المدونة

  • خاطرة 14 تموز بين النوايا والنتائج د. علاء محمود التميمي 14 تموز 2026

    تمرّ ذكرى الرابع عشر من تموز كل عام، فيعود الجدل العراقي القديم من جديد. فريقٌ يراه ثورةً حررت العراق من النظام الملكي وفتحت باب الجمهورية، وفريقٌ آخر يراه بداية سلسلة من الانقلابات والاضطرابات التي ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم.

    وربما آن الأوان، بعد ما يقارب سبعة عقود، أن ننظر إلى تلك اللحظة بعين التاريخ لا بعين الانفعال.

    في الدين، يُحاسَب الإنسان على نيته، ويقال: “إنما الأعمال بالنيات.” أما في السياسة، فإن الشعوب تعيش النتائج قبل أن تقرأ النوايا. فقد تكون النوايا صادقة، لكن الحكم النهائي يبقى لما آل إليه الواقع.

    لقد كان العراق الملكي، كغيره من الدول الحديثة آنذاك، يواجه تحديات حقيقية: تفاوتًا اجتماعيًا، ومطالب بالإصلاح، وتأثيرًا بريطانيًا واضحًا، وصراعًا بين قوى سياسية متعددة. وكان كثير من العراقيين يتطلعون إلى تغيير يحقق عدالة أكبر، وسيادة أوسع، وتنمية أسرع.

    لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا وقع التغيير؟ بل: ماذا كانت حصيلته؟

    بعد عام 1958 شهد العراق إنجازات لا يمكن إنكارها في بعض المراحل؛ توسعت مؤسسات الدولة، وازدادت فرص التعليم، ونُفذت مشاريع تنموية مهمة، وبرزت طموحات وطنية كبيرة.

    وفي المقابل، شهد أيضاً سلسلة طويلة من الانقلابات، والعنف السياسي، والإعدامات، والحروب، والحصار، والاحتلال، والانقسامات، وهجرة ملايين العراقيين، واستنزاف ثروات هائلة كان يمكن أن تجعل العراق في مصاف الدول الأكثر تقدماً.

    ولذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا نختزل التاريخ في شخص، ولا في يوم واحد، ولا في شعار واحد.

    فلا الملكية كانت جنةً كاملة، ولا الجمهورية كانت فشلاً مطلقاً. كما أن عبد الكريم قاسم، شأنه شأن غيره من قادة العراق، له ما يُحسب له وله ما يُؤخذ عليه. والتاريخ لا يكتبه المحبون وحدهم، ولا الخصوم وحدهم، بل تكتبه الوقائع.

    ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن يصل إلى الأجيال الجديدة هو أن تغيير النظام ليس غايةً بحد ذاته. فالأهم من إسقاط نظام هو القدرة على بناء نظام أفضل منه. والتاريخ يعلمنا أن هدم المؤسسات أسهل كثيراً من بنائها، وأن الاستقرار والتنمية يحتاجان إلى دولة قوية، ودستور محترم، وقضاء مستقل، وتداول سلمي للسلطة، ومجتمع يؤمن بالاختلاف.

    إن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تنتصر لرواية الماضي، بل تلك التي تتعلم منه.

    ولهذا، فإن ذكرى الرابع عشر من تموز ينبغي ألا تكون مناسبة لتجديد الخصومات بين العراقيين، بل فرصة لطرح سؤال أكثر أهمية:

    كيف نبني عراقاً لا يحتاج أبناؤه، بعد سبعين عاماً أخرى، إلى أن يختلفوا من جديد حول الماضي، لأنهم سيكونون منشغلين ببناء المستقبل؟

    ذلك، في تقديري، هو الدرس الذي يستحق أن يبقى.

    يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تمنحه لنا ذكرى الرابع

    عشر من تموز: أن نجاح أي مشروع سياسي لا يُقاس بلحظة انتصاره، وإنما بما يتركه للأجيال التي تأتي بعده.

    فالتاريخ قد يختلف في تفسير البدايات، لكنه يكاد يتفق دائمًا على الحكم من خلال النتائج.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • بين الاكتفاء والاختيار

    خاطرة الجمعة

    بين الاكتفاء والاختيار

    د. علاء محمود التميمي

    تموز ٢٠٢٦

    كلما تقدّم الإنسان في العمر، تبدّلت احتياجاته، وتغيّرت نظرته إلى من حوله.

    في البدايات، يظنّ أن ثروته تُقاس بعدد من يعرف، وأن حضوره في الحياة يتناسب طردًا مع اتساع دائرته الاجتماعية. لكنه مع مرور العقود يكتشف أن أثمن ما يملكه ليس المال ولا الجاه، بل الوقت. والوقت، في جوهره، هو العمر ذاته. وكل ساعة يمنحها لشيء، إنما يقتطعها من شيء آخر.

    لهذا تبدأ الأولويات بالتحوّل.

    لم يعد الإنسان يشعر بأنه ملزم بحضور كل مناسبة، أو قبول كل دعوة، أو الحرص على كل علاقة. ليس لأنه أصبح أقلّ محبةً للناس، بل لأنه أصبح أشدّ إدراكًا لقيمة وقته، وأكثر حرصًا على سلامه الداخلي.

    وفي الغربة، يتضاعف هذا الإحساس ويتكثّف.

