ايضا أنها لا تُضعف خصمًا بعينه بقدر ما تُضعف الهيمنة الأمريكية فحين يشعر الحلفاء بالقلق، والخصوم بالجرأة، والفاعلون الدوليون بالحيرة، فإن التوازن الذي حكم العالم لعقود يبدأ في التفكك، ولو ببطء.
في مثل هذا السياق، يستعيد المرء مقولة قديمة تُنسب إلى كيسنجر:
“ليس هناك ما هو أسوأ من أن تكون عدوًا للولايات المتحدة… إلا أن تكون حليفًا لها.”
قد تبدو العبارة مبالغًا فيها، لكنها تكتسب اليوم معنى جديدًا. ليس لأن الحلف أصبح عبئًا دائمًا، بل لأنه لم يعد ضمانة مطلقة. وهذا التحول، بحد ذاته، كفيل بإعادة تشكيل سلوك الدول، وربما رسم ملامح نظام دولي جديد .
في النهاية، قد تتوقف هذه الحرب، وقد تُرمم بعض الجسور، وقد تعود الأمور ظاهريًا إلى ما كانت عليه. لكن ما انكسر في العمق—وهو الثقة—لا يُعاد بناؤه بسهولة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من ربح هذه الحرب؟
بل: أي عالمٍ سنستيقظ عليه بعدها؟
نشر المقال في مدونة الدكتور علاء التميمي
بين المستنصرية وهارفارد: من أسّس فكرة الجامعة… ومن طوّرها؟
ا.د علاء محمود التميمي
نيسان ٢٩٢٦
حين يُذكر التعليم العالي في الوعي المعاصر، تقفز إلى الذهن أسماء الجامعات الغربية الكبرى، وفي مقدمتها هارفارد، بوصفها رمزًا للمعرفة الحديثة، والبحث العلمي، والنخبة الأكاديمية. غير أن هذا التصور، على وجاهته في جانب منه، يبقى ناقصًا إذا أغفل سؤالًا أكثر عمقًا: هل الجامعة الحديثة اختراع غربي خالص، أم أن جذورها الحضارية أقدم وأوسع من ذلك؟
هنا تبرز المدرسة المستنصرية في بغداد، لا باعتبارها أثرًا معماريًا أو صفحة من التاريخ العباسي فحسب، بل باعتبارها شاهدًا على أن العالم الإسلامي قد عرف، قبل قرون طويلة من نشوء كثير من الجامعات الغربية الحديثة، نموذجًا مؤسسيًا متقدمًا للتعليم، جمع بين العلم والعمارة والخدمة الاجتماعية والهوية الحضارية. فالمدرسة المستنصرية أُسست سنة 1233م في بغداد في عهد الخليفة العباسي المستنصر بالله، في حين تأسست جامعة هارفارد سنة 1636م، أي بعد المستنصرية بنحو أربعة قرون.
ليست المقارنة هنا دعوة إلى مفاخرة عاطفية، ولا محاولة لإلغاء ما أنجزه الغرب الحديث في تنظيم المعرفة وتطوير البحث العلمي، بل هي محاولة لإعادة ترتيب الذاكرة: من العدل أن نقر بأن المستنصرية تمثل مرحلة مبكرة وناضجة في تاريخ الجامعة بوصفها مؤسسة حضارية، بينما تمثل هارفارد مرحلة متقدمة من تطور الجامعة الحديثة بوصفها مؤسسة بحثية عالمية.
الجامعة كفكرة حضارية
في المستنصرية، لم يكن التعليم نشاطًا معزولًا عن روح المجتمع والدولة والعمران. المبنى نفسه كان يعبر عن الفكرة: فناء مركزي، إيوانات، غرف للدارسين، انتظام داخلي، وتكامل بين الوظيفة والجمال. لقد كانت الجامعة هنا مكانًا لتكوين الإنسان، لا مجرد مرفق لمنح الشهادات. كانت المعرفة جزءًا من رؤية كبرى للعالم، يتجاور فيها العلم والدين، والعقل والقيمة، والمعمار والرسالة.
أما هارفارد، فقد نشأت في سياق مختلف: سياق الدولة الحديثة، والتوسع المؤسسي، والتخصصات الأكاديمية الدقيقة، ثم تحولت مع الزمن إلى واحد من أهم مراكز إنتاج المعرفة في العالم. قوتها لا تكمن فقط في تاريخها، بل في قدرتها على تطوير البحث، وصناعة النخب، وربط الجامعة بالاقتصاد والدولة والتأثير العالمي. وإذا كانت المستنصرية تمثل الجامعة بوصفها مركز إشعاع حضاري، فإن هارفارد تمثل الجامعة بوصفها محركًا استراتيجيًا لإنتاج المعرفة والسلطة الناعمة.
