ما لا تشتريه الثروة

خاطرة الجمعة

ما لا تشتريه الثروة

علاء محمود التميمي

آب 2026

ليس كل من أصبح ثريًا نما من الداخل، وليس كل من اتسعت ثروته اتسعت معها رؤيته للحياة أو نضجت تجربته فيها.

فالمال يملك قدرة هائلة على تغيير كثير من تفاصيل وجودنا. يبدّل البيوت والسيارات وأنماط العيش، ويستطيع أن يفتح أبوابًا كانت موصدة، وأن يجذب وجوهًا جديدة إلى موائدنا. لكنه، مهما بلغت قوته، يبقى عاجزًا عن شراء تاريخ لم نعشه، أو معرفة لم نسعَ إليها، أو خبرة لم ندفع ثمنها من أعمارنا وتجاربنا.

ثمة أشياء تنمو ببطء، ولا تؤمن بالطرق المختصرة. أشياء لا تُورَّث عبر الحسابات المصرفية، ولا تُقتنى بوفرة المال. فالثقافة بناءٌ طويل، والحكمة ثمرةُ تجارب متراكمة، والهيبة الحقيقية حصيلة سنوات من الصدق والعمل والاحترام.

وتبدأ المعضلة حين تأتي الثروة إلى إنسان ما تزال في داخله جراح الحرمان القديمة تنبض. فبدل أن تتحول النعمة إلى مصدر للطمأنينة والسكينة، تصبح أحيانًا مشروعًا دائمًا لإثبات الذات. وكأن المال لا يكتفي بتحسين ظروف الحياة، بل يُستدعى ليمنح صاحبه سلطة على المعرفة، وأحقية في الرأي، ومكانة لا يصنعها إلا الزمن.

وهنا تتجلى واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية إثارة للتأمل.

فالإنسان الواثق من قيمته لا يشعر بالتهديد أمام من يفوقه علمًا أو خبرة، بل يرى في الاقتراب منه فرصة للتعلم والنمو. أما من يثقل قلبه شعور خفي بالنقص، فإنه ينشغل بمقارنة نفسه بالآخرين أكثر من انشغاله ببناء ذاته.

وقد يدفعه ذلك إلى التقليل من شأن أصحاب الخبرة، أو تجاهل إنجازاتهم، أو إعادة تعريف معايير التفوق بطريقة تمنحه إحساسًا مؤقتًا بالامتياز. غير أنه في أعماقه يخوض معركة لا علاقة للآخرين بها؛ معركة البحث عن قيمة يحاول المال أن يملأ فراغها، لكنه يعجز عن ذلك مهما تضاعفت الأرقام وتكاثرت الممتلكات.

فمن يعرف قدر نفسه لا يحتاج إلى استعراضه، ومن يدرك مكانته الحقيقية لا يرهقه إثباتها في كل مجلس.

لأن هناك أشياء لا تُشترى.

فالحكمة لا تُقتنى كما تُقتنى المقتنيات، والثقافة لا تختزل في عدد الرحلات أو الفنادق أو المطاعم، والثروة لا تمنح صاحبها تلقائيًا احترام الناس أو تقديرهم.

إن الاحترام الحقيقي يشبه شجرة وارفة الظلال؛ تنمو ببطء، وتتغذى من سنوات طويلة من السلوك الكريم والمواقف النبيلة والوفاء للقيم. وكلما امتدت جذورها في الأرض، ازداد رسوخها في النفوس.

وأجمل ما يمكن أن تفعله الثروة بالإنسان أن تمنحه مزيدًا من الحرية والسكينة، وأن توسّع قدرته على العطاء. أما أسوأ ما قد تفعله به فهو أن توهمه بأن ارتفاع رصيده يعني بالضرورة ارتفاع مكانته الإنسانية.

فالثروة نعمة حين توسّع القلب والعقل، وتصبح محنة حين لا تفعل سوى تضخيم صورة الإنسان عن نفسه.

لقد عرفنا في الحياة أناسًا امتلكوا الكثير، لكنهم ظلوا أكبر من ثرواتهم تواضعًا ومعرفةً وكرمًا ونبلًا. وعرفنا آخرين تضاعفت ممتلكاتهم، بينما بقي في أعماقهم ذلك الجوع القديم، وذلك القلق المزمن الذي ينتظر اعتراف الآخرين وتصفيقهم.

ولهذا ينزعج بعض الناس مما تمثله بعض الشخصيات لا مما تملكه. يزعجهم تاريخ لا يمكن اختصاره، ومعرفة لا يمكن شراؤها، وخبرة لا تُمنح بالثروة، واحترام تجمّع قطرةً قطرة عبر السنين.

وهؤلاء لا يحتاجون إلى خصومة أو مواجهة بقدر ما يحتاجون إلى وقت كافٍ ليصالحوا أنفسهم مع ذواتهم. فبناء الإنسان من الداخل عملية طويلة لا تختصرها الثروات، ولا تنجزها الصدف السعيدة، بل تحتاج عمرًا كاملًا من الوعي والمراجعة والنضج.

فالمال قادر على تغيير مستوى الحياة، لكنه لا ينجح دائمًا في تغيير مستوى الوعي. وبين الأمرين مسافة شاسعة، هي ذاتها المسافة بين ما نملكه… وما نكونه.

نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

www.altamimialaa.com

هيروشيما وناغازاكي عام 1945… اليوم الذي تغيّر فيه العالم

د. علاء محمود التميمي

٩ آب/2026

في السادس والتاسع من آب/أغسطس 1945، لم تُدمَّر مدينتان يابانيتان فحسب، بل دخل الإنسان عصرًا جديدًا أدرك فيه، للمرة الأولى، أنه امتلك من القوة ما يكفي ليس فقط لهزيمة خصمه، بل لتهديد وجوده هو نفسه.

