خاطرة الجمعةقراءة في الخطاب الترامبي وتأثيره على النظام الدولي
خاطرة الجمعة
قراءة في الخطاب الترامبي وتأثيره على النظام الدولي
د. علاء محمود التميمي
حزيران ٢٠٢٦
في عالم العلاقات الدولية، اعتادت الدول أن تخفي خلافاتها خلف لغة دبلوماسية محسوبة، حتى في أشد لحظات التوتر والصراع. غير أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور أسلوب سياسي مختلف، يعتمد على الصدمة والمواجهة المباشرة واستخدام لغة أقرب إلى عالم الأعمال والعقارات منها إلى لغة السياسة التقليدية.
فماذا يحدث عندما يتحدث رئيس دولة عظمى عن دول ذات سيادة كما لو كانت أصولاً قابلة للشراء أو مناطق يمكن ضمها أو الضغط عليها لتحقيق مكاسب سياسية؟ وهل تمثل هذه التصريحات مجرد أسلوب شخصي، أم أنها تعكس تحولاً أعمق في فهم القوة والعلاقات الدولية؟
هذا المقال لا يستعرض التصريحات المثيرة للجدل فحسب، بل يحاول فهم دلالاتها وتأثيرها على النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
كندا: عندما تصبح دولة مستقلة “الولاية الحادية والخمسين”
من أكثر التصريحات إثارة للجدل تلك التي تناولت كندا بوصفها “الولاية الحادية والخمسين”. قد يبدو الأمر للبعض مجرد مزحة سياسية أو مبالغة خطابية، لكنه بالنسبة للكنديين يمس جوهر هويتهم الوطنية واستقلالهم السياسي.
فكندا ليست مجرد جار للولايات المتحدة، بل دولة ذات تاريخ ومؤسسات وسياسات مستقلة، وعضو فاعل في المنظمات الدولية. لذلك أثارت مثل هذه التصريحات نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية الكندية حول أهمية تعزيز الاستقلال الاستراتيجي وتنويع العلاقات الاقتصادية والأمنية بعيداً عن الاعتماد المفرط على واشنطن.
وهكذا يتحول المزاح السياسي أحياناً إلى عامل يدفع الدول إلى إعادة التفكير في موقعها داخل النظام الدولي.
جرينلاند: الجزيرة التي تحولت إلى عقار سياسي
في أوروبا، أثارت فكرة شراء جرينلاند الكثير من الاستغراب. فالجزيرة، رغم موقعها الجغرافي البعيد، تشكل جزءاً من المملكة الدنماركية وتتمتع بأهمية استراتيجية متزايدة بسبب موقعها في القطب الشمالي وثرواتها الطبيعية المحتملة.
عندما تُطرح فكرة شراء منطقة بهذا الحجم وكأنها صفقة عقارية، فإنها تعكس رؤية مختلفة للعلاقات الدولية، رؤية تنظر إلى الجغرافيا من منظور المنفعة والمصلحة المباشرة.
وقد أظهرت ردود الفعل الأوروبية أن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة ليسوا مستعدين دائماً لقبول مثل هذا المنطق، حتى عندما يصدر عن أقوى دولة في العالم.
إيران: من الصراع السياسي إلى لغة الإلغاء
في الشرق الأوسط، تزداد حساسية الخطاب عندما يتعلق الأمر بإيران. فالخلافات السياسية والأمنية بين واشنطن وطهران تمتد لعقود طويلة، لكن استخدام تعبيرات تتحدث عن “محو” دولة أو حضارة كاملة يرفع مستوى التوتر إلى درجة مختلفة.
فإيران ليست مجرد نظام سياسي محل خلاف، بل دولة يزيد عدد سكانها على ثمانين مليون نسمة وتمتلك تاريخاً حضارياً يمتد لآلاف السنين. وعندما تتحول اللغة السياسية إلى لغة الإلغاء الوجودي، فإنها تثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل الاستقرار الإقليمي.
كما أن التوترات التي رافقت العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة أعطت لهذه التصريحات أبعاداً تتجاوز الجانب الإعلامي، لتصبح جزءاً من معادلة الردع والضغط النفسي المتبادل.
سلطنة عمان:
وفي السياق نفسه، أثارت بعض التصريحات المتعلقة بسلطنة عُمان وتدميرها استغراب المراقبين، خاصة أن السلطنة عُرفت تاريخياً بدورها الوسيط في النزاعات الإقليمية وسعيها إلى الحفاظ على قنوات الحوار بين الأطراف المتخاصمة ولها علاقات دبلوماسية مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1833 حيث تم توقيع معاهدة الصداقة والتجارة بين السلطان سعيد بن سلطان والولايات المتحدة في مسقط، وهي أول اتفاقية رسمية بين الولايات المتحدة ودولة عربية . ويُعد هذا التاريخ بداية العلاقات الرسمية بين البلدين.
الهند: عندما تُختزل أمة في وصف مهين
في آسيا، أثارت بعض الأوصاف السلبية التي طالت الهند ردود فعل غاضبة، ليس فقط من الحكومة الهندية بل من قطاعات واسعة من الرأي العام.
فالهند اليوم ليست مجرد دولة نامية، بل قوة اقتصادية وتكنولوجية صاعدة، وموطن لأكثر من مليار وأربعمائة مليون إنسان. لذلك فإن استخدام أوصاف مهينة لا يُنظر إليه على أنه انتقاد سياسي عابر، بل باعتباره تقليلاً من شأن شعب كامل وتاريخه ومكانته الدولية.
وقد جاء الرد الهندي حازماً من خلال التأكيد على أن مثل هذه اللغة لا تنسجم مع العلاقات بين الدول الصديقة ولا تعكس فهماً دقيقاً للواقع الهندي المعاصر.
فنزويلا: النفط بين السيادة والمصلحة
أما في أمريكا اللاتينية، فقد أعادت التصريحات المتعلقة بالنفط الفنزويلي إلى الأذهان تاريخاً طويلاً من الصراعات حول الموارد الطبيعية ودور القوى الكبرى في مناطق النفوذ التقليدية.
فعندما يُنظر إلى ثروات دولة ما باعتبارها جزءاً من المصالح الحيوية لقوة عظمى، يبرز سؤال قديم يتجدد باستمرار: أين ينتهي حق الدولة في حماية مصالحها، وأين يبدأ حق الشعوب في السيطرة على مواردها؟
هذا الجدل ليس جديداً، لكنه يكتسب زخماً إضافياً عندما يُطرح بلغة مباشرة وصريحة تتجاوز الأعراف الدبلوماسية المعتادة.