من العمارة إلى الفلسفة
الفرق بين المؤسستين ليس زمنيًا فقط، بل فلسفي أيضًا. فالمستنصرية تعكس عالمًا يرى العلم جزءًا من انتظام الكون والمجتمع، لذلك جاء تخطيطها المعماري منغلقًا على مركزه، وكأن المعرفة تبدأ من الداخل، من السكينة، من النظام، من الانتماء. أما الجامعات الحديثة الكبرى، مثل هارفارد، فتعكس عالمًا أكثر انفتاحًا وتشعبًا وتخصصًا؛ عالمًا تتحرك فيه الكليات والمختبرات ومراكز الأبحاث ضمن شبكة واسعة من العلاقات المحلية والعالمية.
في المستنصرية، كان الحيز المعماري يحمل المعنى؛ الجدران السميكة، الصحن الداخلي، الظلال، والزخارف كلها لم تكن ترفًا شكليًا، بل جزءًا من فلسفة المكان. وفي هارفارد، يغلب على الحرم الجامعي منطق التوسع الوظيفي والتعدد المعرفي والانفتاح المكاني. هناك فرق بين جامعة تريد أن تصوغ عالمًا متكاملًا داخل جدرانها، وجامعة تريد أن تتفاعل مع عالم مفتوح بلا حدود.
من سبق من؟
إذا كان المقصود بالسؤال: من سبق في إنشاء مؤسسة تعليم عالٍ منظمة، فإن المستنصرية تقف بوضوح في موقع متقدم تاريخيًا. أما إذا كان المقصود: من نجح في تطوير الجامعة الحديثة إلى ذروة عالمية في البحث والتأثير، فإن هارفارد تمثل هذا الإنجاز دون شك. من هنا، فإن المقارنة النزيهة لا تقوم على نفي أحد الطرفين، بل على فهم اختلاف المرحلة والوظيفة والسياق.
لقد سبقت المستنصرية هارفارد زمنيًا، لكن هارفارد سبقت كثيرًا من جامعات العالم المعاصر في تحويل الجامعة إلى مؤسسة عالمية التأثير. الأولى تعلمنا أن الحضارة الإسلامية لم تكن هامشًا في تاريخ المعرفة، والثانية تعلمنا أن من يطوّر المؤسسة ويجددها يملك القدرة على قيادة العصر.
الحاجة إلى استعادة التوازن
المشكلة في وعينا الثقافي اليوم ليست أننا نعترف بتميز الجامعات العالمية الحديثة، بل أننا نفعل ذلك أحيانًا على حساب ذاكرتنا الحضارية. نحن لا نحتاج إلى تمجيد الماضي على حساب الحاضر، ولا إلى تمجيد الحاضر على حساب الماضي؛ نحن نحتاج إلى تركيب فكري يعترف بأن الأمة التي أنشأت المستنصرية قادرة، من حيث المبدأ، على أن تنشئ جامعة معاصرة تضاهي هارفارد، إذا استعادت شروط الفعل: الرؤية، والإدارة، والحرية، والبحث، والاستثمار في الإنسان.
المستنصرية تقول لنا إننا كنا نملك فكرة الجامعة. وهارفارد تقول لنا إن النجاح لا يكفي أن يبدأ مبكرًا، بل يجب أن يستمر ويتطور ويتجدد. بينهما درس بالغ الأهمية: الحضارات لا تُقاس فقط بمن بدأ أولًا، بل بمن حافظ على الفكرة وطوّرها وأعاد إنتاجها في كل عصر.
خاتمة
ليست المقارنة بين المستنصرية وهارفارد مسابقة بين أنقاض الماضي ومختبرات الحاضر، بل هي حوار بين مرحلتين من تاريخ العقل الإنساني. المستنصرية دليل على أن بغداد كانت يومًا منارة للعلم والعمران والجامعة. وهارفارد دليل على أن المؤسسة التعليمية، حين تجد من يراكم عليها ويحدثها، تستطيع أن تتحول إلى قوة عالمية.
الإنصاف يقتضي أن نقول:
المستنصرية أسست مبكرًا معنى الجامعة الحضارية، وهارفارد طورت باقتدار معنى الجامعة الحديثة.
وبين هذين المعنيين، تقف أمتنا اليوم أمام سؤال مصيري:
هل نكتفي بالافتخار بأننا بدأنا مبكرًا، أم نبدأ من جديد لنصنع جامعة تليق بتاريخنا وعصرنا معًا؟
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي
هدنة ال ١٥ يوم : قراءة في توازن القلق بين واشنطن وطهران
د. علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
في لحظةٍ بدت فيها المنطقة على حافة انزلاقٍ واسع نحو مواجهة مفتوحة، جاء الإعلان المتزامن من واشنطن وطهران عن هدنة لمدة خمسة عشر يومًا، يترافق – كالمعتاد – مع إعلان الطرفين تحقيق “النصر”. غير أن القراءة الهادئة، خارج ضجيج الخطاب السياسي، تكشف أن ما جرى لا يندرج في خانة الانتصارات، بل في نطاقٍ أكثر تعقيدًا: إدارة التراجع دون الاعتراف به.