مرّت واحد وثمانون عامًا على هيروشيما وناغازاكي، لكن السؤال الذي وُلد تحت سحابتيهما النوويتين ما زال حيًا:

هل أصبح الإنسان أكثر حكمة بقدر ما أصبح أكثر قدرة؟

في صباح السادس من آب/ 1945، أُلقيت القنبلة الذرية الأولى المستخدمة في الحرب على مدينة هيروشيما. وفي لحظات تحولت أجزاء واسعة من المدينة إلى أنقاض، وسقط عشرات الآلاف من البشر، ثم ارتفع عدد الضحايا خلال الأشهر والسنوات التالية نتيجة الحروق والإصابات والتعرض للإشعاع.

وبعد ثلاثة أيام، في التاسع من آب، في مثل هذا اليوم أُلقيت القنبلة الذرية الثانية على ناغازاكي.

لم يكن الموت وحده هو الجديد في تلك المأساة؛ فالحروب عرفت الموت والدمار منذ أن عرف الإنسان الحرب. الجديد كان أن طائرة واحدة، تحمل سلاحًا واحدًا، أصبحت قادرة خلال لحظات على تدمير مدينة وقتل أعداد هائلة من سكانها.

والأكثر إثارة للرعب أن الخطر لم ينتهِ بانتهاء الانفجار.

دخل إلى وعي البشرية عدو لا يُرى بالعين: الإشعاع.

فبعض آثار التعرض للإشعاع لا تظهر فورًا، وإنما قد تظهر بعد سنوات، من خلال زيادة مخاطر بعض الأمراض والسرطانات وغيرها من التأثيرات الصحية. وهكذا لم يعد مفهوم الكارثة مرتبطًا فقط بما نراه من مبانٍ مدمرة وجثث وحرائق، بل بما قد يبقى في الإنسان والبيئة بعد أن يصمت الانفجار.

ومن رحم ذلك الخوف نشأ وعي عالمي جديد بمخاطر الإشعاع. ففي عام 1955 أنشأت الجمعية العامة للأمم المتحدة اللجنة العلمية للأمم المتحدة المعنية بآثار الإشعاع الذري UNSCEAR، لتقييم مستويات التعرض للإشعاع وآثاره ومخاطره على الإنسان والبيئة. وبعد ذلك بعامين، عام 1957، تأسست الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA لتعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وتطوير منظومة الضمانات والأمان المرتبطة بها.

لكن هيروشيما وناغازاكي لم تكونا نهاية قصة الخطر النووي.

فخلال العقود التالية شهد العالم سلسلة من الحوادث النووية والإشعاعية: كارثة كيشتم في الاتحاد السوفيتي عام 1957، وحريق ويندسكيل في بريطانيا في العام نفسه، وحادث جزيرة ثري مايل في الولايات المتحدة عام 1979، ثم كارثة تشيرنوبل عام 1986، وصولًا إلى فوكوشيما في اليابان عام 2011.

وكان لكل حادث ظروفه ومستواه وآثاره المختلفة، ولذلك ليس من الدقة العلمية وضعها جميعًا في مستوى واحد. لكنها جميعًا أكدت حقيقة أساسية: أن التكنولوجيا النووية، عندما تفشل أنظمة الأمان المحيطة بها، يمكن أن تتجاوز آثارها حدود المنشأة والمدينة، وأحيانًا حدود الدولة نفسها.

كما عرف العالم حوادث خطيرة أثناء التعامل مع الأسلحة النووية ونقلها. ففي عام 1966 وقع حادث بالوماريس في إسبانيا عندما اصطدمت قاذفة أمريكية من طراز B-52 بطائرة للتزود بالوقود، وسقطت أسلحة نووية كانت تحملها. لم يحدث انفجار نووي، لكن مواد مشعة تسببت في تلوث المنطقة. وفي عام 1968 تحطمت قاذفة أمريكية أخرى قرب قاعدة ثول في غرينلاند وهي تحمل أسلحة نووية، وحدث تلوث إشعاعي دون وقوع تفجير نووي.

لقد تغير حجم الترسانة النووية العالمية كثيرًا منذ ذروة الحرب الباردة. ولم يعد صحيحًا الحديث اليوم عن أكثر من خمسين ألف سلاح نووي كما كان في مراحل سابقة. إلا أن الخطر لم يختفِ.

ففي مطلع عام 2026 كان العالم لا يزال يمتلك أكثر من اثني عشر ألف رأس نووي، وتستحوذ الولايات المتحدة وروسيا على الجزء الأكبر منها. والأسوأ أن العالم يشهد من جديد تحديثًا للترسانات النووية وتطويرًا لأنظمة حملها، في وقت تتعرض فيه بعض آليات الحد من التسلح التي ساهمت لعقود في تقليل المخاطر للضعف والتراجع.

وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات عصرنا.

فالطاقة نفسها التي أظهرت في هيروشيما وناغازاكي قدرتها الهائلة على التدمير، استطاع الإنسان أن يستخدمها أيضًا في مجالات تخدم الحياة.

تُستخدم التقنيات النووية والإشعاعية اليوم في تشخيص الأمراض وعلاج السرطان وتعقيم المعدات الطبية، وفي الصناعة وفحص المواد واللحامات والكشف عن العيوب، وفي التعدين والاستكشاف، وفي الزراعة ومكافحة الآفات وتحسين بعض المحاصيل وحفظ الأغذية، فضلًا عن إنتاج الكهرباء.

وهكذا أصبحت الذرة تحمل صورتين متناقضتين بصورة تكاد تكون فريدة في تاريخ التكنولوجيا:

أداة قادرة على قتل مدينة، وأداة قادرة على علاج إنسان.

وهذا هو الدرس الذي ربما يتجاوز هيروشيما نفسها.

فالمشكلة لم تكن يومًا في المعرفة العلمية بذاتها. الانشطار النووي ظاهرة فيزيائية لا تعرف الخير والشر. لكن الإنسان هو الذي يقرر ماذا يفعل بالمعرفة التي يكتشفها.

ومن هنا فإن السؤال الأخلاقي الأكبر في عصر العلم ليس:

ماذا نستطيع أن نفعل؟

بل:

ماذا ينبغي لنا أن نفعل بما أصبحنا قادرين على فعله؟

وهذا السؤال أصبح في عام 2026 أكثر أهمية مما كان عليه في عام 1945.