لماذا يستخدم ترامب هذا الخطاب؟
لفهم هذه الظاهرة، لا يكفي التركيز على التصريحات نفسها، بل يجب النظر إلى الجمهور الذي تستهدفه والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها.
ففي الداخل الأمريكي، يجد كثير من الناخبين في هذا الأسلوب صورة “الرجل القوي” الذي لا يخشى الصدام ويتحدث بلغة بسيطة ومباشرة. ومن هنا تتحول التصريحات الصادمة إلى أداة تعبئة سياسية فعالة.
ومن زاوية أخرى، يرى بعض المحللين أن هذه اللغة تمثل أسلوباً تفاوضياً يقوم على رفع سقف المطالب إلى أقصى درجة ممكنة قبل الدخول في عملية المساومة. فالمطالبة بالمستحيل قد تجعل التنازل اللاحق يبدو معقولاً أو مقبولاً.
لكن المشكلة الأعمق تكمن في أن تكرار هذا النمط من الخطاب قد يؤدي تدريجياً إلى إضعاف قواعد النظام الدولي القائمة على احترام السيادة وعدم التهديد بالقوة. وعندما تتراجع هذه القواعد، تصبح العلاقات الدولية أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ.
العالم بعد الخطاب الصادم
ربما يكون التأثير الأهم لهذه التصريحات ليس ما تحققه من مكاسب سياسية آنية، بل ما تدفع الدول الأخرى إلى فعله استجابة لها.
فقد بدأت دول عديدة، بما فيها حلفاء تقليديون للولايات المتحدة، في التفكير بجدية أكبر في تنويع شراكاتها الاقتصادية والأمنية وتقليل اعتمادها على مركز واحد للقوة الدولية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل سيعود العالم مستقبلاً إلى دبلوماسية تقوم على الاحترام المتبادل واللغة المتزنة، أم أننا ندخل مرحلة جديدة تصبح فيها القوة والخطاب الصادم جزءاً طبيعياً من المشهد السياسي العالمي؟
الإجابة لم تتضح بعد. لكن المؤكد أن الكلمات التي تصدر عن قادة الدول الكبرى لم تعد مجرد تصريحات عابرة، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل الثقة والتحالفات وتوازنات القوة في العالم.
وفي هذا المعنى، قد يكون الإرث الحقيقي لهذا الخطاب ليس ما قاله
بل ما دفع الآخرين إلى التفكير في فعله.
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميمي
بوابة العبور نحو الخلود
خاطرة الجمعة
بوابة العبور نحو الخلود
د.علاء محمود التميمي
مايس ٢٠٢٦
ثمة أحاديث نبوية لا تُقرأ بوصفها موعظة دينية فحسب، بل بوصفها كشفاً عميقاً لمعنى الوجود الإنساني ذاته.
ومن بينها حديث الرسول (ص):
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
في ظاهره، يتحدث الحديث عن استمرار الثواب بعد الموت، لكنه في جوهره يطرح سؤالاً أكثر عمقاً:
هل ينتهي الإنسان حقاً حين يتوقف قلبه؟
فالإنسان ليس مجرد جسد يعبر الزمن ثم يختفي، بل هو أثرٌ ممتدّ في العالم.
نحن نعيش داخل الآخرين أكثر مما نعيش داخل أنفسنا.
فكرة نزرعها، كلمة نواسي بها قلباً منكسرًا، معرفة نمنحها لتلميذ، قيمة نغرسها في ابن أو صديق… كل ذلك يتحول مع الزمن إلى جزء من حركة الحياة نفسها.
ولهذا، فإن الحديث لا يحتفي بما يملكه الإنسان، بل بما يتركه خلفه.
فالمال ينتهي، والمناصب تتبدد، والأسماء تبهت فوق الجدران، لكن ما يدخل في نسيج الحياة الإنسانية يبقى قادراً على مقاومة الفناء.
الصدقة الجارية هنا ليست مجرد عمل خيري، بل فلسفة كاملة عن العلاقة بين الإنسان والزمن؛
أن يتحول فعل صغير قام به شخص عابر إلى نهر منفعة يستمر بعد غيابه.
وكأن الإنسان يستطيع، عبر الخير، أن يهزم محدودية عمره.
أما العلم النافع، فهو الشكل الأرقى لخلود العقل.
فالكتب، والأفكار، والمعرفة، ليست أوراقاً جامدة، بل أجزاء من الروح البشرية وهي تواصل رحلتها عبر الأجيال.
كل عالم أو مفكر أو معلم يترك شيئاً من وعيه في عقول من بعده، وكأنه يرفض أن يموت بالكامل.
ثم تأتي العبارة الأكثر إنسانية ودفئاً:
«ولد صالح يدعو له».
ففي النهاية، لا يحتاج الإنسان بعد موته إلى ضجيج العالم، بل إلى قلب صادق يتذكره بمحبة.
ربما لهذا السبب، فإن أعظم انتصار للإنسان ليس أن يُخشى أو يُصفَّق له، بل أن يُحَبّ بصدق بعد غيابه.
إن هذا الحديث يعيد تعريف النجاح بطريقة مختلفة تماماً عن عصرنا الحديث.
فنحن نعيش زمناً يقيس الإنسان بما يملك، بينما يقيسه هذا الحديث بما يتركه من أثر.
العالم الحديث يطارد الإنجاز السريع والصورة العابرة، أما هذا المعنى النبوي فيدعو الإنسان لأن يفكر فيما سيبقى منه حين يسقط كل شيء آخر.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي:
كم سنة عشنا؟
بل:
أي جزء منا سيواصل الحياة بعد أن نرحل؟
نشرت في مدونة الدكتور علاء محمود التميميً
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
خاطرة الجمعة —
إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ
د. علاء محمود التميمي
مايس ٢٠٢٦
قف لحظةً أمام هذه الآية، ولا تتعجَّل.
لا تقرأها كما تقرأ خبراً عابراً، أو تمرّ بها كما تمرّ بسطرٍ في كتاب. بل قِفْ، وأصغِ إلى ما تقوله لك في صمتها قبل أن تقوله في كلماتها.