هذه الهدنة، في جوهرها، ليست اتفاقًا، بل تعليقٌ مؤقت لصراعٍ بلغ سقف كلفته. فحين تتقاطع حدود القوة مع حدود الاحتمال، يصبح التوقف ليس خيارًا أخلاقيًا أو سياسيًا، بل ضرورة عملياتية. لا أحد هنا انتصر، لكن الجميع أدرك أن الاستمرار قد يقود إلى ما لا يمكن احتواؤه.
من الناحية الاستراتيجية، يمكن توصيف هذه اللحظة بأنها توازن ردع هش:
الولايات المتحدة – ومعها إسرائيل – لم تتمكن من فرض حسم سريع يعيد تشكيل قواعد الاشتباك، وإيران، رغم قدرتها على الإيلام، لم تملك أدوات نقل المعركة إلى مستوى يغيّر ميزان القوى جذريًا. وهكذا، وجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة كلاسيكية: القدرة على التصعيد موجودة، لكن كلفته تتجاوز العائد المتوقع.
أما إعلان “النصر” من كلا الجانبين، فلا ينبغي أن يُقرأ كتناقض بقدر ما هو انعكاس لقانون ثابت في الحروب الحديثة: إدارة الرواية لا تقل أهمية عن إدارة الميدان. في الداخل الأمريكي، لا بد من تأكيد الهيبة ومنع انطباع التراجع. وفي الداخل الإيراني، لا بد من تثبيت سردية الصمود والردع. وبين السرديتين، تضيع الحقيقة البسيطة: لم يُهزم أحد، لكن أحدًا لم ينتصر.
اللافت أن مدة الهدنة – خمسة عشر يومًا فقط – تحمل دلالتها بوضوح. فهي ليست زمنًا لبناء الثقة، بل فترة اختبار نوايا، أقرب إلى “استراحة مسلحة” منها إلى مسار تهدئة مستقر. إنها مهلة لإعادة التموضع، سياسيًا وعسكريًا، وربما اقتصاديًا، في ظل إدراك عميق لدى الطرفين بأن أي خطأ في الحساب قد يعيد إشعال المواجهة بوتيرة أعلى.
في العمق، تعكس هذه الهدنة تحوّلًا مهمًا في طبيعة الصراع: من البحث عن الحسم إلى إدارة المخاطر. فالمسألة لم تعد من يربح الحرب، بل من يستطيع منعها من التوسع. وهنا تحديدًا تتقاطع حسابات الطاقة، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الأسواق العالمية، مع الحسابات العسكرية البحتة. إن مضيق هرمز، في هذا السياق، ليس مجرد ممر مائي، بل خط تماس عالمي، وأي عبث به يتجاوز الإقليم ليطال النظام الاقتصادي الدولي برمّته.
لذلك، يمكن القول إن هذه الهدنة تمثل لحظة إدراك مشتركة – وإن لم يُعلن عنها – بأن الصراع خرج من نطاق السيطرة التقليدية، وأن أدوات القوة الصلبة لم تعد كافية لتحقيق أهداف سياسية دون أثمان باهظة.
ما نشهده باختصار ليس نهاية مواجهة، ولا حتى بداية سلام، بل:
تجميدٌ مؤقت لصراعٍ مفتوح، فرضه توازن الردع وخشية الانزلاق إلى حربٍ لا يملك أيٌّ من أطرافها القدرة على احتوائها.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس النجاح بما تحقق، بل بما تمّ تفاديه.
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
حين تدخل مفردة تدمير الحضارة في خطاب الحربقراءة في أخطر تعبير سياسي معاصر
د علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
ليست المشكلة في الحروب الحديثة أنها تقتل البشر فقط، أو تدمر الجسور والمطارات ومحطات الكهرباء، بل في أنها بدأت تُصاغ بلغة تتجاوز حدود الحرب نفسها، لتلامس معنى الوجود الإنساني كله. وهذا بالضبط ما يجعل العبارة التي وردت في تغريدة امس للرئيس ترامب
“civilization will die”.