فالإنسان الذي استطاع شطر الذرة أصبح اليوم قادرًا على تعديل الجينات، وبناء أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة، وتطوير أسلحة ذاتية التشغيل، وإدارة كميات هائلة من البيانات، والوصول إلى مستويات من القدرة التقنية كان يصعب تصورها قبل عقود قليلة.

وكلما ازدادت قوة التكنولوجيا، أصبحت المسافة بين الخطأ والكارثة أقصر، وأصبحت المسؤولية الأخلاقية والسياسية أكبر.

لهذا فإن هيروشيما ليست مجرد مدينة يابانية تعرضت للقصف قبل واحد وثمانين عامًا، وليست ناغازاكي مجرد صفحة أخرى في نهاية الحرب العالمية الثانية.

إنهما تحذير دائم للحضارة الإنسانية.

لقد أثبت القرن العشرون أن الإنسان يستطيع أن يكون عبقريًا في اكتشاف قوانين الطبيعة، ومبدعًا في تحويلها إلى تكنولوجيا، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تتطور حكمته الأخلاقية بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرته العلمية.

وبعد واحد وثمانين عامًا، لم يعد السؤال ما إذا كان الإنسان قادرًا على تدمير العالم؛ فقد عرفنا الجواب منذ هيروشيما.

السؤال الحقيقي هو: هل يستطيع الإنسان أن يبني من الحكمة والمؤسسات والقواعد الأخلاقية ما يكفي لمنع قوته من أن تنقلب عليه؟

وربما تكون هذه هي الرسالة التي ينبغي أن نتذكرها كلما حل السادس والتاسع من آب:

العلم يمنح الإنسان القدرة، لكنه لا يمنحه الحكمة تلقائيًا.

وبين القدرة والحكمة يتقرر مستقبل البشرية.

نشر المقال في مدونة الدكتور علاء محمود التميميًwww.altamimialaablog.com

الى أين يتجه الذكاء الاصطناعي؟

الى أين يتجه الذكاء الاصطناعي؟

د . علاء محمود التميمي

أب ٢٠٢٦

أُعلن خلال الأيام الماضية، عن حادثة غير مسبوقة نسبياً، تم فيها تشغيل وكيل ذكاء اصطناعي (AI Agent) ضمن اختبار أمني، ثم تمكن من تجاوز بيئة الاختبار والوصول إلى أنظمة خارجية أثناء محاولته تحقيق الهدف الذي أُعطي له. وقد أعلنت OpenAI عن الحادثة، كما نشرت وكالات وصحف دولية تفاصيل عنها، مع استمرار التحقيقات.

لكن يجب التمييز بين عدة أمور:

1. لم “يهرب” الذكاء الاصطناعي بالمعنى الذي تصوره أفلام الخيال العلمي.

ما حدث هو أن وكيلاً برمجياً يمتلك صلاحيات وأدوات (مثل الاتصال بالإنترنت وتنفيذ أوامر) استغل ثغرات أو إعدادات غير كافية في بيئة الاختبار لتحقيق الهدف المطلوب منه. أي أنه بقي يعمل داخل إطار برمجي، وليس كياناً مستقلاً واعياً.

1. لم يصبح خارج سيطرة البشر بالكامل.

الحادثة كشفت أن أنظمة الاحتواء (Containment) والرقابة لم تكن كافية، وليس أن الذكاء الاصطناعي أصبح يمتلك إرادة مستقلة أو وعياً ذاتياً.

1. هل يمكن أن تتكرر مثل هذه الحوادث؟

نعم، وهذا هو مصدر القلق الحقيقي. فكلما مُنح وكيل الذكاء الاصطناعي صلاحيات أوسع (الدخول إلى الشبكات، تشغيل برامج، استخدام كلمات مرور، التحكم بخوادم…) ازدادت الحاجة إلى ضوابط أمنية صارمة. ولهذا تطالب شركات الأمن السيبراني الآن بمعايير جديدة لاحتواء وكلاء الذكاء الاصطناعي.

وهناك من يقول انه ربما سنسمع قريباً عن هجمات عسكرية جواً وبحراً وبراً بدون علم ولا سيطرة إدارة هذه الجيوش.

صحيح أن الجيوش حول العالم تطور أنظمة ذاتية التشغيل، لكن معظمها ما زال يعتمد على مبدأ “الإنسان في دائرة القرار” (Human in the Loop)، خصوصاً في استخدام القوة المميتة. ولا يوجد دليل على أن جيوشاً فقدت السيطرة على منظوماتها القتالية بسبب الذكاء الاصطناعي.

أعتقد أننا دخلنا مرحلة جديدة يمكن وصفها بأنها مرحلة الوكلاء المستقلين (Agentic AI)، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل أصبح قادراً على التخطيط، واستخدام الأدوات، وتنفيذ سلسلة طويلة من الإجراءات لتحقيق هدف محدد.

وهذا التطور يحمل وجهين:

• فرصاً هائلة في الطب والهندسة والإدارة والبحث العلمي.

• ومخاطر كبيرة إذا مُنح صلاحيات واسعة دون رقابة أو عزل أمني مناسب.

لذلك فإن القضية لم تعد: هل الذكاء الاصطناعي ذكي؟ بل أصبحت: كيف نضمن أن يبقى تحت السيطرة حتى عندما يصبح قادراً على تنفيذ أعمال معقدة بصورة

أرى أن هذا الموضوع سيصبح خلال السنوات القادمة شبيهاً بما حدث مع الطاقة النووية: فالتحدي لن يكون في التقنية نفسها، بل في الحوكمة، والتشريعات، والرقابة، والمسؤولية القانونية التي تنظم استخدامها.

نشر في مدونة الدكتور علاء التميمي

www.altamimialaablog.com

نهائي كأس العالم 2026: انتصار إسبانيا وبداية عصر جديد

نهائي كأس العالم 2026: انتصار إسبانيا وبداية عصر جديد

د.علاء محمود التميمي

٢٠ تموز ٢٠٢٦

تُوجت إسبانيا بطلةً لكأس العالم 2026 للمرة الثانية في تاريخها، بعد فوزها على الأرجنتين بهدف دون مقابل عقب التمديد في المباراة النهائية التي أقيمت في نيوجيرسي. وسجل فيران توريس هدف الحسم في الدقيقة 106، منهياً صموداً أرجنتينياً طويلاً قاده الحارس مارتينيز، الذي حال دون خسارة أثقل.

فرض المنتخب الإسباني سيطرته الفنية والتكتيكية على المباراة، مستحوذاً على الكرة بنسبة قاربت 65 في المئة، ومسجلاً نحو عشرين محاولة على المرمى، مقابل حضور هجومي أرجنتيني محدود. وقد بدت إسبانيا أكثر تنظيماً وصبراً وقدرة على التحكم في إيقاع اللعب، فيما عانت الأرجنتين من العزلة الهجومية والاعتماد المفرط على ليونيل ميسي.

وكان لامين يامال المغربي الأصل، البالغ من العمر تسعة عشر عاماً، أحد أبرز رموز هذا الانتصار. فقد شارك في أول كأس عالم له، وأصبح عنواناً لصعود جيل إسباني جديد يجمع بين المهارة والثقة والتنوع الثقافي. وقد حظي المنتخب الإسباني بتأييد واسع في أوساط عربية وفلسطينية، ارتباطاً بالمواقف السياسية الإسبانية المتعاطفة مع القضية الفلسطينية، وبالمواقف السابقة التي عبّر عنها يامال نفسه.

ولم يخلُ النهائي من أبعاد ثقافية وسياسية أثارت الجدل. فقد أقيم، للمرة الأولى، عرض فني كبير بين شوطي المباراة بمشاركة مادونا وشاكيرا وجاستن بيبر، وهو ما دفع بعض المتابعين إلى انتقاد تحويل النهائي إلى مشهد ترفيهي شبيه بمباريات الـSuper Bowl، بعيداً عن تقاليد كرة القدم المعروفة.

كما قدم الاتحاد الدولي للاعبين الإسبان خواتم خاصة بالبطولة على الطريقة الأميركية، إلى جانب الميداليات الذهبية، في خطوة عكست التأثير المتزايد للثقافة الرياضية الأميركية على تنظيم البطولة.

وشهد حفل التتويج لحظة مثيرة للجدل عندما قوبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب بصيحات استهجان عند دخوله أرض الملعب برفقة رئيس الاتحاد الدولي إنفانتينو. وبقي ترامب على منصة التتويج إلى جانب اللاعبين قبل أن يتنحى جانباً عند رفع الكأس، في مشهد رأى فيه كثيرون محاولة سياسية لمزاحمة أبطال المباراة في لحظتهم التاريخية.

وحقق المنتخب الإسباني، بقيادة المدرب لا فوينتي، سلسلة طويلة من المباريات دون هزيمة، وقدم أحد أقوى العروض الدفاعية والتكتيكية في البطولة. وفي المقابل، قد يكون النهائي قد مثّل نهاية حقبة ليونيل ميسي في كأس العالم، بعد أن أخفق في إضافة لقب ثانٍ إلى بطولة 2022.

وهكذا لم يكن نهائي 2026 مجرد مباراة حسمت بطولة، بل لحظة انتقال بين جيلين: جيل ميسي الذي يقترب من الوداع، وجيل إسباني جديد يقوده لامين يامال، ويبدو مستعداً لصناعة مرحلة جديدة في تاريخ كرة القدم.

نشرت في مدونتي الشخصية

كأس العالم ٢٠٢٦: حين تخون الكاميرا العدالة

كأس العالم ٢٠٢٦: حين تخون الكاميرا العدالة

د. علاء محمود التميمي

تموز ٢٠٢٦

في التاسع عشر من تموز، أُسدِل الستار على كأس العالم ٢٠٢٦، بعد نهائي نيويورك–نيوجيرسي بين إسبانيا والأرجنتين. فازت إسبانيا باستحقاق، في مواجهة حملت نكهة الثأر بعد لقائهما في نصف نهائي ٢٠٢٢، حين فازت الأرجنتين بركلات الترجيح. وخلال شهر من الاحتفال، تابع المباراة النهائية مليار وثمانمائة مليون مشاهد.

مهما كان الفائز، تظل البطولة أكبر من نتيجتها الأخيرة، وأوسع من فرحة الفائز وحزن الخاسر.

كأس العالم ليس مباريات وأهدافاً فحسب، بل لحظة نادرة يتوقف فيها العالم أمام شاشة واحدة، ويتحدث لغة مشتركة اسمها كرة القدم. جلس الغني والفقير، الطفل والشيخ، أمام المشهد نفسه، وتنافسوا بشدة من دون أن يتحولوا إلى أعداء.

جاءت بطولة ٢٠٢٦ مختلفة؛ فالمشاركة الأولى لـ٤٨ دولة، والتنظيم المشترك بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، وسّعا دائرة كرة القدم إلى شعوب كانت بعيدة عن النهائيات. وللمرة الأولى، توقفت المباراة نصف ساعة بين الشوطين لعرض استعراضي، محاكاةً لـ”سوبر بول” الأميركي، حيث تتحول الكرة إلى أرباح.

يدير الحدث الاتحاد الدولي (FIFA)، الذي تأسس في باريس ١٩٠٤ بـ٧ اتحادات، ليصبح اليوم أكبر منظمة رياضية تضم ٢١١ اتحاداً، ومقره زيوريخ.

ومن المفارقات أن بريطانيا، دولة واحدة، تمثلها أربعة اتحادات مستقلة (إنجلترا، اسكتلندا، ويلز، أيرلندا الشمالية)؛ لأنها الأقدم في التاريخ، واحتفظت بعضويتها ومنتخباتها وأصواتها، بينما تمثل غالبية الدول باتحاد واحد.

لكن البطولة لم تخلُ من الجدل. أثارت قرارات التحكيم، خاصة بتقنية الفيديو (VAR)، شكوكاً واسعة. وهذه التقنية، التي دخلت رسمياً منذ روسيا ٢٠١٨، ما زالت مثار خلاف.

برز الجدل بعد إلغاء هدف مصري في مرمى الأرجنتين، وانتقد الاتحاد المصري طريقة استخدام التقنية. ثم اعترضت سويسرا على قرارات في مباراتها مع الأرجنتين، وانتقد مدربها قواعد المراجعة. وامتد الشك إلى مباراة إنجلترا والنرويج، بعد احتساب هدف قيل إن الكرة لامست سلك كاميرا قبلها، وهي حالة كان يفترض أن توقف اللعب.

لا تعني هذه الاعتراضات تلاعباً بنتائج المباريات، فلا دليل على ذلك. لكنها تكشف عن مشكلة أعمق: حين تشعر الجماهير بأن القرارات لا تُطبَّق بمعيار واحد، تتراجع الثقة بالبطولة، حتى لو كان القرار صحيحاً قانونياً.

أُدخلت الـVAR لتقليل الأخطاء، لكنها أثبتت أن الصورة ليست كل الحقيقة. الكاميرا تنقل اللقطة، لكن الإنسان يختار الزاوية، ويفسر الاحتكاك، ويقرر إن كان الخطأ يستحق التغيير. وهكذا أصبحت المشكلة مرتبطة بالاتساق والشفافية، لا بالتكنولوجيا. فالعدالة لا تتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل بتطبيق القواعد بالمعيار نفسه على الكبير والصغير، والشهير والمغمور، في الدقيقة الأولى والأخيرة.

وهنا يكمن الجوهر: كرة القدم لا تعيش بلا ثقة. حين يشك المشجع بأن اسم المنتخب أو مكانة اللاعب أو المصالح التجارية تؤثر في القرار، يتحول الخطأ إلى تهديد لجوهر المنافسة.

قوة كأس العالم ليست في الملاعب الفخمة أو الأموال، بل في اقتناع الجماهير بأن كل منتخب، مهما كان صغيراً، يملك فرصة عادلة. مع صافرة البداية، تختفي قوة الدول الاقتصادية والسياسية، ويبقى اللاعب والكرة والقانون.

وهذه رسالة الرياضة الأعمق للعالم: في الملعب حدود واضحة، وقت معلوم، قواعد معلنة، حكم مستقل، فائز لا يهين منافسه، وخاسر يقبل النتيجة. وكم سيكون عالمنا أفضل لو تعلّمت السياسة من هذه المبادئ.

اليوم، أُطفئت الأضواء، وغادر الجميع، وتبقى النتائج في السجلات. سيتذكر الناس البطل والهداف وأجمل المباريات، كما سيتذكرون بعض القرارات المثيرة للغضب.

لكن الأهم هو السؤال الذي تطرحه كل منافسة كبرى:

هل جعلنا المباراة عادلة بقدر ما جعلناها ممتعة؟

جمال كرة القدم ليس في فوز الأقوى، بل في أن يثق الجميع بأن الفائز فاز باستحقاق. وعندها تصبح الكرة أكثر من لعبة، وتصبح كأس العالم احتفالاً حقيقياً بالإنسان وقدرته على التنافس بشغف دون فقدان الاحترام.

نُشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

www.altaminialaablog.com

خاطرة 14 تموز بين النوايا والنتائج د. علاء محمود التميمي 14 تموز 2026

تمرّ ذكرى الرابع عشر من تموز كل عام، فيعود الجدل العراقي القديم من جديد. فريقٌ يراه ثورةً حررت العراق من النظام الملكي وفتحت باب الجمهورية، وفريقٌ آخر يراه بداية سلسلة من الانقلابات والاضطرابات التي ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم.

وربما آن الأوان، بعد ما يقارب سبعة عقود، أن ننظر إلى تلك اللحظة بعين التاريخ لا بعين الانفعال.

في الدين، يُحاسَب الإنسان على نيته، ويقال: “إنما الأعمال بالنيات.” أما في السياسة، فإن الشعوب تعيش النتائج قبل أن تقرأ النوايا. فقد تكون النوايا صادقة، لكن الحكم النهائي يبقى لما آل إليه الواقع.

لقد كان العراق الملكي، كغيره من الدول الحديثة آنذاك، يواجه تحديات حقيقية: تفاوتًا اجتماعيًا، ومطالب بالإصلاح، وتأثيرًا بريطانيًا واضحًا، وصراعًا بين قوى سياسية متعددة. وكان كثير من العراقيين يتطلعون إلى تغيير يحقق عدالة أكبر، وسيادة أوسع، وتنمية أسرع.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا وقع التغيير؟ بل: ماذا كانت حصيلته؟

بعد عام 1958 شهد العراق إنجازات لا يمكن إنكارها في بعض المراحل؛ توسعت مؤسسات الدولة، وازدادت فرص التعليم، ونُفذت مشاريع تنموية مهمة، وبرزت طموحات وطنية كبيرة.

وفي المقابل، شهد أيضاً سلسلة طويلة من الانقلابات، والعنف السياسي، والإعدامات، والحروب، والحصار، والاحتلال، والانقسامات، وهجرة ملايين العراقيين، واستنزاف ثروات هائلة كان يمكن أن تجعل العراق في مصاف الدول الأكثر تقدماً.

ولذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا نختزل التاريخ في شخص، ولا في يوم واحد، ولا في شعار واحد.

فلا الملكية كانت جنةً كاملة، ولا الجمهورية كانت فشلاً مطلقاً. كما أن عبد الكريم قاسم، شأنه شأن غيره من قادة العراق، له ما يُحسب له وله ما يُؤخذ عليه. والتاريخ لا يكتبه المحبون وحدهم، ولا الخصوم وحدهم، بل تكتبه الوقائع.

ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن يصل إلى الأجيال الجديدة هو أن تغيير النظام ليس غايةً بحد ذاته. فالأهم من إسقاط نظام هو القدرة على بناء نظام أفضل منه. والتاريخ يعلمنا أن هدم المؤسسات أسهل كثيراً من بنائها، وأن الاستقرار والتنمية يحتاجان إلى دولة قوية، ودستور محترم، وقضاء مستقل، وتداول سلمي للسلطة، ومجتمع يؤمن بالاختلاف.

إن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تنتصر لرواية الماضي، بل تلك التي تتعلم منه.