    في الوطن، كثيرًا ما تسبق الثقةُ العلاقةَ؛ تعرف العائلات، وتعرف التاريخ، وتعرف البيئة التي نبت فيها الإنسان. أما في الغربة، فكل علاقة تبدأ من الصفر، وتحتاج إلى وقت لتختبر صدقها، وإلى مواقف لتعرف معدنها. لذلك يصبح الاختيار أكثر تروّيًا، وأكبر أهمية.

    ومع السنين ندرك أن العلاقات، كغيرها من الاستثمارات الحقيقية في الحياة، لا تُقاس بالكثرة بل بالقيمة. قد تعرف مئات الأشخاص ولا تجد بينهم من تلجأ إليه في شدّة. وقد يكفيك صديق واحد يُغنيك عن الجميع.

    لهذا لم أعد أرى الاعتذار عن بعض المناسبات تقصيرًا، ولا قلّة الظهور عزلةً، ولا ضيق دائرة العلاقات نقصًا. أراها، بدلًا من ذلك، شكلًا من أشكال النضج. فالإنسان لا يستطيع أن يمنح وقته للجميع، ولا أن يفتح قلبه لكل من يطرق بابه. إنه يختار. ويتعلم أن يقول نعم حين يريد، ولا حين يجب.

    والفرق بين العزلة والاكتفاء فرق جوهري:

    العزلة أن تبتعد عن الناس لأنك تخافهم. أما الاكتفاء فهو أن تحبّ الناس، لكنك لا تأذن إلا لمن يضيف إلى حياتك قيمة حقيقية أن يكون جزءًا من تفاصيلها.

    في النهاية، لا تُقاس حياة الإنسان بعدد الأسماء في هاتفه، ولا بعدد المناسبات التي حضرها، ولا بعدد الصور التي التقطها مع الآخرين.

    تُقاس بعدد الساعات التي عاشها بطمأنينة، وبعدد الأشخاص الذين يشعر بينهم أنه ليس مضطرًا إلى تمثيل دور لا يشبهه.

    قد يكفيك صديق صادق. وقد تكفيك أسرة صغيرة. وقد تكفيك جلسة هادئة مع كتاب.

    فالثراء الحقيقي ليس أن تتسع دائرتك…

    بل أن تضيق حتى لا يبقى فيها إلا من يستحق.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • عندما تُهدي الأمم صورتها إلى العالم

    عندما تُهدي الأمم صورتها إلى العالم

    د.علاء محمود التميمي

    تموز ٢٠٢٦

    في خضم الأخبار السياسية التي تملأ الشاشات كل يوم، تمر أحياناً أحداث صغيرة تبدو عابرة، لكنها تحمل في داخلها أسئلة أكبر من الحدث نفسه.

    من بين تلك الأحداث ما شهدته قمة حلف الناتو هذا الأسبوع، حين قدّم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقادة الدول المشاركة مسدسات تحمل أسماءهم، في إشارة إلى تطور الصناعة الدفاعية التركية. وبعد المؤتمر، سُئل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن الهدية، فأجاب بهدوء أن الهدية التي حملها من كندا كانت شراب القيقب، أحد أشهر رموز الهوية الكندية، وأن المسدس سيتعامل معه وفق القانون الكندي.

    ربما رأى بعضهم في ذلك مجرد خبر بروتوكولي، لكنني وجدته يدفع إلى سؤال يستحق التأمل:

    كيف تختار الأمم أن تعرّف نفسها أمام العالم؟

    فالهدايا الدبلوماسية ليست مجرد أشياء تنتقل من يد إلى أخرى، بل هي رسائل صامتة. إنها تقول للآخرين: هذا ما نفخر به، وهذا ما نريد أن يبقى في ذاكرتكم عنا.

    وبينما كنت أفكر في هذه الحادثة، قفز إلى ذهني مشهد يعود إلى أكثر من اثني عشر قرناً.

    حين أهدى الخليفة هارون الرشيد إلى الإمبراطور شارلمان ساعة مائية ميكانيكية، لم يكن يرسل تحفة نادرة فحسب، بل كان يبعث برسالة حضارية. كانت بغداد يومها تتحدث إلى العالم بلغة العلم والهندسة والإبداع، وكانت تلك الساعة تعلن أن الحضارة الإسلامية لم تكن تستهلك المعرفة، بل كانت تنتجها وتبتكرها.

    ولذلك أعترف أنني، كعراقي الأصل، أشعر دائماً بشيء من الاعتزاز كلما تذكرت تلك الهدية. فهي لا تمثل إنجاز رجل واحد، بل تعكس صورة بغداد في زمن كانت فيه عاصمةً للعلم، ومقصداً للعلماء، ومركزاً للابتكار.

    وفي الوقت نفسه، أشعر بالفخر أيضاً كمواطن كندي بالطريقة التي تعامل بها رئيس الوزراء الكندي مع الموقف. فقد احترم الدولة التي قدمت الهدية، وفي الوقت نفسه احترم قوانين بلده وقيمها، من دون ضجيج، ومن دون إساءة، ومن دون أن يحوّل الاختلاف إلى خصومة.

    وهنا أدركت أن القضية ليست في نوع الهدية، بل في الرسالة التي تحملها.

    فلكل أمة الحق أن تفخر بما أنجزته، سواء كان إنجازاً في الصناعة، أو الدفاع، أو الزراعة، أو الطب، أو الثقافة، أو الفنون. لكن التاريخ يخبرنا أيضاً أن الأمم لا تُقاس فقط بما تملك من قوة، بل بما تضيفه إلى الحضارة الإنسانية.

    إن السلاح قد يحمي الحدود، لكنه لا يبني وحده مكانة الأمة في ذاكرة العالم. أما الأفكار، والعلوم، والآداب، والفنون، والاختراعات، فهي تعبر الحدود من دون جواز سفر، وتبقى حية حتى بعد أن تصمت المدافع.

    وربما لهذا السبب لا تزال ساعة هارون الرشيد تُذكر بعد أكثر من ألف ومئتي عام، ليس لأنها كانت ساعة، بل لأنها كانت رمزاً لمرحلة آمنت بأن أعظم ما يمكن أن تهديه أمة إلى العالم هو المعرفة.

    ولعل هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل دولة وربما كل شخص على نفسه:

    إذا أردتُ أن أترك هدية للتاريخ… فبأي شيء أريد أن أتذكر؟

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • عندما تخلع الكرة قميصها

    عندما تخلع الكرة قميصها

    د. علاء محمود التميمي

    تموز ٢٠٢٦

    كانت البداية واعدة. كرة قدم جميلة، مدرب محبوب، جماهير تتعاطف.

    ثم فجأة، تحول المنتخب إلى سفارة متنقلة.

    تدخل عنيف، طرد مستحق من الحكم ، ثم تدخل البيت الأبيض وكأنه لجنة حكام احتياطية. وكأن القوانين مجرد اقتراحات عندما يتعلق الأمر ببعض الدول.

    بعض البلدان في دول العالم الثالث تعرف هذا جيداً.

    تعرف كيف تتحول الملاعب إلى مسرح للنفوذ، وكيف تصبح البطولة فرصة لفرض الهيبة، لا لإظهار المهارة.

    لكن كرة القدم، حين تكون صادقة، لا ترى جوازات السفر.

    لا ترى علم الدولة، ولا حجم جيشها، ولا عدد شركاتها.

    ترى فقط: من يستحق اليوم؟

    دخلت بلجيكا الملعب البارحة وكأنها تواجه أكثر من خصم.

    واجهت فكرة أن هناك دولاً يحق لها ما لا يحق لغيرها.

    دول تخطئ، ثم تُصدر بياناً.

    دول تحتج، ثم تُطرد منافسها.

    فجاءت النتيجة صادمة للبعض، لكنها منطقية لمن يعرف كرة القدم:

    4-1 لم تكن هزيمة فقط، كانت رسالة.

    رسالة أن الكرة لا تُشترى بضغوط، ولا تُسرق بمكالمات، ولا تُعاد كتابتها ببيانات رسمية.

    كانت صفعة للفيفا ورئيسه الذي انحنى، وللمنتخب الذي اختار البدلة السياسية على قميص اللعب.

    في العالم الثالث وخاصة في البطولات القارية ، نعيش هذا المشهد يومياً.

    نرى الحكم يغمض عينيه عن أخطائهم، ونرى الاحتجاج يُقابل بالطرد، ونرى الاحترام يُطلب ولا يُمنح.

    لكننا نؤمن أن كرة القدم، في لحظات نقائها، تنتصف.

    تنتصف عندما تطير الكرة في شباك المتكبرين وتنتهي المباراة، وتنكشف الحقيقة:

    الفوز يُلعب، لا يُتفاوض عليه.

    النتيجة بقيت رغم كل شيء.

    والحقيقة بقيت رغم كل البيوت البيضاء.

    فكرة أن هناك من هو فوق القانون، حتى في الملعب، انتهت عند صافرة النهاية.

    كرة القدم لا تعرف النفوذ.

    كرة القدم تعرف فقط: من لعب بشكل أفضل اليوم؟

    أنا من محبي شعب أمريكا لا أحد يكره أمريكا لأنها أمريكا.

    لكننا نكره عندما يظن رئيسها أنها استثناء.

    نكره عندما تحوّل الملعب إلى منصة سياسية.

    نكره عندما تنسى أن الكرة تُلعب بالقدم، لا بالهوية.

    في النهاية، 4-1 ليست مجرد نتيجة.

    إنها اعتراف: أن العدالة في الملعب ممكنة، حتى لو غابت في السياسة.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • هل يبقى الملعب آخر مكان يتساوى فيه الجميع؟

    هل يبقى الملعب آخر مكان يتساوى فيه الجميع؟

    د.علاء محمود التميمي

    حزيران ٢٠٢٦

    أنا مجرد مشجع لكرة القدم.

    لا أشغل منصباً، ولا أمثل دولة، ولا أملك نفوذاً يغيّر قراراً أو يبدّل نتيجة. مثل مليارات البشر، أجلس أمام الشاشة كل أربع سنوات لأنني أؤمن بأن هناك مكاناً واحداً ما زال الجميع فيه متساوين: أرضية الملعب.

    في العالم خارج الملاعب، أعرف أن الدول ليست سواء. بعضها يملك من النفوذ السياسي والاقتصادي ما لا تملكه دول أخرى. لكنني كنت أعتقد دائماً أن كرة القدم مختلفة؛ وأن قانون اللعبة لا يسأل عن حجم الدولة، ولا قوة اقتصادها، ولا وزنها السياسي.