(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)
آيةٌ واحدة، لكنها تحمل في طيّاتها تصوُّراً كاملاً للإنسان، وللعلم، وللعلاقة الخفيّة بين المعرفة والروح.
حين تتكلم الحركاتُ قبل الكلمات
اللغةُ العربية لغةٌ لا تُشبه سواها. فيها من الدقة ما يجعل الضمةَ الواحدة تحمل عقيدةً بأسرها، والفتحةَ في موضعها تقلب المعنى رأساً على عقب. وليس هذا مبالغةً في وصف اللسان، بل هو ما تشهد به هذه الآية شهادةً جليّة.
“اللَّهَ” — جاء منصوباً، مفعولاً به مقدَّماً. لأن الجلالة لا تكون إلا محلَّ الخشية، لا مصدرَها. هو المَخشيُّ، وليس الخاشي.
“الْعُلَمَاءُ” — جاء مرفوعاً، فاعلاً مؤخَّراً. لأنهم — وحدهم — بلغوا من المعرفة ما يجعلهم يخشون حقَّ الخشية.
وفي هذا التقديم والتأخير حكمةٌ تتجاوز النحو إلى العقيدة ذاتها: قدَّم المفعولَ تعظيماً لله، وأخَّر الفاعلَ تشريفاً للعلماء. كأن الآية تقول بلسانٍ غير لسان الكلمات: الله أولاً، والعلماء خيرُ من عرفوه.
الخوف والخشية.. هل هما واحد؟
كثيرٌ من الناس يستخدمون الكلمتين بالتبادل، وهذا خطأٌ لطيفٌ يستحق الوقوف عنده.
الخوفُ انفعالٌ غريزي. يولده المجهول، ويغذّيه الظلام، وقد يسكن قلبَ الجاهل قبل العالِم. أما الخشيةُ فهي شيءٌ آخر تماماً؛ إنها الخوفُ المقرون بالبصيرة. إنها ما يسكن قلبَ مَن رأى فعَلِم، ومن عَلِم فأيقن، ومن أيقن فخشع.
الخوفُ قد تشعر به في الغرفة المظلمة. أما الخشيةُ فتشعر بها حين تقف تحت سماءٍ مفتوحة، وترى الكون في اتساعه وأنت في صِغَرك، فلا تملك إلا أن تنكسر.
ولهذا — بالضبط — خصَّ اللهُ العلماءَ بهذا الوصف. لأن الخشية الحقيقية لا تُورَث ولا تُوهَب، بل تُكتسَب بالنظر والتأمل والمعرفة المتراكمة جيلاً بعد جيل. فمَن أمضى عمره يدرس عظمةَ الكون وبديعَ صنعه — اختلافَ الألوان، وتنوعَ الثمرات، وتباينَ الألسنة والوجوه كما أشارت إليه الآياتُ السابقة لهذه الآية في سورة فاطر — لم يسَعْه في النهاية إلا أن تتملَّكه الهيبة. ليس هيبةَ المكره، بل هيبةَ العارف الذي يرى.
أيُّ عالِمٍ يعنيه القرآن؟
هنا يقف كثيرون حيارى: هل العلماء الذين تعنيهم الآية هم علماءُ الدين وحدهم؟
والجواب — الذي يشهد له سياق الآيات والمنطق معاً — أوسعُ من ذلك.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: “إنما يخشاه حقَّ خشيته العلماءُ العارفون به” — فجمع بين العلم والمعرفة، ولم يقيِّد العلمَ بنوع بعينه. وكأنه يقول: المعيارُ ليس التخصص، بل الأثر. هل أوصلك علمُك إلى الله، أم أبعدك عنه؟
فالفقيهُ الذي يتدبّر النصوص عالِم. والفيلسوفُ الذي يُمحِّص الأفكار ويبحث عن الحقيقة عالِم. وعالِمُ الفلك الذي يرصد ما بين المجرّات بمنظاره، والطبيبُ الذي يُبحر في أعماق الخلية الحية وأسرار الجينات — هؤلاء كلُّهم يقف أمامهم بابُ الخشية مفتوحاً، إن أرادوا الدخول.
وفي المقابل، قد يحفظ المرءُ الكتبَ ويُتقن العلوم وتكون معرفتُه حجاباً لا نوراً، حين تنتهي عند حدود الصفحة ولا تبلغ القلب. وهذا هو التحذير الضمني الذي تحمله الآية في ثناياها.
العالِم.. أمانةٌ لا لقب
إذا كانت الخشيةُ ثمرةَ العلم، فإن العلماء هم أُمناءُ هذه الثمرة وحُرَّاسها. وما أحوجَ الأممَ إلى علمائها في ساعات الغفلة، حين يعلو صوتُ الجاهل ويخفت همسُ العارف.
العالِمُ الحقيقي ليس من حفظ وأتقن فحسب. بل هو من أضاءت معرفتُه قلبَه قبل عقله. الذي يرى في كل ظاهرة كونية آيةً، وفي كل دقيقةٍ من دقائق الخلق برهاناً. ذلك هو العالِم الذي عنته الآية، وذلك هو الإنسان الذي تحتاجه الأمة.
وبين أيدينا اليوم علومٌ لم يحلم بها الأوّلون؛ نقرأ في بنية الكون وأعماق البحار وشيفرات الحياة. فإن لم تُثمر هذه العلوم خشيةً وتواضعاً وإحساساً بالعظمة — فأيُّ علمٍ هذا؟ وأيُّ عالِمٍ يكون صاحبُه؟
ختاماً
في هذه الآية رسالةٌ للعلماء قبل أن تكون مدحاً لهم.
تقول لهم: شرفُكم مشروطٌ بخشيتكم. وخشيتُكم دليلُ علمكم. فمن تعلَّم ولم يخشَ، فلم يبلغ بعدُ حقيقةَ العلم. ومن خشيَ بغير علم، فخشيتُه ناقصة.
والمقياسُ في النهاية ليس الشهادات، ولا المناصب، ولا كثرة الكلام — بل تلك الرعشةُ الداخلية التي تنتاب القلبَ حين يقف أمام عظمة الله عارفاً، متأملاً، مستيقناً. تلك الرعشةُ التي لا تزوِّرها الألقاب ولا تصطنعها الخطب.
وإن سألتَ عن علامة العالِم الحقيقي، فانظر إلى قلبه حين يكون وحده — لا حين يكون على المنابر.
فاللهم زِدنا علماً يورثنا خشيتك، وخشيةً تُقرِّبنا من رحمتك.
هل انتهى عصر “الاحتكار الغربي” للابتكار؟
خاطرة الجمعة
هل انتهى عصر “الاحتكار الغربي” للابتكار؟
الدكتور علاء محمود التميمي
مايس ٢٠٢٦
على مدار القرنين الماضيين، تعودنا على رؤية خريطة الابتكار في العالم تبدأ من لندن وتنتهي في سان فرانسيسكو. المحرك البخاري، التلغراف، الإنترنت، وصولاً إلى هواتفنا الذكية؛ كلها كانت تحمل ختم “صنع في الغرب”. وبسبب هذا التاريخ الطويل، أصبحنا نعتقد أن التفوق الغربي هو القاعدة الثابتة للعالم، لكن الحقيقة التي تكشفها الأرقام اليوم تقول عكس ذلك تماماً: نحن لا نعيش “صعود” آسيا والشرق بل نعيش “عودتهما” مكانهما الطبيعي.
نهاية “الاستثناء” التاريخي
إذا نظرنا إلى تاريخ البشرية المسجل، سنجد أن آسيا كانت دائماً هي المحرك الاقتصادي للعالم. في عام 1820 –أي قبل وقت ليس بالبعيد– كانت الصين والهند وحدهما تنتجان نصف ما يستهلكه العالم أجمع. كما أن أعظم اختراعات ما قبل العصر الصناعي، مثل الورق والطباعة والبوصلة والبارود، لم تولد في أوروبا، بل خرجت من قلب الحضارات الآسيوية.
لذا، فإن الهيمنة الغربية التي استمرت لـ 250 عاماً كانت مجرد “استثناء” أو طفرة تاريخية مدعومة بالثورة الصناعية. وما نشهده الآن ليس إلا نهاية هذا الاستثناء وعودة الأمور إلى نصابها.
أرقام لا تكذب: من الرقائق إلى السيارات الكهربائية
الأدلة اليوم لم تعد مجرد نظريات، بل هي واقع نلمسه في حياتنا اليومية:
عصب التكنولوجيا: شركة **TSMC** في تايوان تصنع اليوم أشباه الموصلات الأكثر تقدماً في العالم. وبدون هذه الرقائق الصغيرة، ستتوقف كل الهواتف الذكية، وخوادم الذكاء الاصطناعي، وحتى الطائرات المقاتلة.
ثورة الطاقة: بينما يتحدث العالم عن السيارات الكهربائية، نجد أن شركة صينية مثل **CATL** (التي قد لا يعرف الكثيرون اسمها) تسيطر على ثلث سوق البطاريات العالمي. إنها الشركة التي توفر الطاقة للقرن القادم.
مفاجأة الذكاء الاصطناعي: كان الاعتقاد السائد أن الغرب سيبقى متصدراً في الذكاء الاصطناعي بفضل السيطرة على التقنيات المعقدة، لكن مطلع عام 2025 حمل صدمة للجميع؛ حيث ظهر نموذج صيني يسمى **DeepSeek**، استطاع منافسة أفضل الأنظمة الأمريكية بجزء بسيط من التكلفة، مما أثبت أن القيود التجارية لن تمنع العقول الآسيوية من الابتكار.
هل انتهى دور الغرب؟
بالطبع لا. لا يعني هذا التحول أن الغرب قد خرج من السباق؛ فما تزال الولايات المتحدة تقود العالم في تصميم البرامج المعقدة، وتمتلك أفضل الجامعات التي تجذب العقول من كل مكان، كما يظل “الدولار” هو العمود الفقري للنظام المالي.
لكن الفرق الجوهري هو أن “الاحتكار” قد انتهى. لسنوات طويلة، كان الغرب يمتلك كل شيء: التصميم، التصنيع، التمويل، والأسواق. اليوم، انتقلت مفاتيح التصنيع والتطوير إلى آسيا، وبدأت الفجوات تتقلص بسرعة مذهلة.
نحو عالم “متعدد الأقطاب
الحقيقة الأعمق التي يجب أن نستوعبها هي أن زمن “المركز الواحد” للعالم قد انتهى. لن تعود القوة محصورة في لندن أو نيويورك أو وادي السيليكون وحده. نحن ندخل عصراً تكنولوجياً متعدد الأقطاب، يتوزع فيه الابتكار بين الشرق والغرب.
هذا المشهد الجديد ليس غريباً؛ بل هو العودة للقاعدة التي عاشتها البشرية لمعظم تاريخها. العالم ببساطة.يعود إلى الشرق اصل الحضارة .
نشرت في مدونة الدكتور علاء التميمي
www.altamimialaablo
خاطرة الجمعة :اثر لا يغيب: حين تكلّم العرب بلغة السماء والأرقام.
ارث لا يشيخ: حين تكلّم العرب بلغة النجوم والعقل
د. م. علاء محمود التميمي
بغداد: حين أصبحت المدينة عقلًا للعالم
في القرن التاسع الميلادي، لم تكن بغداد مجرد عاصمة لإمبراطورية مترامية الأطراف، بل كانت أعظم ورشةٍ معرفية عرفها العالم آنذاك.
داخل بيت الحكمة، حيث اختلطت اللغات والثقافات والأديان، اجتمع المترجمون والفلاسفة والرياضيون والفلكيون لصياغة مشروع إنساني نادر: تحويل المعرفة إلى قوة حضارية.
هناك، لم يكن العلم ترفًا فكريًا، بل جزءًا من بناء الدولة والمجتمع والمدينة.
فالمدينة العباسية لم تُشَيَّد بالحجارة وحدها، بل بالعقل أيضًا.
حين اكتشف العالم معنى الصفر
في ذلك المناخ الاستثنائي، ظهر محمد بن موسى الخوارزمي، الرجل الذي غيّر طريقة تفكير البشرية.
لم يقدّم الصفر كرمز رياضي فحسب، بل فتح الباب أمام عالم الحساب الحديث، والحوسبة، والذكاء الاصطناعي الذي نعيشه اليوم.
ومن الجبر، الذي اشتُق اسمه من كتابه الشهير، وُلدت لغة المعادلات التي تنظّم الاقتصاد والهندسة والفيزياء الحديثة.
إن العالم الرقمي الذي نستخدمه اليوم، بكل شاشاته وأقماره الصناعية وخوارزمياته، يقف بصورة غير مباشرة على أكتاف ذلك الإرث العباسي.
الرياضيات كفنّ حضاري
في الحضارة الإسلامية، لم تكن الرياضيات مجرد أرقام جامدة، بل كانت لغةً للجمال والنظام الكوني.
ولهذا تحولت الهندسة إلى فن بصري مذهل في العمارة الإسلامية، من أقواس قرطبة إلى زخارف سمرقند وقباب أصفهان.
لقد فهم المعماري المسلم أن التناسق الرياضي ليس مجرد تقنية بناء، بل انعكاس لفكرة أعمق:
أن الكون نفسه قائم على نظام وانسجام.
التوقيع العربي على جبين السماء
وحين ننظر اليوم إلى السماء، فإننا نقرأ، دون أن نشعر، صفحات من الذاكرة العربية الإسلامية.
فأسماء مثل:
-
Rigel (رجل الجوزاء)
-
Aldebaran (الدبران)
-
Altair (النسر الطائر)
-
Vega (النسر الواقع)
-
Fomalhaut (فم الحوت)
ليست مجرد مصطلحات فلكية، بل شواهد حيّة على زمنٍ كان فيه علماء بغداد ودمشق وقرطبة يرسمون خرائط السماء بينما كانت أجزاء واسعة من العالم ما تزال غارقة في العصور المظلمة.
لماذا تراجعنا؟
السؤال الحقيقي ليس كيف ازدهرنا، بل لماذا انطفأت تلك الشعلة؟
فالحضارات لا تموت بسبب الفقر وحده، بل عندما تفقد احترامها للعقل الحر، وللعلم، وللمؤسسات التي تحمي المعرفة.
لقد كانت بغداد عظيمة لأنها احتضنت التنوع، وشجّعت الترجمة، وفتحت أبوابها للفكر المختلف.
وحين ضاقت مساحة الحرية، بدأ التراجع الطويل.
هل يمكن أن يعود الضوء؟
التاريخ لا يعود كما كان، لكن الأمم تستطيع أن تستعيد روحها.
ولعل أعظم درس تقدمه لنا بغداد العباسية ليس في أمجادها الماضية، بل في فكرتها الجوهرية:
أن الحضارة تبدأ حين يتحول العقل إلى قيمة عليا.
فهل نستطيع اليوم أن نستعيد لغة النجوم… لا بوصفها ذكرى رومانسية، بل مشروعًا للمستقبل؟
.

ما لا يُرى… هو ما يصنعك
د. علاء محمود التميمي
مايس ٢٠٢٦
ننجذب دائماً لما هو ظاهر… لما يلمع تحت الضوء.
نصفّق للنجاح، نُعجب بالإنجاز، ونقيس الناس بما نراه في الواجهة.
لكننا نادراً ما نتوقف لنسأل: ماذا يوجد تحت السطح؟
الشجرة التي تعانق السماء، لا تفعل ذلك استعراضاً…
بل لأنها أولاً غاصت عميقاً في الأرض.
جذورها لا تُرى، لكنها هي التي تمنحها الثبات، وهي التي تُغذي كل ورقة وثمرة.
وهكذا الإنسان.
ما نراه من نجاح ليس إلا الجزء العلني من قصة طويلة:
سنوات من العمل الصامت، محاولات لم يصفق لها أحد،
وأخطاء لم يلاحظها أحد… لكنها صنعت الفارق.
المشكلة أننا نعيش زمناً يُمجد “الثمر” وينسى “الجذور”.
نريد النتائج بسرعة، ونستعجل الظهور،
دون أن نمنح أنفسنا وقت البناء الحقيقي.
لكن الحقيقة أبسط وأعمق:
كلما تعمقت جذورك في الصمت،
ارتفعت ثمارك بثقة في الضوء.
ابنِ نفسك بعيداً عن الضجيج،
واصبر على العتمة التي تسبق النور،
فما يُبنى في الخفاء… هو ما يصمد في العلن.
ليس كل ما هو مخفيٌّ ضائعاً…
بل قد يكون هو الأصل الذي يقوم عليه كل جمال.
الخُضيرة: من الجغرافيا الريفية إلى نواة حضرية قيد التشكّيل
د. علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
ليست **الخُضيرة** مجرد إحداثية عابرة على خارطة الريف العراقي، بل هي طبقة جيولوجية من الذاكرة الحية، حيث تتقاطع جغرافيا المكان بعراقة التاريخ، وتلتقي وشائج القبيلة بممرات التنوير. تمتد هذه المساحة كقلبٍ نابض بين “بلد” شمالاً و”الدجيل” غرباً، وتماسّ حدود “الخالص” جنوباً؛ لتشكل واسطة العقد في سهلٍ رسوبيٍّ صاغه دجلة بعناية، وأحياه “نهر الإسحاقي” الذي أعاد هندسة الحياة في هذه الأرض، محولاً تربتها إلى أيقونة للخصب والارتقاء.
دلالة الاسم: فلسفة الاخضرار
تستمد “الخُضيرة” اسمها من “الخَضار” الذي هو رديف الحياة في الميثولوجيا العراقية القديمة. في بيئة العراق الوسطى، حيث يحدد الماء مصير الحضارات، يصبح الاسم “وثيقة بيئية”؛ فالخضيرة هي الأرض التي استأنس فيها الماءُ الترابَ فأورق بستاناً. هي تعبير عن انتصار “السواد” (وهو الاسم التاريخي لأرض العراق لشدة خضرتها) في بقعة حافظت على نضارتها عبر الأجيال.
2. العمق التاريخي: ممر الفاتحين**
تاريخياً، تقع الخُضيرة ضمن “محور الفتح الإسلامي” الاستراتيجي في القرن الأول الهجري. يشير المؤرخون إلى أن هذا الحيز كان ممرّاً حيوياً للجيوش المنطلقة من البصرة وواسط باتجاه أعالي دجلة. لم تكن الخُضيرة مجرد نقطة عبور، بل كانت “محطة استراحة ومؤونة” بفضل انبساط أرضها ووفرة مياهها. هذا الإرث حوّل المكان من مجرد ممر عسكري إلى “نواة استقرار” حضري مبكر، حيث امتزجت دماء الفاتحين بطينة الأرض المعطاءة.
3. بنو تميم: الثبات والقيم
تمثل الخُضيرة أحد معاقل **قبيلة بني تميم**، تلك القبيلة التي وصفها الإمام علي (ع) بأنهم “هامة من هامات العرب”. في هذا الحيّز، تجلى النموذج التميمي في أبهى صوره: الانتقال من حياة البداوة والارتحال إلى “الاستقرار الزراعي” الرصين.
لم يكن حضور قبيلة تميم ديموغرافياً فحسب، بل كان حضوراً قيمياً؛ حيث أرست القبيلة منظومة “العصبية الإيجابية” التي تقوم على التكافل وإدارة الموارد (الماء والأرض) بروح الجماعة، مما جعل الخُضيرة كياناً اجتماعياً عصياً على التفتت ومثالاً للانسجام الريفي.
4. نهر الإسحاقي: شريان الحضارة**
لا يمكن فهم الخُضيرة بمعزل عن “نهر الإسحاقي”؛ هذا الشريان الذي تعود جذوره التاريخية إلى العصور العباسية (حين كُريت القنوات لتغذية سامراء وما حولها). الإسحاقي ليس مجرد قناة للري، بل هو “مهندس السكن”؛ فعلى ضفافه تشكلت القرى وتوزعت البساتين. نحن هنا أمام نمط من **”العمران النهري”**، حيث يضبط إيقاعُ النهر ساعاتِ العمل، وأنماط الملكية، وحتى الحكايات الشعبية، مما خلق اقتصاداً زراعياً متكاملاً يغذي المنطقة وما حولها.
5. المدرسة: معقل التنوير (1948)**
في عام 1948، ومع بوادر النهضة التعليمية في العهد الملكي، شُيّدت “مدرسة الخُضيرة الابتدائية”. لم تكن مجرد بناءٍ من طوب، بل كانت “بيان انتقال” من الأمية إلى المؤسساتية.
في عام 1955، كانت المدرسة قد بدأت تؤتي أكلها؛ حيث تحولت القرية من “وحدة إنتاج زراعي” إلى “حاضنة للكفاءات”. ومن رحم هذه المدرسة، خرج القادة، والمعلمون، والضباط، والأطباء الذين ساهموا في بناء الدولة العراقية الحديثة، لتتحول المدرسة إلى “أيقونة” وذاكرة جمعية توثق قصة الصعود الاجتماعي لأبناء الريف.
6. الشيخ حسن البندر: روح المبادرة**
يبرز اسم **الشيخ حسن البندر** (رحمه الله) كرمز لـ “المواطنة المسؤولة”. إن مساهمته مع وجهاء المنطقة في بناء المدرسة تمثل نموذجاً مبكراً لـ “التمويل الأهلي” والجهد التطوعي. هذه الروح تعكس حيوية المجتمع المحلي في الخُضيرة؛ فهو مجتمع لا ينتظر العطاء، بل يبادر لصناعة مستقبله والاستثمار في أغلى ما يملك: الإنسان.
7. الرؤية المستقبلية: من البلدة الواعدة إلى القضاء
بكتلة بشرية تجاوزت النصف مليون نسمة، وبنية اقتصادية واجتماعية متماسكة، تفرض الخُضيرة نفسها اليوم كمرشح طبيعي للارتقاء الإداري لتصبح قضاءً”
إن هذا التحول ليس ترفاً إدارياً، بل هو استحقاق تنموي يهدف إلى:
* توطين الخدمات وتطوير البنية التحتية.
* إيجاد جهاز إداري يواكب الثقل السكاني.
* تعزيز الهوية المحلية عبر مؤسسات رسمية تحفظ تاريخ المنطقة.
8. صون الذاكرة: نداء الترميم**
إن الدعوة لترميم واجهة “مدرسة الخُضيرة” وتوثيق تاريخها هي دعوة لصيانة “الوجدان”. فالمباني القديمة هي الأرشيف المادي الذي يربط الأجيال بجذورها. ترميم هذه المدرسة هو اعتراف بفضل الرعيل الأول، وتثبيت لسردية “الخُضيرة المعطاءة” في عقول الشباب.
خاتمة
الخُضيرة ليست مجرد هامش في الجغرافيا، بل هي “متن” عراقي بامتياز؛ كُتبت فصوله بمداد الماء وعرق الفلاحين وحكمة الشيوخ. من مسارات الفتح إلى هيبة “الإسحاقي”، تظل هذه الأرض شاهدةً على أن الهوية الأصيلة هي تلك التي تُبنى بصبر التاريخ وعزيمة الرجال.
نشرت في مدونة
الدكتور علاء محمود التميمي
ثلاثية النهوض: الحرية، المعرفة، والإيمان الأخلاقي
د. علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
لا تُبنى الأمم العظيمة بالصدفة، ولا تستقر المجتمعات الناجحة بقوة القوانين المكتوبة وحدها، بل تقوم على ركائز عميقة تمنحُ البناء صلابته ومعناه. إن المتأمل في مسارات الحضارة يجد أن **الحرية، والمعرفة، والإيمان** هي الأضلاع الثلاثة لمثلث الاستقرار الإنساني؛ فبها يتحرر الإنسان، ويستنير العقل، وينضبط السلوك.
الحرية: مناخُ الكرامة الفطرية و الغلاف الجوي الذي يتنفس فيه الإبداع؛ فهي ليست مجرد حق سياسي، بل هي ضرورة وجودية. في المجتمع الناجح، تمثل الحرية “التربة الخصبة” التي تسمح للمواهب أن تنمو وللأفكار أن تتلاقح. الإنسان الحر هو الوحيد القادر على العطاء بمسؤولية، لأنه يدرك أن قراره نابع من إرادته لا من إكراهه. إن كفالة حريات التفكير والاعتقاد والعمل هي الضمانة الأولى ضد الركود والموت السريري للمجتمعات.
المعرفة: ضوءُ العقل ومنارُ السلوك فإذا كانت الحرية هي المحرك، فإن المعرفة هي “المقود” الذي يوجهها. المعرفة هي التي تنقل المجتمع من العفوية إلى التخطيط، ومن الانفعال إلى الحكمة. المجتمع الناجح هو الذي يقدس العلم، ويجعل من البحث والتمحيص ثقافةً عامة. المعرفة هي التي تهذب الحرية، وتمنعها من الانزلاق نحو الفوضى، وهي الأداة التي نحول بها الموارد المعطلة إلى ثروات مستدامة. إنها القوة التي تمنحنا القدرة على فهم الواقع واختراقه نحو المستقبل.
الإيمان: البعد الأخلاقي والضمير الحي فحين نتحدث عن الإيمان هنا، فإننا نعني اليقين الأخلاقي الذي يتجاوز المادية الصرفة. هو الإيمان بالقيم العليا التي لا تخضع للبيع والشراء؛ الإيمان بالحق، والعدل، والصدق، والأمانة كمعايير مطلقة للوجود.
في المجتمع الناجح، يعمل الإيمان بوصفه الرقيب الداخلي أو الضمير الذي لا يحتاج إلى سلطة خارجية ليوجهه. إنه “الميثاق الأخلاقي” الذي يمنع العلم من أن يصبح أداةً للتدمير، ويمنع الحرية من أن تصبح عدواناً على الآخرين. هذا البعد الأخلاقي هو الذي يمنح المجتمع طابعه الإنساني؛ فهو الذي يدفع القوي لإنصاف الضعيف، والغني لإغاثة المحتاج، والمسؤول لإخلاص العمل. بدون هذا اليقين القيمي، يتحول المجتمع إلى غابة من المصالح المادية الجافة التي تفتقر إلى الروح والسكينة.
تلاحم الأركان: بناء الإنسان الكامل حيث إن سر النجاح يكمن في وحدة هذه الأركان وتفاعلها:
فالحرية مع المعرفة تصنع “العقل المبدع”.
والمعرفة مع الإيمان الأخلاقي تصنع “العالم الصالح”.
والإيمان الأخلاقي مع الحرية يصنع “الإنسان المسؤول”.
في الختام إننا في أمسّ الحاجة اليوم إلى إعادة صياغة مجتمعاتنا وفق هذا المنظور المتكامل. إن البناء المادي وحده لا يكفي، والحرية المنفلتة من القيم قد تقتل نفسها. إن المجتمع الذي نطمح إليه هو الذي يتحرك أفراده بعقولٍ مستنيرة (معرفة)، وبإراداتٍ طليقة (حرية)، وبقلوبٍ عامرة بالقيم والالتزام الأخلاقي (إيمان). بهذا الثالوث، نضع حجر الأساس لمستقبل لا يكتفي بالبقاء، بل يطمح للارتقاء والخلود.
نشر في مدونة الدكتور علاء التميمي
خاطرة الجمعةالعجوز والبحر… ومضيق هرمز د علاء محمود التميمي
د علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
هناك لحظات في التاريخ لا تُفهم عبر البيانات والتقارير، بل عبر الأدب. لحظات تحتاج إلى قصة، إلى استعارة، إلى رجلٍ وحيد في عرض البحر يواجه قدره.
وهنا، تعود بنا الذاكرة إلى رواية «الشيخ والبحر»—ذلك النص المكثّف الذي كتبه إرنست همنغواي، حيث لا يحدث الكثير ظاهريًا، لكن كل شيء يحدث في الداخل.
العجوز سانتياغو لا يخرج للصيد فقط.
يخرج ليختبر نفسه، ليعيد تعريف معنى القوة، ومعنى الكرامة، ومعنى الصمود.
إذا نقلنا هذه الصورة من بحر الرواية إلى واقعنا، نجد مشهدًا آخر، لا يقل كثافة:
مضيق هرمز—ليس مجرد ممر مائي، بل نقطة تختصر العالم كله.
هنا، لا تتحرك السفن فقط، بل تتحرك معها حسابات السياسة، وموازين القوة، وأعصاب الاقتصاد العالمي.
وفي هذا المسرح، يمكن أن نرى أصداء الرواية تتكرّر:
• البحر… لم يعد ماءً فقط، بل مجالًا للقوة والاختبار.
• السمكة… لم تعد كائنًا حيًا، بل خصمًا عنيدًا، يرفض أن يُختزل إلى هدف سهل.
• والعجوز… لم يعد صيادًا بسيطًا، بل إرادة سياسية تحاول أن تثبت نفسها في مواجهة واقع معقّد.
في رواية همنغواي، لم تكن السمكة مجرد صيد.
كانت خصمًا يفرض الاحترام، قوة صامتة، تُقاوم دون ضجيج، وتستنزف من يواجهها.
وهذا بالضبط ما يجعل الاستعارة مغرية:
في مضيق هرمز، ليست المواجهة دائمًا صاخبة، لكنها عميقة.
هناك صراع لا يُحسم بضربة واحدة، بل يتشكّل عبر الزمن، عبر الصبر، عبر القدرة على التحمل.
أما العجوز—ذلك الرجل الذي يرفض الاعتراف بالهزيمة—فهو أكثر الشخصيات إنسانية في الأدب الحديث.
ليس لأنه انتصر، بل لأنه استمر.
وفي عالم السياسة، نرى هذا النموذج يتكرّر:
إرادة تُراهن على القوة، على الضغط، على فرض الإيقاع.
لكن كما في الرواية، ليست المشكلة في بدء المعركة…
بل في القدرة على تحمّل نهايتها.
الدرس الذي تمنحنا إياه الرواية ليس بسيطًا، لكنه عميق:
قد تنتصر…
لكنك قد تعود بما يشبه الهيكل فقط.
في النهاية، عاد سانتياغو ومعه عظمة السمكة، لا لحمها.
انتصارٌ معنوي، وخسارةٌ مادية.
كرامة محفوظة، وثمن مدفوع.
أليس هذا ما يحدث كثيرًا في صراعات العالم؟
ما يجعل «الشيخ والبحر» رواية خالدة ليس أحداثها، بل صدقها الداخلي.
هي ليست عن البحر، بل عن الإنسان حين يُختبر.
ليست عن الصيد، بل عن المعنى.
ولهذا، حين ننظر إلى مضيق هرمز، أو إلى أي صراع معاصر، قد لا نجد في التحليل السياسي وحده ما يكفي.
نحتاج إلى همنغواي لنفهم ما لا يُقال.
ربما لهذا السبب، تبقى هذه الرواية دعوة مفتوحة:
أن نقرأ العالم…
كما لو كان قصة.
وأن نعيد قراءة القصة…
كما لو كانت العالم نفسه.
حين تصبح الحماية الأمريكية عبئًا: تأملات في حربٍ تعيد صياغة العالم
د.علاء محمود التميمي
نيسان ٢٠٢٦
في الحروب التقليدية، تُقاس النتائج بعدد الضحايا، ومساحة الخراب، وحجم الخسائر الاقتصادية. أما في الحروب التي تُخطئ في منطقها منذ البداية، فإن آثارها تمتد أبعد من ذلك بكثير؛ إذ لا تكتفي بإعادة رسم خرائط القوة، بل تُعيد تشكيل الثقة ذاتها التي يقوم عليها النظام الدولي. وهذا بالضبط ما نلمسه اليوم في تداعيات الحرب بين امريكا واسرائيل وايران المتوقفة حاليا بهدنة لمدة ١٥ يوم .
الجميع يتسائل عن تضرر دول الخليج العربية و ماذا يحدث حين تتوقف الحرب باتفاق بين امريكا وايران و تكتشف هذه الدول أن الحماية التي اعتمدت عليها لعقود قد تحولت، في لحظة ما، إلى مصدر خطر؟
على امتداد عقود، قامت معادلة الخليج على افتراض واضح: الأمن مقابل التحالف. كانت الولايات المتحدة تمثل المظلة التي تضمن الاستقرار، وتُوازن التهديدات الإقليمية، وتمنح حلفاءها هامشًا واسعًا من الطمأنينة الاستراتيجية. غير أن الحرب الأخيرة كشفت هشاشة هذه المعادلة، حين بدا أن ذات القوة التي يُفترض أن تحمي، قادرة أيضًا—بقرار واحد—على جرّ المنطقة إلى مواجهة واسعة، دون أن تكون دولها طرفًا في قرارها.
هنا يبدأ التحول الحقيقي.
فالدول لا تُعيد حساباتها بسبب الخسائر فقط، بل بسبب انكشاف الفرضيات التي قامت عليها سياساتها. والخليج اليوم، كما يبدو، يقف أمام معضلة مركبة: لا يستطيع الانفصال عن الولايات المتحدة، لكنه لم يعد قادرًا على الوثوق الكامل بها. وبين هذا وذاك، ينشأ فراغ استراتيجي بالغ الخطورة.
في مثل هذه اللحظات، لا تبحث الدول عن الحلفاء بقدر ما تبحث عن تقليل المخاطر. ولهذا، ليس من المستغرب من ناحية الواقعية السياسية أن تتجه بعض العواصم الخليجية مستقبلا إلى تخفيف التوتر مع إيران، لا بدافع التقارب الأيديولوجي، بل من باب البراغماتية الصرفة: تجنب الخسائر إذا تكررت الكارثة.
لكن المفارقة أن هذا التحول لا يعكس قوة في القرار بقدر ما يعكس ضيق الخيارات. فالعالم الذي يتشكل اليوم لا يقدم بدائل جاهزة. الصين، رغم حضورها الاقتصادي، لم تتحول بعد إلى مظلة أمنية. وأوروبا، الغارقة في أزماتها، تبدو أبعد من أن تكون شريكًا استراتيجيًا كاملاً. وهكذا تجد دول الخليج نفسها في منطقة رمادية: بين تحالف لم يعد موثوقًا بالكامل، وبدائل لم تكتمل شروطها بعد.
غير أن تداعيات هذه الحرب لا تتوقف عند حدود الخليج . فحين تنقل الولايات المتحدة خلال هذه الحرب مواردها العسكرية من اليابان وكوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط، فإنها لا تُعيد ترتيب أولوياتها فحسب، بل تُرسل رسالة ضمنية إلى حلفائها في أماكن أخرى: أن التزاماتها قابلة لإعادة التفسير وفقًا لاعتبارات اللحظة.
وهنا يبدأ التآكل البطيء في الثقة.
اليابان وكوريا الجنوبية، على سبيل المثال، قد لا تعلنان شكوكهما صراحة، لكنهما تدركان أن المظلة الأمنية—بما في ذلك النووية—لم تعد بالصلابة التي كانت تُفترض. أما أوروبا، التي تعيش أصلًا توترًا متصاعدًا مع واشنطن، فقد تجد في هذه الحرب دليلًا إضافيًا على ضرورة إعادة تعريف علاقتها عبر الأطلسي، وربما التحرر التدريجي من تبعيتها الاستراتيجية.
إنها لحظة يعاد فيها طرح سؤال قديم بصيغة جديدة:
هل يمكن لحليف أن يكون مصدر تهديد؟
في العمق، تكشف هذه الحرب عن خلل أعمق من مجرد سوء تقدير عسكري. إنها أزمة في منظومة اتخاذ القرار ذاتها. فالأدبيات الاستراتيجية، منذ عقود، تُحذر من محدودية القوة الجوية في تحقيق تغيير سياسي جذري. وتجارب التاريخ—من فيتنام إلى العراق—تؤكد أن إسقاط الأنظمة ليس عملية تقنية تُنجز بالقصف، بل معادلة معقدة تتشابك فيها السياسة والمجتمع والهوية.
ومع ذلك، جرى اتخاذ القرار وكأن هذه الحقائق غير موجودة و تصبح الحرب أقرب إلى مقامرة منها إلى استراتيجية. وهنا، لا يكون الفشل احتمالًا، بل نتيجة شبه حتمية.
ولعل من نتائج هذه الحرب ايضا أنها لا تُضعف خصمًا بعينه بقدر ما تُضعف الهيمنة الأمريكية فحين يشعر الحلفاء بالقلق، والخصوم بالجرأة، والفاعلون الدوليون بالحيرة، فإن التوازن الذي حكم العالم لعقود يبدأ في التفكك، ولو ببطء.
في مثل هذا السياق، يستعيد المرء مقولة قديمة تُنسب إلى كيسنجر:
“ليس هناك ما هو أسوأ من أن تكون عدوًا للولايات المتحدة… إلا أن تكون حليفًا لها.”
قد تبدو العبارة مبالغًا فيها، لكنها تكتسب اليوم معنى جديدًا. ليس لأن الحلف أصبح عبئًا دائمًا، بل لأنه لم يعد ضمانة مطلقة. وهذا التحول، بحد ذاته، كفيل بإعادة تشكيل سلوك الدول، وربما رسم ملامح نظام دولي جديد .
في النهاية، قد تتوقف هذه الحرب، وقد تُرمم بعض الجسور، وقد تعود الأمور ظاهريًا إلى ما كانت عليه. لكن ما انكسر في العمق—وهو الثقة—لا يُعاد بناؤه بسهولة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من ربح هذه الحرب؟
بل: أي عالمٍ سنستيقظ عليه بعدها؟
نشر المقال في مدونة الدكتور علاء التميمي