ولهذا، فإن ذكرى الرابع عشر من تموز ينبغي ألا تكون مناسبة لتجديد الخصومات بين العراقيين، بل فرصة لطرح سؤال أكثر أهمية:

كيف نبني عراقاً لا يحتاج أبناؤه، بعد سبعين عاماً أخرى، إلى أن يختلفوا من جديد حول الماضي، لأنهم سيكونون منشغلين ببناء المستقبل؟

ذلك، في تقديري، هو الدرس الذي يستحق أن يبقى.

يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تمنحه لنا ذكرى الرابع

عشر من تموز: أن نجاح أي مشروع سياسي لا يُقاس بلحظة انتصاره، وإنما بما يتركه للأجيال التي تأتي بعده.

فالتاريخ قد يختلف في تفسير البدايات، لكنه يكاد يتفق دائمًا على الحكم من خلال النتائج.

نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

www.altamimialaablog.com

بين الاكتفاء والاختيار

خاطرة الجمعة

بين الاكتفاء والاختيار

د. علاء محمود التميمي

تموز ٢٠٢٦

كلما تقدّم الإنسان في العمر، تبدّلت احتياجاته، وتغيّرت نظرته إلى من حوله.

في البدايات، يظنّ أن ثروته تُقاس بعدد من يعرف، وأن حضوره في الحياة يتناسب طردًا مع اتساع دائرته الاجتماعية. لكنه مع مرور العقود يكتشف أن أثمن ما يملكه ليس المال ولا الجاه، بل الوقت. والوقت، في جوهره، هو العمر ذاته. وكل ساعة يمنحها لشيء، إنما يقتطعها من شيء آخر.

لهذا تبدأ الأولويات بالتحوّل.

لم يعد الإنسان يشعر بأنه ملزم بحضور كل مناسبة، أو قبول كل دعوة، أو الحرص على كل علاقة. ليس لأنه أصبح أقلّ محبةً للناس، بل لأنه أصبح أشدّ إدراكًا لقيمة وقته، وأكثر حرصًا على سلامه الداخلي.

وفي الغربة، يتضاعف هذا الإحساس ويتكثّف.

في الوطن، كثيرًا ما تسبق الثقةُ العلاقةَ؛ تعرف العائلات، وتعرف التاريخ، وتعرف البيئة التي نبت فيها الإنسان. أما في الغربة، فكل علاقة تبدأ من الصفر، وتحتاج إلى وقت لتختبر صدقها، وإلى مواقف لتعرف معدنها. لذلك يصبح الاختيار أكثر تروّيًا، وأكبر أهمية.

ومع السنين ندرك أن العلاقات، كغيرها من الاستثمارات الحقيقية في الحياة، لا تُقاس بالكثرة بل بالقيمة. قد تعرف مئات الأشخاص ولا تجد بينهم من تلجأ إليه في شدّة. وقد يكفيك صديق واحد يُغنيك عن الجميع.

لهذا لم أعد أرى الاعتذار عن بعض المناسبات تقصيرًا، ولا قلّة الظهور عزلةً، ولا ضيق دائرة العلاقات نقصًا. أراها، بدلًا من ذلك، شكلًا من أشكال النضج. فالإنسان لا يستطيع أن يمنح وقته للجميع، ولا أن يفتح قلبه لكل من يطرق بابه. إنه يختار. ويتعلم أن يقول نعم حين يريد، ولا حين يجب.

والفرق بين العزلة والاكتفاء فرق جوهري:

العزلة أن تبتعد عن الناس لأنك تخافهم. أما الاكتفاء فهو أن تحبّ الناس، لكنك لا تأذن إلا لمن يضيف إلى حياتك قيمة حقيقية أن يكون جزءًا من تفاصيلها.

في النهاية، لا تُقاس حياة الإنسان بعدد الأسماء في هاتفه، ولا بعدد المناسبات التي حضرها، ولا بعدد الصور التي التقطها مع الآخرين.

تُقاس بعدد الساعات التي عاشها بطمأنينة، وبعدد الأشخاص الذين يشعر بينهم أنه ليس مضطرًا إلى تمثيل دور لا يشبهه.

قد يكفيك صديق صادق. وقد تكفيك أسرة صغيرة. وقد تكفيك جلسة هادئة مع كتاب.

فالثراء الحقيقي ليس أن تتسع دائرتك…

بل أن تضيق حتى لا يبقى فيها إلا من يستحق.

نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

www.altamimialaablog.com

عندما تُهدي الأمم صورتها إلى العالم

عندما تُهدي الأمم صورتها إلى العالم

د.علاء محمود التميمي

تموز ٢٠٢٦

في خضم الأخبار السياسية التي تملأ الشاشات كل يوم، تمر أحياناً أحداث صغيرة تبدو عابرة، لكنها تحمل في داخلها أسئلة أكبر من الحدث نفسه.

من بين تلك الأحداث ما شهدته قمة حلف الناتو هذا الأسبوع، حين قدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقادة الدول المشاركة مسدسات تحمل أسماءهم، في إشارة إلى تطور الصناعة الدفاعية التركية. وبعد المؤتمر، سُئل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن الهدية، فأجاب بهدوء أن الهدية التي حملها من كندا كانت شراب القيقب، أحد أشهر رموز الهوية الكندية، وأن المسدس سيتعامل معه وفق القانون الكندي.

ربما رأى بعضهم في ذلك مجرد خبر بروتوكولي، لكنني وجدته يدفع إلى سؤال يستحق التأمل:

كيف تختار الأمم أن تعرّف نفسها أمام العالم؟

فالهدايا الدبلوماسية ليست مجرد أشياء تنتقل من يد إلى أخرى، بل هي رسائل صامتة. إنها تقول للآخرين: هذا ما نفخر به، وهذا ما نريد أن يبقى في ذاكرتكم عنا.

وبينما كنت أفكر في هذه الحادثة، قفز إلى ذهني مشهد يعود إلى أكثر من اثني عشر قرناً.

حين أهدى الخليفة هارون الرشيد إلى الإمبراطور شارلمان ساعة مائية ميكانيكية، لم يكن يرسل تحفة نادرة فحسب، بل كان يبعث برسالة حضارية. كانت بغداد يومها تتحدث إلى العالم بلغة العلم والهندسة والإبداع، وكانت تلك الساعة تعلن أن الحضارة الإسلامية لم تكن تستهلك المعرفة، بل كانت تنتجها وتبتكرها.

ولذلك أعترف أنني، كعراقي الأصل، أشعر دائماً بشيء من الاعتزاز كلما تذكرت تلك الهدية. فهي لا تمثل إنجاز رجل واحد، بل تعكس صورة بغداد في زمن كانت فيه عاصمةً للعلم، ومقصداً للعلماء، ومركزاً للابتكار.

وفي الوقت نفسه، أشعر بالفخر أيضاً كمواطن كندي بالطريقة التي تعامل بها رئيس الوزراء الكندي مع الموقف. فقد احترم الدولة التي قدمت الهدية، وفي الوقت نفسه احترم قوانين بلده وقيمها، من دون ضجيج، ومن دون إساءة، ومن دون أن يحوّل الاختلاف إلى خصومة.

وهنا أدركت أن القضية ليست في نوع الهدية، بل في الرسالة التي تحملها.

فلكل أمة الحق أن تفخر بما أنجزته، سواء كان إنجازاً في الصناعة، أو الدفاع، أو الزراعة، أو الطب، أو الثقافة، أو الفنون. لكن التاريخ يخبرنا أيضاً أن الأمم لا تُقاس فقط بما تملك من قوة، بل بما تضيفه إلى الحضارة الإنسانية.

إن السلاح قد يحمي الحدود، لكنه لا يبني وحده مكانة الأمة في ذاكرة العالم. أما الأفكار، والعلوم، والآداب، والفنون، والاختراعات، فهي تعبر الحدود من دون جواز سفر، وتبقى حية حتى بعد أن تصمت المدافع.

وربما لهذا السبب لا تزال ساعة هارون الرشيد تُذكر بعد أكثر من ألف ومئتي عام، ليس لأنها كانت ساعة، بل لأنها كانت رمزاً لمرحلة آمنت بأن أعظم ما يمكن أن تهديه أمة إلى العالم هو المعرفة.

ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل دولة وربما كل شخص على نفسه:

إذا أردتُ أن أترك هدية للتاريخ… فبأي شيء أريد أن أتذكر؟

نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

www.altamimialaablog.com

حين يصبح المنتخب الوطني حقاً عاماً…

حين يصبح المنتخب حقاً عاماً… لا سلعةً للمزايدة

د. علاء محمود التميمي

تموز ٢٠٢٦

في كندا، كما في فرنسا وغيرها في عدد من الدول الاوربية ، ثمّة إدراك راسخ أن مباريات المنتخب الوطني ليست مجرّد “محتوى” يُباع ويُشترى، بل طقسٌ مدنيٌّ يسبق المنطق التجاري. وهنا تكمن القيمة الحقيقية: المشاهدة المجانية لمباريات المنتخب ليست ترفاً، بل حقاً أصيلاً للمواطن، تماماً كحقه في الوصول إلى المرافق العامة والمؤسسات الوطنية.

حين يرتدي أحد عشر لاعباً قميص البلد، لا يرتدون مجرّد قطعة قماش، بل علمًا يمشي على قدمين. فكيف يُعقل أن يُرفع هذا العلم خلف جدار اشتراك؟ كيف يصبح الوصول إليه مشروطاً ببطاقة ائتمان؟ المشاهدة المفتوحة بلا مقابل هي الضمانة الوحيدة لبقاء المنتخب وطنياً بالفعل لا بالادعاء.

المسألة ليست تقنية تتعلق بحقوق البث فحسب، بل سؤال أخلاقي عن معنى التمثيل الوطني. المنتخب لا يخصّ قناة بعينها، ولا شركة اتصالات راهنت بملياراتها على عزل الجمهور عن بعضه إلا بوساطتها. المنتخب، في تعريفه الجوهري، ملكٌ لمن يلوّح له من شاشة المقهى والبيت ، لمن يعلّق صورته في دكان صغير وللطفل الذي يركل كرةً من بالونات ممزقة في محلة لا تعرف الاشتراكات الشهرية.

ما يحدث اليوم – وهذا جوهر المأساة – أننا حوّلنا الفرح الوطني إلى سلعة نخبوية. جعلنا من المشاهدة المجانية استثناءً بعد أن كانت قاعدة، وجعلنا من المشاهدة المدفوعة قاعدةً بعد أن كانت استثناءً. حوّلنا “نحن” إلى “أنتم” و”هم”: أنتم من تستطيعون الدفع والمشاهدة، وهم من يكتفون بالانتظار حتى تصلهم فديوات الأهداف متأخرة، مقتطعة، كفتات مائدة لا مقعد لهم عليها.

إن المطالبة بإتاحة مباريات المنتخب على القناة الرسمية للتلفزيون الوطني مجاناً ودون مقابل – خاصة في البطولات الكبرى – ليست نزوعًا اشتراكيًا ساذجًا كما يروّج البعض، بل إدراك أن ثمة لحظات وطنية لا تخضع لمنطق السوق. ثمة فرق شاسع بين استثمار تجاري مشروع في الرياضة، وبين احتكار المشاعر. يمكن للدوريات المحلية، للبطولات القارية للأندية، للمباريات الودية أن تبقى في فلكها التجاري، لكن حين يصعد المنتخب إلى منصة التتويج، أو حين يسقط على أرض الملعب بدموع الهزيمة، فلتكن هذه اللحظة مفتوحة للجميع بلا استثناء، بلا بطاقة ائتمان، بلا كلمة مرور، بلا “الرجاء تجديد الاشتراك للمتابعة”.

في الدول الفقيرة تحديدًا، يصبح حق المشاهدة المجانية أكثر إلحاحًا. هناك، في الأحياء التي لا تصلها الألياف البصرية، حيث شاشة التلفزيون المتواضعة هي النافذة الوحيدة على العالم، يصبح حرمان الناس من منتخبهم ليس مجرّد عائق تقني، بل عنف رمزي، واستبعاد من صورة الوطن التي يُفترض أن تسعهم جميعًا. كيف تطلب من فقير أن يهتف لمنتخب لا يراه؟ كيف تبني انتماءً على اشتراك؟

الوصول الحر والمجاني لمباريات المنتخب ليس منّة من قناة ولا كرماً من شركة، بل واجب على الدولة أن تضمنه، وأن تشرّع له، وأن تفرضه في صلب عقود البث. فكما لا تُباع الجنسية، لا ينبغي أن يُباع الحق في مشاهدة من يمثّلها.

الرياضة، في أصفى تجلياتها، ليست انتصار الأقوى، بل انتصار المساواة المؤقتة. تسعون دقيقة يصبح فيها الجميع متساوين: الغني والفقير، المتعلم والأمي، ابن العاصمة وابن الهامش، الكل يلهث خلف الكرة ذاتها، يصرخ في اللحظة ذاتها، يحبس أنفاسه في الثانية ذاتها. فهل يعقل أن تُكسر هذه المساواة النادرة قبل أن تبدأ، بجدار من رسوم الاشتراك؟

حين يجتمع الناس أمام شاشة مفتوحة ومجانية، لا يشاهدون مجرّد مباراة. إنهم يمارسون طقسًا من أقدم طقوس الانتماء: الاجتماع حول النار. قديمًا كانت النار، واليوم هي الشاشة. والمبدأ واحد: أن يكون الضوء للجميع وبلا ثمن، وإلا صار ظلام البعض تكلفةً لإضاءة آخرين.

نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

www.altamimialaablog.com

خاطرة الجمعةبعد مئتين وخمسين عاماً… ما الذي يصنع الدولة؟

خاطرة الجمعة

بعد مئتين وخمسين عاماً… ما الذي يصنع الدولة؟

د. علاء محمود التميمي

٣ تموز ٢٠٢٦

في كل مناسبة تاريخية، لا أبحث عن تمجيد أمة أو التقليل من شأن أخرى، بل أحاول أن أقرأ التجارب بعين مفتوحة، وأن أتعلم من الوقائع أكثر مما أستجيب للأفكار المسبقة.

ومع قرب حلول الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وجدت نفسي أتوقف أمام سؤال يستحق التأمل:

ما الذي يصنع الدولة؟

عندما أُعلن الاستقلال الأمريكي عام 1776، لم تكن الولايات المتحدة تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ كما نعرفها اليوم، بل كانت تتكون من ثلاث عشرة مستعمرة على الساحل الشرقي.

وبعد أحد عشر عاماً، أُقر الدستور عام 1787، ليؤسس إطاراً سياسياً وقانونياً لدولة اتحادية ناشئة. وفي العام نفسه، وُضع “مرسوم الشمال الغربي” الذي حدد آلية انضمام الأقاليم الجديدة كولايات متساوية في الحقوق مع الولايات الأصلية، لا كمستعمرات تابعة. ثم، وعلى مدى عقود طويلة، توسعت الدولة غرباً حتى بلغت المحيط الهادئ، وانضمت إليها ولايات جديدة، ليصبح الاتحاد مكوناً من خمسين ولاية، وليصبح العلم نسيجاً من النجوم أُضيفت نجمة نجمة، لا رصاصة رصاصة.

إن ما يستحق التأمل ليس الاتساع الجغرافي بحد ذاته، بل قدرة الدستور والمؤسسات على استيعاب هذا التوسع الهائل دون أن يتحول كل إقليم جديد إلى دولة مستقلة.

فقد سبقت المؤسسات الجغرافيا، وسبقت الفكرة السياسية اتساع الحدود. وهنا يبرز سؤال افتراضي: ماذا لو لم تُقر تلك الآلية المؤسسية قبل التوسع؟ هل كانت أمريكا ستصبح أمريكا، أم قارة من دويلات تتقاتل كأمم أوروبا؟

وعندما أنظر إلى خريطة الوطن العربي، أجد أن المسافة من طنجة إلى بغداد تقارب المسافة بين المحيطين في أمريكا. لكن المقارنة هنا ليست بين شعب وآخر، ولا بين حضارة وأخرى، فلكل تجربة ظروفها التاريخية ومسارها السياسي. فقد نشأت الولايات المتحدة في سياق مختلف تماماً عن السياق الذي تشكلت فيه الدول العربية الحديثة بعد انهيار الدولة العثمانية، ثم حقبة الاستعمار، ثم قيام الدول الوطنية. وكم من مرة جمعتنا فكرة عابرة، فافترقنا لأننا لم نؤسس قبل أن نتوسع، فكانت الوحدة نداءً بلا هيكل، والتاريخ شاهداً.

ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل يكفي التاريخ المشترك واللغة المشتركة لبناء كيان سياسي ناجح؟ أم أن الأساس الحقيقي يكمن في بناء المؤسسات، واحترام الدستور، والاتفاق على قواعد إدارة الاختلاف قبل الاتفاق على كل شيء آخر؟

لقد أثبت التاريخ أن اتساع الأرض ليس العقبة الكبرى، كما أن التقارب الثقافي ليس ضمانة للوحدة. فالدول لا تقاس بمساحتها، وإنما بقدرة مؤسساتها على البقاء، وبثقة مواطنيها في القانون، وبوجود مشروع وطني يتجاوز الأشخاص والأجيال.

بعد مرور مئتين وخمسين عاماً على الاستقلال الأمريكي، قد يكون أهم ما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة ليس كيف أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى، بل كيف استطاع المؤسسون أن يضعوا إطاراً دستورياً عاش أطول من أعمارهم، واستوعب تحولات لم يكونوا قادرين على تصورها.

فالتاريخ لا يدعونا إلى تقليد الآخرين، وإنما إلى فهم أسباب نجاحهم وإخفاقهم، ثم البحث عن طريقنا الخاص. طريق لا يكتفي بسرد أمجاد الماضي، بل يتجرأ على بناء هياكل المستقبل.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في أذهاننا هو:

هل نبني الأوطان باتساع الجغرافيا… أم بعمق الفكرة التي تجمع أبناءها؟

نُشرت هذه الخاطرة في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي:

altamimialaablog.com