    ولهذا شعرت بالقلق عندما تابعت الجدل الذي أثير حول تعليق إيقاف أحد لاعبي المنتخب الأمريكي بعد تدخل سياسي معلن. قد يكون القرار مستنداً إلى نص قانوني في لوائح الفيفا، وقد تكون لجنة الانضباط قد تصرفت ضمن صلاحياتها، لكن السؤال الذي دار في ذهن ملايين المشجعين لم يكن قانونياً فقط، بل أخلاقياً أيضاً:

    هل كان القرار نفسه سيصدر لو كان اللاعب يمثل منتخباً صغيراً لا يملك النفوذ ذاته؟

    ولم تكن هذه أول بطاقة حمراء في البطولة. فقد شهدت مباريات أخرى حالات طرد نُفذت عقوباتها وفق اللوائح المعتادة، دون أن يثار حولها أي استثناء أو مراجعة استثنائية.

    ولذلك لم يكن الجدل حول البطاقة الحمراء بحد ذاتها، بل حول الانطباع الذي تولّد بأن تطبيق القواعد قد لا يبدو واحداً على الجميع.

    قد يكون هذا الانطباع صحيحاً أو خاطئاً، لكنه في الحالتين يضر بالرياضة. فالعدالة لا يكفي أن تُمارس، بل يجب أن يطمئن الناس إلى أنها تُمارس على الجميع بالمعيار نفسه.

    إن أجمل ما في كأس العالم ليس أن يفوز الكبار دائماً، بل أن يبقى الباب مفتوحاً أمام الصغار ليحلموا. فمن دون هذا الإيمان، ما الذي يجعل مشجعاً من آسيا أو أفريقيا أو أمريكا الجنوبية أو أوقيانوسيا يصدق أن منتخبه يستطيع منافسة القوى التقليدية؟

    الرياضة كانت دائماً إحدى آخر المساحات التي شعر فيها الإنسان العادي أن اسمه وجنسيته وقوة دولته لا تمنحه امتيازاً إضافياً. هناك، يفترض أن يكون الحكم سيد الموقف، واللوائح فوق الجميع، والملعب لا يعترف إلا بما يقدمه اللاعب خلال تسعين دقيقة.

    لا أعرف إن كان القرار الأخير صحيحاً أم خاطئاً من الناحية القانونية، لكنني أعرف شيئاً واحداً:

    إذا بدأ المشجع يفقد ثقته بأن جميع المنتخبات تقف أمام القانون الرياضي على قدم المساواة، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون منتخباً بعينه، بل اللعبة نفسها.

    ولذلك، أتمنى أن يبقى كأس العالم بطولة تُحسم في الملعب، لا في موازين النفوذ، وأن تبقى صافرة الحكم أعلى من أي صوت آخر، لأن هذا هو المعنى الذي جعل كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • حين يصبح المنتخب الوطني حقاً عاماً…

    حين يصبح المنتخب حقاً عاماً… لا سلعةً للمزايدة

    د. علاء محمود التميمي

    تموز ٢٠٢٦

    في كندا، كما في فرنسا وغيرها في عدد من الدول الاوربية ، ثمّة إدراك راسخ أن مباريات المنتخب الوطني ليست مجرّد “محتوى” يُباع ويُشترى، بل طقسٌ مدنيٌّ يسبق المنطق التجاري. وهنا تكمن القيمة الحقيقية: المشاهدة المجانية لمباريات المنتخب ليست ترفاً، بل حقاً أصيلاً للمواطن، تماماً كحقه في الوصول إلى المرافق العامة والمؤسسات الوطنية.

    حين يرتدي أحد عشر لاعباً قميص البلد، لا يرتدون مجرّد قطعة قماش، بل علمًا يمشي على قدمين. فكيف يُعقل أن يُرفع هذا العلم خلف جدار اشتراك؟ كيف يصبح الوصول إليه مشروطاً ببطاقة ائتمان؟ المشاهدة المفتوحة بلا مقابل هي الضمانة الوحيدة لبقاء المنتخب وطنياً بالفعل لا بالادعاء.

    المسألة ليست تقنية تتعلق بحقوق البث فحسب، بل سؤال أخلاقي عن معنى التمثيل الوطني. المنتخب لا يخصّ قناة بعينها، ولا شركة اتصالات راهنت بملياراتها على عزل الجمهور عن بعضه إلا بوساطتها. المنتخب، في تعريفه الجوهري، ملكٌ لمن يلوّح له من شاشة المقهى والبيت ، لمن يعلّق صورته في دكان صغير وللطفل الذي يركل كرةً من بالونات ممزقة في محلة لا تعرف الاشتراكات الشهرية.

    ما يحدث اليوم – وهذا جوهر المأساة – أننا حوّلنا الفرح الوطني إلى سلعة نخبوية. جعلنا من المشاهدة المجانية استثناءً بعد أن كانت قاعدة، وجعلنا من المشاهدة المدفوعة قاعدةً بعد أن كانت استثناءً. حوّلنا “نحن” إلى “أنتم” و”هم”: أنتم من تستطيعون الدفع والمشاهدة، وهم من يكتفون بالانتظار حتى تصلهم فديوات الأهداف متأخرة، مقتطعة، كفتات مائدة لا مقعد لهم عليها.

    إن المطالبة بإتاحة مباريات المنتخب على القناة الرسمية للتلفزيون الوطني مجاناً ودون مقابل – خاصة في البطولات الكبرى – ليست نزوعًا اشتراكيًا ساذجًا كما يروّج البعض، بل إدراك أن ثمة لحظات وطنية لا تخضع لمنطق السوق. ثمة فرق شاسع بين استثمار تجاري مشروع في الرياضة، وبين احتكار المشاعر. يمكن للدوريات المحلية، للبطولات القارية للأندية، للمباريات الودية أن تبقى في فلكها التجاري، لكن حين يصعد المنتخب إلى منصة التتويج، أو حين يسقط على أرض الملعب بدموع الهزيمة، فلتكن هذه اللحظة مفتوحة للجميع بلا استثناء، بلا بطاقة ائتمان، بلا كلمة مرور، بلا “الرجاء تجديد الاشتراك للمتابعة”.

    في الدول الفقيرة تحديدًا، يصبح حق المشاهدة المجانية أكثر إلحاحًا. هناك، في الأحياء التي لا تصلها الألياف البصرية، حيث شاشة التلفزيون المتواضعة هي النافذة الوحيدة على العالم، يصبح حرمان الناس من منتخبهم ليس مجرّد عائق تقني، بل عنف رمزي، واستبعاد من صورة الوطن التي يُفترض أن تسعهم جميعًا. كيف تطلب من فقير أن يهتف لمنتخب لا يراه؟ كيف تبني انتماءً على اشتراك؟

    الوصول الحر والمجاني لمباريات المنتخب ليس منّة من قناة ولا كرماً من شركة، بل واجب على الدولة أن تضمنه، وأن تشرّع له، وأن تفرضه في صلب عقود البث. فكما لا تُباع الجنسية، لا ينبغي أن يُباع الحق في مشاهدة من يمثّلها.

    الرياضة، في أصفى تجلياتها، ليست انتصار الأقوى، بل انتصار المساواة المؤقتة. تسعون دقيقة يصبح فيها الجميع متساوين: الغني والفقير، المتعلم والأمي، ابن العاصمة وابن الهامش، الكل يلهث خلف الكرة ذاتها، يصرخ في اللحظة ذاتها، يحبس أنفاسه في الثانية ذاتها. فهل يعقل أن تُكسر هذه المساواة النادرة قبل أن تبدأ، بجدار من رسوم الاشتراك؟

    حين يجتمع الناس أمام شاشة مفتوحة ومجانية، لا يشاهدون مجرّد مباراة. إنهم يمارسون طقسًا من أقدم طقوس الانتماء: الاجتماع حول النار. قديمًا كانت النار، واليوم هي الشاشة. والمبدأ واحد: أن يكون الضوء للجميع وبلا ثمن، وإلا صار ظلام البعض تكلفةً لإضاءة آخرين.

    نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • خاطرة الجمعةبعد مئتين وخمسين عاماً… ما الذي يصنع الدولة؟

    خاطرة الجمعة

    بعد مئتين وخمسين عاماً… ما الذي يصنع الدولة؟

    د. علاء محمود التميمي

    ٣ تموز ٢٠٢٦

    في كل مناسبة تاريخية، لا أبحث عن تمجيد أمة أو التقليل من شأن أخرى، بل أحاول أن أقرأ التجارب بعين مفتوحة، وأن أتعلم من الوقائع أكثر مما أستجيب للأفكار المسبقة.

    ومع قرب حلول الذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية، وجدت نفسي أتوقف أمام سؤال يستحق التأمل:

    ما الذي يصنع الدولة؟

    عندما أُعلن الاستقلال الأمريكي عام 1776، لم تكن الولايات المتحدة تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ كما نعرفها اليوم، بل كانت تتكون من ثلاث عشرة مستعمرة على الساحل الشرقي.

    وبعد أحد عشر عاماً، أُقر الدستور عام 1787، ليؤسس إطاراً سياسياً وقانونياً لدولة اتحادية ناشئة. وفي العام نفسه، وُضع “مرسوم الشمال الغربي” الذي حدد آلية انضمام الأقاليم الجديدة كولايات متساوية في الحقوق مع الولايات الأصلية، لا كمستعمرات تابعة. ثم، وعلى مدى عقود طويلة، توسعت الدولة غرباً حتى بلغت المحيط الهادئ، وانضمت إليها ولايات جديدة، ليصبح الاتحاد مكوناً من خمسين ولاية، وليصبح العلم نسيجاً من النجوم أُضيفت نجمة نجمة، لا رصاصة رصاصة.

    إن ما يستحق التأمل ليس الاتساع الجغرافي بحد ذاته، بل قدرة الدستور والمؤسسات على استيعاب هذا التوسع الهائل دون أن يتحول كل إقليم جديد إلى دولة مستقلة.