هذه ليست جملة عابرة في سياق سجال سياسي. إنها عبارة تضعنا مباشرة أمام مفردة نادرًا ما تُستعمل في الخطاب اليومي للقادة: قتل الحضارة. فحين ينتقل الكلام من هزيمة خصم، أو معاقبة دولة، أو حتى إسقاط نظام، إلى الحديث عن “قتل الحضارة”، فإننا لا نكون أمام تهديد عسكري تقليدي، بل أمام لغة أبوكاليبسية، Apocalyptic من اليونانية تعني خطاب يستخدم مفردات قصوى لوصف الأحداث وهي مفردة تعني الصورة النهاية الشاملة، لا مجرد النصر أو الهزيمة.
هذه العبارة لم تستخدم من رئيس في وقت الحرب في التاريخ الحديث
وهذا التوصيف، على شدته، يعكس إدراكًا بأن الخطر لم يعد في القرار العسكري وحده، بل في الخيال السياسي الذي يسبق القرار ويبرره.
ماذا يعني أن يتحدث إنسان، أيًّا كان موقعه، بلغة توحي بامتلاك قدرة تقرير مصير الحضارة؟
وهنا تكمن جوهر المسألة: الإنسان المعاصر، بفضل القوة العسكرية والتكنولوجية، بات قادرًا على إلحاق دمار هائل بالحياة، لكنه ما يزال عاجزًا عن ادعاء الحكمة التي تمنحه حق استخدام تلك القدرة بلا حدود.
ومن هنا أيضًا يمكن الربط المباشر بين هذا النوع من الخطاب وبين شبح السلاح النووي. أن فتح الباب أمام هذا المستوى من التهديد هو اللحظة التي يصبح فيها الحديث عن الإنسانية نفسها مشروعًا وضروريًا.
أي أن المسألة لم تعد خلافًا جيوسياسيًا بين دول، بل احتمال انزلاق البشرية إلى نقطة تفقد فيها السياسة عقلها، ويتحول الردع إلى تهور، والقوة إلى غواية تدمير شامل لعصر صار فيه القرار بيد قلة من البشر قادرًا على تهديد مدن كبرى، وشعوب كاملة، وتراكمات تاريخية وثقافية عمرها قرون. فالحضارات لا تختصر في الأبنية والمتاحف، بل في الذاكرة، واللغة، والرمز، والقدرة الجمعية على الاستمرار. وعندما تدخل هذه كلها في مرمى التهديد، يصبح من المشروع أن نسأل: هل ما زلنا في حقل السياسة، أم أننا دخلنا منطقة العدم؟
وهنا أُشير إلى قصة نبوءة دلفي وهي مجموعة من التنبؤات أو الإجابات الغامضة التي كانت تصدر عن كاهنة تُعرف باسم بيثيا (Pythia) في معبد الإله أبولو بمدينة دلفي في اليونان القديم.أوهمت دلفي الملك كرويسوس بأنه إذا عبر النهر سيدمر إمبراطورية عظيمة، لكنه اكتشف لاحقًا أن الإمبراطورية التي دُمّرت كانت إمبراطوريته .
وهذه الإشارة، على بساطتها، تذكّر بحقيقة قديمة تتكرر في كل عصر: من يندفع إلى تدمير الآخرين بلغة الغطرسة، قد يكون في الحقيقة يكتب بداية تدمير نفسه فالتاريخ لا يرحم من يظن أن القوة تكفي وحدها لتقرير مصير الأمم .
إن أخطر ما في هذا النوع من الخطاب ليس فقط ما يعلنه، بل ما يكشفه عن تحول في أخلاقيات السلطة. فعندما يصبح الحديث عن الحضارة الإنسانية جزءًا من قاموس الحرب، نكون قد تجاوزنا منطق المصالح إلى منطق أكثر ظلمة: منطق الاستباحة الشاملة، حيث يُعاد تعريف البشر والثقافات والمدن بوصفها عناصر قابلة للمحو في لعبة القوة.
لهذا فإن الواجب الفكري والأخلاقي اليوم ليس الاصطفاف الأعمى لهذا الطرف أو ذاك، بل الدفاع عن مبدأ يطبق على الجميع: أن الحضارة الإنسانية ليست مادة للابتزاز السياسي ولا للتهديد العسكري. وأن من يتحدث عن إفناء الحضارة، أو يلوّح بما يقود إلى ذلك، لا يكشف فقط عن عنف في الموقف، بل عن خلل في تصور الإنسان لحدود سلطته على العالم.
في النهاية، قد تكون الحروب قديمة قدم التاريخ، لكن الجديد في عصرنا أن الإنسان صار قادرًا على تدمير ما لم تستطع جيوش القرون الماضية تدميره. ولهذا فإن أخطر سلاح ليس الصاروخ وحده، بل اللغة التي تبرر إطلاقه. وحين تدخل “الحضارة” في خطاب الحرب، يصبح من حقنا أن نقلق، لا على دولة بعينها فقط، بل على المعنى نفسه الذي يجعلنا بشرًا.
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي