التاريخ الحضري لمدينة بغداد

https://youtu.be/920DjQm7bHk

قراءة موجزة للتاريخ الحضري لمدينة بغداد منذ تأسيسها عام 762م كمدينة مدوّرة مبتكرة في التخطيط العباسي، مرورًا بتحولها في القرون اللاحقة إلى مدينة مفتوحة على ضفاف دجلة، ثم إعادة تشكّلها في العهد العثماني كنسيج تقليدي كثيف، وصولًا إلى مشاريع التحديث الواسعة في القرن العشرين، ولاحقًا التدهور الذي أصاب المدينة بعد الحروب والعقوبات وما بعد 2003 و كيف انتقلت بغداد من نموذج حضري مزدهر إلى مدينة مثقلة بالتحديات، ويؤكد الحاجة لرؤية تخطيطية جديدة تعيد لها وظيفتها، هويتها، ودورها الحضري.

عندما يرحل العلماء بصمت وهم في الغربة

عندما يرحل العلماء بصمت وهم في الغربة

د علاء التميمي

أيلول ٢٠٢٥

رحل عن دنيانا قبل أيام في الأردن الدكتور المهندس عامر محمد رشيد، العالم العراقي الجليل الذي كرّس عمره للبحث والتطوير، تاركًا إرثًا من العلم والخلق والإنسانية. رحل كما عاش، بصمت العلماء ووقارهم، بعيدًا عن ضوضاء السياسة وصخبها، لكنه – مثل كثير من علماء العراق – وجد نفسه في زمنٍ قاسٍ محشورًا بين متطلبات السلطة وواجبات الوطن.

لقد قدّر لي أن أعمل معه منتصف الثمانينات من القرن الماضي حين كان يرأس هيئة البحوث والتطوير الفني ، وكنت يومها خبيرًا إنشائيًا في قسم الإنشاءات إلى جانب الدكتور كوان العاني. لم يكن مجرد رئيسٍ لهيئة، بل كان قدوة في التواضع، راقيًا في تعامله، كريمًا في عطائه، يترك أثرًا عميقًا في كل من عرفه. ولقد طبع مسيرتي المهنية بدرسٍ خالد: أن العالم الحقيقي لا يعرّفه منصبه، بل يعرّفه علمه وأخلاقه وطريقة تعامله مع من حوله.

كما قدّر الله أن أعمل أيضًا بعد ذلك مع الدكتور جعفر ضياء جعفر، عندما كان نائب رئيس منظمة الطاقة الذرية العراقية، حين كنت رئيسًا لهيئة التصاميم في المنظمة كان هو الآخر علمًا بارزًا ورجلاً إداريًا فذًا، عاش للعلم، ورفع من شأن من عمل معه، لكنه أيضًا لم يسلم من ذلك القدر الذي يجعل العالم في العراق دومًا أسيرًا لزمنه، مرغمًا على الوجود في معادلة السياسة وهو أبعد ما يكون عنها.

وهنا تتكشف المأساة:

في بلدان كثيرة، يُكرَّم العلماء وتُصان مكانتهم بعيدًا عن الصراعات، أما في العراق فقد عاشوا دومًا في قلب العاصفة. لم يسعوا إلى السياسة، لكنها لحقت بهم، لتضعهم في موقع لا يشبه رسالتهم، وتحمّلهم تبعات عهد لم يكن لهم فيه يد. ومع ذلك، ظلوا أوفياء لوطنهم، يقدمون علمهم بصمت، ويواصلون العمل في أحلك الظروف.

إن رحيل الدكتور عامر محمد رشيد يفتح جرحًا أكبر من مجرد فقدان عالم جليل؛ إنه يعيد التذكير بقضية العلاقة بين العلم والسياسة في العراق. فالعلماء عندنا لم يُترك لهم المجال ليكونوا أحرارًا في ميدانهم، بل وجدوا أنفسهم محشورين بين مطرقة السلطة وسندان المسؤولية. ومع ذلك، لم يتخلوا عن رسالتهم، لأنهم أدركوا أن خدمة الوطن بالعلم أسمى من كل حساب آخر.

رحم الله الدكتور عامر، وأسكنه فسيح جناته، وجعل علمه في ميزان حسناته. وأطال الله في عمر الدكتور جعفر، ليبقى شاهدًا على جيلٍ من العلماء الذين أثبتوا أن خدمة العراق بالعلم لا تُقاس بالسياسة ولا تُقيدها الأنظمة. فالعلماء يرحلون بأجسادهم، لكن أثرهم يبقى خالدًا، يضيء ذاكرة الوطن مهما أثقلته العصور بالظلم والتقلبات.

ويبقى السؤال مفتوحًا:

هل سيتعلم العراق يومًا أن يضع علماؤه في مكانهم الطبيعي، حماةً للمعرفة ومناراتٍ للنهضة، بعيدًا عن ضغوط السياسة وصراعاتها؟ أم سيبقى العلماء محشورين في معادلات لا تشبه رسالتهم، حتى يرحلوا بصمت، ويخسرهم الوطن في الغربة؟

نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي

www.altamimialaablog.com

بغداد: مدينة السراب بين العمارة الموعودة والتخطيط الحضري المؤجَّل

في منتصف القرن العشرين، تحوّلت بغداد إلى مختبر عالمي للحداثة المعمارية والتخطيط الحضري. ما بين 1952 و1982، استُدعيت أسماء كبرى مثل فرانك لويد رايت، لو كوربوزييه، والتر غروبيوس، جيو بونتي، وألفار ألتو، لتقديم رؤى طموحة لمدينة كانت تطمح أن تكون عاصمة الشرق الأوسط الثقافية والاقتصادية. لكن هذه الطموحات سرعان ما تحوّلت إلى “سراب” بفعل الاضطراب السياسي، فلم يبقَ من تلك الأحلام سوى قلة من المباني التي تناثرت بين أمواج من الصراع.

التصاميم الكبرى: من الحداثة إلى الطوباويج

فرانك لويد رايت: “بغداد الكبرى”

عام 1957، قدّم رايت خطته الطوباوية تحت عنوان Plan for Greater Baghdad. تخيّل جزيرة وسط دجلة تحمل اسم إيدينا، أشبه بحديقة جنّة معاصرة، تضم:

  • دار أوبرا ضخمة تتسع لآلاف المتفرجين.

  • مكتبة ومتحفًا ودارًا للعلوم.

  • جامعة حديثة تعكس انفتاح العراق على المعرفة.

  • تمثالًا أسطورياً يمزج بين رموز “علاء الدين” و”التنين”، كعلامة على الحلم الشرقي في قراءة غربية.

هذا المشروع لم يتجاوز المخططات، لكنه يكشف كيف نظر الغرب إلى بغداد باعتبارها “مسرحًا” يمكن أن يجسّد فيه الطموح العمراني العالمي.

لو كوربوزييه: المجمع الرياضي

قدّم لو كوربوزييه تصورًا لمجمع رياضي متكامل ضمن خطة لاستضافة الأولمبياد. ضمّ ملاعب داخلية وخارجية وصالات متعددة الوظائف. لم ينفّذ المشروع كاملاً، لكن قاعة الألعاب الرياضية (افتُتحت 1980) بقيت شاهداً وحيداً على تلك الرؤية الحداثيّة

والتر غروبيوس وآخرون: التخطيط الأكاديمي والثقافي

  • غروبيوس، أحد روّاد “الباوهاوس”، رسم مخططات لمدينة جامعية حديثة.

  • جيو بونتي وألفار ألتو وغيرهم صمّموا متاحفًا ومراكز ثقافية ومبانٍ إدارية.

    لكن تلك المشاريع بقيت حبيسة الأدراج، تتأرجح بين الطموح الدولي والواقع السياسي العراقي المتقلّب.

التخطيط الحضري: الرؤية والقيود

هذه المشاريع لم تكن معزولة عن محاولات لوضع مخطط عمراني شامل لبغداد. فقد عمل خبراء أجانب مثل كونستنتين دوكسياديس على وضع خطط هيكلية للمدينة، تضم تقسيمات للأحياء، شوارع واسعة، ومناطق خضراء. كان الهدف تحويل بغداد إلى مدينة عصرية متوازنة، تربط بين التراث العربي الإسلامي وضرورات الحياة الحديثة.

لكن تلك الخطط اصطدمت بعقبتين أساسيتين:

التغيّر السياسي المتكرر (من الملكية إلى الجمهوريات والانقلابات).

غياب استمرارية مؤسسية تجعل التخطيط العمراني جزءًا من سياسة وطنية طويلة الأمد.

بالمقارنة، فإن مدنًا مثل الرياض استفادت من الاستقرار السياسي والثروة النفطية لتطبيق مخططات دوكسياديس وأقرانه، بينما بقيت بغداد تعيش بين “التصميم على الورق” و”الارتجال على الأرض”.

ما نُفّذ: الرمزية أكثر من الحداثو

بينما تعثرت مشاريع الثقافة والعلم، تقدمت مشاريع الرمزية الوطنية، خاصة بعد حرب العراق–إيران:

  • نصب الجندي المجهول (1982): تصميم خالد الرحّال ومارسيلو دوليفو، كتعبير عن التضحية.

  • نصب الشهيد (1983): قبة زرقاء تنشطر لتحتضن الشعلة الأبدية.

  • فندق بابل (1982): تجسيد للزقورة البابلية بروح حديثة.

هذه المشاريع عززت حضور “العراق المقاتل” أكثر من “العراق المثقف”، وهو ما يعكس تحوّل الدولة من مشروع حداثي مدني إلى مشروع تعبوي عسكري.

أما المعماري العراقي رفعت الجادرجي، فقد كان علامة فارقة في نقل الحداثة إلى السياق المحلي، عبر مبانٍ مثل مبنى العبّود (1955) ومشاريع حكومية عديدة، ليحفر اسمه كأبرز من حاول المزج بين الطابع المحلي والحداثة الدولية

مقارنة نقدية مع العواصم الأخرى

  • القاهرة: حاولت عبر “مدينة نصر” ومشاريع عبد الناصر أن تترجم الحداثة العمرانية، لكنها غُلبت على أمرها أمام النمو السكاني العشوائي.

  • الرياض: اعتمدت على المخططات الدولية ونفّذتها تدريجيًا، فبرزت أحياء منظمة وبنية تحتية متسقة، رغم الطابع المحافظ ثقافيًا.

  • الدوحة وأبوظبي (لاحقًا): سخّرت الثروة النفطية لاستقطاب أسماء معمارية عالمية، فنجحت في تنفيذ ما عجزت بغداد عن تحقيقه في الخمسينيات.

هذا يعكس معادلة حاسمة: الحداثة العمرانية تحتاج إلى استقرار سياسي ورؤية وطنية مستدامة، لا إلى وعود معمارية فقط.

خاتمة تأملية

أقف اليوم أمام تلك المخططات التي لم تُنفّذ، فأشعر أنها ليست مجرد أوراق مهملة في أرشيف معماري، بل شظايا من أحلام مدينة وُلدت لتكون عظيمة ثم أُعطبت في منتصف الطريق. كأن بغداد، في نصف قرن مضى، كانت تُمدّ يدها إلى المستقبل، لكن يدًا أخرى كانت تشدّها إلى صراعات الحاضر.

أفكّر أحيانًا: لو تحققت جزيرة إيدينا التي رسمها رايت، أو لو قامت الجامعة الحديثة التي حلم بها غروبيوس، هل كان شباب بغداد سيكبرون وهم يرون مدينتهم تضاهي باريس أو طوكيو في فضاءاتها الثقافية والعلمية؟

لكن بغداد، بطبيعتها، مدينة لا تموت. هي التي التهمت الحروب وأعادت صياغة نفسها مرات لا تُحصى. وربما تكون تلك المشاريع المؤجّلة، بكل ما فيها من سراب، قد منحتها شيئًا أثمن: القدرة على أن تبقى فضاءً مفتوحًا للخيال، مدينةً تُعلّمنا أن العمران ليس جدرانًا فقط، بل وعدٌ مؤجَّل ينتظر لحظة صدق ليتحوّل إلى واقع.

ومن بين هذا الركام، أجد نفسي مؤمنًا أن بغداد ستظل تلهم العالم، كما ألهمت رايت وكوربوزييه، وأن ساعة البناء الحقيقي ستأتي يومًا، عندما تتصالح المدينة مع ذاتها وتعيد اكتشاف معنى اسمها القديم: مدينة السلام.

ساعة يوم القيامة… رقاص على حافة الهاوية

احيانا لا يأتي الخطر على هيئة انفجارٍ مفاجئ، بل يقترب بخطوات بطيئة، كعقربٍ يتحرك في صمت نحو نقطة النهاية. هناك لحظات في تاريخ البشرية يكون الصمت أخطر من الضجيج، والتحذير أشد وقعًا من الصدمة… ولعل “ساعة يوم القيامة” هي التجسيد الأكثر وضوحًا لهذه الفكرة.

ليست ساعةً على جدار، ولا عقربًا يدور في هاتفك، بل فكرةٌ وُلدت من قلب الخوف الإنساني، وحملت اسمًا يثير القشعريرة: “ساعة يوم القيامة”.

ابتكرها علماء شاركوا يومًا في صناعة أخطر سلاح عرفه البشر – القنبلة الذرية – ثم استيقظت فيهم ضمائرهم. شعروا أنهم، وهم يفتحون أبواب القوة، قد فتحوا معها أبواب الفناء. فابتكروا رمزًا لا ليخبرنا بالزمن، بل ليقيس المسافة بيننا وبين الكارثة.

في هذه الساعة، منتصف الليل ليس موعدًا للنوم، بل لحظة النهاية… حرب نووية، كارثة مناخية، وباء عالمي، أو انهيار تكنولوجي خارج السيطرة. وكلما اقترب عقرب الدقائق من تلك اللحظة، كان ذلك إعلانًا بأن العالم يقترب من حافة الهاوية. وإذا ابتعد، فهو أنفاس ارتياح مؤقتة.

يضبط عقاربها اليوم نخبة من العلماء والخبراء، يجتمعون كل عام ليفتشوا خرائط الخطر: التهديد النووي، تغيّر المناخ، سباق الذكاء الاصطناعي، هشاشة الدبلوماسية بين الأمم. يدرسون الأخبار، الحروب، الاتفاقيات الممزقة، وذوبان الجليد، ثم يقررون… هل نخطو نحو الهاوية أم نتراجع عنها خطوة؟

تاريخها يحمل لحظات متناقضة:

• 1947: بدأت على بعد سبع دقائق من منتصف الليل.

• 1953: اقتربت إلى دقيقتين فقط، في ذروة الحرب الباردة.

• 1963: ابتعدت إلى 12 دقيقة بعد اتفاقية الحد من الاختبارات النووية.

• 1991: كانت في أبعد نقطة، 17 دقيقة، مع نهاية الحرب الباردة.

• واليوم… نحن على 90 ثانية فقط، وهي أقرب مسافة في التاريخ، مدفوعة بحرب أوكرانيا، تعثّر معالجة أزمة المناخ، وسباق تكنولوجي يثير القلق.

هذه الساعة ليست نبوءة، ولا وعدًا بموعد محدد، بل هي جرس إنذار صامت… لكن صداه مدوٍّ في عقول من يفهمونه. إنها تذكير بأن مصيرنا ليس مكتوبًا، بل مرهون بالقرارات التي نتخذها اليوم.

إما أن نعيد عقاربها إلى الوراء، أو نتركها تمضي حتى تدق منتصف الليل… وعندها، لن يكون هناك وقت لننظر إليها مجددًا.

هيروشيما ظل لن يمحوه الزمن

في السادس من آب/أغسطس عام 1945، وعند تمام الساعة الثامنة والربع صباحا ، أسقطت طائرة أمريكية في سماء هيروشيما قنبلة نووية، سُمّيت “الولد الصغير”، لتسطر فصلًا مأساويًا في تاريخ البشرية. لم تمضِ سوى ثلاثة أيام حتى تكرر المشهد المروّع في مدينة ناكازاكي، حيث ألقت قنبلة ثانية، عرفت بـ “الرجل البدين”، في تمام الساعة الحادية عشرة واثنين من الدقائق صباحًا، لتُشعل الموت من جديد.

أرقامٌ تقف شاهدةً على فصول الفجيعة، تتحول إلى دموعٍ تسيل من عيون التاريخ

– في هيروشيما، سقط 140 ألف إنسان، بين موتٍ سريع وآخر بطيء، تسببت به إشعاعات القنبلة.

– وفي ناكازاكي، أزهق 74 ألف روحٍ بنفس الطريقة البشعة، لتبقى أرواحهم تتجول بلا مأوى.

– ومئات الآلاف من الناجين، الذين أصبحوا أحياءً أمواتًا، يعانون من حروقٍ مشوّهة، وأمراضٍ سرطانية نالت من أجسادهم، ليُولد أطفالٌ يحملون آثار تلك الفاجعة، مشوّهين لأجيالٍ قادمة.

اليوم، حين تتعالى أجراس الذكرى، لا تكتفي بالبكاء على ماضٍ مؤلم، بل تُنذر كل من يمتلك زرًّا نوويًا في هذا العالم:

*”احذروا… فالشمسَ قد تُسرَقُ من السماء مرةً أخرى، وهذه المرة… قد لا يبقى أحدٌ ليقوم بدفن الأموات.”*

إنّ العالم اليوم، وفي خضم النزاعات والحروب المتزايدة، يشهد تصاعدًا مقلقًا في التوترات الجيوسياسية، وتزداد حدة التهديدات. في مناطق الصراع في الشرق الأوسط واوكرانيا ، يُظهر التاريخ أن الأسلحة النووية ليست مجرد أدوات تدمير، بل سلاحٌ ذو حدين يهدد البشرية جمعاء.

ما نشهده اليوم من تصعيدٍ في النزاعات المسلحة، يثير القلق من إمكانية وقوع حروبٍ نووية، تضاف إلى قائمة الكوارث الإنسانية التي لا تُحصى. إن استحضار ذكرى هيروشيما وناكازاكي يجب أن يكون دافعًا للمجتمع الدولي، للتحرك بشكل عاجل نحو نزع السلاح النووي، وتعزيز السلام والتفاهم بين الأمم.

إن النزاعات الحالية ، قد تؤدي إلى استخدام الأسلحة النووية، لأسباب قد تكون غير محسوبة، مما ينذر بعواقب وخيمة. علينا أن نتذكر أن التقدم العلمي والتكنولوجي لا يجب أن يكون ذريعة للحصول على أسلحة دمار شامل، بل يجب أن يُستخدم في خدمة الإنسانية وتحسين حياة الأفراد.

البشرية تستحق عالمًا أكثر أمانًا، خاليًا من المخاطر النووية. لذا، يجب أن يكون صوتنا عالياً في المطالبة بالسلام، ورفض أي شكل من أشكال العنف، حتى لا نعيد كتابة فصول التاريخ المأساوية. لننطلق جميعًا نحو عالمٍ يسوده الأمل والتفاهم، حيث تكون الذكرى درسًا يُعلمنا كيف نحمي مستقبلنا، ونعمل معًا على بناء غدٍ أفضل.

خاطرة الجمعة:حين اختار العراق ان يطعن نفسه

في مثل هذه الأيام من شهر آب الحارق، عام 1990، تاه العقل للحاكم في غفلة من الحكمة، واندفع بقرار صادم لاحتلال دولة شقيقة، الكويت.

لم يكن القرار مجرد خطأ سياسي، بل كان جريمة في حق التاريخ والجغرافيا، وفي حق شعبين جمعتهما العروبة، والحدود، وحتى الشراكة في الهموم.

كأن العراق، المثقل بجراح حربه الطويلة مع إيران، لم يكتفِ بنزيفه، فأضاف لنفسه جرحًا لا يندمل، ليبدأ طريقًا نحو العزلة والحصار والخراب.

منذ ذلك الاحتلال، بدأ كل شيء بالانهيار…

فرض العالم حصارًا خانقًا حوّل الخبز إلى أمنية، والدواء إلى حلم.

تآكل النسيج الاجتماعي، وانهار الاقتصاد، وتفككت الدولة التي كانت توصف يوماً بأنها قوية ومتماسكة.

تقلّص الأمل، وانسحب النور من أعين الأمهات، وصار الوطن ضحية رعونة قرار، لم يُدفع ثمنه في القصور، بل في بيوت البسطاء، ومدارس الأطفال، وأجنحة المستشفيات.

ومن ذلك الباب الذي فُتح في فجر الثاني من آب، تسللت كل العواصف التي عصفت بالعراق…

تسرب منها الغزو، ثم الاحتلال، ثم الطائفية، فالدمار…

كأن ذلك اليوم كان شرارة النهاية، لا بداية التحرير كما صوّره بعضهم.

وها نحن اليوم، بعد عقود، لا نزال ندفع ثمن لحظة غرور وقرار انفعالي، فرّق ما كان يجب أن يُجمع، ودمّر ما بُني بدماء الأجيال.

آه يا عراق…

كم من مرة دفع أبناؤك ضريبة أخطاء حكّامك؟

وكم من مرة تَكسّر ظهرك، لأن من كان على كرسي القرار لم يكن يرى إلا وهْم المجد، لا حقيقة التاريخ؟

في قلب البلقان: حين تُفتح الخرائط على اتّساع الذاكرة

لم تكن هذه الرحلة مجرّد انتقال بين حدود الدول، بل عبور خفيّ بين طبقات الذات… رحلة مشحونة بما هو أكثر من مناظر وسكك ومبانٍ. كانت عبورًا بين الأزمنة، بين ما عشناه وما لم نعرف أننا نحمله بداخلنا.

في صيف البلقان، حيث تتداخل الجبال مع الذاكرة، وتتشابك الأزقّة مع الحكايات، انطلقتُ مع صديقَيّ العزيزين شاكر وإحسان، نُقلّب صفحات مدن تحمل فوق حجارتها وجوهًا لا تُنسى وابتسامات تشي بأن الوجع لا يمنع الأمل من الظهور. من سراييفو إلى نيكشيتش، ومن كوتور إلى أوهريد وتيرانا، كانت الطريق مدرسة والصحبة مرآة.

رفاق الرحلة… حين تكشف المسافات عمق القلوب

السفر، كما تعلّمت، لا يفضح المدن فحسب، بل يعرّي الأرواح. فهو يضع الصداقة على محك التفاصيل الصغيرة: من يختار الطريق؟ من يرضى بأبسط وجبة؟ من يكتم انزعاجه احترامًا للرفقة؟

شاكر، بهدوئه النبيل، كان كالنسيم الذي يهب فجأة في لحظة احتقان. لا يحتاج إلى كثير من الكلام؛ تكفيه نظرة ليفهم، ويكفيك حضوره لتطمئن. أما إحسان، فكان القلب النابض للرحلة، يقود السيارة كما لو يقود نهرًا من القصص، يملأ الوقت ضحكًا ودفئًا، ويعيد التوازن حين تميل كفّة التعب.

جلسنا معًا في المقاهي، تقاسمنا الخبز والطرق، دخلنا المدن القديمة كمن يدخل حكايات لم تُكتَب بعد. وفي كل يوم، كنا نعيد اكتشاف بعضنا: من يقترح الوجهة التالية؟ من يختار موسيقى الطريق التي أعدّها إحسان بعناية على مفتاح USB؟ من يتبرّع بالسكوت حين يكون الصمت أبلغ؟

السفر امتحانٌ لا يُعلن نتائجه… لكنه يترك أثره في القلب

خرجنا من هذه الرحلة ونحن نحمل من بعضنا ما لا يُنسى. عرفنا أن الصداقة لا تُقاس بالسنين، بل بلحظات التعب المشترك، بلقمة الصبر، وبالقدرة على أن تبقى قريبًا حتى عندما يحتاج الآخر إلى مسافة.

لقد اختبرتنا الطريق… فخرجنا منها أكثر قربًا، وأكثر فهمًا، وربما… أكثر حنينًا لما تبقّى منها فينا.

خاطرة الجمعة :السفر … مرآة للروح وجسر بين الشعوب

من نيوزلندا البعيدة إلى جبال الأنديز، ومن أزقة مراكش إلى شارع محمد بورقيبة ومن مدن أوروبا الكلاسيكية إلى سواحل أمريكا اللاتينية النابضة بالحياة… عبرتُ مع العائلة أو رفقة الأصدقاء أكثر من ستين بلداً، باحثاً لا عن مجرد مشاهد طبيعية أو صور تُعلق على جدار، بل عن فهمٍ أعمق للإنسان.

في كل رحلة، كنت أعود بحقيبة مليئة بما هو أثمن من الهدايا: دهشة طفلٍ أمام حضارة جديدة، وطمأنينة رجلٍ التقى بوجهٍ يشبهه في البسمة وإن اختلف في اللغة والملامح.

لقد علّمني السفر أن الإنسان في جوهره واحد. في كل بقعة على هذه الأرض، هناك من يفرح بقدومك، من يعرض عليك المساعدة دون انتظار مقابل، من يدعوك إلى مائدته فقط لأنك غريب. كرم الضيافة لا جنسية له، وحب الخير لا دين له.

في الأسواق الشعبية، على مقاعد القطارات، في المطارات، على الطاولات الخشبية في المقاهي القديمة… وجدتُ قصصاً، واستمعت لحكايات، وراقبت كيف تتعدد أشكال الحياة لكن تتوحد المشاعر.

في كل مرة كنت أكتشف شيئاً جديداً عن الآخر… وشيئاً أعمق عن نفسي.

إن السفر ليس مجرد انتقال في الجغرافيا، بل هو ارتحال في الزمن والتجربة والإدراك. هو مدرسة تفتح نوافذها على ثقافات متعددة، وتعلّمك التواضع، والانفتاح، والتسامح.

ولأنني أؤمن أن لكل إنسان رحلة في داخله قبل أن تكون في خارجه، أقول لكل من يتابعني:

سافروا متى استطعتم… لا لتبتعدوا عن أوطانكم، بل لتقتربوا أكثر من إنسانيتكم.

فالعالم ليس كبيراً كما يبدو على الخريطة… بل هو صغير بقدر اتساع قلبك.

العمر ان مضى

ها أنا ذا، تجاوزت السبعين سنتين اليوم . لا احتفالَ يُزمِّرُ، ولا أضواءَ تُلمعُ، بل وقفةٌ صامتةٌ كتوقُّفِ المسافرِ في منتصفِ الطريقِ، يلتقطُ أنفاسَه، يُقلِّبُ نظرَه خلفَ ظهرِه، ثم يتأملُ المسافةَ المتبقيةَ. اليومُ، مرَّ كفيلمٍ صامتٍ يُعرضُ على شاشةِ الذاكرة: شوارعُ بغدادَ التي رَسمت طفولتي، دفاترُ الدراسةِ في ثانويةِ الكرخِ، خطواتي الأولى بكليةِ الهندسةِ في نهايةِ الستينياتِ. ثمَّ كانت المغادرةُ في بدايةِ الثمانينياتِ للدراسةِ العليا،

خرجتُ من العراقِ يومَها، حقيبتي ثقيلةً بأوراقٍ تختزلُ هويةً، وقلبي أثقلُ بما عجزتُ عن قولِه. كانت باريسُ – مدينةَ الضوءِ – مرفأً أولَ، فتحتْ لي أبوابَ المعرفةِ والشتاتِ معاً. في قاعاتِ جامعاتِها، كتبتُ أطروحتي، وشرعتُ أرسمُ ملامحَ رجلٍ قررَ ألا يستسلمَ للغيابِ. إن لم تكنْ ثمّةَ أرضٌ تثبُتُ فيها القدمُ، فلتُزرعِ الجذورُ في الكتبِ. كانت مقاومةً بالمعرفةِ.

ثم العودةُ منتصفَ الثمانينات لِأعملَ في “العراق الحبيبِ” عقداً كاملاً، قبل أن يأتيَ القرارُ الأثقلُ: الهجرةُ. ذلك الجرحُ النازفُ الذي لم تندملْهُ كلُّ المدنِ التي منحتني أسماءً مؤقتةً، كأنما تُخاطبُ غريباً.

ثم جاءت العودةُ المؤقتةُ، امتحاناً للضميرِ لا منصباً: أميناً للعاصمةِ الجريحةِ، بغدادَ. سعيتُ بين ركامِها، أبحثُ عن بصيصِ نظامٍ في قلبِ الفوضى، وعن معنى في زمنٍ أضاعَ معناه. تعلّمتُ أن الألغامَ لا تُزرعُ تحتَ الطرقِ وحدَها، بل وتُختبئُ تحتَ كلِّ فكرةٍ نبيلةٍ. مشيتُ على حافةِ الهاويةِ، حاملاً أملَ إعادةِ البناءِ في مدينةٍ تتنازعُها النيرانُ.

ثم كانت الهجرةُ الأخيرةُ إلى كندا، الأرضِ التي تمنحُكَ حقَّ البدءِ من جديدٍ، دونَ أن تسألَكَ: “مَن كنتَ؟”. عدتُ إلى حُبِّي الأولِ: القاعاتِ الدراسيةِ والاستشارة الهندسية . أستاذاً جامعياً بين تورونتو والإماراتِ وباريسَ نفسِها، أنقلُ ما تعلّمتهُ لأجيالٍ من المهندسينَ. ألمحُ في عيونِهم شررَ طموحي القديمِ، فأضعُ بين أيديهم أدواتَ الحلمِ والتفكيرِ الحرِّ، كما وضعَها أساتذتي بين يديَّ ذاتَ يومٍ. دورةُ الحياةِ تكتملُ: من التلمذةِ إلى التعليمِ.

واليومَ، في هدوءِ هذا الصباحِ وأنا أخطو خطواتي في العقدِ السابعِ، لا يملؤني ندمٌ على ما فاتَ، ولا رغبةٌ في التفاخرِ بما أنجزتُ. يملؤني شيءٌ أعمقُ: **الرضا**. أدركتُ أن العمرَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بعددِ السنواتِ، بل **بكثافةِ التجربةِ وصدقِ المعنى** الذي نعيشُ من أجلهِ. لقد عشتُ بصدقٍ.

فيا زماني، كُنْ هادئاً فيما تبقى من رحلتِنا معاً. لم أعدْ أسعى وراءَ مجدٍ يتبخّرُ، بل أبتغي **وضوحاً** يثبُتُ. لا أريدُ طريقاً طويلاً يتعثّرُ فيه السائرُ، بل أريدُ طريقاً واحداً: **طريقاً يُشبهني**.

العقد السابع: توقُّفُ المسافِرِ واستشرافُ الوُضوحِ**

ها أنا ذا، تجاوزت السبعين. لا احتفالَ يُزمِّرُ، ولا أضواءَ تُلمعُ، بل وقفةٌ صامتةٌ كتوقُّفِ المسافرِ في منتصفِ الطريقِ، يلتقطُ أنفاسَه، يُقلِّبُ نظرَه خلفَ ظهرِه، ثم يتأملُ المسافةَ المتبقيةَ. اليومُ، مرَّ كفيلمٍ صامتٍ يُعرضُ على شاشةِ الذاكرة: شوارعُ بغدادَ التي رَسمت طفولتي، دفاترُ الدراسةِ في ثانويةِ الكرخِ، خطواتي الأولى بكليةِ الهندسةِ في نهايةِ الستينياتِ. ثمَّ كانت المغادرةُ في بدايةِ الثمانينياتِ للدراسةِ العليا،

خرجتُ من العراقِ يومَها، حقيبتي ثقيلةً بأوراقٍ تختزلُ هويةً، وقلبي أثقلُ بما عجزتُ عن قولِه. كانت باريسُ – مدينةَ الضوءِ – مرفأً أولَ، فتحتْ لي أبوابَ المعرفةِ والشتاتِ معاً. في قاعاتِ جامعاتِها، كتبتُ أطروحتي، وشرعتُ أرسمُ ملامحَ رجلٍ قررَ ألا يستسلمَ للغيابِ. إن لم تكنْ ثمّةَ أرضٌ تثبُتُ فيها القدمُ، فلتُزرعِ الجذورُ في الكتبِ. كانت مقاومةً بالمعرفةِ.

ثم العودةُ منتصفَ الثمانينات لِأعملَ في “العراق الحبيبِ” عقداً كاملاً، قبل أن يأتيَ القرارُ الأثقلُ: الهجرةُ. ذلك الجرحُ النازفُ الذي لم تندملْهُ كلُّ المدنِ التي منحتني أسماءً مؤقتةً، كأنما تُخاطبُ غريباً.

ثم جاءت العودةُ المؤقتةُ، امتحاناً للضميرِ لا منصباً: أميناً للعاصمةِ الجريحةِ، بغدادَ. سعيتُ بين ركامِها، أبحثُ عن بصيصِ نظامٍ في قلبِ الفوضى، وعن معنى في زمنٍ أضاعَ معناه. تعلّمتُ أن الألغامَ لا تُزرعُ تحتَ الطرقِ وحدَها، بل وتُختبئُ تحتَ كلِّ فكرةٍ نبيلةٍ. مشيتُ على حافةِ الهاويةِ، حاملاً أملَ إعادةِ البناءِ في مدينةٍ تتنازعُها النيرانُ.

ثم كانت الهجرةُ الأخيرةُ إلى كندا، الأرضِ التي تمنحُكَ حقَّ البدءِ من جديدٍ، دونَ أن تسألَكَ: “مَن كنتَ؟”. عدتُ إلى حُبِّي الأولِ: القاعاتِ الدراسيةِ. أستاذاً جامعياً بين تورونتو والإماراتِ وباريسَ نفسِها، أنقلُ ما تعلّمتهُ لأجيالٍ من المهندسينَ. ألمحُ في عيونِهم شررَ طموحي القديمِ، فأضعُ بين أيديهم أدواتَ الحلمِ والتفكيرِ الحرِّ، كما وضعَها أساتذتي بين يديَّ ذاتَ يومٍ. دورةُ الحياةِ تكتملُ: من التلمذةِ إلى التعليمِ.

واليومَ، في هدوءِ هذا الصباحِ وأنا أخطو خطواتي في العقدِ السابعِ، لا يملؤني ندمٌ على ما فاتَ، ولا رغبةٌ في التفاخرِ بما أنجزتُ. يملؤني شيءٌ أعمقُ: **الرضا**. أدركتُ أن العمرَ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بعددِ السنواتِ، بل **بكثافةِ التجربةِ وصدقِ المعنى** الذي نعيشُ من أجلهِ. لقد عشتُ بصدقٍ.

فيا زماني، كُنْ هادئاً فيما تبقى من رحلتِنا معاً. لم أعدْ أسعى وراءَ مجدٍ يتبخّرُ، بل أبتغي **وضوحاً** يثبُتُ. لا أريدُ طريقاً طويلاً يتعثّرُ فيه السائرُ، بل أريدُ طريقاً واحداً: **طريقاً يُشبهني**.

نشرت على مدونتي الشخصية

عندما كانت المدن تُحاك بِخيوط الذهب: مجلس الإعمار العراقي ودروس التاريخ المنسيّة

في زمنٍ كان العراقُ ينسج فيه أحلامه بخيطٍ من ذهب، وتحديداً في مطلع خمسينيات القرن العشرين، انبثقت إرادةٌ وطنيةٌ فريدة لتحويل الرؤى إلى واقع. لم تكن مجرد خططٍ عابرة، بل مشروعاً حضارياً وُلد من رحم التخطيط العقلاني والرؤية البعيدة، حمل اسم “مجلس الإعمار “. مؤسسةٌ استثنائية، جمعت بين الاستقلالية والصلاحيات الواسعة، واختزنت في صندوقها عائدات النفط كوقودٍ لنهضةٍ شاملة، تلامس البنى التحتية، والتعليم، والصناعة، وحتى تفاصيل الحياة اليومية للإنسان العراقي.

ولم تكُن العقول المحلية وحدها من صاغ هذه الرؤية، بل امتدت الأيدي عبر المحيطات. ففي شباط ١٩٥١، قدمت لجنةٌ من خبراء البنك الدولي، كأنها فرقة مستكشفين لِعالمٍ مجهول، حاملين معهم أدوات الاقتصاد والزراعة والتعليم. أربعةُ أشهرٍ من الغوص في تفاصيل الأرض بين النهرين، أنتجت تقريراً مفصّلاً كخريطة كنز، داعياً لإنشاء هيكلٍ تنمويٍّ موازٍ، يُدار بعيداً عن متاهات السياسة، ويُشرف عليه العقلاء لا الطارئون.

وتركزت أهداف المجلس بالدرجة الأساس على النهوض بالواقع العمراني، الاقتصادي والصناعي في العراق، ورفع مستوى معيشة الشعب من خلال الوظائف وفرص العمل إلى ستوفرها المشاريع المنجزة ، ووضع منهاج تنفيذ للمشاريع المتعددة، مع تقديم تقرير سنوي حول ما تم إعماره والمقترحات للمشاريع الجديدة. وقد تمكن هذا المجلس من إنجاز مشاريع تنموية وخدمية كبيرة لا يزال العراق يحتفظ بقسم كبير منها مثل: ( مشروع سد وبحيرة الثرثار، سدة الرمادي وبحيرة الحبانية، مشروعي سد دوكان و سد دربنديخان، جسور في وبغداد والموصل ومختلف مدن العراق–– معامل ومصانع للأسمنت والسكر والنسيج والنفط والغاز ومحطات للطاقة الكهربائية– إنشاء الطرق البرية وسكك الحديد ،إضافة الى مشاريع الإسكان …الخ) . وقد توزعت تلك المشاريع على جميع محافظات العراق تقريبا. غير أنه ومن المؤسف أن نشاط المجلس ومهامه تراجعت بعد عام 1958م . أخذين بنظر الاعتبار إن الكثير من المشاريع التي أنجزتها ثورة 14 تموز هي من تخطيط مجلس الإعمار ،وسيأتي ذكرها لاحقا .

في عام ١٩٥٤، قرر مجلس الإعمار أن يخطّط ليس للحجر، بل للإنسان. فاستدعى “قسطنطين دوكسيادس”، المهندس اليوناني الذي أعاد بناء مدنٍ مزّقتها الحرب العالمية الثانية، حاملاً فلسفته “الإيكستيكولوجيا” – ذلك الفن الذي يدمج الإنسان مع المكان في تناغمٍ ساحر. لم يكتفِ دوكسيادس بدراسة الخرائط من خلف الطاولات، بل جاب العراق من أقصى الشمال إلى الجنوب، كأنه باحثٌ عن سرٍ قديم. درسَ لغة الرياح، وحكايات التربة، ورقصات الظل تحت شمس الصيف، وهمسات النساء في أزقة بغداد والموصل، اللواتي حوّلنَ الأزقة إلى صالوناتٍ للقاء اليومي.

هنا، لم يكن السكن مجرد جدرانٍ تُبنى، بل ذاكرةٌ تُخلَق. صمّم “ساحات الدردشة” – مساحاتٌ خلف المنازل تفيض بالحياة: مقاعدُ تروي حكايات الأمس، ونوافيرُ تُغنّي لأطفال الغد، وحدائقُ صغيرةٌ تُعلّم الطبيعة أن تكون شريكةً في الحياة. كانت خطة مجلس الإعمار أن يُنشئ ٤٠٠ ألف وحدة سكنية، تحمل في تفاصيلها برودة الصيف دون مكيّفات، ودفء الشتاء دون مدافئ، وكأنها سيمفونيةٌ معماريةٌ صمّمت لتبقى.

لكنّ الأقدار السياسية، التي لا تعرفُ إيقاع السيمفونيات، قطعت الخيطَ الذهبيَّ فجأة. فبعد انقلاب ١٩٥٨، أُغلِق ملف مجلس الإعمار كأنه فصلٌ من روايةٍ لم يُكتب نهايته. تحوّل الحلمُ المدروس إلى توزيع عشوائي لقطع أراضٍ صغيرة، بلا روحٍ أو تخطيط، كأنها رقعٌ على جسدٍ ممزق. سقطت “ساحات الدردشة” تحت أقدام الشعارات الثورية، وغابت حكمة الخبراء خلف صخب الهتافات.

التاريخُ يعيد نفسه، لكن بأزياء مختلفة. فما حدث في بغداد، تكرّر في موسكو وواشنطن؛ حيثُ غاب العقلاء فجفّت بحار، وانهارت مشاريع إسكانٍ تحوّلت إلى كوابيس. مأساة “بريت-آيغو” في أمريكا، وجفاف “بحر آرال” في آسيا الوسطى، شاهدان على أن الطبيعة تُنتقم عندما يُهمل صوت العلم.

اليوم، وبينما تُعاد كتابة تاريخ العراق بأحرفٍ من دمٍ وأمل، تبقى تجربة مجلس الإعمار مرآةً تُظهر أن النهضةَ لا تُصنع بالمال وحده، بل بالحكمة التي تجعل من التخطيط فناً، ومن المدينة بيتاً للذاكرة الجميلة. لقد ضاعت فرصةُ تلك الحقبة الذهبية، لكنّ دروسها باقية: فالأوطان تُبنى عندما يُمسك المهندس باليد التي تحمل القلم، لا التي تحمل السلاح.