    فقد سبقت المؤسسات الجغرافيا، وسبقت الفكرة السياسية اتساع الحدود. وهنا يبرز سؤال افتراضي: ماذا لو لم تُقر تلك الآلية المؤسسية قبل التوسع؟ هل كانت أمريكا ستصبح أمريكا، أم قارة من دويلات تتقاتل كأمم أوروبا؟

    وعندما أنظر إلى خريطة الوطن العربي، أجد أن المسافة من طنجة إلى بغداد تقارب المسافة بين المحيطين في أمريكا. لكن المقارنة هنا ليست بين شعب وآخر، ولا بين حضارة وأخرى، فلكل تجربة ظروفها التاريخية ومسارها السياسي. فقد نشأت الولايات المتحدة في سياق مختلف تماماً عن السياق الذي تشكلت فيه الدول العربية الحديثة بعد انهيار الدولة العثمانية، ثم حقبة الاستعمار، ثم قيام الدول الوطنية. وكم من مرة جمعتنا فكرة عابرة، فافترقنا لأننا لم نؤسس قبل أن نتوسع، فكانت الوحدة نداءً بلا هيكل، والتاريخ شاهداً.

    ومع ذلك، يبقى السؤال قائماً: هل يكفي التاريخ المشترك واللغة المشتركة لبناء كيان سياسي ناجح؟ أم أن الأساس الحقيقي يكمن في بناء المؤسسات، واحترام الدستور، والاتفاق على قواعد إدارة الاختلاف قبل الاتفاق على كل شيء آخر؟

    لقد أثبت التاريخ أن اتساع الأرض ليس العقبة الكبرى، كما أن التقارب الثقافي ليس ضمانة للوحدة. فالدول لا تقاس بمساحتها، وإنما بقدرة مؤسساتها على البقاء، وبثقة مواطنيها في القانون، وبوجود مشروع وطني يتجاوز الأشخاص والأجيال.

    بعد مرور مئتين وخمسين عاماً على الاستقلال الأمريكي، قد يكون أهم ما يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة ليس كيف أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى، بل كيف استطاع المؤسسون أن يضعوا إطاراً دستورياً عاش أطول من أعمارهم، واستوعب تحولات لم يكونوا قادرين على تصورها.

    فالتاريخ لا يدعونا إلى تقليد الآخرين، وإنما إلى فهم أسباب نجاحهم وإخفاقهم، ثم البحث عن طريقنا الخاص. طريق لا يكتفي بسرد أمجاد الماضي، بل يتجرأ على بناء هياكل المستقبل.

    ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في أذهاننا هو:

    هل نبني الأوطان باتساع الجغرافيا… أم بعمق الفكرة التي تجمع أبناءها؟

    نُشرت هذه الخاطرة في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي:

    altamimialaablog.com

  • من ملعب الشعب إلى تورونتو … ستة عقود من الانتماء

    من ملعب الشعب إلى تورونتو… ستة عقود من الانتماء

    د . علاء محمود التميمي

    ٢٦ حزيران ٢٠٢٦

    لم تكن مباراة العراق والسنغال في تورونتو مجرد مباراة بالنسبة لي، بل كانت رحلة أعادتني ستين عاماً إلى الوراء.

    عدت بذاكرتي إلى عام 1966، حين كنت في الرابعة عشرة من عمري، أجلس بين آلاف العراقيين في افتتاح ملعب الشعب الدولي ببغداد. يومها لعب منتخب بغداد أمام فريق بنفيكا البرتغالي، أحد أعظم فرق العالم آنذاك، بقيادة أسطورته أوزيبيو. انتهت المباراة بخسارة منتخب بغداد بهدف واحد، لكن أحداً لم يغادر الملعب شاعراً بالهزيمة. كنا نشعر بالفخر لأن العراق كان يفتتح ملعباً سيصبح رمزاً رياضياً ووطنياً لأجيال متعاقبة.

    واليوم، وبعد ستة عقود، وجدت نفسي أجلس في مدرجات تورونتو، آلاف الكيلومترات بعيداً عن بغداد، أتابع منتخب العراق في كأس العالم. تغير الزمان، وتغير المكان، وتبدلت الوجوه، لكن شيئاً واحداً لم يتغير: ذلك الشعور العميق حين يرتفع العلم العراقي، ويهتف الناس باسم العراق.

    كانت النتيجة هذه المرة قاسية. خمسة أهداف دون مقابل. نتيجة لا تليق بطموح العراقيين، ولا بما كانوا يحملونه من أمل وهم يتجهون إلى الملعب.

    لكنني، وأنا أراقب الشوارع المؤدية إلى الملعب، شعرت أن هناك مشهداً يستحق أن يُكتب أكثر من نتيجة المباراة نفسها.

    رأيت آلاف العراقيين يزحفون نحو الملعب وهم يلتفون بالعلم العراقي. رجالاً ونساءً، شباباً وأطفالاً، جمعهم وطن واحد رغم أن الحياة فرقت بينهم في قارات الأرض.

    لم أسأل أحداً من أين جاء، لأن الأعلام كانت قد ألغت أسماء المدن، والهتافات كانت قد ألغت كل الفوارق. لم يكن هناك إلا اسم واحد يتردد في الشوارع والمدرجات: العراق.

    في تلك اللحظة أدركت أن الوطن لا يُقاس بعدد الانتصارات الرياضية، بل بقدرته على أن يبقى حياً في قلوب أبنائه.

    الهزائم جزء من الرياضة، وستأتي أيام ينتصر فيها العراق كما انتصرت أمم كثيرة بعد إخفاقات مؤلمة. أما ما لا يُشترى ولا يُصنع فهو هذا الانتماء الصادق الذي رأيته في تورونتو، والذي أعادني بذاكرتي إلى مدرجات ملعب الشعب قبل ستين عاماً.

    بين المدرجين مسافة زمنية تقارب ستة عقود، ومسافة جغرافية تقارب عشرة آلاف كيلومتر، لكن الشعور كان واحداً.

    في عام 1966 كنا نحلم بمستقبل العراق ونحن نهتف في ملعب الشعب.

    وفي عام 2026 كنا نحمل العراق نفسه في قلوبنا ونحن نهتف له في تورونتو.

    قد تخسر المنتخبات مباريات، لكن الأوطان التي تبقى حية في قلوب أبنائها لا تُهزم.

    ولعل هذا هو أجمل ما خرجت به من هذه الرحلة: أن العراق لم يكن اليوم أحد طرفي مباراة كرة قدم، بل كان وطناً سار مع أبنائه في شوارع تورونتو، وارتفع فوق رؤوسهم علماً، وسكن حناجرهم نشيداً، وبقي، رغم كل شيء، أكبر من نتيجة مباراة.

  • حين يعلو الصدى على الفهم

    خاطرة الجمعة

    حين يعلو الصدى على الفهم

    د. علاء محمود التميمي

    حزيران ٢٠٢٦

    من أخطر ما يواجه المجتمعات أن تنتشر فيها الآراء أسرع من المعرفة، وأن تصبح الكلمات قابلة للتداول قبل أن تكون قابلة للفهم.

    فكم من فكرةٍ تتناقلها الألسن دون تمحيص، وكم من موقفٍ يُبنى على سماعٍ لا على معرفة، حتى يغدو الترديد بديلاً عن التفكير، والانفعال بديلاً عن الفهم.

    ليست المشكلة في اختلاف الآراء، فالاختلاف سنة الحياة، وإنما في أن يُستبدل البحث بالتلقين، والدليل بالشائعة، والعقل بالصوت الأعلى. فالأمم لا تتقدم بكثرة من يتحدثون، بل بكثرة من يفكرون.

    وقد قيل قديماً: “الناس أعداء ما جهلوا.” ولعل الجهل اليوم لم يعد صامتاً، بل أصبح يجد منابر يردد عبرها ما لم يُدرك، ويجادل فيما لم يقرأ، ويصدر الأحكام قبل أن يكتمل الفهم.

    إن المعرفة مسؤولية، والكلمة أمانة، والعقل نعمة لا تكتمل قيمتها إلا حين يُستخدم في السؤال والتحقق والتأمل، لا في تكرار ما يقوله الآخرون.

    ولعل أجمل ما يمكن أن يقال قبل إبداء الرأي هو: هل فهمت حقاً ما أتحدث عنه؟ فالسؤال بداية الحكمة، أما الترديد فلا يصنع معرفة، وإنما يضاعف الضجيج.

    نشرت في مدونة

    د. علاء محمود التميمي

    www.altamimialaablog.com

  • كربلاء حين يتحول الجرح إلى ذاكرة

    كربلاء: حين يتحوّل الجرح إلى ذاكرة، والذاكرة إلى شعيرة

    د علاء محمود التميمي

    حزيران ٢٠٢٦

    ليست الشعائر الكبرى في حياة الأمم طقوساً تتكرر مع تعاقب السنين، بل هي ذاكرة حيّة ترفض أن تموت. فالإنسان حين يعجز عن استعادة الماضي، يحاول أن يحفظ معناه؛ بالدمعة، والزيارة، والقصيدة، والمجلس، والمسرح، والمواكب، وبكل رمزٍ يجعل الغائب حاضراً في الوجدان.

    ومن هنا يمكن أن نفهم الشعائر الحسينية؛ لا بوصفها ممارسة دينية فحسب، بل بوصفها واحدة من أعمق تجليات الذاكرة الإنسانية في ثقافة المشرق والعالم الإسلامي.

    ففي كربلاء لم يُستشهد رجلٌ عظيم فحسب، بل سقطت أمام أعين التاريخ نخبةٌ من أهل بيت النبوة وأصحاب الوفاء، وسالت دماءٌ ما زالت الإنسانية تتوقف عندها بعد قرون طويلة. كان المشهد أكبر من معركة، وأعمق من صراع على سلطة؛ كان امتحاناً أخلاقياً كشف إلى أي مدى يمكن أن يذهب الظلم حين يفقد الإنسان بصيرته، وإلى أي مدى يمكن أن يرتقي الوفاء حين يختار الإنسان التضحية على حساب النجاة.

    في البدايات الأولى، لم تكن الشعائر الحسينية بالصورة التي نعرفها اليوم. كانت أقرب إلى وقفات حزن صامتة حول قبر الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء، ولا سيما في يوم العاشر من محرم. كان الزائرون يقرؤون الفاتحة، ويستذكرون المأساة، ويرددون المراثي، ويعبرون عن ألمهم ووفائهم لرجلٍ وقف وحيداً في مواجهة قوةٍ امتلكت السيف والسلطان، لكنها لم تمتلك الحق.

    لم تكن هناك مواكب ضخمة، ولا مسارح تعزية، ولا طقوس متكاملة الأركان. كان هناك فقط قلبٌ مكلوم يبحث عن لغةٍ تليق بحجم الفاجعة.

    ومع مرور الزمن، أخذت الذاكرة شكلها شيئاً فشيئاً.

    ظهرت مجالس الرثاء، وتطورت قراءة المقتل، واتسعت دوائر الإحياء، وانتقلت كربلاء من حدود المكان إلى رحابة المعنى. لم تعد حدثاً وقع في صحراء العراق سنة 61 للهجرة، بل أصبحت رمزاً يتنقل بين الشعوب والثقافات، ويتحدث بلغات مختلفة، لكنه يحمل الرسالة نفسها.

    في العراق بقيت كربلاء موضع الجرح الأول، ومركز الذاكرة الحيّة. وفي إيران تطورت التعزية بوصفها مسرحاً وجدانياً يجمع الحكاية والدمعة والرمز. وفي مصر الفاطمية اتخذ عاشوراء طابع الحزن العام، وخرج الناس إلى المشاهد والمقامات يستذكرون المصاب. وفي الهند وباكستان نشأت أشكال متعددة من المجالس والمواكب والمراثي، بينما حملت مجتمعات إندونيسيا وجاوا وسومطرة الذكرى بلغاتها وعاداتها المحلية، لكنها ظلت تدور حول المعنى ذاته: الحسين بوصفه رمزاً للفقد والوفاء والتضحية.

    وهذا الانتشار الواسع يكشف حقيقة مهمة؛ فكربلاء لم تبقَ مجرد واقعة تاريخية.

    لقد تحولت إلى لغةٍ رمزية يفهمها كل من عرف معنى الظلم أو تذوق مرارة الفقد. كل شعب عبّر عنها بطريقته؛ بالقصيدة أو المجلس أو المسرح أو الموكب أو الطعام الرمزي أو حتى بالصمت. اختلفت الأشكال، لكن جوهر الرسالة بقي واحداً: أن هناك مظلوماً لا ينبغي أن يُنسى، وأن هناك موقفاً أخلاقياً يجب أن يبقى حياً في الضمير.

    وهنا تكمن القوة الحقيقية للشعائر.

    فهي ليست مجرد تكرار لذكرى بعيدة، بل محاولة دائمة لمقاومة النسيان. حين يجتمع الناس كل عام حول عاشوراء، فإنهم لا يستعيدون الماضي كما وقع فحسب، بل يسألون أنفسهم: ماذا بقي من معناه فينا؟ هل ما زلنا نميز بين الحق والقوة؟ بين الشجاعة والخضوع؟ بين الوفاء والتقاعس؟ بين الدين بوصفه قيمة أخلاقية، والدين حين يتحول إلى أداة بيد السلطة؟

    إن كربلاء، في جوهرها، ليست قصة دموع فقط.

    إنها سؤال أخلاقي مفتوح على الزمن.

    فالحسين عليه السلام لم يصبح رمزاً لأنه قُتل فحسب، بل لأنه رفض أن يمنح الظلم شرعية الصمت. اختار أن يدفع الثمن كاملاً، وأن يبقى وفياً لما آمن به حتى اللحظة الأخيرة. ولهذا تجاوز حضوره حدود الواقعة، وتخطى حدود المذهب، وأصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية التي ترى في التضحية من أجل المبدأ قيمةً خالدة.

    لكن الشعائر، ككل ذاكرة حيّة، تحتاج دائماً إلى وعي يحفظ روحها. فحين تبقى مرتبطة بمعناها الأخلاقي، تصبح مدرسة في الشجاعة والصدق والوفاء. أما إذا انفصلت عن هذا المعنى، فقد تتحول إلى عادةٍ تتكرر دون أن تترك أثراً في السلوك أو الضمير.

    فالقيمة ليست في ارتفاع الأصوات وحده، ولا في كثرة الحشود وحدها، بل في السؤال الذي تتركه الذكرى في القلب: هل ننصر الحق حين يكون ضعيفاً؟ هل نقف مع المظلوم حين لا يملك قوة؟ هل نمتلك شجاعة الموقف عندما يصبح الصمت أكثر أماناً؟

    لقد بدأت الشعائر الحسينية من دمعةٍ عند قبر، ثم تحولت إلى ذاكرةٍ عابرة للقارات والثقافات. وهذا وحده يكفي ليدل على أن بعض الأحداث لا تنتهي بانتهاء زمانها. فهناك وقائع تبقى حيّة لأنها تمسّ جوهر الإنسان، وكربلاء واحدة من تلك الوقائع؛ تعود كلما عاد الظلم، ويستحضرها الضمير كلما احتاج إلى من يوقظه.

    لهذا لا ينبغي أن نقرأ عاشوراء قراءة مذهبية ضيقة.

    إنها ذكرى دينية عظيمة، لكنها أيضاً درس إنساني خالد عن ثمن الكرامة، وعن مسؤولية الإنسان في مواجهة الظلم، وعن الخطر الذي ينشأ حين تسكت الجماعة أمام القوة.

    ولهذا بقيت الشعائر الحسينية حيّة عبر القرون؛ لأنها لم تحفظ مأساة الحسين وحدها، بل حفظت السؤال الذي تركه للأحياء.

    وفي كل عام تعود كربلاء…

    لا لتطلب منا الحزن وحده، ولا لتستدر الدموع فقط، بل لتضع أمام ضمائرنا سؤالاً لا يشيخ:

    أين نقف حين يتواجه الحق والسلطة؟